ﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩ

يقول جل وعلا :[ ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم لا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون( ٣٤ ) ]( الأعراف : آية ٣٤ ) لما أمر الله ( جل وعلا ) ونهى هدد الأمة التي بعث بها نبيه صلى الله عليه وسلم أن كل أمة لها وقت محدد وأجل معين، إذا انتهى ذلك الأجل جاءها أمر الله. وهذا تهديد لكفار قريش الذين كذبوه صلى الله عليه وسلم، والموعظة بالحكم عامة.
ويجب على كل إنسان أن يعلم أن كل إنسان من أفراد كل أمة ؛ وأن كل امة- الجميع محدود له أجل معين لا يتقدمه بلحظة ولا يتأخر عنه بلحظة، كما ذكره هنا في الأمم، وبينه أيضا في الأشخاص في آيات متعددة، كقوله :[ وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتابا مؤجلا ]( آل عمران : آية ١٤ ) أي : شيئا مكتوبا محددا بأجل معين ووقت محتوم لا يتقدم عنه ولا يتأخر، وإذا كان عمر الإنسان محددا عند الله بوقت معين لا يتقدم عنه ولا يتأخر، وهو لا يدري أذلك الوقت قريب أو بعيد أو متوسط، قد يمكن أن يكون موته قريبا وهو لاه يضحك، أكفانه تنسج- وهي حاضرة موجودة- وهو لاه يضحك ويلعب ويعصي الله ! !.
فعلى كل عاقل أن يبادر بغتة الموت، وان يخاف أن يكون الوقت المحدد لعمره قد انتهى أو قارب الانتهاء، فيحمله ذلك على أن يشتغل بما يرضي ربه لتكون خواتيم عمله طيبة، فعلى كل إنسان أن يعتبر أن له أجلا محددا ووقتا معينا لا يتقدم عنه ولا يتأخر، وإذا كان لا يدري هل ذلك الوقت قريب جدا فعليه أن يعمل بعمل من هو عالم انه يموت قريبا لئلا يعالجه الموت وهو مقيم على معاصي الله وما يسخط ربه، فيموت شر ميتة، فيجر إلى القبر مغضوبا عليه من ربه- والعياذ بالله- فعلى كل مسلم أن يلاحظ هذا، ويحسن عمله خوفا من أن يكون الأجل المحدد له أوشك على الانتهاء. وهذه موعظة يجب على كل مسلم أن يعتبر بها، والأمم منهم من يكون اجلها المضروب لها واحدا، كالأمة التي يأتيها الهلاك في وقت واحد، كقوم نوح الذين اجترفهم الطوفان في وقت واحد، وكقوم هود الذين أهلكتهم الريح العقيم في وقت واحد، وكقوم صالح الذين أخذتهم الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين، إلى غير ذلك من قصص المبينة في القرآن. وقد يموت من الأمة أفراد، أفراد، وأفراد من غير استئصال في وقت واحد. والأمة المهلكة في وقت واحد، والأفراد التي تموت، كل منها بأجل محدد له، ووقت معلوم عند الله، لا يتقدمه ولا يتأخر عنه، فمن قتل فقد مات بأجله الذي قدره الله عليه، خلافا للمعتزلة القدرية الذين يزعمون أن أعمال العباد لا مشيئة فيها، فيقولون : عمره كان أكثر من هذا، ولكن القاتل نقص عمره فقتله قبل أجله. فهذا جهل بالله، وقدح في علم الله ؛ لأن الله عالم بكل ما كان وما سيكون، عالم بكل وقت يموت فيه الإنسان، فلا بد أن يموت في الوقت المعين الذي سبق علم الله انه يموت فيه، فمن مات فقد انقضى اجله المحدد لع عند الله، الذي كان الله يعلم سابقا انه عند انقضائه سيموت كما هو مذهب أهل السنة والجماعة.
والأمة أطلقت في القرآن العظيم أربعة إطلاقات، كلها عربية فصحى : وهي معنى آيات من كتاب الله.
أطلقت الأمة في القرآن على الطائفة المجتمعة في دين أو نحلة. وهذا أكثر إطلاقاتها، نحو :[ كل ما جاء أمة رسولها كذبوه ]( المؤمنون : آية ٤٤ ) [ كان الناس أمة واحدة ]( البقرة : آية ٢١٣ ) [ ولكل أمة أجل ]( الأعراف : آية ٣٤ ).
وأطلقت الأمة في آية من كتاب الله على الرجل المقتدى به، الذي هو إمام ؛ لأن إبراهيم قال الله له :[ إني جاعلك للناس إماما ]( البقرة : آية ١٢٤ ) ولذا سماه أمة في قوله :[ إن إبراهيم كان امة قانتا لله ].
وأطلقت الأمة في القرآن على البرهة من الزمن، والقطعة من الدهر. ومنه بهذا المعنى قوله في أول سورة هود :[ ولئن أخرنا عنهم العذاب إلى امة معدودة ]( هود : آية ٨ ) إلى مدة معينة من الدهر. وقوله في سورة يوسف :[ وقال الذي نجا منهما واذكر بعد أمة ]( يوسف : آية ٤٥ ) أي : تذكر بعد برهة من الزمن.
وأطلقت الأمة في القرآن- وهو كثير في كلام العرب- على نفس الشريعة والملة. وإطلاق الأمة على الدين والطريقة الذي هو الشريعة والملة متعدد جدا في القرآن، ومنه قوله تعالى عن الكفار :[ إنا وجدنا آباءنا على أمة ]( الزخرف : آية ٢٣ ) أي : على ملة وشريعة ودين[ إن هذه أمتكم أمة واحدة ]( الأنبياء : آية ٩٢ ) أي : دينكم وشريعتكم وملتكم طريقة واحدة. وهذا المعنى مشهور في كلام العرب، ومنه قول نابغة ذبيان :
حلفت فلم اترك لنفسك ريبة *** وهل يأثمن ذو أمة وهو طائع ؟
يقول : وهل يأثمن صاحب دين فيرتكب ما يخالف دينه وهو طائع ؟ يقول هذا وهو كافر.
وقوله :[ لكل أمة ] من الأمم[ أجل فإذا جاء أجلهم ] أي : جاء الوقت المعين المحدد لإهلاكهم هلكوا. كقوم نوح لما جاء الوقت المحدد لهم- المشار إليه بقوله :[ وفار التنور قلنا احمل فيها من كل زوجين اثنين ]( هود : آية ٤٠ )- اهلكوا، وقوم هود لما جاء الوقت المحدد لإهلاكهم أرسل الله عليهم الريح العقيم [ ما تذر من شيء أتت عليه إلا جعلته كالرميم( ٤٢ ) ]( الذاريات : ٤٢ ) [ فأهلكوا بريح صرصر عاتية ]( الحاقة : ٦ ) وكذلك قوم صالح، وقوم لوط، وقوم شعيب، وفرعون وقومه، كل أمة من الأمم جاء الوقت المحدد لها وأراد الله إهلاكها أهلكها عند الوقت المعين ؛ لأن قريشا استعجلوا بالعذاب فقالوا للنبي صلى الله عليه وسلم :[ ما يحبسه ]( هود : آية ٨ ) ما يحبس العذاب ؟ [ عجل لنا قطنا قبل يوم الحساب ]( ص : آية ١٦ ) وأصل ( القط ) في لغة العرب : هو الصك الذي يكتب به الملك الجوائز للزائرين، لأنه يكتب أوراقا كل واحدة فيها عطاء فلان، فتلك الورقة المكتوب فيها جائزة كل إنسان ممن زار الملك هي قطه، وهو معروف في كلام العرب، ومنه قول الشاعر :
ولا الملك النعمان يوم لقيته *** على ملكه يعطي القطوط ويأفق
ومعنى ( يأفق ) : يفضل بعضا على بعض في العطاء، فقوله :[ عجل لنا قطنا ]أي : نصيبنا من العذاب الذي تزعم. فاستعجلوا بالعذاب، والله يقول [ ويستعجلونك بالعذاب ]( الحج : آية ٤٧ ) وقد جاء استعجالهم به في آيات كثيرة، فبين لهم في هذه الآية من سورة الأعراف أن الله إن أراد إهلاك أمة أو عذابها فلذلك وقت معين محدد عنده لا يتقدمه ولا يتأخره [ ولكل أمة أجل فإذا جاء أجلهم ] المعين لإهلاكهم والقضاء عليهم [ لا يستأخرون ]عن ذلك الأجل [ ساعة ] بل يهلكون عند وقت مجيء الأجل ولا يتقدمون عنه، ولا يمكن أن يهلكوا قبله ولا أن يتأخروا عنه ؛ لأنها مواقيت معينة لا يسبقها ما عين لها ولا يتأخر عنها. وقوله في هذه الآية الكريمة :[ فإذا جاء أجلهم ] قرأ هذا الحرف ابن عامر، وعاصم، وحمزة، والكسائي :[ فإذا جاء أجلهم ]بتحقيق الهمزتين، وقرأه أبو عمرو، وقالون عن نافع، والبزي عن ابن كثير :[ فإذا جاء أجلهم ] بإسقاط إحدى الهمزتين. والقراء مختلفون : هل الهمزة الساقطة هي الأولى او الثانية ؟ وقرأه ورش عن نافع، وقنبل عن ابن كثير :[ فإذا جاآجلهم ]( الأعراف : آية ٣٤ ) بإبدال الهمزة الثانية مدا للأولى.
وقوله :[ لا يستاخرون ]قرأه عامة القراء :[ لا يستأخرون ] بتحقيق الهمزة، إلا أن ورشا قرأه عن نافع، والسوسي عن أبي عمرو :[ لا يستاخرون ] بإبدال الهمزة ألفا، والكل قراءات صحيحة، ولغات عربية فصيحة.
ومعنى :[ لا يستأخرون ]عنه، أي : عن ذلك الأجل [ ولا يستقدمون ] أي : لا يتقدمون عنه.
وإنما ذكر الساعة مع أنهم لا يتقدمون عنه بلحظة ولا يتأخرون ؛ لأن عادة العرب أن يطلقوا الساعة في أقل الأوقات، مع أنهم لا يتأخرون لحظة ولا دقيقة [ ولا يستقدمون ]عن الوقت المضروب لذلك الإهلاك.
[ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم يقصون عليكم آياتي فمن اتقى وأصلح فلا خوف عليهم ولا هم يحزنون( ٣٥ ) ]( الأعراف : آية ٣٥ ) قرأ هذا الحرف عامة القراء غير أبي عمرو [ يا بني آدم إما يأتينكم رسل منكم ]بضم السين والراء، وقرأه أبو عمرو :[ إما يأتينكم رسل منكم ] بسكون السين. وتخفيف ( الفعل ). بإسكان العين قراءة معروفة ولغة مشهورة، كما تقول العرب : كتب، كتب، ورسل ورسل.
لما اخرج الله آدم من الجنة بين لذريته أن الجنة بعد أن أخرج منها آدم وحواء لا يمكن أن يدخلها أحد إلا بعد تكاليف ومشاق، واخبرهم أنه سيرسل لهم الرسل بالأوامر والنواهي فمن أطاع أمره واجتنب نهيه واتبع رسله ادخله جنته ورده إلى الوطن الأول، ومن كفر وعصى وتمرد أدخله النار وأخلده فيها والعياذ بالله.
[ يا بني آدم يا أولاد آدم، والنون فيه محذوفة للإضافة، وأصل ( البنين ) من الملحق بالجموع المذكرة السالمة ؛ لأنه ليس من الوصف ولا من العلم، ولا ينقاس جمع المذكر السالم إلا في الأوصاف والأعلام، فهذا من الملحقات به. [ يا بني آدم ] معناه : يا أولاد آدم الذي استزله الشيطان بوساوسه وغروره من الجنة إلى دار الأكدار والبلايا. [ إما يأتينكم رسل منكم ] ( إن ) هنا هي ( إن ) الشرطية التي زيدت بعدها ( ما ) توكيد الشرط.
فقوله [ إما ] ( الأعراف : آية ٣٥ ) أصله : إن يأتكم رسل منكم. فزيدت ( ما ) لتوكيد الشرط، وزيادة ( ما ) بعد ( إن ) الشرطية لتوكيد الشرط أسلوب عربي معروف. وإن زيدت ( ما ) ( بعد )( في الأصل :" قبل " وهو سبق لسان ) ( إن ) الشرطية في الفعل المضارع، قال بعض علماء العربية : يجب حينئذ توكيده بنون التوكيد، وهو لغة القرآن، فما جاء في القرآن ( إما ) قبل فعل مضارع إلا وأكد ذلك المضارع بنون التوكيد في جميع القرآن من غير استثناء حرف واحد، كقوله :[ وإما ينزغنك[ ( فصلت : آية ٣٦ ) [ فإما يذهبن بك ]( الزخرف : آية ٤١ ) [ فإما تثقفنهم في الحرب ]( الأنفال : آية ٥٧ ) [ وإما نرينك بعض الذي نعدهم[ ( الرعد : آية ٤٠ ) وهكذا. ومن هنا زعمت جماعة من علماء العربية أن توكيد المضارع بنون التوكيد بعد ( إما ) أنه لازم ؛ لأنه جاء به القرآن في جميع الحروف القرآنية التي فيها ( إما ) قبل المضارع وممن قال بلزوم النون : الزجاج والمبرد
وخالف جماعة آخرون فقالوا : توكيد بالنون بعد ( إما ) حسن طيب، إلا أنه ليس بواجب ولا بلازم. وممن قال بأنه غير لازم : سيبويه والفارسي. واستدلوا على عدم لزومه بكثرة سقوط النون في أشعار العرب، وسقوط نون التوكيد من الفعل المضارع بعد ( إما ) لا تكاد تحصيه في أشعار العرب، وهو كثير جدا في كلامهم، ومنه قول الأعشى ميمون بن قيس :
فإما تريني ولي لمة *** فإن الحوادث أودى بها
فلم يات بالنون في قوله " تريني " وهو بعد ( إما ) ومنه قول لبيد بن ربيعة العامري :
فإما تريني يوم أصبحت سالما *** ولست بأحظى من كلاب وجعفر
ومنه قول الشنفرى :
فإما تريني كابنة الرمل ضاحيا *** على رقة أحفى ولا أتنعل
ومنه أيضا قول الأفوه الأودي :
إما تري رأسي أزرى به *** ماس زمان ذي انتكاس مؤوس
ومنه قول الآخر وهو حماسي :
زعمت تماضر أنني إما أمت *** يسدد أبينوها الأصاغر خلتي
وقول الآخر :
يا صاح إما تجدني غير ذي جدة *** فما التخلي عن الخلان من شيمي
وأمثال هذا كثيرة في كلام العرب فاستدل سيبويه والفارسي ومن وافقهما بهذه الشواهد على أن ( توكيد المضارع بنون التوكيد بعد ( إما ) غير لازم.
كما دلت الآية على أن الرسل الذين يبعثون إلى الناس أنهم )( قع انقطاع في هذا الموضع، وما بين المعقوفتين ( ) زيادة يتم بها الكلام ) / آدميون مثلهم ؛ لأنهم لو أرسل لهم ملك لما تمكنوا عن الأخذ منه ؛ لأن الملائكة لا يجانسون بني آدم ؛ وكذا

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير