ويقول الحق بعد ذلك : قَالَ فِيهَا تَحْيَوْنَ وَفِيهَا تَمُوتُونَ وَمِنْهَا تُخْرَجُونَ ( ٢٥ ) .
كأنه قال : وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ فأحب أن يعطينا الصور لرحلة الحياة، ويرسم لنا علاقاتنا بالأرض التي قال فيها : إني جاعل في الأرض خليفة ( من الآية ٣٠ سورة البقرة ) : فقد ربطنا بالأرض. إيجادا من طينها، ومتعة بما فيها من ميزات، وخيرات وثمرات، ثم نموت لنعود لها ونبعث من بعد ذلك. فالإنسان منا من الأرض، منها يحيا وفيها يموت، ويذهب إلى أصله ومرجعه، إلى الأم الأرض، فهي تكتفه وتضمه وتأخذه في حضنها فهي الحانية عليه وبخاصة في وقت ضعفه. وساعة ما يكون الإنسان في حالته الطبية، وله أخ حالته عكس ذلك فإن قلب الأم إنما يكون مع الضعيف، ومع المريض، ومع الصغير.
والأرض هي التي تأخذ كل البشر، تأخذ الإنسان وتمص منه الأذى، وتداري رائحته، أما أحبابه في الدنيا وإخوانه، فقد سارعوا بمواراته التراب تفاديا لرحلة التحلل. وبمجرد أن يموت الإنسان، أو ما يُنْسى هو اسمه ؛ فيقولون : " أين الجثة "، ولا يقولون : " أين فلان ". وبعد الكفن يوضع الجثمان في النعش، ليوارى في التراب ويدمدم اللحاد عليه برجليه.
تفسير الشعراوي
الشعراوي