ﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪﭫﭬﭭﭮﭯﭰﭱﭲﭳﭴﭵ

يقول الله جل وعلا :[ أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح وزادكم في الخلق بسطة فاذكروا ألاء الله لعلكم تفلحون( ٦٩ )( الأعراف : آية ٦٩ ).
هذه الآية هي قوله :[ أو عجبتم أن جاءكم ذكر من ربكم على رجل منكم لينذركم ] فسرناها أمس ؛ لأنها اتفق فيها قول نوح وقول هود، فكل منهم قالها لقومه ؛ لأن كلا من قومهما عجبوا من أن يبعث الله بشرا، وكذلك عادة الأمم أن تعجب من بعث الرسل، ويقولون : لا يمكن أن يبعث الله رسولا يأكل ويشرب ويتزوج ويولد له، حتى إن الله ( جل وعلا ) بين أن هذه الشبهة الكاذبة كانت هي المانع الأكبر من إيمان الناس، حيث قال :[ وما منع الناس أن يؤمنوا إذ جاءهم الهدى إلا أن قالوا أبعث الله بشرا رسولا( ٩٤ ) ]( الإسراء : آية ٩٤ ) كأنه قال هنا : ما منعهم من الإيمان إلا استغراب بعث البشر واستعجابهم منه، كما أن الذين بعث فيهم بنبينا صلى الله عليه وسلم عجبوا من بعث البشر كما قال تعالى في أول سورة يونس :[ أكان للناس عجبا أن أوحينا إلى رجل منهم أن أنذر الناس ]( يونس : آية ٢ ) وقال في أول سورة ق :[ بل عجبوا أن جاءهم منذر منهم ]( ق : آية ٢ ) والآيات بمثل ذلك كثيرة.
وقد بينا أن أظهر الوجهين في قوله :[ أو عجبتم ] أن الهمزة تتعلق بمحذوف، والواو مفتوحة ؛ لأنها عاطفة على ذلك المحذوف، وتقديره : أكفرتم وعجبتم أن يأتيكم ذكر من ربكم على رجل منكم ؟ وقد فسرنا الآية بالأمس، وبينا أن الذكر هو المواعظ والأوامر والنواهي التي تأتيهم بها الرسل، وان قوله :[ على رجل منكم ] على لسان رجل منكم، لأن أنبياء الله رجال كما قال تعالى :[ وما أرسلنا من قبلك إلا رجالا ]( يوسف : آية ١٠٩ ) فلم يرسل الله امرأة قط ؛ ولذا قال :[ على رجل منكم لينذركم ] كما أوضحناه بالأمس في مقاولة نوح لقومه.
ثم إن نبي الله هودا قال هنا لقومه ما لم يقله نوح لقومه، وهو قوله :[ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ] ( العراف : آية ٦٩ ) [ واذكروا ] نعم الله عليكم [ إذ جعلكم ] خلفاء في الأرض، يعني : بأن اهلك قوم نوح واستخلفكم في الأرض فجعلكم خلفاء في الأرض آمين فيها، عليكم نعم الله مسبلة.
والخلفاء : جمع خليفة، وهو من يستخلف بعد من كان قبله. قال بعض العلماء : إنما قيل لهم ( خلفاء ) لأنهم صاروا خلفا من قوم نوح حيث اهلك الله أولئك وأسكن هؤلاء في الأرض بعدهم، فكانوا خلفا من بعدهم، وخلفاء من بعدهم. وقال بعضهم : إنهم خلفاء أي : فيهم ملوك، والعرب تسمي الخليفة الذي يكون ملكا بعد من قبله : خليفة. ولفظه مؤنث ومعناه مذكر، فيجوز تذكير الضمائر الراجعة عليه نظرا إلى المعنى، ويجوز تأنيثها كما قال الشاعر :
أبوك خليفة ولدته أخرى *** وأنت خليفة ذاك الكمال
[ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ]( الأعراف : آية ٦٩ ) الخلفاء : جمع الخليفة ؛ لأنه جعلهم خلفا منهم يسكنون الأرض، أو جعلهم ملوك الأرض. يزعم أصحاب القصص والأخبار أنهم كان عددهم كثيرا جدا، وأنهم منتشرون فيما بين حضرموت إلى عمان، وأنهم كانوا يظلمون غيرهم ويقهرونهم لما أعطاهم الله من القوة. ولكن الله بين أن منازلهم كانت في الأحقاف حيث قال في سورة الأحقاف :[ اذكر أخا عاد إذ انذر قومه بالأحقاف ]( الأحقاف : آية ٢١ ) وقد بينا أن الأحقاف جمع حقف، والحقف في لغة العرب : الحبل من الرمل، الرمل المرتفع تسميه العرب حقفا، فالأحقاف : الرمال. والمفسرون يقولون : إنها رمال في جوانب اليمن وحضرموت، وأنهم كانوا في تلك الرمال بينها أودية يزرعون فيها ويعيشون. وسيأتي في سورة الفجر قول من قال من العلماء : إنهم كانوا رحلا يذهبون بالمواشي ؛ لأنه احد القولين في قوله :[ إرم ذات العماد( ٧ ) ]( الفجر : آية ٧ ) لأن أحد القولين في معنى :[ ذات العماد ] أنهم أصحاب عمود يرتحلون ويبنون خيمهم على العمد ؛ ولذا قيل لهم :[ ذات العماد ] على احد الوجهين.
والوجه الثاني : أنهم لقوة أجسامهم وعظمها وطولها وبدانتها قيل فيهم :[ ذات العماد ] لشدة اعتماد أجسامهم وقوتها كما يأتي هناك. وهذا معنى قوله :[ واذكروا إذ جعلكم خلفاء ] ( الأعراف : آية ٦٩ ) أي : في الأرض في عافية وطمأنينة ورفاهية من الدنيا من بعد قوم نوح. والآية تشير إلى تهديد، يعني : كما أن قوم نوح لما كذبوا نوحا دمرهم الله وأهلكهم، وجعلكم خلفاء في الأرض من بعدهم فاحذروا أن تفعلوا مثل فعلهم ؛ لئلا يهلككم ويجعل خلفاء الأرض بعدكم غيركم. فيه تهديد وتذكير بالنعمة. وهذا معنى قوله :[ واذكروا إذ جعلكم خلفاء ].
وبعض علماء العربية يقولون :( إذ ) ها هنا مفعول به لا مفعول فيه. أعني ؟ : أنها مفعولا وليست ظرفا. والمعنى :[ اذكروا ] تذكروا الوقت الذي جعلكم فيه خلفاء من بعد قوم نوح تذكرا يحملكم على شكر نعمة الله، والخوف من نقمه أن ينزل بكم مثل ما أنزل بقوم نوح. وهذا معنى قوله :[ إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ]( الأعراف : آية ٦٩ ) الذين أهلكهم الطوفان إهلاكا مستأصلا.
[ وزادكم في الخلق بسطة ]( الأعراف : آية ٦٩ ) في هذا الحرف قراءتان سبعيتان :[ بسطة ]بالسين. فقوله :[ وزادكم في الخلق بصطة ]بالصاد هي قراءة نافع، والكسائي، وقراءة ابن كثير في رواية البزي خاصة، وقراءة عاصم في رواية شعبة، وقراءة ابن عامر في رواية ابن ذكوان خاصة. اما حمزة فقرأها عند خلاد بالوجهين :[ بصطة ] بالصاد، و[ بسطو ] بالسين. فقد قراها خلاد عن حمزة بالوجهين، وقرأها نافع، وأبو عمرو، والبزي عن ابن كثير، وشعبة عن عاصم، وابن ذكوان عن ابن عامر، كل هؤلاء قرؤوا :[ بصطة ] بالصاد. وقرأها الباقون بالسين، والباقون الذين قرؤوها بالسين هم : أبو عمرو، وعاصم في رواية حفص، وابن عامر في رواية هشام، وابن كثير في رواية قنبل، وحمزة في رواية خلف، كل هؤلاء قرؤوا :[ بسطة ].
وما ذكره الشاطبي وغيره من أن ابن ذكوان له عن ابن عامر فيها :( السين والصاد )كقراءة خلاد عن حمزة ليس يصح عند المحققين ؛ لأن جميع روايات الشاطبي إنما هي من طريق أبي عمرو الداني، وأبو عمرو الداني لم يذكر عن احد ممن ذكر عنهم القراءات عن ابن ذكوان في قراءة ابن عامر إلا [ بصطة ] بالصاد خاصة، ولم يرو عنه السين عن احد، فهذان هما القراءتان السبعيتان. والبسطة والبصطة معناهما واحد، وإنما أبدلت السين صادا في قراءة من قرأ :[ بصطة ] بالصاد نظرا إلى حرف الإطباق الذي بعد السين وهو الطاء، ولذلك تبدل السين صادا كثيرا إذا كان بعدها حرف من حروف الإطباق، والأصل ( بسطة ) بالسين.
والبسط : أصله الزيادة. والمعنى : زادكم في خلق أجسامكم بسطة. أي : زيادة على خلق الناس في الطول وعظم الأبدان وقوتها وبدانتها، كما يأتي في سورة فصلت قول بعض العلماء : إنهم-قبحهم الله- زعموا انه لا يمكن أن تقهرهم قوة ولو قوة الله ( جل وعلا )-قبحهم الله- كما يأتي قول من قال بذلك في قوله :[ فأما عاد فاستكبروا في الأرض بغير الحق وقالوا من أشد منا قوة ]( فصلت : آية ١٥ )من هو الذي يكون اشد منا قوة حتى يقهرنا ؟ ثم إن الله بين أن الله الذي خلقهم هو أشد منهم قوة. ولما أرسل عليهم الريح العقيم علموا أنهم ضعاف غاية الضعف إذا جاءتهم قوة رب العالمين التي يهلكهم بها ويسلطها عليهم، وهذا معنى قوله :[ وزادكم في الخلق بسطة ]
[ فاذكروا ألاء الله ] ذكرهم نبي الله هود عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام، أمرهم أن يذكروا آلاء الله. وآلاء الله : نعمه المتواترة عليهم، من الصحة والعافية وقوة الأبدان، وما يسر لهم من الأرزاق والرفاهية في الدنيا. الآلاء : النعم، واحده ( إلى ) بكسرة الهمزة وفتح اللام مقصورا، كعنب وأعناب. ويقال فيه :( إلي ) و( ألو ) و ( ألاء ) وأكثرها في مفرد الآلاء :( إلى ) بكسر ففتح، والمراد به النعمة. والآلاء : النعم [ فاذكروا ألاء الله ] أي : تذكروا نعم الله الكثيرة التي لا تحصى، التي أنعمها عليكم ذكرا يحملكم على طاعة الله، وتصديق رسوله، وعبادته وحده، وترك عبادة الأصنام.
[ لعلكم تفلحون ] والآية تدل على أن من تذكر نعم الله عليه ذكرا يحمله على شكر تلك النعمة والخضوع لله والإنابة إليه بطاعته انه يفلح ؛ ولذا رتب على قوله :[ فاذكروا ألاء الله ] قال :[ لعلكم تفلحون ] فإنكم إن ذكرتم آلآء الله يرجى لكم الفلاح، بناء على أن ( لعل ) على بابها من الترجي بحسب ما يظهر لهود ( عليه الصلاة والسلام ). وعلى أنها حرف تعليل فالمعنى : اذكروا نعمة الله لأجل أن تفلحوا.
وقد بينا مرارا أن العرب تقول : أفلح الرجل يفلح فلاحا. والفلاح : اسم المصدر، والقياس في مصدرها :( إفلاحا ) ؛ لأن المقرر في فن التصريف : أن كل ماض جاء على وزن ( أفعل ) فالقياس في مصدره أن يكون ( إفعالا ) ما لم يكن معتل العين، فإن كان معتل العين سقطت العين بالاعتلال وعوضت منها التاء على الرواية الكثيرة الفصيحة، كما هو معروف في علم العربية، موضح في فن التصريف. فالفلاح اسم مصدر.
والفلاح في لغة العرب : يطلق على معنيين كما بيناه مرارا، ويطلق الفلاح في لغة العرب على الفوز بالمطلوب الأكبر، تقول العرب : أفلح فلان. إذا فاز بأعظم مطلوب كان يطلبه. فمن نال رغبته وحصل مطلوبه تقول له العرب : أفلح. وهو معنى معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد بن ربيعة :
فاعقلي عن كنت لما تعقلي *** ولقد أفلح من كان عقل
يعني : من أعطاه الله نور العقل فاز بالمطلوب الأكبر، لأن العقل يعقله عما لا ينبغي، ويميز به الحسن والقبيح، والنافع والضار، والحق والباطل.
ويطلق الفلاح في لغة العرب أيضا على البقاء السرمدي الدائم في النعيم، تقول العرب : أفلح فلان. إذا كان باقيا في نعيم سرمدي. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه قول لبيد بن ربيعة أيضا في رجزه :
لو أن حيا مدرك الفلاح *** لناله ملاعب الرماح
وقوله :" مدرك الفلاح " أي : مدرك البقاء في الدنيا بلا موت. ومنه بهذا المعنى قول كعب بن زهير، أو الضبط بن قريع في الشعر المشهور :
لكل هم من الهموم سعة *** والمسي والصبح لا فلاح معه
يعني انه لا بقاء في الدنيا مع تخالف الإمساء والإصباح. وبهذين المعنيين اللذين هما البقاء السرمدي في النعيم، والفوز بالمطلوب الأكبر، بكل واحد منهما جاء تفسير حديث الأذان والإقامة في قوله :" حي على الفلاح " فقال بعض العلماء ؟ :" حي على الفلاح " هلم إلى الفوز بالمطلوب الأكبر وهو الجنة ورضى الله ؛ لأن أعظم أسباب ذلك : الصلاة.
القول الثاني :" حي على الفلاح " هلم إلى البقاء السرمدي في جنات النعيم ؛ لأن أكبر أسباب ذلك : الصلاة كما هو معروف في تفسير حديث الأذان والإقامة. وهذا معنى قوله :[ فاذكروا ألاء الله لعلكم تفلحون ]( الأعراف : آية ٦٩ ) هذه عادة الرسل-صلوات الله وسلامه عليهم- بعظم التذكير، وشدة النصح، ولطافة الأسلوب، والاجتهاد في هدى قومهم، ولكن الهدى بيد الله [ ومن يرد الله فتنته فلن تملك له من الله شيئا ]( المائدة : آية ٤١ ).

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير