ﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲ ﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈ

التي هبط فيها كل منهم. ويرجع حاصل تلك الأخبار إلى الإسرائيليات، والله أعلم بصحتها، ولو كان في تعيين تلك البقاع فائدة، تعود على المكلفين، في أمر دينهم أو دنياهم، لذكرها الله تعالى في كتابه، أو رسوله صلّى الله عليه وسلّم- انتهى- بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ أي استقرار أو موضع استقرار. وَمَتاعٌ أي تمتع ومعيشة إِلى حِينٍ أي: إلى تقضّي آجالكم.
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٥]
قالَ فِيها تَحْيَوْنَ وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ (٢٥)
قالَ فِيها أي الأرض تَحْيَوْنَ تعيشون وَفِيها تَمُوتُونَ وَمِنْها تُخْرَجُونَ أي: يوم القيامة للجزاء، كقوله تعالى: مِنْها خَلَقْناكُمْ وَفِيها نُعِيدُكُمْ وَمِنْها نُخْرِجُكُمْ تارَةً أُخْرى [طه: ٥٥]، ثم ذكرهم سبحانه بنعمته في تبوئة الدار والمستقر في الأرض، وكسوتهم لباسا يسترون به سوءاتهم، بعد ما نزع عنهما لباس الجنة، وذلك لما هم بعد الإهباط، من الحاجة إلى اللباس والمعاش. فقال سبحانه:
القول في تأويل قوله تعالى: [سورة الأعراف (٧) : آية ٢٦]
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يُوارِي سَوْآتِكُمْ وَرِيشاً وَلِباسُ التَّقْوى ذلِكَ خَيْرٌ ذلِكَ مِنْ آياتِ اللَّهِ لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ (٢٦)
يا بَنِي آدَمَ قَدْ أَنْزَلْنا عَلَيْكُمْ لِباساً يعني ما يلبس من الثياب وغيره.
قال الزمخشري: جعل ما في الأرض منزلا من السماء، لأنه قضى ثمة وكتب، أي قضى وقسم لكم، وقضاياه وقسمه توصف بالنزول من السماء، حيث كتب في اللوح المحفوظ.
وقال أبو البقاء: لما كان الريش واللباس ينبتان بالمطر، والمطر ينزل، جعل ما هو المسبب بمنزلة السبب- انتهى-.
وقال شيخ الإسلام ابن تيمية في فتوى له في معنى النزول: لا حاجة إلى إخراج اللفظ عن معناه المعروف لغة، فإن اللباس ينزل من ظهور الأنعام، فامتن سبحانه بما ينتفعون به من الأنعام في اللباس والأثاث، وهذا- والله أعلم- معنى إنزاله، فإنه ينزله من ظهور الأنعام، وهو كسوة الأنعام من الأصواف والأوبار والأشعار، وينتفع به بنو آدم في اللباس والرياش، فقد أنزلها عليهم، وأكثر أهل الأرض كسوتهم من جلود الدواب، فهي لدفع الحر والبرد، وأعظم مما يصنع من القطن والكتان.

صفحة رقم 27

يُوارِي سَوْآتِكُمْ أي يستر عوراتكم التي قصد إبليس إبداءها من أبويكم حتى اضطرا إلى خصف الأوراق، وأنتم مستغنون عن ذلك وَرِيشاً عطفه إما من عطف الصفات، فوصف اللباس بشيئين: مواراة السوأة، والزينة. فالريش بمعنى الزينة، لأنه زينة الطير فاستعير منه، وأما من عطف الشيء على غيره. أي أنزلنا لباسين: لباس مواراة ولباس زينة، فيكون مما حذف فيه الموصوف، أي لباسا ريشا أي ذا ريش، والريش مشترك بين الاسم والمصدر. وروى عليّ بن أبي طلحة عن ابن عباس، وحكاه البخاري «١» عنه: الريش المال. وحكاه غير واحد من السلف. قال الإمام ابن تيمية: وبعض المفسرين أطلق عليه لفظ المال، والمراد به مال مخصوص.
قال ابن زيد: جمالا. وقرئ: رياشا. قال ابن السكيت: الرياش هو الأثاث من المتاع، ما كان من لباس أو حشو من فراش أو دثار، والريش: المتاع والأموال، وقد يكون في الثياب دون الأموال. وإنه لحسن الريش، أي: الثياب- انتهى-.
ويقال: راش فلان، أي جمع الريش، وهو المال والأثاث. وراش الصديق أطعمه وسقاه وكساه، وأصله من الريش كأن الفقير المملق لا نهوض له، كالمقصوص منه الجناح وكل من أوليته خيرا، فقد رشته- كذا في تاج العروس-.
فائدة:
روى الإمام أحمد «٢» عن أبي أمامة عن عمر بن الخطاب قال: «قال رسول الله صلى الله عليه وسلّم: من استجدّ ثوبا فلبسه، فقال حين يبلغ ترقوته: الحمد لله الذي كساني ما أواري به عورتي، وأتجمل به في حياتي. ثم عمد إلى الثوب الذي أخلق فتصدق به، كان في ذمه الله تعالى وفي جوار الله، وفي كنف الله حيّا وميتا». ورواه الترمذي «٣» وابن ماجة «٤».
وروى الإمام أحمد «٥» عن أبي مطر أنه رأى عليّا رضي الله عنه أتى

(١) أخرجه البخاري في: بدء الخلق، ١- باب خلق آدم صلوات الله عليه وذريته ونصه: قال ابن عباس: لَمَّا عَلَيْها حافِظٌ: إلا عليها حافظ. كبد: في شدة خلق. ورياشا. (وريشا) : المال.
وفي: التفسير، ٧- سورة الأعراف. ونصه: قال ابن عباس: ورياشا، المال. [.....]
(٢) أخرجه في المسند ١/ ٤٤، والحديث رقم ٣٠٥.
(٣)
أخرجه الترمذي في: اللباس، ٢٩- باب ما يقول إذا لبس ثوبا جديدا ونصه: عن أبي سعيد قال: كان رسول الله صلّى الله عليه وسلّم، إذا استجد ثوبا سماه باسمه (عمامة أو قميصا أو رداء) ثم يقول «اللهم! لك الحمد. أنت كسوتنيه. أسألك خيره وخير ما صنع له. وأعوذ بك من شره وشر ما صنع له».
قال: وفي الباب عن عمر وابن عمر.
(٤) أخرجه ابن ماجة في: اللباس، ٢- باب ما يقول الرجل إذا لبس ثوبا جديدا، حديث رقم ٣٥٥٧ ونصه كنص المسند.
(٥) أخرجه في المسند ١/ ١٥٧، والحديث رقم ١٣٥٤.

صفحة رقم 28

غلاما حدثا، فاشترى منه قميصا بثلاثة دراهم، ولبسه إلى ما بين الرسغين إلى الكعبين، يقول ولبسه: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس، وأواري به عورتي. فقيل: هذا شيء ترويه عن نفسك أو عن نبيّ الله صلّى الله عليه وسلّم؟ قال: هذا شيء سمعته من رسول الله صلّى الله عليه وسلّم عند الكسوة: الحمد لله الذي رزقني من الرياش ما أتجمل به في الناس وأواري به عورتي.
ولما بيّن تعالى ساتر الظاهر وزينته، أشار إلى ساتر عيوب الباطن وزينته بقوله:
وَلِباسُ التَّقْوى أي: خشية الله، أو الإيمان، أو السمت الحسن، والكل متقارب، ورفعة بالابتداء، خبره جملة ذلِكَ خَيْرٌ أو خير، وذلك صفته، كأنه قيل: ولباس التقوى المشار إليه خير.
قال المهايمي: لأن الظاهر محل نظر الخلق، والباطن محل نظر الحق والعيوب الباطنة أفحش من العورات الظاهرة. وقال القاشانيّ: لباس التقوى صفة الورع والحذر من صفة النفس، ذلك خير لأنه من جملة أركان الشرائع، لأنه أصل الدين وأساسه، كالحمية في العلاج- انتهى-.
قال أبو علي الفارسي: معنى الآية: ولباس التقوى خير لصاحبه إذا أخذ به، وأقرب له إلى الله تعالى، مما خلق من اللباس والرياش الذي يتجمل به. قال:
وأضيف اللباس إلى التقوى، كما أضيف إلى الجوع في قوله: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ [النحل: ١١٢]. - انتهى-.
أي: فهو استعارة مكنية وتخييلية بأن يتوهم للتقوى حالة شبيهة باللباس، تشتمل على جميع بدنه، بحسب الورع والخشية من الله، اشتمال اللباس على اللابس، أو من قبيل (لجين الماء). وقرأ نافع وابن عامر والكسائي وَلِباسُ التَّقْوى بالنصب، عطفا على لِباساً.
ذلِكَ أي إنزال اللباس مِنْ آياتِ اللَّهِ الدالة على فضله ورحمته على عباده لَعَلَّهُمْ يَذَّكَّرُونَ أي: نعمته عليهم فيعرفون عظمتها فيشكرونها.
قال الزمخشري: وهذه الآية واردة على سبيل الاستطراد عقيب ذكر بدوّ السوآت، وخصف الأوراق عليها، إظهارا للمنة فيما خلق من اللباس، ولما في العري، وكشف العورة من المهانة والفضيحة، وإشعارا بأن التستر باب عظيم من أبواب التقوى.

صفحة رقم 29

محاسن التأويل

عرض الكتاب
المؤلف

محمد جمال الدين بن محمد سعيد بن قاسم الحلاق القاسمي

تحقيق

محمد باسل عيون السود

الناشر دار الكتب العلميه - بيروت
سنة النشر 1418
الطبعة الأولى
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية