ﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬ

ويقول الحق بعد ذلك :
وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ فَتَمَّ مِيقَاتُ رَبِّهِ أَرْبَعِينَ لَيْلَةً وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( ١٤٢ ) .
وعلمنا من قبل في مسألة الأعداد أن هناك أسلوبين : الأسلوب الأول إجمالي والثاني تفصيلي ؛ فمرة يتفق التفصيل مع الإجمال، وبذلك لا توجد شبهة أو إشكال، وسبحانه في سورة البقرة يقول : وإذا وعدنا موسى أربعين ليلة ( من الآية ٥١ سورة البقرة ) : جاء بها هناك بالإجمال. ولكنه شاء هنا في سورة الأعراف ألا يأتي بها مرة واحدة مجملة. بل فصلها بثلاثين ليلة ثم أتمّها الحق بعشر أخر لمهمة سنعرفها فيما بعد، ليكون الميقات قد تم أربعين ليلة، وإذا جاء العدد مجملا مرة، ومفصلا مرة، واتفق الإجمال مع التفصيل فلا إشكال. لكن إذا اختلف الإجمال عن التفصيل فعادة يحمل التفصيل على الإجمال، لأن المفصَّل يمكن أن يتداخل ليصير إلى الإجمال.
وضربنا من قبل المثل في خلق السماء والأرض في ستة أيام، وكل آيات الخلق تأتي بخبر الستة الأيام وهي مجملة. لكنه شاء سبحانه في موضع آخر بالقرآن أن يقول : قُلْ أَئِنَّكُمْ لَتَكْفُرُونَ بِالَّذِي خَلَقَ الْأَرْضَ فِي يَوْمَيْنِ وَتَجْعَلُونَ لَهُ أَنْدَادًا ذَلِكَ رَبُّ الْعَالَمِينَ ( ٩ ) وَجَعَلَ فِيهَا رَوَاسِيَ مِنْ فَوْقِهَا وَبَارَكَ فِيهَا وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا فِي أَرْبَعَةِ أَيَّامٍ سَوَاءً لِلسَّائِلِينَ ( ١٠ ) ( سورة فصلت. )
وظاهر الأمر هنا أن المهمة قد اكتمل أمرها وخلقها في ستة أيام، لكنه قال جل وعلا بعدها : ثُمَّ اسْتَوَى إِلَى السَّمَاءِ وَهِيَ دُخَانٌ فَقَالَ لَهَا وَلِلأَرْضِ اِئْتِيَا طَوْعًا أَوْ كَرْهًا قَالَتَا أَتَيْنَا طَائِعِينَ ( ١١ ) فَقَضَاهُنَّ سَبْعَ سَمَوَاتٍ فِي يَوْمَيْنِ . ( الآية ١١ وجزء من الآية ١٢ سورة فصلت ) : وهنا نجد في موقف أيام خلق الدنيا نجد إجمالا وتفصيلا، والتفصيل يصل في ظاهر الأمر بأيام الخلق إلى ثمانية، والإجمال يحكي أنها ستة أيام فقط.
فهل هي ستة أيام أو ثمانية أيام ؟ نقول : إنها ستة أيام لأننا نستطيع أن ندخل المفصل بعضه في بعضه، فإذا قلت : سافرت من مصر إلى طنطا في ساعتين، وإلى الإسكندرية في ثلاث ساعات، فمعنى هذا القول أن الساعتين دخلتا في الثلاث ساعات : وَوَاعَدْنَا مُوسَى ثَلَاثِينَ لَيْلَةً وَأَتْمَمْنَاهَا بِعَشْرٍ : والوعد هو أن الله وعد موسى بعد أن تحدث عملية إنجاء بني إسرائيل أنه سبحانه سينزل عليه كتابا يجمع فيه كل المنهج المراد من خلق الله لتسير حركة حياتهم عليه، لكن ما إن ذهب موسى لميقات ربه حتى عبدوا العجل، في مدة الثلاثين يوما ولم يشأ الله أن يرسل موسى بعد الثلاثين يوما بل أتمها بعشر أخر حتى لا يعود موسى ويرى ما فعله قومه ؛ لأنه بعد أن عاد أمسك برأس أخيه يعنفه ويشتد عليه ويأخذ بلحيته يجره إليه إذ كيف سمح لبني إسرائيل أن يعبدوا العجل. وفي ذلك يقول الحق على لسان هارون : قَالَ يَا ابْنَ أُمَّ لَا تَأْخُذْ بِلِحْيَتِي وَلَا بِرَأْسِي إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( ٩٤ ) ( سورة طه ).
فكأن العشرة أيام زادوا عن الثلاثين يوما ليعطيك الصورة الأخيرة الموجودة في سورة البقرة.
وهنا يقول الحق في سورة الأعراف : وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ ( من الآية ١٤٢ سورة الأعراف ) : و " اخلفني " أي كن خليفة لي فيهم إلى أن أرجع وذلك فيما هو مختص بموسى من الرسالة فاستخلاف موسى لهارون ليس تكليفا لهارون بامتداد إرسال الله لموسى وهارون، فأسلوب تقديم موسى وهارون أنفسهما لفرعون جاء بضمير التثنية التي تجمع بين موسى وهارون : إنا رسولا ربك ( من الآية ٤٧ سورة طه ) : لأن كلا منهما رسول، وقوله الحق : وقال موسى لأخيه هارون فيه التحنن، أي أنني لي بك صلة قبل أن تكون شريكا لي في الرسالة فأنا أخ لك وأنت أخ لي، ومن حقي عليك أن تسمع كلامي وتخلفني. فالأخوة مقرونة بأنك شريك معي في الرسالة، إذن نجد أن موسى قد قدم حيثية الأخوة، والمشاركة في الرسالة. وأكد موسى عليه السلام بكلمة " قومي " أنهم أعزاء عليه، ولا يريد بهم إلا الخير الذي يريده لنفسه، فإذا جاءكم بأمر فاعلموا أنه لصالحكم، وإذا نهاكم نهيا فاعلموا أن موسى هو أول من يطبقه على نفسه.
وقيل كان موسى عليه السلام قد قام بإعداد نفسه للقاء ربه، ولابد أن يكون الإعداد بطهر وبتطهير وبتزكية النفس بصيام، فصام ثلاثين يوما، وبعد ذلك أنكر رائحة فمه، فأخذ سواكا وتسوك به ليذهب رائحة فمه، فأوضح الحق سبحانه له : أما علمت يا موسى أن خلوف فم الصائم أطيب عندي من ريح المسك. وما دمت قد أزلت الخلوف وأنا أريد تقبل عليّ بريح المسك فزد عشرة أيام ؛ حتى تأتي كذلك. وقال بعض العلماء : إن تفصيل الأربعين إلى ثلاثين وإلى عشرة، لأن الثلاثين يوما هي الأيام التي عبد فيها القوم بعد موسى العجل، فكان ولابد أن تكون هناك فترة من الفترات ؛ حتى يميز الله الخبيث من الطيب.
وَقَالَ مُوسَى لِأَخِيهِ هَارُونَ اخْلُفْنِي فِي قَوْمِي وَأَصْلِحْ وَلَا تَتَّبِعْ سَبِيلَ الْمُفْسِدِينَ
( من الآية ١٤٢ سورة الأعراف ) : وهنا أمر ونهي " أصلح " هي أمر، و " لا تتبع " هي نهي، ونعرف أن كل تكاليف الحق سبحانه وتعالى محصورة في " افعل كذا "، و " لا تفعل كذا "، ولا يقول الحق للمكلّفين : " افعلوا كذا " إلا إذا كانوا صالحين للفعل ولعدم الفعل، وإن قال لهم : " لا تفعلوا " فلابد أن يكونوا صالحين أيضا للفعل ولعدم الفعل، ولذلك أوضحنا من قبل أن الله ركز كل التكليف في مسألة آدم وحواء في الجنة فقال : وكلا منها رغدا حيث شئتما ، وكان هذا هو الأمر. وقال : ولا تقربا هذه الشجرة ، وهذا نهي : وأصلح ولا تتبع سبيل المفسدين .
وكلمة أصلح تستلزم أن يبقى الصالح على صلاحه فلا يفسده، وإن شاء أن يزيد فيه صلاحا فليفعل. وقوله : ولا تتبع سبيل المفسدين لأنه قول موجه لنبي وهو هارون، لا يتأتى منه الإفساد، ولكنّ موسى أعلمه أنه ستقوم فتنة بعد قليل، فكأن موسى قد ألهم أنه سيحدث إفساد، فقصارى ما يطلبه من أخيه هارون ألاّ يتبع سبيل المفسدين، ولذلك سيقول هارون بعد ذلك مبررا تركه بني إسرائيل على عبادة العجل بعد أن بذل غاية جهده في منعهم وإنذارهم حتى قهروه واستضعفوه ولم يبق إلا أن يقتلوه.
إِنِّي خَشِيتُ أَنْ تَقُولَ فَرَّقْتَ بَيْنَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَلَمْ تَرْقُبْ قَوْلِي ( من الآية ٩٤ سورة طه ).

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير