المعنى الجملي : لا يزال الحديث متصلا في الكلام في النشأة الأولى للبشر وفي شياطين الجن، وقد ذكرت تمهيدا لهداية الناس بما يتلوها من الآيات في وعظ آدم وإرشادهم إلى ما به تكمل فطرتهم، وفي ذلك امتنان عليهم وذكر لكرامة أبيهم.
الإيضاح : قال فيها تحيون وفيها تموتون ومنها تخرجون أي في هذه الأرض التي خلقتم منها تحيون مدة العمر المقدر لكل منكم وللنوع بأسره وفيها تموتون حين انتهائه، ومنها تخرجون بعد موتكم كلكم، وحين ما يريد المولى أن يبعثكم من مرقدكم للنشأة الآخرة.
ونحو الآية قوله تعالى في سورة طه : منها خلقناكم وفيها نعيدكم ومنها نخرجكم تارة أخرى [ طه : ٥٥ ].
مغزى هذا القصص :
قص الله سبحانه علينا خبر النشأة الأولى ليرشدنا إلى ما فطرنا عليه، وإلى ما يجب علينا من شكره وطاعته، ويبين لنا أنه خلق الإنسان ليكون خليفة في الأرض، وجعله مستعدا لعلم كل شيء فيها وتسخير ما فيها من القوى لمنافعه وليهدينا إلى أنه كان في نشأته الأولى في جنة النعيم وراحة البال، وقد جعله مستعدا للتأثر بالأرواح الملكية التي تجذبه إلى الحق والخير، والأرواح الشيطانية التي تجذبه إلى الباطل والشر، وعاقبة التأثر الأول سعادة الدارين، ونتيجة الثاني الشقاء فيهما، وهو أيضا محتاج إلى الوحي لإرشاده وهدايته.
فعلينا أن نعرف غرائزنا ونربي أنفسنا على أن نتذكر عهد الله إلينا بأن نعبده وحده ولا نعبد معه أحدا سواه، ولا ننساه فننسى أنفسنا ونغفل عن تزكيتها ونتركها كالريشة في مهاب أهواء الشهوات ووساوس شياطين الضلالات.
وعلينا أن نعرف أن آدم لم يكن نبيا ورسولا عند بدء خلقه ولا موضعا للرسالة في ذلك الحين بل أنكر بعضهم أن يكون رسولا مطلقا، وقال : إن أول الرسل نوح عليه السلام كما تدل على ذلك الآيات الواردة في الرسل والأحاديث الصحيحة، وما ورد في هذه القصة من التفسير بالمأثور فأكثره مدخول مأخوذ من الإسرائيليات عن زنادقة اليهود الذين دخلوا في الإسلام للكيد له، وكان الرواة ينقلون عن الصحابي أو التابعي ما مصدره من الإسرائيليات فيغتر به بعض الناس فيظنون أنه لا بد له من أصل مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وسلم لأنه لا يعرف بالرأي.
تفسير المراغي
المراغي