وإذا تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم ١٦٧ [ الأعراف : آية ١٦٧ ].
( تأذن ) تفعل من الأذان، والأذان في لغة العرب : الإعلام، ومنه أذان الصلاة ؛ لأنه الإعلام بدخول وقتها مع الدعاء لها، وقد قال تعالى : وأذان من الله ورسوله إلى الناس يوم الحج الأكبر [ التوبة : آية ٣ ] والعرب تقول : آذنني : أعلمني. ومنه قول الحارث بن حلزة اليشكري :
آذنتنا ببينها أسماء *** رب ثاو يمل منه الثواء
فتأذن معناه تفعل من الأذان بمعنى الإعلام، أي : أعلم الله الخلق. وقال بعض العلماء :( تأذن ) بناء هذا الفعل على ( تفعل ) يجعله كأفعال القسم ؛ ولذا جاء اللام في قوله : ليبعثن معناه أعلم الله جل وعلا. وهذا الإعلام في معنى القسم، أو كأنه مؤكد بالقسم بدليل اللام في قوله : ليبعثن .
ليبعثن عليهم أي : ليسلطن عليهم، أي : اليهود من يسومهم سوء العذاب يسومهم معناه : يذيقهم سوء العذاب. العرب تقول :( سامه العذاب ) إذا أذاقه إياه وعذبه به، وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول عمرو بن كلثوم في معلقته :
إذا ما الملك سام الناس خسفا *** أبينا أن نقر الذل فينا
إلى يوم القيامة يوم القيامة إنما سمي يوم القيامة لأن الناس يقومون فيه لخالق السموات والأرض، كما قال جل وعلا : يوم يقوم الناس لرب العالمين ٦ [ المطففين : آية ٦ ] وقيل له ( القيامة ) كما قيل الحيازة والصيانة وغير ذلك من الحوز والصون، وهذا معنى قوله : ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب [ الأعراف : آية ١٦٧ ].
وهذه الآية الكريمة من سورة الأعراف فيها التنصيص الصريح من رب العالمين أنه يسلط على اليهود في دار الدنيا حتى تقوم الساعة من يذيقهم سوء العذاب، ويعذبهم أشد التعذيب وأتمه، وهذا قد بينا بعضه مرارا ؛ لأن الله سلط عليهم سابقا بختنصر وأهانهم تلك الإهانة الشديدة، وملك الرومان، وسلط عليهم نبيه محمدا صلى الله عليه وسلم بعد ذلك لما كفروا وتمردوا، فأجلى بني النضير وبني قينقاع، وذبح مقاتلة بني قريظة، وأجلى خبير، وربنا يقول : وإن عدتم عدنا [ الإسراء : آية ٨ ] وقد بينا في سورة إسرائيل طرفا من هذا ؛ لأن الله يقول : وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب لتفسدن في الأرض مرتين ولتعلن علوا كبيرا ٤ فإذا جاء وعد أولاهما بعثنا عليكم عبادا لنا أولى بأس شديد فجاسوا خلال الديار [ الإسراء : الآيتان ٤، ٥ ] يعني : أنهم يجوسون –يمشون- في الأزقة خلال ديارهم محتليها يهينونهم ويعذبونهم، ثم قال في الثانية : فإذا جاء وعد الآخرة ليسئوا وجوهكم وليدخلوا المسجد كما دخلوه أول مرة وليتبروا ما علوا تتبيرا [ الإسراء : آية ٧ ] المفسرون والمؤرخون يقولون : إن إحدى المرتين تسليط بختنصر عليهم، والثانية : تسليط ملك الرومان، وأن كلا منهما قتلهم وسبى نساءهم وذراريهم. والله بعد ذلك قال : وإن عدتم عدنا [ الإسراء : آية ٨ ] فعادوا لأكبر الفساد والمنكر زمان النبي صلى الله عليه وسلم فعاد الله لقهرهم وإذلالهم بأن سلط عليهم رسوله ومنع إقامتهم في جزيرة العرب، فكان عمر بن الخطاب ( رضي الله عنه ) إذا جاء منهم تاجر أجل له ثلاثة أيام يبيع ويشتري ثم يخرج، ولا يرضى بجلوسهم في جزيرة العرب.
وفي هذه الآية من سورة الأعراف تأذن الله وأعلم أنه سلط عليهم من يسومهم سوء العذاب، إلا أنهم يرد الله لهم الكرة حتى يجتمعوا ويكونوا أمة ؛ لأنهم لو بقوا مقطعين في الأرض لن تقوم لهم قائمة –كما قال : وقطعناهم في الأرض أمما [ الأعراف : آية ١٨٨- ولم يكن العذاب والهلاك، ولم يجد موقعا يقع عليه، فصار من عادة الله أن يرد لهم الكرة ويجعلهم أمة حتى يكونوا أمة فيسلط عليهم من يعذبهم ليكون العذاب واقعا موقعه، والله ( جل وعلا ) أصدق من يقول، وهذا معنى قوله : وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب .
إن ربك لسريع العقاب السرعة ضد البطء ؛ لأنه سريع العقاب ؛ لأنه يقول للشيء :( كن ) فيكون، وما أمره إلا واحدة كلمح بالبصر. والعقاب : هو التنكيل بسبب الذنب ؛ لأنه يأتي عقب الذنب ؛ والعرب تقول :( عاقبه معاقبة وعقابا ) إذا نكله بسبب ذنب ارتكبه، وهو معنى مشهور في كلامهم، ومنه قول نابغة ذبيان :
ومن عصاك فعاقبه *** تنهي الظلوم ولا تقعد على ضمد
وإنه جل وعلا } لغفور رحيم أي : كثير المغفرة لعباده المؤمنين التائبين ؛ الرحيم بهم.
وقد جرت العادة في القرآن أن الله ( تعالى ) يجمع فيه بين الوعد والوعيد ؛ لأن مطامع العقلاء محصورة في أمرين : هما جلب المصلحة، ودفع المضرة، والله ( جل وعلا ) يأتي بالوعد والوعيد ليستحث الناس بذلك إلى طاعته كما قال هنا : إن ربك لسريع العقاب لمن عصاه وإنه لغفور رحيم لمن أطاعه. كما قال تعالى : نبئ عبادي أني أنا الغفور الرحيم ٤٩ وأن عذابي هو العذاب الأليم ٥٠ [ الحجر : الآيتان ٣٩، ٤٠ ] وكما قال تعالى : حم١ تنزيل الكتاب من الله العزيز العليم ٢ غافر الذنب وقابل التواب شديد العقاب ذي الطول لا إله إلا هو إليه المصير ٣ [ غافر : الآيات ١-٣ ] والآيات في مثل هذا كثيرة، وهذا معنى قوله : إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور رحيم [ الأعراف : آية ١٦٧ ].
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير