هذه وقفة من وقفات التعقيب في سياق السورة. وهي وقفة طويلة بعد المشهد الأول في قصة البشرية الكبرى. وفي سياق السورة وقفات كهذه عند كل مرحلة. كأنما ليقال : قفوا هنا نتدبر ما في هذه المرحلة من عبرة قبل أن نمضي قدماً في الرحلة الكبرى !
وهي وقفة في مواجهة المعركة التي بانت طلائعها بين الشيطان والبشرية. وقفة للتحذير من أساليب الشيطان ومداخله ؛ ولكشف خطته ما كان منها وما يكون متمثلاً في صور وأشكال شتى.
ولكن المنهج القرآني لا يعرض توجيهاً إلا لمواجهة حالة قائمة ؛ ولا يقص قصصاً إلا لأن له موقعاً في واقع الحركة الإسلامية.. إنه كما قلنا لا يعرض قصصاً لمجرد المتاع الفني ! ولا يقرر حقيقة لمجرد عرضها النظري.. إن واقعية الإسلام وجديته تجعلان توجيهاته وتقريراته، لمواجهة حالات واقعة بالفعل في مواجهة الحركة الإسلامية.
وقد كان واقع الجاهلية العربية هو الذي يواجهه التعقيب هنا عقب المرحلة الأولى من قصة البشرية الكبرى.. كانت قريش قد ابتدعت لنفسها حقوقاً على بقية مشركي العرب الذين يفدون لحج بيت الله - الذي جعلوه بيتاً للأصنام وسدنتها ! - وأقامت هذه الحقوق على تصورات اعتقادية زعمت أنها من دين الله ؛ وصاغتها في شرائع، زعمت أنها من شرع الله ! وذلك لتخضع لها أعناق المشركين ؛ كما يصنع السدنة والكهنة والرؤساء في كل جاهلية على وجه التقريب.. وكانت قريش سمت نفسها اسماً خاصاً وهو " الحُمس " وجعلوا لأنفسهم حقوقاً ليست لسائر العرب. ومن هذه الحقوق - فيما يختص بالطواف بالبيت - أنهم هم وحدهم لهم حق الطواف في ثيابهم. فأما بقية العرب فلا تطوف في ثياب لبستها من قبل. فلا بد أن تستعير من ثياب الحمس للطواف أو تستجد ثياباً لم تلبسها من قبل وإلا طافوا عرايا وفيهم النساء !
قال ابن كثير في التفسير :[ كانت العرب - ما عدا قريشاً - لايطوفون بالبيت في ثيابهم التي لبسوها، يتأولون في ذلك أنهم لا يطوفون في ثياب عصوا الله فيها ! وكانت قريش - وهم الحمس - يطوفون في ثيابهم. ومن أعاره أحمسي ثوباً طاف فيه ؛ ومن معه ثوب جديد طاف فيه. ثم يلقيه فلا يتملكه أحد ! ومن لم يجد ثوباً جديداً، ولا أعاره أحمسي ثوباً طاف عرياناً ! وربما كانت امرأة فتطوف عريانة، فتجعل على فرجها شيئاً ليستره بعض الستر... وأكثر ما كان النساء يطفن عراة بالليل. وكان هذا شيئاً قد ابتدعوه من تلقاء أنفسهم، واتبعوا فيه آباءهم، ويعتقدون أن فعل آبائهم مستند إلى أمر من الله وشرع ؛ فأنكر الله تعالى عليهم ذلك فقال :( وإذا فعلوا فاحشة قالوا : وجدنا عليها آباءنا والله أمرنا بها ).. فقال تعالى رداً عليهم :( قل ). أي يا محمد لمن ادعى ذلك. ( إن الله لا يأمر بالفحشاء ) أي هذا الذي تصنعونه فاحشة منكرة، والله لا يأمر بمثل ذلك. ( أتقولون على الله ما لا تعلمون ).. أي أتسندون إلى الله من الأقوال ما لا تعلمون صحته. وقوله تعالى :( قل : أمر ربي بالقسط ).. أي بالعدل. والاستقامة :( وأقيموا وجوهكم عند كل مسجد، وادعوه مخلصين له الدين ).. أي أمركم بالاستقامة في عبادته في محالها، وهي متابعة المرسلين المؤيدين بالمعجزات فيما أخبروا به عن الله، وما جاءوا به من الشرائع، وبالإخلاص له في عبادته. فإنه تعالى لا يتقبل العمل حتى يجمع هذين الركنين :[ أي أن يكون صواباً موافقاً للشريعة، وأن يكون خالصاً من الشرك ].
ففي مواجهة هذا الواقع الجاهلي في شؤون التشريع للعبادة والطواف واللباس - مضافاً إليه ما يختص بتقاليد كهذه في الطعام يزعمون أنها من شرع الله وليست من شرع الله - في مواجهة هذا الواقع جاءت تلك التعقيبات على قصة البشرية الأولى. وجاء ذكر الأكل من ثمر الجنة - إلا ما حرم الله - وجاء ذكر اللباس خاصة، ونزع الشيطان له عن آدم وزوجه بإغوائه لهما بتناول المحظور ؛ وجاء ذكر حيائهما الفطري من كشف السوآت، وخصفهما على سوآتهما من ورق الجنة..
فما ذكر من أحداث القصة، وما جاء في التعقيب الأول عليها، هو مواجهة واقعية لواقع معين في الجاهلية..
والقصة تذكر في مواضع أخرى من القرآن، في سور أخرى، لمواجهة حالات أخرى، فتذكر منها مواقف ومشاهد، وتذكر بعدها تقريرات وتعقيبات تواجه هذه الحالات الأخرى.. وكله حق.. ولكن تفصيل القرآن لمواجهة الواقع البشري هو الذي يقتضي هذا الاختيار والتناسق. بين حلقات القصص المعروض في كل معرض، وطبيعة الجو والموضوع في كل معرض.
ولأن هذه القضية التي تبدو فرعية، لها كل هذه الأهمية في ميزان الله وفي حساب الإسلام، لارتباطها أولا بقضية التوحيد والشرك ؛ ولارتباطها ثانياً بصلاح فطرة الإنسان وخلقه ومجتمعه وحياته، أو بفساد هذا كله.. فإن السياق يعقب عليها بإيقاع قوي مؤثر ؛ يوقع به عادة في مواقف العقيدة الكبيرة.. إنه يعقب بتنبيه بني آدم، إلى أن بقاءهم في هذه الأرض محدود مرسوم ؛ وأنه إذا جاء الأجل فلا يستقدمون ساعة ولا يستأخرون :
( ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون ).
إنها حقيقة أساسية من حقائق هذه العقيدة، يوقع بها السياق على أوتار القلوب الغافلة - غير الذاكرة ولا الشاكرة - لتستيقظ، فلا يغرها امتداد الحياة !
والأجل المضروب إما أجل كل جيل من الناس بالموت المعروف الذي يقطع الحياة. وإما أجل كل أمة من الأمم بمعنى الأمد المقدر لقوتها في الأرض واستخلافها.. وسواء هذا الأجل أو ذاك فإنه مرسوم لا يتقدمون عنه ولا يستأخرون.
ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولاً بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلاً من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه :( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :( سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون : قل : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ).. حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم : تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره : قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً... الخ..
وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره :( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ). مشيراً هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلاً :( قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لمينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ).. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا مايدعونه هم وينسبونه( إلى الله - : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد..... وكلوا واشربوا ولاتسرفوا، إنه لا يحب المسرفين )..
وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون !
ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم :( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن !..
وقبل أن نترك هذه الجولة نسجل ما لا حظناه من التشابه العجيب في مواجهة المنهج القرآني للجاهلية في شأن الذبائح والنذور والتحليل فيها والتحريم - في سورة الأنعام - ومواجهته للجاهلية - هنا في شأن اللباس والطعام..
ففي شأن الذبائح والنذور في الأنعام والثمار، بدأ أولاً بالحديث عما تزاوله الجاهلية فعلاً من هذه التقاليد ؛ وعما تزعمه - افتراء على الله - من أن هذا الذي تزاوله هو من شرع الله. ثم طلب إليهم الدليل الذي يستندون إليه في أن الله حرم هذا الذي يحرمونه، وأحل هذا الذي يحلونه :( أم كنتم شهداء إذ وصاكم الله بهذا، فمن أظلم ممن افترى على الله كذباً ليضل الناس بغير علم ؟ إن الله لا يهدي القوم الظالمين ).. ثم واجه هروبهم من هذه المواجهة بإحالة الأمر إلى قدر الله وإلى أمره لهم بهذا الشرك الممثل في مزاولة الحاكمية وهي من خصائص الألوهية :( سيقول الذين أشركوا : لو شاء الله ما أشركنا ولا آباؤنا ولا حرمنا من شيء ! كذلك كذب الذين من قبلهم حتى ذاقوا بأسنا. قل : هل عندكم من علم فتخرجوه لنا ؟ إن تتبعون إلا الظن، وإن أنتم إلا تخرصون : قل : فلله الحجة البالغة فلو شاء لهداكم أجمعين. قل : هلم شهداءكم الذين يشهدون أن الله حرم هذا. فإن شهدوا فلا تشهد معهم، ولا تتبع أهواء الذين كذبوا بآياتنا والذين لا يؤمنون بالآخرة وهم بربهم يعدلون ).. حتى إذا انتهى من تفنيد هذا الباطل الذي يدعونه ويفترونه، قال لهم : تعالوا لأبين لكم حقيقة ما حرم الله عليكم وحقيقة ما أمركم به : عن المصدر الصحيح الوحيد المعتمد في هذا الشأن ؛ والذي لا يجوز الأخذ عن غيره : قل : تعالوا أتل ما حرم ربكم عليكم، ألا تشركوا به شيئاً... الخ..
وهنا كذلك سار على نفس النسق، وعلى ذات الخطوات.. ذكر ما هم عليه من فاحشة العري ومن الشرك في مزاولة الحاكمية في التحريم والتحليل في اللباس والطعام. وحذرهم ما هم عليه من الفاحشة والشرك، وذكرهم مأساة العري التي واجهها أبواهما في الجنة بفعل الشيطان وكيده ؛ ونعمة الله عليهم في إنزال اللباس والرياش.. ثم استنكر دعواهم أن ما يزاولونه من التحريم والتحليل هو من شرع الله وأمره :( قل : من حرم زينة الله التي أخرج لعباده والطيبات من الرزق. قل : هي للذين آمنوا في الحياة الدنيا. خالصة يوم القيامة. كذلك نفصل الآيات لقوم يعلمون ). مشيراً هنا إلى العلم اليقيني لا الظن والخرص الذي يبنون عليه دينهم وشعائرهم وعباداتهم وشرائعهم.. حتى إذا أبطل دعواهم فيما يزاولون عاد ليقرر لهم ما حرمه ربهم عليهم فعلاً :( قل إنما حرم ربي الفواحش - ما ظهر منها وما بطن - والإثم والبغي بغير الحق، وأن تشركوا بالله ما لمينزل به سلطاناً، وأن تقولوا على الله ما لا تعلمون ).. كما أنه قد بين لهم من قبل حقيقة ما أمر الله به في شأن اللباس والطعام - لا مايدعونه هم وينسبونه( إلى الله - : يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد..... وكلوا واشربوا ولاتسرفوا، إنه لا يحب المسرفين )..
وفي كلتا المواجهتين علق القضية كلها بقضية الإيمان والشرك. لأنها في صميمها هي قضية الحاكمية، ومن الذي يزاولها في حياة البشر. وقضية عبودية الناس ولمن تكون !
ذات القضية، وذات المنهج في مواجهتها. وذات الخطوات.. وصدق الله العظيم :( ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافاً كثيراً ) وهذه الوحدة في المنهج تبدو أهميتها ويزداد بروزها حين نذكر طبيعة سورة الأنعام وطبيعة سورة الأعراف والمجالين المختلفين اللذين تعالجان فيهما قضية العقيدة.. فإن اختلاف المجال لم يمنع وحدة المنهج في مواجهة الجاهلية في القضايا الأساسية.. وسبحان منزل هذا القرآن !..