تفسير المفردات : نسوا ما ذكروا به : أي تركوه ترك الناسي وأعرضوا عنه إعراضا تاما، والسوء : العمل الذي تسوء عاقبته، والبئيس : الشديد من البأس وهو الشدة، أو من البؤس وهو المكروه أو الفقر.
المعنى الجملي : ذكرت هذه القصة في سورة البقرة إجمالا وهاهنا ذكرت تفصيلا، إذ كانت سورة الأعراف نزلت بمكة في أوائل الإسلام ولم يكن النبي صلى الله عليه وسلم لقي أحدا من اليهود وقد كان أميا لا يقرأ كتابا كما قال تعالى : وما كنت تتلوا من قبله من كتاب ولا تخطه بيمينك إذا لارتاب المبطلون [ العنكبوت : ٤٨ ] فكان ذلك أدل على الإعجاز.
الإيضاح : فلما نسوا ما ذكروا به أي إنهم لما تركوا ما ذكرهم به الصالحون وأعرضوا عنه حتى صار كالمنسي في كونه لا تأثير له.
أنجينا الذين ينهون عن السوء أي أنجينا الذين ينهون عن العمل السيئ وهما الفريقان الآخران.
وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون أي وأخذنا الذين ظلموا أنفسهم بشديد العذاب بسبب تماديهم في الفسق حتى صار ديدنهم وهجيراهم.
والخلاصة : إنه لما ذكر المذكرون ولم يتذكر المعتدون أنجينا الأولين وأخذنا الآخرين.
وقد جرت سنة الله بألا يؤاخذ الظالم في الدنيا بكل ما يقع منه من ظلم ولو كان قليلا في الصفة أو العدد كما يدل على ذلك قوله : ولو يؤاخذ الله الناس بما كسبوا ما ترك على ظهرها من دابة [ فاطر : ٤٥ ] وقوله : ويعفوا عن كثير [ المائدة : ١٥ ] ولكنه يؤاخذ الأمم والشعوب في الدنيا قبل الآخرة بما يقع منها من ظلم يظهر أثره بالاستمرار عليه كما قال : واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة [ الأنفال : ٢٥ ] كما عاقب الله بني إسرائيل كافة بتنكيل البابليين ثم النصارى بهم وسلبهم ملكهم حين عم فسقهم ولم يدفع ذلك وجود الصالحين فيهم.
وعلى الجملة : فالآية صريحة في هلاك الظالمين الفاسقين ونجاة الصالحين الذين نهوهم عن عمل السوء وارتكاب المنكر، وسكت عن الفرقة التي أنكرت على الواعظين وعظهم وإنكارهم، وهي ناجية أيضا لأنها كانت منكرة للمنكر مستقبحة له بدليل أنها تفعله، وإنما لم تنه عنه ليأسها من فائدة النهي واعتقادها أن القوم قد استحقوا عقاب الله بإصرارهم على الفسق فلا يفيدهم الوعظ وهذا رأي ابن عباس.
تفسير المراغي
المراغي