ﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷ

فلما نسوا ما ذكروا به [ الأعراف : آية ١٦٥ ] يعني فترك المأمورون الموعوظون تركوا أمر الله ولم يلتفتوا إلى ذلك التذكير ؛ ولذا قال تعالى : فلما نسوا اعلموا أن النسيان يطلق في القرآن العظيم إطلاقين :
أحدهما : نسيان الشيء بأن ينساه الناسي ويزول علمه منه فيكون ناسيا له غير ذاكر.
والثاني : يطلق النسيان على ترك العمل عمدا وهو المقصود هنا، منه قوله تعالى : نسوا الله فنسيهم } [ التوبة : آية ٦٧ ] أي : تركوه فتركهم ؛ لأن الله لا ينسى، كما قال تعالى : وما كان ربك نسيا [ مريم : آية ٦٤ ] قال علمها عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى ٥٢ [ طه : آية ٥٢ ] فالنسيان هنا معناه الترك عمدا، وهو أسلوب عربي معروف، تقول العرب : نسي الأمر وتناساه. إذا صد عنه وأعرض وتركه عمدا، ومنه على أصح التفسيرين قوله عن آدم : ولقد عهدنا إلى آدم من قبل فنسي [ طه : آية ١١٥ ] أي : ترك ذلك الأمر لما قاسمه الشيطان، كما تقدم إيضاحه، وهذا معنى قوله : فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء المراد بالسوء هنا هو معصية الله ( جل وعلا ) وانتهاك حرمته باصطياد السمك في السبت، وكل معصية من معاصي الله فهي من السوء ؛ لأنها تسوء صاحبها إذا نظرها في صحيفته يوم القيامة.
وأخذنا الذين ظلموا أي : ارتكبوا الجريمة وعصوا الله واصطادوا السمك في السبت.
بعذاب بئيس في هذا الحرف أربع قراءات سبعيات : قرأ هذا الحرف ابن كثير والكوفيون – أعني عاصما وحمزة والكسائي- : وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس على وزن ( فعيل ). والعذاب البئيس : هو العذاب الشديد العظيم الذي وقعه شديد على صاحبه.
وقرأه نافع في روايتي ورش وقالون : وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بيس بما كانوا يفسقون بباء مكسورة بعدها ياء ولا همزة فيه. وأصل هذه القراءة كما قاله بعض العلماء :( بئس ) وزن ( فعل ) فخففت، كما تقول في ( كبد ) :( كبد ) فقيل :( بئس ) وخففت الهمزة أيضا فقيل :( بيس ) ومعناه عائد إلى الأول.
وقرأه ابن عامر : بعذاب بئس بما كانوا يفسقون كقراءة نافع إلا أن ابن عامر همز الياء فقال : بعذاب بئس بما كانوا يفسقون .
أما أبو بكر –أعني شعبة عن عاصم- فله روايتان : أحدهما توافق قراءة الجمهور، وهي قوله : بعذاب بئيس وروى أبو بكر شعبة رواية أخرى عن عاصم : بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون ( بيئس ) على وزن ( ضيغم ) والعذاب البيئس : هو الشديد أيضا، ورجل بيئس : شديد البأس، ومنه قول امرئ القيس بن عابس الكندي :

كلاهما كان رئيسا بيئسا يضرب في يوم الهياج القونسا
وهذا معنى قوله : بعذاب بئيس بما كانوا يفسقون [ الأعراف : آية ١٦٥ ] الباء سببية، و( ما ) مصدرية. والفسق في لغة العرب معناه : الخروج عن طاعة الله. كل من خرج عن شيء فقد فسق. والعرب تقول :( فسقت هذه الرواحل عن قصدها ). أي : جارت عن طريقها، ومنه قول رؤبة بن العجاج.
يهوين في نجد وغورا غائرا فواسقا عن قصدها جوائرا
والفسق في الشرع : الخروج عن طاعة الله، كما قال تعالى : فسجدوا إلا إبليس كان من الجن ففسق عن أمر ربه [ الكهف : آية ٥٠ ] أي : خرج عن طاعة ربه. هذا هو معنى الفسق. والخروج عن طاعة الله قد يكون خروجا أعظم وهو الخروج المخرج عن دين الإسلام، وقد يكون خروجا دون خروج وهو الفسق بارتكاب كبيرة. ولأجل هذا المعنى كان الفسق يطلق في القرآن على الخروج عن طاعة الله بمعناه الأعظم وهو الكفر بالله كقوله : وما يضل به إلا الفاسقين [ البقرة : آية ٢٦ ] وقوله : وأما الذين فسقوا فمأواهم النار [ السجدة : آية ٢٠ ] وقد يطلق الفسق على خروج دون خروج بارتكاب بعض الكبائر كقوله : ولا تقبلوا لهم شهادة أبدا وأوليك هم الفاسقون [ النور : آية ٤ ] قوله : إن جاءكم فاسق بنبإ فتبينوا [ الحجرات : آية ٦ ] وهذا معنى قوله : وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئس بما كانوا يفسقون .

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير