تفسير المفردات : الجنة بالكسر : نوع من الجنون. والإنذار : التعليم والإرشاد المقترن بالتخويف من مخالفته.
المعنى الجملي : بعد أن ذكر سبحانه أنه ذرأ لجهنم كثيرا من الثقلين. الجن والإنس وأبان أهم أسباب ذلك، وهي أن هؤلاء أفسدوا فطرتهم بإهمال مواهبهم من العقل والحواس، ثم أرشدنا إلى ما يصلح الفطرة من دعائه بأسمائه الحسنى، قفى على ذلك ببيان وصف أمة الإجابة وثنى، بذكر المكذبين من أمة الدعوة، وثلث بتفنيد ما عرض لهم من الشبهة، ثم أرشد إلى التفكر الموصل إلى الفقه في الأمور ومعرفة الحقائق، وإلى النظر الهادي إلى الحجة، والبرهان الموصل إلى معرفة صدق الرسول، ثم ختمها ببيان عدم الطمع في هداية من قضت سنة الله بضلاله وتركه يعمه في طغيانه.
الإيضاح : أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة أي أكذبوا الرسول ولم يتفكروا في حاله من بدء نشأته وفي حقيقة دعوته، ودلائل رسالته، وآيات وحدانية الله وقدرته على إعادة خلقه كما بدأهم ؟
إنهم إن تفكروا في ذلك مليا أوشكوا أن يعرفوا الحق، وما الحق إلا أن صاحبهم ليس به جنة، وقد حكى الكتاب الكريم عنهم أنهم رموه بالجنون كقوله في كفار مكة : أفلم يدبروا القول أم جاءهم ما لم يأت آباءهم الأولين٦٨ أم لم يعرفوا رسولهم فهم له منكرون٦٩ أم يقولون به جنة بل جاءهم بالحق وأكثرهم للحق كارهون [ المؤمنون : ٦٨ ٧٠ ] وقوله : وقالوا يا أيها الذي نزل عليه الذكر إنك لمجنون٦ لو ما تأتينا بالملائكة إن كنت من الصادقين [ الحجر : ٦ ٧ ] وقوله : ويقولون أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون [ الصافات : ٣٦ ] وروى ابن جرير وابن المنذر عن قتادة قال : ذكر لنا أن النبي صلى الله عليه وسلم قام على الصفا فدعا قريشا فخذا فخذا : يا بني فلان، يا بني فلان، يحذرهم بأس الله ووقائع الله إلى الصباح حتى قال قائلهم : إن صاحبكم هذا لمجنون : بات يهوت " يصيح " حتى أصبح. فأنزل الله : أولم يتفكروا ما بصاحبهم من جنة وقد جرت عادة الكفارة أن يرموا رسلهم بالجنون، لأنهم ادعوا أن الله خصهم برسالته ووحيه على كونهم بشرا كغيرهم لا يمتازون من سائر الناس بزعمهم، ولأنهم ادعوا ما لم يعهد له نظير عندهم، فقد حكى الله عن قوم نوح أنهم اتهموه بالجنون فقالوا : إن هو إلا رجل به جنة فتربصوا به حتى حين [ المؤمنون : ٢٥ ] وقال في شأنهم : كذبت قبلهم قوم نوح فكذبوا عبدنا وقالوا مجنون وازدجر [ القمر : ٩ ] وقال حكاية عن فرعون في موسى عليه السلام : قال إن رسولكم الذي أرسل إليكم لمجنون [ الشعراء : ٢٧ ] وقد بين سبحانه ذلك على وجه عام فقال : كذلك ما أتى الذين من قبلهم من رسول إلا قالوا ساحر أو مجنون [ الذاريات : ٥٢ ].
إن هو إلا نذير مبين أي إنه ليس بمجنون بل هو منذر ناصح ومبلغ عن الله، فهو ينذركم ما يحل بكم من عذاب الدنيا والآخرة إذا لم تستجيبوا له، وقد عادكم إلى ما فيه صلاحكم في الدنيا بجمع الكلمة وصلاح حال الفرد والمجتمع والسيادة على من سواكم وصلاحكم في الآخرة بلقاء ربكم وأنت في جنات النعيم.
والتعبير عنه صلى الله عليه وسلم " بصاحبهم " لتذكيرهم بأنهم يعرفونه من أول نشأته إلى أن تجاوز الأربعين من عمره، فما عليهم إلا أن يتفكروا في سيرته ليعلموا أنه ليس من دأبه الكذب ولا هو مما عهد عنه كما شهد بذلك بعض زعمائهم فقال : إن محمدا لم يكذب قط على أحد من الناس، أفيكذب على الله ؟ ومن ثم قال تعالى في أولئك الزعماء : فإنهم لا يكذبونك ولكن الظالمين بآيات الله يجحدون [ الأنعام : ٣٣ ].
ولو تأمل مشركو مكة في نشأته صلى الله عليه وسلم وما جربوا من أمانته وصدقه إلى أن اكتهل ثم تفكروا فيما قام يدعوهم إليه من توحيد الله وعبادته وحده، وما دعاهم إليه من إصلاح في حالهم الدينية والمدنية والاجتماعية لعلموا أن هذا كله لا يصدر من مجنون، بل الذي يقتضيه العقل ويسرع إليه الفكر : أن هذا ليس من رأي ذلك النبي الأمي الناشئ بين الأميين، وأن ما أقامه من الحجج والبراهين العقلية والكونية على ما يدعّى لا يصدر ممن لم يناظر ولم يفاخر ولم يجادل أحدا فيما مضى، إن هو إلا وحي من الله ألقاه في روعه ونزل من لدنه على روح القدس، والله يختص بفضله ورحمته من يشاء وهو ذو الفضل العظيم.
تفسير المراغي
المراغي