ﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯ

ولما بين ( جل علا ) أنه أنزل هذا الكتاب العظيم على هذا النبي الكريم، وانه أنزله عليه لينذر به ويذكر، وانه يجب على أمته أن تأتسي به في الإنذار بالقرآن والتذكير به، أمر من ذكروا وانذروا- أمرهم- بما ينبغي أن يفعلوا حول ذلك الإنذار والتذكير الذي بعث به رسول صلى الله عليه وسلم فقال :[ اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم ] ( الأعراف : آية ٣ ) هذا الأمر للوجوب بإجماع العلماء، وصيغة( افعل ) وإن اختلف فيها علماء الأصول هل هي تقتضي الوجوب، أو تقتضي الندب، أو تقتضي مطلق الطلب الصادق بالندب والوجوب، او إن كانت في القرآن اقتضت الوجوب، وإن كانت في السنة اقتضت الندب. هذه الأقوال وإن ذكرها علماء الأصول فالصحيح المعروف الذي دل عليه الشرع الكريم واللغة التي نزل بها القرآن : أن صيغة ( افعل ) إذا جاءت في كتاب الله أو سنة رسوله صلى الله عليه وسلم كانت مقتضية لوجوب الامتثال، إلا أن يدل دليل آخر صارف عن ذلك الوجوب، ويكون ذلك الدليل يجب الرجوع إليه. والأدلة على هذا كثيرة : منها أن الله لما قال للملائكة :[ اسجدوا لآدم ]( البقرة : آية٣٤ ) كانت لفظة [ اسجدوا ] صيغة أمر، وهي لفظة ( افعل ) ومعروف أن المقرر في المعاني وفي أصول الفقه : أن الصيغ الدالة على الأمر التي تقتضي الوجوب أنها أربع صيغ لا خامسة لها :
الأولى منها : فعل الأمر الصريح، نحو :[ أقم الصلاة ]( الإسراء : آية ٧٨ ) وقوله هنا :[ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ]( الأعراف : آية ٣ ).
والثاني : اسم فعل الأمر، نحو :[ عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل ]( المائدة : آية ١٠٥ ).
والثالث : الفعل المضارع المجزوم بلام الأمر، نحو :[ فليحذر الذين يخالفون عن أمره ]( النور : آية٦٣ ) [ ثم ليقضوا تفثهم وليوفوا نذورهم وليطوفوا بالبيت العتيق( ٢٩ ) ]( الحج : آية ٢٩ ).
والرابعة : هي المعروفة عند النحويين بالمصدر النائب عن فعله، نحو قوله :[ فإذا لقيتم الذين كفروا فضرب الرقاب ]( محمد : آية ٤ ) يعني : فاضروا رقابهم. كقول هند بنت عتبة يوم
أحد لما انهزم المشركون هزيمتهم الأولى، وقتل حملة اللواء من بني عبد الدار، وبقي لواء قريش طريحا حتى رفعته عمرة بنت علقمة الحارثية التي يقول فيها حسان :

ولولا لواء الحارثية أصبحوا يباعون في الأسواق بيع الجلائب
عند ذلك قالت هند بنت عتبة بن ربيعة العيشمية :
صبرا بني عبد الدار
صبرا حماة الأدبار
ضربا بكل بتار
فكل هذه المصادر مصادر نابت عن أفعالها، ففيها معنى الأمر. تعني : اصبروا يا بني عبد الدار، واضربوا بكل بتار. هذه هي صيغ الأمر.
وقد دل القرآن والسنة ولغة العرب على أن صيغة ( افعل ) تقتضي الوجوب، فمن الدليل على ذلك : أن الله لما قال للملائكة :[ اسجدوا لآدم ]( البقرة : آية ٣٤ ) كانت[ اسجدوا ] صيغة ( افعل ) فلما امتنع إبليس وبخه وحكم عليه بالعصيان وقال :[ ما منعك أن تسجد لما خلقت بيدي ] موبخا له. فدل على أن عدم امتثال صيغة الأمر انه معصية. ويؤيد ذلك أن نبي الله موسى قال لأخيه هارون لما أراد السفر إلى الميقات، قال لأخيه هارون :[ اخلفني في قومي وأصلح ]( الأعراف : الآية ١٤٢ ) وهذه صيغة أمر، فلما ظن أنه لم يتبعها قال :[ أفعصيت أمري ]( طه : آية ٩٣ ) فصرح بأن مخالفة صيغة ( افعل ) معصية. ومن الأدلة على ذلك أن الله يقول :[ فليحذر الذين يخالفون عن أمرهم أن تصيبهم فتنة أو يصيبهم عذاب أليم ]( النور : الآية ٦٣ )، وقد قال جل وعلا :[ وما كان لمؤمن ولا مؤمنة إذا قضى الله ورسوله أمرا أن تكون لهم الخيرة ]( الأحزاب : آية ٣٦ ) وفي القراءة الأخرى :[ أن يكون لهم الخيرة من أمرهم ]، ومن قضائه للأمر هو أن يقول :( افعل كذا ) فدلت آية الأحزاب هذه على أن أمره تعالى قاطع الاختيار، موجب الامتثال، والأدلة بهذا كثيرة.
ووجه دلالة اللغة العربية على أن صيغة ( افعل ) تقتضي الوجوب : أن السيد المالك لعبد لو قال لعبده :( اسقني ماءا )فامتنع العبد ولم يسق سيده فأدبه وضربه أن عامة أهل اللسان يقولون : إن هذا العتاب واقع موقعه. فلو قال العبد للسيد : أنت ظلمتني بعقابي هذا ؛ لأن قولك( اسقني ) صيغة( افعل ) وهذه لا توجب ولا تلزم شيئا ! ! لقال له أهل اللسان العربي : كذبت يا عبد، بل الصيغة ألزمتك، ولكنك امتنعت، فلسيدك أن يعاقبك. هذا وجه دلالة اللغة العربية على ما ذكرنا.
وعلى كل حال فقوله :[ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ] هذا الأمر واجب بإجماع العلماء، فيجب على كل مسلم أن يتبع ما أنزله الله في هذا القرآن الكريم على سيد الخلق صلى الله عليه وسلم. والسنة جميعها إنما هي قطرة من بحر القرآن العظيم ؛ لأن القرآن بحر لا ساحل له، والسنة قطرة من بحره ؛ لأن جميع ما جاء في سنة رسول الله يدخل في قوله :[ وما آتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ]( الحشر : آية ٧ ) والعمل بما جاء عن رسول الله بالقرآن العظيم، وقد ثبت في الصحيح عن ابن مسعود( رضي الله عنه ) أنه جاءته امرأة تسأله عن ابنتها يريدها زوجها أن تزف إليه، وقد تمعط شعرها، يعني : سقط شعرها، والشعر جمال المرأة، فهي تريد أن تصل شعر رأسها بشيء تجملها به لزوجها. فذكر ابن مسعود أن الواصلة شعرها بشعر غيرها ملعونة في كتاب الله. فجاءته المرأة بعد ذلك وقالت له : لقد قرأت ما بين اللوحتين أو ما بين الدفتين فلم أجد لعن الواصلة في كتاب الله ! ! فقال لها : إن كنت قرأتيه فقد وجدتيه، أو ما قرأت :[ وما أتاكم الرسول فخذوه وما نهاكم عنه فانتهوا ] قالت : بلى. قال : هو صلى الله عليه وسلم لعن الواصلة. وهذا مما يدل على أن كل ما في سنة رسول الله فالعمل به عمل بكتاب الله.
[ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ] فعلى جميع المسلمين في مشارق الأرض ومغاربها أن يعملوا بهذه الأوامر السماوية المنزلة من خالق السماوات والأرض، الذي فتح أعينهم في وجوههم، وصبغ لهم بعضها بصبغ أسود، وبعضها بصبغ أبيض، وفتح لهم آنافهم وأفواههم، وأعطاهم الألسنة، وأنبت لهم الأسنان، وشق لهم المحل الذي ينزل عنهم منه البول والغائط، وفتح لهم العروق والشرايين ليجري فيها الدم، فهذا لو لم يثقبه رب العالمين ويفتحه لما قدر أحد على أن يثقبه ! ! هذا الذي هذه عظمته، وهذا سلطانه وقدرته عليكم يأمركم بوحيه المنزل من فوق سبع سموات أن تتبعوا أوامره ونواهيه التي انزلها على رسله، ولا تتبعوا أولياء غيره( جل وعلا )، ولا تشريعات غير شرعه ( جل وعلا )، فيجب على جميع المسلمين أن يعلموا أن الحلال هو ما أحله الله، والحرام هو ما حرمه الله، والدين هو ما شرعه الله، والمتبع هو نظام الله الذي أنزله في هذا القرآن على سيد الخلق ( صلوات الله وسلامه عليه ). فالذين يتمردون على هذا الأمر ويسمعون في القرآن :[ اتبعوا ما أنزل إليكم من ربكم ] و يقولون : لا، لا يمكن أن نتبع ما انزل إلينا من ربنا بل نتبع قانون نابليون، أو قانون فلان، أو فلان من القوانين الوضعية المستوردة المتمردة على نظام خالق السماوات والأرض ! ! هذا أمر لا يليق، وصاحبه ليس من الإيمان في شيء ؛ لأن هذا الكون ليس فوضى، وإنما له خالق جبار ملك عظيم قهار خالق كل شيء، وبيده كل شيء، وإليه مرجع كل شيء، ولا يقبل أبدا ولا يرضى أبدا أن يتبع شيء إلا الشيء الذي أنزل هو ( جل وعلا ) على رسوله الكريم لينذر به ويذكر به المؤمنين. فهذا هو الذي ينبغي أن يتبع، وهو نظام السماء الذي يحفظ لبني آدم في دار الدنيا أديانهم أتم الحفظ، ويحفظ لهم أنفسهم، ويحفظ لهم عقولهم، ويحفظ لهم أنسابهم، ويحفظ لهم أموالهم، ويحفظ لهم أعراضهم، إلى غير ذلك من مقوماتهم الدينية والدنيوية، فيجب إتباعه وعدم العدول عنه إلى غيره.
وبهذا تعلمون أن من يقوم ويعلن في وقاحة أمام جميع الدنيا انه لا يتبع ما أنزله الله إلى سيد الخلق( صلوات الله وسلامه عليه )، والله يأمر باتباع ما أنزل وترك اتباع غيره، وهو يعلن إذا كان رئيسا لقوم باسم الذين يزعم أنه ممثلهم أنه لا يحكم بما أنزل الله، ولا يتبع ما أنزل الله، بل يحكم بقانون آخر وضعي وضعه زنادقة كفرة فجرة مظلمة قلوبهم، هم في أصل وضعه عالة على علماء المسلمين، زنادقة كفرة فجرة، يرغب عن تنزيل رب العالمين المأمور باتباعه فيذهب إلى وضع الخنازير الكفرة الفجرة، يعتقد أنه هو الذي ينظم علاقات الحياة، زاعما أن القرآن تقاليد قديمة، وأن ركب الحضارة تطور عنها، وان الدنيا تطورت في أحوالها الراهنة تطورا بعد نزول القرآن لا يمكن أن ينظمها القرآن ! ! فهذا كلام الفراعنة الجهلة المتمردين على نظام السماء. ولا يوجد في الدنيا نظام يضبط علاقات الخلق، وينشر الطمأنينة والرخاء والعدالة مثل نظام السماء الذي وضعه خالق السماوات والأرض ( جل وعلا ). والقرآن بين لنا في آيات كثيرة أن الذي يتمرد على هذا الأمر في آية سورة الأعراف :[ اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم ] ولم يتبع ما أنزل إليه من ربه، واتبع القوانين والنظم الوضعية بين لنا في غير ما آية أنه كافر، وان ربه الشيطان، وأن مصيره إلى النار خالدا مخلدا.
( والآيات القرآنية الدالة على هذا كثيرة جدا، من ذلك ما بيناه مرارا : أن إبليس عليه لعنة الله، لما جاء تلامذته وإخوانه من أهل مكة، وأراد أن يهيئ لهم وحي الشياطين ليجادلوا به النبي صلى الله عليه وسلم، قال لهم : سلوا محمدا عن الشاة تصبح ميتة، من هو الذي قتلها ؟ فلما أخبرهم أن الله هو الذي قتلها، قالوا له من وحي الشيطان : ما ذبحتموه بأيديكم-يعنون المذكاة- تقولون : حلال، وطاهر، وطيب مستلذ وما ذبحه الله بيده الكريمة-يعنون الميتة، أن الله قتلها-تقولون : هو حرام، ميتة، مستقذر، فأنتم إذا أحسن من الله ! ! وانزل الله في وحي الشياطين جوابا لنبيه عنه قوله :[ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ]( الأنعام : آية ١٢١ ) يعني : الميتة، وإن زعم أولياء الشيطان أنها ذبيحة الله، ثم قال :[ وإنه لفسق ] أي : وإن أكل الميتة لفسق، وخروج عن طاعة الله، ثم قال- وهو محل الشاهد- :[ وإن أطعتموهم إنكم لمشركون ] وإن أطعمتموهم في تحليل الميتة إنكم لمشركون.
اعلم أن تحليل الميتة وتحريمها ليس عقيدة من العقائد، ولا أصلا من الأصول، وإنما هو فرع من الفروع. مضغة لحم شرع الله على لسان نبيه تحريمها ؛ لأنها ماتت ولم يذكر عليها اسم الله، وشرع إبليس على لسان أوليائه تحليلها، فهذا نظام إبليس، وهو تحليل الميتة، وهذا نظام خالق السماوات والأرض الذي شرعه على لسان نبيه. الله يقول : هذه ماتت حتف انفها، ولم تذك ولم يذكر اسم الله عليها. و الشيطان يشرع بفلسفته ويقول :) الحلال ما قتله الله، وهو ذبيحة الله، وان المذكاة التي سمي عليها الله أنها ليست أحل من الجيفة ؛ لأنكم أنتم الذين قتلتموها، وقتل الله أحل من قتلكم ! ! هذا وحي الشيطان، وفلسفة الشيطان، يريد أن يحلل لحم الميتة ! ! ونظام السماء يحرم لحم الميتة على لسان الرسول مأمورا بقوله :[ اتبعوا ما انزل إليكم من ربكم ] ومنه تحريم الميتة، أنزل الله :[ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عليه ]( النعام : آية١٢١ ) يعني : الميتة، وإن زعم أولياء الشيطان وأتباعه الذي يوحي إليهم انه ذبيحة الله بسكين من ذهب، وانه أحل من ذبيحة المسلمين. قال :[ ولا تأكلوا مما لم يذكر اسم الله عل

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير