(وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ فَإِذَا جَاءَ أَجَلُهُمْ لَا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً وَلَا يَسْتَقْدِمُونَ)، هذا بيان نهاية كل إنسان في هذه الحياة الدنيا، فهو يعيش إلى أجل محدود قد عينه الله تعالى له، لَا يتأخر ولا يتقدم، وأجل الإنسان هو نهاية حياته.
وقال - سبحانه وتعالى: (وَلِكُلِّ أُمَّةٍ أَجَلٌ)، ولم يقل لكل إنسان أجل مع أنه لكل إنسان أجل فعلا فلماذا اختار - جل جلاله - ذكر أجل الأمة تلك حكمة الله تعالى فيما يختار من بيان في الذكر الحكيم، ونتلمس الحكمة في ذلك، نقول: إنه - سبحانه وتعالى - ذكر الأمة، دون الآحاد بآحادها أولا - لأنه إذا كان للأمة بآحدها وجماعاتها أجل فأولى أن يكون للآحاد آجالها، ثانيا - ولأن الأمة
هى الجماعة التي يجمعها عصر وعادات وتقاليد، ويكون فيها توجيه إلى الخير أو إلى الشر، فهي جيل له أحواله، وعليه تبعاته، فالله - سبحانه - أخبرنا أن لكل جيل من الأجيال أجله الذي ينتهي عنده، ويذهب بأثقاله ويجيء من بعده جيل آخر له شأنه.
وقوله تعالى: (لا يَسْتَأخِرُونَ سَاعَةً) والساعة أقل من الزمان، والسين والتاء في (يَسْتَأخِرُونَ) للطلب، والمعنى لَا يتأخرون، والتعبير بالسين والتاء هنا إشارة إلى أنه لَا يتأخر، ولو طلبوا تأخيره، بما يقتضيه حب الحياة بالنسبة للعصاة فإنهم يتمنون الحياة، ولا يتمنون الموت أبدا.
(وَلا يَسْتَقْدِمُونَ)، " أى لَا يُقَدَّم ولو طلبوا أن يقدموا؛ كأولئك المؤمنين الذين يستعجلون لقاء ربهم لَا طلبا للموت ولكن رغبة في الحياة الآخرة ولقاء ربهم، طمعا في ثوابه، أو رغبة في رضوانه.
والمعنى لكل أجل كتاب والموت بأي سبب من الأسباب هو نهاية الأجل الذي لَا يتأخر ولا يتقدم فالموت بمرض، أو بقتل أو حرق أو غرق، أو استشهاد في سبيل كلمة حق لأجل الله تعالى: (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ...).
وقدم قوله تعالى: (لا يَسْتَأْخِرُونَ سَاعَةً) على (يَسْتَقْدِمُونَ)؛ لأن الرغبة
كثيرة، والرغبة في التقديم قليلة والله يتولى الأنفس وهو بكل شيء عليم.
وإن من بعد انتهاء الآجال يكون البعث، ويكون بعد البعث الحساب على التصديق والتكذيب لما جاء به الرسل، ولذا قال عز من قائل:
* * *
زهرة التفاسير
محمد بن أحمد بن مصطفى بن أحمد المعروف بأبي زهرة