ﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘ

( ١٠ ) وإذ تأذن : آلى على نفسه، أو أعلم وآذن.
واسألهم عن القرية التي كانت حاضرة البحر١ إذ يعدون في السبت٢ إذ تأتيهم حيتانهم٣ يوم سبتهم شرعا٤ ويوم لا يسبتون٥ لا تأتيهم كذلك نبلوهم٦ بما كانوا يفسقون( ١٦٣ ) وإذ قالت أمة منهم لم تعظون قوما الله مهلكهم أو معذبهم عذابا شديدا قالوا معذرة إلى ربكم ولعلهم يتقون( ١٦٤ ) فلما نسوا ما ذكروا به أنجينا الذين ينهون عن السوء وأخذنا الذين ظلموا بعذاب بئيس٧ بما كانوا يفسقون( ١٦٥ ) فلما عتوا٨ عن ما نهوا عنه قلنا لهم كونوا قردة خاسئين( ١٦٦ )٩ وإذ تأذن١٠ ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب إن ربك لسريع العقاب وإنه لغفور( ١٦٧ ) رحيم وقطعناهم في الأرض أمما منهم الصالحون ومنهم دون ذلك وبلوناهم بالحسنات والسيئات لعلهم يرجعون( ١٦٨ ) فخلف من بعدهم خلف ورثوا الكتاب يأخذون عرض هذا الأدنى١١ ويقولون سيغفر لنا وإن يأتيهم عرض مثله يأخذوه ألم يؤخذ عليهم ميثاق الكتاب أن لا يقولوا على الله إلا الحق ودرسوا ما فيه١٢ والدار الآخرة خير للذين يتقون أفلا تعقلون( ١٦٩ ) والذين يمسكون١٣ بالكتاب وأقاموا الصلاة إنا لا نضيع أجر المصلحين( ١٧٠ ) وإذ نتقنا١٤ الجبل فوقهم كأنه ظلة١٥ وظنوا١٦ أنه واقع بهم خذوا ماء آتيناكم بقوة واذكروا ما فيه لعلكم تتقون( ١٧١ ) [ ١٦٣-١٧١ ].
وهذه حلقة ثالثة وهي الأخيرة من سلسلة قصص بني إسرائيل احتوت إشارة موجزة إلى بعض ما كان من بعضهم من بعد موسى عليه السلام من انحراف، وما كان من احتيالهم على شريعة السبت، وما كان من إنذارهم بلسان بعض الصالحين وعدم ارعوائهم ونكال الله بهم وجعله إياهم قدرة وتنجيته الذين ينهون عن السوء، وإصرارهم مع ذلك على التمرد، وتعلقهم بمتاع الدنيا وأعراضها وبيعهم دينهم وكتاب الله بسبيل ذلك، رغم العهد الذي أخذه عليهم يوم نتق الله فوقهم الجبل حتى اعتقدوا أنه واقع عليهم بأن يتمسكوا بما أنزل لهم من أحكام ومبادئ بقوة ويتذكروها دائما حتى يتقوا بذلك غضب الله وعواقب سخطه. وما كان من تشتيت الله لهم في الأرض وإيلائه على نفسه بأن يبعث عليهم من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة عقوبة لهم مع تنويه بمن يظل متمسكا بكتاب الله تعالى ووعده بعدم تضييع وبخس أجر المصلحين.
ونتق الجبل فوقهم كأنه ظلة ورد في سورتي البقرة والنساء بصيغة أخرى حيث جاء في سورة البقرة : وإذا أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور ؛ [ ٩٣ ] وفي سورة النساء :{ ورفعنا فوقهم الطور بميثاقهم [ ١٥٤ ] والمتبادر أن هذا من قبيل الخوارق والمعجزات التي أجراها الله لبني إسرائيل وقد أشير إلى ذلك بصيغة غامضة في سفري الخروج والعدد من أسفار العهد القديم. ونعتقد أنه كان صريحا متطابقا مع ما جاء في القرآن في أسفار أخرى. وأسلوب الآية التذكيري يدعم ذلك لأنه يذكر بأمر كان واضحا معلوما للسامعين من بني إسرائيل والله تعالى أعلم.
تعليق على رواية مدنية الآيات [ ١٦٣-١٧١ ]
واسألهم عن القرية... إلخ
والمصحف الذي اعتمدناه يروي أن معظم آيات الحلقة أي من الآية [ ١٦٣ إلى الآية ١٧٠ ] مدنية. وفحواها وأسلوبها مماثلان للآيات المدنية الكثيرة في حق اليهود مما يؤيد صحة الرواية. ومما يؤيد ذلك الخطاب في واسألهم الموجه إلى النبي صلى الله عليه وسلم حيث كان ما جرى بين النبي وبينهم من حجاج وما كان منهم من مواقف قي عهد النبي المدني. وقد ربطت بين أخلاق الآباء والأبناء وفسادهم، وهذا مما جرى عليه القرآن المدني في أمرهم، ونحن نرجح أن الآية [ ١٧١ ] أيضا من السياق نفسه وغير منفصلة عنه وتكون والحالة هذه مدنية مثل الآيات السابقة لها.
والمتبادر أن الآيات قد وضعت في السلسلة المكية لحكمة موضوعية غير خافية. ومن شواهد هذه الحكمة أنها جاءت في أعقاب الآية التي حكت ما كان من تبديل فريق من بني إسرائيل لكلام الله وما كان من إٍرسال الله عليهم رجزا من السماء جزاء ظلمهم وإجرامهم وانحرافهم.
تعليق على حادث السبت وتلقيناته
وحادث السبت لم يرد في أسفار العهد القديم المتداولة اليوم. ونعتقد أنه كان واردا فيما كان بين أيدي اليهود في زمن النبي صلى الله عليه وسلم من كتب وأسفار ذهبت بها أيدي الزمن. وعبارة الآية تفيد بقوة أن السؤال الذي أمر النبي صلى الله عليه وسلم بتوجيهه إلى اليهود قد ورد بأسلوب تقريري يدل على أنه موجه إلى من يعرف الحادث المسؤول عنه ويذكره.
وفي كتب التفسير روايات عن ابن عباس وغيره من علماء الصدر الإسلامي عن هذا الحادث فيها دلالة على أنه كان معروفا في بيئة النبي صلى الله عليه وسلم، وليس لذلك مصدر إلا بنو إسرائيل فيها. وخلاصة هذه الروايات١ المختلفة في الصيغ والمتفق في المعنى : أنه كان لليهود مدينة على ساح البحر بين مدين والطور اختلف في اسمها، ولكن أكثر الروايات تذكر أنها : الأيله، وهي ميناء على خليج العقبة جددها اليهود المغتصبون في الوقت الحاضر، وأطلق عليها اسم : إيلات. وقد شاء الله أن يمتحن قوة إيمانهم وتمسكهم بشرائعهم، فصار يرسل السمك إلى ساحلهم بكثرة يوم السبت الذي يحرم العمل فيه عليهم ويمنعه سائر الأيام، فاحتال فريق منهم على ذلك فحفر أحواضا على الساحل أو وضع شباكا فصار السمك الذي يأتي يوم السبت يقع فيها، وصار هذا الفريق يأتي بعد هذا اليوم فيستولي على السمك. ورأى فريق آخر أن هذا حيلة على الشريعة فأنكره، وسكت عليه فريق آخر مع عدم اشتراكه فيه. ولم يرعو المحتالون رغما عن ما سلط عليهم من آلام، فنجى الله المنكرين ومسخ المحتالين قردة أو قردة وخنازير، أو مسخ شبابهم قردة وشيوخهم خنازير ليكونوا عبرة لغيرهم حتى لقد كانوا يتمسحون بالناجين ؛ لأنهم كانوا يعرفونهم. ولم تذكر الروايات مصير الساكتين. وإنما تروي أن ابن عباس كان يحسب أنهم أيضا كانوا موضع عقوبة الله، ولكنها أخف من عقوبة المحتالين. والخلاصة على كل حال متوافقة مع نص الآيات وروحها التي جاءت على سبيل التذكير.
ولقد أشير إلى هذا الحادث في ثلاثة أماكن أخرى من القرآن واحد في هذه الآية من سورة البقرة : ولقد علمتم الذين اعتدوا منكم في السبت فقلنا لهم كونوا قردة خاسئين٦٥ وواحد في هذه الآية من سورة النساء : يا أيها الذين أوتوا الكتاب آمنوا بما نزلنا مصدقا لما معكم من قبل أن نطمس وجوها فنردها على أدبارها أو نلعنهم كما لعنا أصحاب السبت وكان أمر الله مفعولا٤٧ وواحد في آية سورة المائدة هذه : قل هل أنبئكم بشر من ذلك مثوبة عند الله من لعنه الله وغضب عليه وجعل منهم القردة والخنازير وعبد الطاغوت أولئك شر مكانا وأضل عن سواء السبيل٦٠ والآيات الثلاث جاءت في السور الثلاث في سياق في حق اليهود. وأسلوبها صريح الدلالة على أن اليهود الذين كانوا يسمعون القرآن في المدينة كانوا يذكرون بحادث يتداولون خبره بل ونعتقد أنه كان واردا في بعض قراطيسهم في سياق التنديد بهم وإنذارهم بسبب مواقفهم من الرسالة المحمدية المناوئة الماكرة المنكرة.
ومع ذلك فهناك من ذهب إلى أن المسخ لم يقع فعلا، وإنما عبر بذلك عن مسخ أخلاقهم ونفوسهم فكانوا كالقردة في طيشها وشرها وبعبارة ثانية إنما مسخت قلوبهم مع التنبيه على أن الجمهور قد أخذ بظاهر الآية والروايات المروية وقال : إن المسخ البدني هو الذي وقع٢.
وقد يكون في الأساليب الخطابية المألوفة ما يساعد على التأويل الثاني حيث اعتاد الناس أن يشبهوا بعضهم بالقردة والخنازير حينما يريدون وصفهم بصفات سيئة وينسبون إليهم بعض الأخلاق والعادات الوضيعة. وقد يكون في ورود كلمة القردة هنا والخنازير في آية المائدة والاكتفاء بذكر لعنة أصحاب السبت في آية النساء قرينة على وجاهة هذا التأويل. على أننا لا نرى طائلا في إطالة البحث والتخريج في هذه النقطة، ولا سيما إن العبارة هي جزء من حكاية حادث تاريخي يعرفه ويتداوله بنو إسرائيل على سبيل التذكير والإنذار. هذا مع التنبيه على أن الحادث في ذاته ليس خارجا عن نطاق قدرة الله تعالى وليس هو إلا من قبيل المعجزات الكثيرة التي حكاها القرآن عن الأنبياء الأولين وأقوامهم والواجب الإيمان بها وبكونها في نطاق قدرة الله.
ونذكر بالحديث الذي رواه أبو هريرة عن رسول الله وأوردناه في سياق التعليق على ما اعتاده بعضهم من الحيل لإبطال أوامر الله وتكاليفه ونصه :( لا ترتبكوا ما ارتكبه بنو إسرائيل فتستحلوا محارم الله بأدنى الحيل ) ونقول : إن في الحديث تأييدا لما قلناه من أن الآيات تنطوي على تلقينات مستمرة المدى على المسلمين أن يستوحوها إزاء أوامر الله ونواهيه وحرماته.
ومع خصوصية الآيات بالنسبة لليهود وحملتها على أخلاقهم، فإن فيها تلقينات بليغة مستمرة المدى مما هو جوهري في جميع القصص القرآنية. ففيها تقبيح للحيل التي يراد بها التخلص من حدود الله ومحظوراته، وتقرير أن الله حينما يأمر بواجب أو ينهى عن محظور لا يمكن أن يرضى بالحيلة للتخلص مما أمر ونهى، وردّ قاطع ومباشر على الذين يسوّغون الحيل ويبيحونها وخاصة في صدد أحكام الدين وأركانه والتفلت من العهود والعقود، وفيها تصوير لما في ذلك من بشاعة وفسق وافتراء على الله وإنذار قاصم لمن يجرؤ على ذلك، ثم فيها بشرى وتثبيت للذين ينهون عن السوء والفحشاء والعدوان على حدود الله وحث على النهي عن ذلك، فهذا واجب المتقين، والله ضامن لمن يقوم به النجاة والفوز.
تعليق على الإسهاب في قصص بني إسرائيل
هذا، ويلحظ بصورة عامة أن قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل قد جاءت مسهبة أكثر من القصص الأخرى، وليس هذا في هذه السورة بل في السور الأخرى أيضا.
ويتبادر لنا أن الحكمة في ذلك هي أن بني إسرائيل لم يبيدوا كما باد الأقوام الأولون، وأنه كان لهم دوي عظيم في مجالات الدين والدنيا وظل مستمرا لم ينقطع في البلاد التي تتصل بجزيرة العرب، وأنه كان منهم فريق كبير في بلاد الحجاز. ويضاف إلى هذا أن أحداث موسى وفرعون وبني إسرائيل كانت مدونة في أسفار العهد القديم بإسهاب كبير، وكانت متداولة بمقياس أوسع من قصص الأنبياء وأقوامهم الآخرين نتيجة لذلك. فحكمة التنزيل القرآني ماشت هذه الوقائع والحقائق في صدد قصص موسى وفرعون وبني إسرائيل.
تعليق خاص على الآية
وإذ تأذن ربك ليبعثن عليهم إلى يوم القيامة من يسومهم سوء العذاب...
والتي بعدها وما فيهما من تلقين وإعجاز قرآني
ولقد احتوت هاتان الآيتان تلقينا بليغا آخر في إيلاء الله تعالى على نفسه بأن يبعث على اليهود من يسومهم سوء العذاب إلى يوم القيامة بسبب ما ارتكسوا فيه من انحرافات دينية وأخلاقية واجتماعية، واقترفوه من آثام ونقضوه من مبادئ ووصايا، واستغرقوا فيه من أعراض الحياة الدنيا وبيعهم دينهم وكتابهم بالدنيا.
ففي ذلك عظة وذكرى وإنذار للمسلمين ودعوة للاعتبار والازدجار. وهذا عدا ما في الآيات من تقرير لواقع ما صار اليهود إليه من شتات في الأرض وذلة ومسكنة وازدراء واضطهاد في مختلف الأنحاء التي تشتتوا فيها. حيث كان في ذلك مصداق إعجازي لعهد الله فيهم.
ومهما بدا في سياق حوادث فلسطين في زمننا، وما نالوه من نجاح بمساعدة طواغيت الاستعمار، فإن تجهم البشر لهم وازورارهم عنهم ونقمتهم عليهم بسبب الأخلاق السيئة التي غدت جبلة مميزة لهم يتوارثها الأبناء عن الآباء عامّان في كل مكان. وجميع الظواهر تدل على أن ذلك سيبقى مع دوام شتاتهم في الأرض على مدى الدهر مصداقا لعهد الله تعالى وميثاقه. ونحن مؤمنون أعمق الإيمان بأن الله عز وجل سيطبق عهده عليهم بالنسبة لما أحرزوه من نجاح في فلسطين قد يكون امتحانا للمسلمين، وأنهم سوف يرتدون عنها خائبين خاسرين.
هذا، وآية وإذ تأذن ربك... إلخ حاسمة قاطعة بنسف كل ما سجله القرآن من مزايا لليهود ومن إيذان بأن الله كتب لهم الأرض المقدسة وأورثهم إياها مما يتخذونه وسيلة إلى استغفال المسلمين، حيث كان ذلك بالنسبة لزمن قديم مضى وانقضى ثم كان من أخلاقهم وانحرافاتهم ومناوأتهم لدعوة الله ورسله ما استحقوا عليه هذا العهد الرباني واستمراره إلى يوم القيامة.

التفسير الحديث

عرض الكتاب
المؤلف

دروزة

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير