ويقول الحق بعد ذلك :
اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ٣ :
ومادام العباد سينقسمون أمام صاحب الرسالة والكتاب الذي جاء به إلى من يقبل الهداية، ومن يحتاج إلى النذارة لذلك يقول لهم : اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ
( من الآية ٣ سورة الأعراف ) :
وينهاهم عن الشرك وعدم الاستهداء أي طلب الهداية فيقول : وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ ( من الآية ٣ سورة الأعراف ).
وحينما يأتي الحق سبحانه في مثل هذه الآيات ويقول : " وذكرى ". أو " وذكِّر " إنما يلفتنا إلى أن الفطرة المطبوع عليها الإنسان مؤمنة، والرسالات كلها لم تأت لتنشئ إيمانا جديدا، وإنما جاءت لتذكر بالعهد الذي أخذ علينا أيام كنا في عالم الذر، وقبل أن يكون لنا شهوة اختيار : وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتَ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا.. ١٧٢ [ سورة الأعراف ].
هذا هو الإقرار في عالم الذر، إذن فحين يقول الحق : قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ فنحن نلفت إلى ما نسي الآباء أن يبلغوه إلى الأبناء ؛ فالآباء يعلمون الأبناء متطلبات حياتهم، وكان من الواجب أن يعلموهم مع ذلك قيم الحياة التي تلقوها ؛ لأن آدم وحواء أول ما نزلا إلى الأرض قال لهما الحق : فإما يأتينكم مني هدى فمن اتبع هداي.. ١٢٣ [ سورة طه ] : وهكذا نعلم أن هناك " هدى " قد نزل على آدم، وكان من الواجب على آدم أن يعلمه للأبناء، ويعلمه الأبناء للأحفاد، وكان يجب أن يظل هذا " الهدى " منقولا في سلسلة الحياة كما وصلت كل أقضية الحياة. ويأتي سبحانه لنا بحيثيات الإتباع.
اتَّبِعُواْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكُم مِّن رَّبِّكُمْ.. ٣ [ سورة الأعراف ] : فالمنهج الذي يأتي من الرب الأعلى هو الذي يصلح الحياة، ولا غضاضة على أحد منكم في أن يتبع ما أنزل إليه من الإله المربي القادر. الذي ربّى، وخلق من عدم، وأمد من عدم، وهو المتولي للتربية، ولا يمكن أن يربي أجسادنا بالطعام والشراب والهواء ولا يربي قيمنا بالأخلاق. وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء .
ومادام قد أوضح : اتبعوا ما أنزل إليكم من أعلى، فلا يصح أن تأتي لمن دونه وتأخذ منه، مثلما يفعل العالم الآن حين يأخذ قوانينه من دون الله ومن هوى البشر. فهذا يحب الرأسمالية فيفرضها بالسيف، وآخر يحب الاشتراكية فيفرضها بالسيف. وكل واحد يفرض بسيفه القوانين التي تلائمه. وكلها دون منهج الله لأنها أفكار بشر، وتتصادم بأفكار بشر، والأولى من هذا وذاك أن نأخذ مما لا نستنكف أن نكون عبيدا له.
.. وَلاَ تَتَّبِعُواْ مِن دُونِهِ أَوْلِيَاء قَلِيلاً مَّا تَذَكَّرُونَ٣ [ سورة الأعراف ] : وتذكر أيها المؤمن أن عزتك في إتباع منهج الله تتجلى في انك لا تخضع لمساو لك، وهذه ميزة الدين الذي يجعل الإنسان يحبا في الكون وكرامته محفوظة، وإن جاءته مسألة فوق أسبابه يقابلها بالمتاح له من الأسباب مؤمنا بأن رب الأسباب سيقدم العون، ويقدم الحق له العون فعلا فيسجد لله شاكرا، أما الذي ليس له رب فساعة أن تأتي له مسألة فوق أسبابه تضيق حياته عليه وقد ينتحر.
ثم بعد ذلك يبين الحق أن موكب الرسالات سائر من لدن آدم، وكلما طرأت الغفلة على البشر أرسل الله رسولا ينبههم. ويوقظ القيم والمناعة الدينية التي توجد في الذات، بحيث إذا مالت الذات إلى شيء انحرافي تنبه الذات نفسها وتقول : لماذا فعلت هكذا ؟. وهذه هي النفس اللوامة. فإذا ما سكتت النفس اللوامة واستمرأ الإنسان الخطأ، وصارت نفسه أمارة بالسوء طوال الوقت ؛ فالمجتمع الذي حوله يعدله.
وهذه فائدة التواصي بالحق والصبر، فكل واحد يوصّى في ظرف، ويوصِّي في ظرف آخر ؛ فحين تضعف نفسه أمام شهوة يأتي شخص آخر لم يضعف في هذه الشهوة وينصح الإنسان، ويتبادل الإنسان النصح مع غيره، هذا هو معنى التواصي ؛ فالوصية لا تأتي من جماعة تحترف توصية الناس، بل يكون كل إنسان موصيا فيما هو فيه قوي، ويوصي فيما هو فيه ضعيف، فإذا فسد المجتمع، تتدخل السماء برسول جديد ومعجزة جديدة، ومنهج جديد، لكن الله أمن أمة محمد على هذا الأمر فلم يجيء رسول بعده لأننا خير امة أخرجت للناس. والخيرية تتجلى في أننا نأمر بالمعروف وننهى عن المنكر، فالتواصي باق إلى أن تقوم الساعة. كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ.. ( ١١٠ ) [ سورة آل عمران ].
وهذه خاصية لن تنتهي أبدا، فإن رأيت منكرا فلابد من خلية خير تنكره وتقول : لا، وإذا كانت الحق قد جعل محمدا خاتم الرسل، فذلك شهادة لأمته أنها أصبحت مأمونة، وأن المناعة الذاتية فيها لا تمتنع ولا تنقطع، وكذلك لا تمتنع منها أبدا المناعة الاجتماعية فلن يأتي رسول بعد سيد الخلق سيدنا محمد صلى الله عليه وسلم.
تفسير الشعراوي
الشعراوي