بين ( جل وعلا ) انه إذا دخل أهل الجنة الجنة وأهل النار النار، وبين ما يقوله أهل النار في النار من التخاصم، ولعن بعضهم لبعض :[ كلما دخلت أمة لعنت اختها ] وسؤال بعضهم مضاعفة العذاب لبعض، وما يقوله أهل الجنة من حمد الله، والثناء عليه للتوفيق، والغبطة بالخلود، ونزع الأحقاد والأغلال التي كانت بينهم، لما بين هذا كله بين أن أهل الجنة ينادون أهل النار كالموبخين على نوع من التوبيخ والشماتة بهم ؛ لأنهم كانوا يكذبون في الدنيا بالنار والجنة.
[ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار ] وهذا النداء للعلماء فيه سؤالات : هل نادى جميع أهل الجنة جميع أهل النار ؟ أو نادى بعضهم بعضا ؟ وظاهر القرآن أنه نداء عام. وقال بعض العلماء : كل ناس من المؤمنين ينادون من كانوا يعرفونهم في الدنيا من الكفار : يا أصحاب النار هل وجدتم ما وعد ربكم حق ؟ فنحن وجدنا ما وعدنا من النعيم حقا، فهل وجدتم ما كان يقال لكم من الوعيد بالعذاب حقا ؟ [ ونادى أصحاب الجنة أصحاب النار أن قد وجدنا ] ( أن ) هذه كالتي قبلها في القول بأنها تفسيرية أو مخففة من الثقيلة. وقد ذكرنا الكلام عليها آنفا.
[ أن قد وجدنا ما وعدنا ربنا ] من الجنة، والنعيم المقيم، والخلود الأبدي في نعم الله، وجدناه حقا من الله، وصدقنا وعده [ الحمد لله الذي صدقنا وعده وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ]( الزمر : آية ٧٤ ) فوجدنا وعد الله بالنعيم، والخلود الأبدي في الجنة على ألسنة الرسل، وجدناه حقا، فهل وجدتم أنتم ما وعدكم ربكم من العذاب، والنكال، ودخول النار، هل وجدتموه حقا ؟ وهذا سؤال توبيخ وتقريع وشماتة، والعياذ بالله. قالوا في ذلك الوقت معترفين حيث لا ينفع الاعتراف، نادمين حيث لا ينفع الندم " [ قالوا نعم ]( الأعراف : آية ٤٤ ) وجدنا ما وعده الله من العذاب والنكال على السنة الرسل حقا، ووجدنا أن تكذيبنا به في دار الدنيا سفاهة منا وجناية على أنفسنا.
وقرأ هذا الحرف عامة القراء ما عدا عليا الكسائي [ قالوا نعم ] بفتح النون والعين. وقرأه الكسائي وحده :[ قالوا نعم ]، و( نعم ) و( نعم ) لغتان كلاهما تأتي بمعنى الأخرى على الصواب. و( نعم ) لا تكون جوابا إلا لاستفهام مثبت، ولا يكون جوابا لاستفهام منفي، فلو كانت الآية :" ألم تجدوا ما وعدكم ربكم حقا " بالنفي لما جاز أن يجاب ب( نعم ) وإنما يجاب ب( بلى ) هذا هو المعروف ؛ لأن المكان الذي تصلح به ( بلى ) لا تصلح به ( نعم ) والمكان الذي تصلح به ( نعم ) لا تصلح به ( بلى ). و( بلى ) تأتي في اللغة العربية وفي القرآن العظيم لمعنيين لا ثالث لهما :
أحدهما : أن ( بلى ) تأتي لنفي النفي، فهي نقيضة ( لا ) لأن ( لا ) لنفي الإثبات، و( بلى ) لنقيض النفي، فإذا جاء نفي في القرآن ثم جاءت بعده ( بلى ) فإن ( لا ) تنفي ذلك النفي، ونفي النفي إثبات. فيصير ما بعد ( بلى ) إثبات ؛ لأنها نفت النفي الذي قبلها، ونفي النفي إثبات. وهذا كثير في القرآن، كقوله :[ زعم الذين كفروا أن لن يبعثوا ] نفوا البعث بأداة النفي التي هي ( لن ) [ قل بلى ] فنفى الله نفيهم للبعث، فثبت البعث ؛ ولذا قال :[ وربي لتبعثن ]( التغابن : آية ٧ ) وكقوله :[ وقال الذين كفروا لا تأتينا الساعة ]( سبأ : آية ٣ ) نفوا إتيان الساعة بحرف النفي الذي هو ( لا )، قال الله :[ بلى ]( سبأ : آية ٣ ) فنفت نفيهم، وأثبتت إتيان الساعة ؛ ولذا قال بعده :[ لتأتينكم ]( سبأ : آية ٣ ) وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب.
المعنى الثاني : أن تأتي ( بلى ) جوابا لاستفهام مقترن بالنفي خاصة، لا لاستفهام إيجابي، كقوله :[ ألست بربكم قالوا بلى ]( الأعراف : آية ١٧٢ )[ أوليس الذي خلق السماوات والأرض بقادر على أن يخلق مثلهم بلى[ ( يس : آية ٨١ ) وهكذا. ولا يجوز أن يقال في هذا : نعم. أما إن كان السؤال بالإثبات فالجواب ب( نعم ) لا ب( بلى ) فلو قلت : هل جاء زيد ؟ فالجواب : نعم قد جاء زيد. وقلت : أليس زيد قد جاء ؟ فالجواب : بلى. لا ب( نعم ). وما سمع من كلام العرب في إتيان ( نعم ) بعد الاستفهام المقترن بالنفي الذي هو موضع ( بلى ) فإنه شاذ يحفظ ولا يقاس عليه. وقد سمع في كلام العرب إتيان لفظة ( نعم ) في محل ( بلى ) في الاستفهام المقترن بالنفي ومن شواهده قول الشاعر :
| أليس الليل يجمع أم عمرو | وإيانا ؟ فذاك لنا تداني |
| نعم، وترى الهلال كما أراه | ويعلوها النهار كما علاني |
وقوله :[ قالوا نعم ]( الأعراف : آية ٤٤ ) هو حرف إثبات، جواب لاستفهام إثبات. معناه : وجدنا ما وعدنا ربنا من العذاب الأليم والنكال وجدناه حقا.
[ فأذن مؤذن بينهم ]( الأعراف : آية ٤٤ ) التأذين في لغة العرب : الإعلام. تقول العرب : أذن الرجل. إذا علم. ومنه الأذان للصلاة ؛ لأنه الإعلام بدخول وقتها، ودعاء الناس إليها[ فقل أذانتكم على سواء ]( الأنبياء : آية ١٠٩ ) أعلمتكم، وآذنه : إذا أعلمه. ومنه قول الحارث بن حلزة :
| آذنتها ببينها أسماء | رب ثاو يمل منه الثواء |
[ بينهم أن لعنة الله على الظالمين ]( الأعراف : آية ٤٤ ) قرأ هذا الحرف نافع، وعاصم، وقنبل عن ابن كثير، وأبو عمرو، وقرأوا كلهم :[ أن لعنة الله ] بتخفيف ( أن ) وضم تاء ( لعنة ). وقرأه الباقون- وهم حمزة، والكسائي، وابن عامر، والبزي عن ابن كثير :/ [ أن لعنة الله ]. بتشديد ( أن ) ونصب ( تاء ) [ لعنة ].
واللعنة في لغة العرب : الإبعاد والطرد. فالرجل إذا كان ذا جرائم، وذا جرائر، يطلبه هؤلاء بدم، وهؤلاء بدم، ثم إن قومه تبرؤوا منه وطردوه لئلا تقاتلهم القبائل التي يطالبونه بالدم، إذا نفوه وطردوه يسمى رجلا لعينا، ومنه قول الشماخ أو غيره :
| ذعرت به القطا، ونفيت عنه | مقام الذئب، كالرجل اللعين |
[ فأذن مؤذن بينهم ]( الأعراف : آية ٤٤ ) أي : نادى مناد وأعلم معلم. [ أن لعنة الله على الظالمين ] الذين ظلموا أنفسهم في دار الدنيا وكانوا يضعون العبادة في غير موضعها- والعياذ بالله- وهم الكفرة. وهذا من النكال بالكفار لما اعترفوا بأن الوعيد حق عليهم نادى مناد يدعو عليهم باللعنة- والعياذ بالله- ويصفهم بالظلم الذي استحقوا به عذاب الله ونكاله.
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير