ﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥ ﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭ ﲿ

حَدِيثٌ حَسَنٌ غَرِيبٌ، وَوَسَمَهُ ابْنُ الْعَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ»، بِالضَّعْفِ، وَتَبِعَهُ تِلْمِيذُهُ الْقُرْطُبِيُّ وَبَيَّنَ ابْنُ كَثِيرٍ مَا فِي سَنَدِهِ مِنَ الْعِلَلِ، عَلَى أَنَّ الْمُفَسِّرِينَ أَلْصَقُوهُ بِالْآيَةِ وَجَعَلُوهُ تَفْسِيرًا لَهَا، وَلَيْسَ فِيهِ عَلَى ضَعْفِهِ أَنَّهُ فُسِّرَ بِهِ الْآيَةُ وَلَكِنَّ التِّرْمِذِيَّ جَعَلَهُ فِي بَابِ تَفْسِيرِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ مِنْ «سُنَنِهِ».
وَقَالَ بَعْضُ الْمُفَسِّرِينَ: الْخِطَابُ فِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ لِقُرَيْشٍ خَاصَّةً،
وَالنَّفْسُ الْوَاحِدَةُ هُوَ قُصَيُّ بْنُ كِلَابٍ تَزَوَّجَ امْرَأَةً مِنْ خُزَاعَةَ فَلَمَّا آتَاهُمَا اللَّهُ أَوْلَادًا أَرْبَعَةً ذُكُورًا سَمَّى ثَلَاثَةً مِنْهُمْ عَبْدَ مَنَافٍ، وَعَبْدَ الْعُزَّى، وَعَبْدَ الدَّارِ، وَسَمَّى الرَّابِعَ «عَبْدًا» بِدُونِ إِضَافَةٍ وَهُوَ الَّذِي يُدْعَى بِعَبْدِ قُصَيٍّ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ، وَعَاصِمٌ فِي رِوَايَةِ أَبِي بَكْرٍ عَنْهُ، وَأَبُو جَعْفَرٍ: شِرْكًا- بِكَسْرِ الشِّينِ وَسُكُونِ الرَّاءِ- أَيِ اشْتِرَاكًا مَعَ اللَّهِ، وَالْمَفْعُولُ الثَّانِي لَفِعْلِ جَعَلَا مَحْذُوفٌ لِلْعِلْمِ بِهِ، أَيْ جَعَلَا لَهُ الْأَصْنَامَ شِرْكًا، وَقَرَأَ بَقِيَّةُ الْعَشَرَةِ شُرَكَاءَ- بِضَمِّ الشِّينِ جَمْعُ شَرِيكٍ، وَالْقِرَاءَتَانِ مُتَّحِدَتَانِ مَعْنًى.
وَفِي جُمْلَةِ: فَتَعالَى اللَّهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ مُحَسِّنٌ مِنَ الْبَدِيعِ وَهُوَ مَجِيءُ الْكَلَامِ مُتَّزِنًا عَلَى مِيزَانِ الشِّعْرِ، مِنْ غَيْرِ أَنْ يَكُونَ قَصِيدَةً، فَإِنَّ هَذِهِ الْجُمْلَةَ تَدْخُلُ فِي مِيزَانِ الرَّمَلِ.
وَفِيهَا الِالْتِفَاتُ مِنَ الْخِطَابِ الَّذِي سَبَقَ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ وَلَيْسَ عَائِد إِلَى مَا قَبْلُهُ، لِأَنَّ مَا قَبْلُهُ كَانَ بِصِيغَةِ الْمُثَنَّى خَمْسَ مَرَّاتٍ مِنْ قَوْلِهِ:
دَعَوَا اللَّهَ رَبَّهُما- إِلَى قَوْلِهِ- فِيما آتاهُما.
[١٩١، ١٩٢]
[سُورَة الْأَعْرَاف (٧) : الْآيَات ١٩١ إِلَى ١٩٢]
أَيُشْرِكُونَ مَا لَا يَخْلُقُ شَيْئاً وَهُمْ يُخْلَقُونَ (١٩١) وَلا يَسْتَطِيعُونَ لَهُمْ نَصْراً وَلا أَنْفُسَهُمْ يَنْصُرُونَ (١٩٢)
هَذِهِ الْآيَاتُ الثَّلَاثُ كَلَامٌ «مُعْتَرَضٌ بَيْنَ الْكَلَامَيْنِ الْمَسُوقَيْنِ لِتَوْبِيخِ الْمُشْرِكِينَ وَإِقَامَةِ الْحُجَّةِ عَلَيْهِمْ، مُخَاطِبٌ بِهَا النَّبِيءُ عَلَيْهِ الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ وَالْمُسْلِمُونَ، لِلتَّعْجِيبِ مِنْ عُقُولِ الْمُشْرِكِينَ، وَفِيهِ تَعْرِيضٌ بِالرَّدِّ عَلَيْهِمْ لِأَنَّهُ يَبْلُغُ مَسَامِعَهُمْ.
وَالِاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّعْجِيبِ وَالْإِنْكَارِ.
وَصِيغَةُ الْمُضَارِعِ فِي يُشْرِكُونَ دَالَّةٌ عَلَى تَجَدُّدِ هَذَا الْإِشْرَاكِ مِنْهُمْ. وَنَفْيُ الْمُضَارِعِ فِي قَوْلِهِ: مَا لَا يَخْلُقُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَجَدُّدِ نَفْيِ الْخَالِقِيَّةِ عَنْهُمْ.

صفحة رقم 215

وَأَصْلُ مَعْنَى التَّجَدُّدِ، الَّذِي يَدُلُّ عَلَيْهِ الْمُسْنَدُ الْفِعْلِيُّ، هُوَ حُدُوثُ مَعْنَى الْمُسْنَدِ لِلْمُسْنِدِ إِلَيْهِ، وَأَنَّهُ لَيْسَ مُجَرَّدَ ثُبُوتٍ وَتَقَرُّرٍ، فَيُعْلَمُ مِنْهُ: أَنَّهُمْ لَا يَخْلُقُونَ فِي الِاسْتِقْبَالِ، وَأَنَّهُمْ مَا خَلَقُوا شَيْئًا فِي الْمَاضِي، لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ الْخَلْقُ صِفَةً ثَابِتَةً لَهُمْ لَكَانَ مُتَقَرِّرًا فِي الْمَاضِي وَالْحَالِ وَالِاسْتِقْبَالِ.
وَضَمِيرُ الْغَيْبَةِ فِي وَهُمْ يُخْلَقُونَ يَجُوزُ عِنْدِي: أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى مَا عَادَ إِلَيْهِ
ضمير يُشْرِكُونَ [الْأَعْرَاف: ١٩٠]، أَيْ: وَالْمُشْرِكُونَ يُخْلَقُونَ، وَمَعْنَى الْحَالِ زِيَادَةُ تَفْظِيعِ التَّعْجِيبِ مِنْ حَالِهِمْ لِإِشْرَاكِهِمْ بِاللَّهِ أَصْنَافًا لَا تَخْلُقُ شَيْئًا فِي حَالِ أَنَّ الْمُشْرِكِينَ يُخْلَقُونَ يَوْمًا فَيَوْمًا، أَيْ يَتَجَدَّدُ خَلْقُهُمْ، وَالْمُشْرِكُونَ يُشَاهِدُونَ الْأَصْنَامَ جَاثِمَةً فِي بُيُوتِهَا وَمَوَاضِعِهَا لَا تَصْنَعُ شَيْئًا فَصِيغَةُ الْمُضَارِعِ دَالَّةٌ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ بِقَرِينَةِ الْمَقَامِ.
وَدَلَالَةُ الْمُضَارِعِ عَلَى الِاسْتِمْرَارِ وَالتَّكَرُّرِ دَلَالَةٌ نَاشِئَةٌ عَنْ مَعْنَى التَّجَدُّدِ الَّذِي فِي أَصْلِ الْمُسْنَدِ الْفِعْلِيِّ، وَهِيَ دَلَالَةٌ مِنْ مُسْتَتْبَعَاتِ التَّرْكِيبِ بِحَسَبِ الْقَرَائِنِ الْمُعَيِّنَةِ لَهَا وَلَا تُوصَفُ بِحَقِيقَةٍ وَلَا مَجَازٍ لِذَلِكَ، وَمَعْنَى تَجَدُّدِ مَخْلُوقِيَّتِهِمْ: هُوَ أَنَّ الضَّمِيرَ صَادِقٌ بِأُمَّةٍ وَجَمَاعَةٍ، فَالْمَخْلُوقِيَّةُ لَا تُفَارِقُهُمْ لِأَنَّهَا تَتَجَدَّدُ آنًا فَآنًا بِازْدِيَادِ الْمَوَالِيدِ، وَتَغَيُّرِ أَحْوَالِ الْمَوَاجِيدِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى خَلْقاً مِنْ بَعْدِ خَلْقٍ [الزمر: ٦] فَتَكُونُ جُمْلَةُ: وَهُمْ يُخْلَقُونَ حَالًا مِنْ ضَمِيرِ أَيُشْرِكُونَ.
وَالْمُفَسِّرُونَ أَعَادُوا ضَمِيرَ وهُمْ يُخْلَقُونَ عَلَى مَا لَا يَخْلُقُ، أَيِ الْأَصْنَامُ، وَلَمْ يُبَيِّنُوا مَعْنَى كَوْنِ الْأَصْنَامِ مَخْلُوقَةً وَهِيَ صُوَرٌ نَحَتَهَا النَّاسُ، وَلَيْسَتْ صُوَرُهَا مَخْلُوقَةً لِلَّهِ، فَيَتَعَيَّنُ أَنَّ الْمُرَادَ أَنَّ مَادَّتَهَا مَخْلُوقَةٌ وَهِيَ الْحِجَارَةُ.
وَجَعَلُوا إِجْرَاءَ ضَمَائِرِ الْعُقَلَاءِ فِي قَوْلِهِ وَهُمْ- وَقَوْلِهِ- يُخْلَقُونَ وَمَا بَعْدَهُ عَلَى الْأَصْنَامِ وَهِيَ جَمَادَاتٌ لِأَنَّهُمْ نُزِّلُوا مَنْزِلَةَ الْعُقَلَاءِ، بِنَاءً عَلَى اعْتِقَادِ الْمَحْجُوجِينَ فِيهِمْ، وَلَا يظْهر على لهَذَا التَّقْدِيرِ وَجْهُ الْإِتْيَانِ بِفِعْلِ يُخْلَقُونَ بِصِيغَةِ الْمُضَارِعِ لِأَنَّ هَذَا الْخَلْقَ غَيْرُ مُتَجَدِّدٍ.
وَالضَّمِيرُ الْمَجْرُورُ بِاللَّامِ فِي لَهُمْ نَصْراً عَائِدٌ إِلَى الْمُشْرِكِينَ، لِأَنَّ الْمَجْرُورَ بِاللَّامِ بَعْدَ فِعْلِ الِاسْتِطَاعَةِ وَنَحْوِهِ هُوَ الَّذِي لِأَجْلِهِ يَقَعُ الْفِعْلُ مِثْلَ لَا يَمْلِكُونَ لَكُمْ رِزْقاً [العنكبوت: ١٧].

صفحة رقم 216

تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

محمد الطاهر بن عاشور

الناشر الدار التونسية للنشر
سنة النشر 1403
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية