يقول الله جل وعلا :[ وإلى ثمود أخاهم صالحا قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة من ربكم هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب اليم( ٧٣ ) ]( الأعراف : آية ٧٣ ).
هذه هي القصة الثالثة من قصص الأنبياء التي قص الله علينا في هذه السورة الكريمة-سورة الأعراف- ذكر لنا قصة نوح وماذا قال لقومه، وماذا قالوا له، وماذا كان مصيرهم ( ثم ذكر لنا قصة هود ) ( في هذا الموضع انقطع التسجيل، وما بين المعقوفتين ( ) زيادة يتم بها الكلام ) مع عاد وماذا قال لهم وقالوا له، وماذا كان مصيرهم. ثم ذكر لنا القصة الثالثة وهي قصة صالح مع قومه ثمود، والله- جل وعلا- يبين لنا هذه القصص ليس المراد مطلق تاريخ فقط وإنما للاعتبار، وليحذر الناس من معاصي الله، والتمرد على أوامره، وتكذيب رسله ؛ لئلا ينزل بهم من الهلاك ما نزل بمن قبلهم كما قال نبي الله شعيب لقومه :[ ويا قوم لا يجرمنكم شقاقي أن يصيبكم مثل ما أصاب قوم نوح أو قوم هود أو قوم صالح وما قوم لوط منكم ببعيد( ٨٩ ) ]( هود : آية ٨٩ ).
وقوله :[ وإلى ثمود أخاهم صالحا ] عطف على قومه :[ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ] ( الأعراف : آية ٥٩ ) أي : لقد أرسلنا نوحا إلى قومه [ وإلى عاد أخاهم هودا[ ( الأعراف : آية ٦٩ ) أي : وأرسلنا إلى عاد أخاهم هودا، و[ وإلى ثمود أخاهم صالحا ]. أي : وأرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا.
ثمود : قبيلة من قبائل العرب البائدة الذين انقطع نسلهم، فهو من العرب البائدة. والمؤرخون يزعمون أن ثمود انه ابن عامر، وبعضهم يقول " جاثر أو جائر بن إرم بن سام بن نوح. ونبي الله صالح- من نسبهم- من أوسطهم نسبا وأكرمهم بيتا وحسبا، بعثه الله فيهم، وهو صالح بن عبيد بن آسف، من ذرية أروم من إرم بن سام بن نوح من قبيلة ثمود، وهو من أوسطهم نسبا كما هي عادة الأنبياء. وهو نبي عربي كريم، أرسله الله إلى قبيلة عربية من العرب البائدة، كانت منازلهم بين الشام والحجاز في وادي القرى وما حوله، منازلهم معروفة إلى الآن، وأثار نحتهم للجبال باقية إلى الآن، كما يعرفه من يمر عليهم في طريقه على الشام من الحجاز، وبلادهم هي المسماة بالحجر، وتأتي في قوله :[ ولقد كذب أصحاب الحجر المرسلين( ٨٠ ) وأتيناهم آياتنا فكانوا عنها معرضين ( ٨١ ) وكانوا ينحتون من الجبال بيوتا أمنين( ٨٢ ) فأخذتهم الصيحة مصبحين ( ٨٣ ) ]( الحجر : الآيات ٨٠-٨٣ ).
لما أهلك الله عادا استخلف في الأرض بعدهم قبيلة ثمود، وأكثر الله عليهم الأرزاق والنعم، ووسع لهم في المعاش، وعاثوا في الأرض وافسدوا فيها، وعبدوا الأصنام، فأرسل الله إليهم نبيه صالحا يذكرهم، والمفسرون يقولون : لم يزل يدعوهم على الإسلام حتى بدا فيه الشمط، وهو البياض الذي يبدو في اللحية، أو الشيب الذي يدخل في الرأس يخالطه سواد، وهو يدعوهم إلى الله، وهم لا يزدادون إلا عتوا وتمردا ؛ ولذا قال تعالى :[ ولقد أرسلنا إلى ثمود أخاهم صالحا ]( النمل : آية ٤٥ ) ثمود جدهم. وأجمع من يعتد به من القراء في هذا الحرف على عدم صرف ثمود، قرؤوا كلهم :[ وإلى ثمود أخاهم صالحا ]( الأعراف : آية ٧٣ ) مجرور بالفتحة ؛ لأنه غير منصرف ؛ لأنه علم مؤنث ؛ لأن المراد علم القبيلة، فاجتمعت فيه العلمية والتأنيث، فمنع من الصرف. ومن قرأ :[ وإلى ثمود أخاهم صالحا ] فهي قراءة شاذة، والقراءات السبعية بعضها يأتي فيه صرف ثمود، ( بعضها ) ( في الأصل :" بعضهم ". ) يأتي فيه منعها من الصرف كما هو معروف. فمنعها من الصرف نظرا إلى تأنيث القبيلة، وانه علم مؤنث، والعلمية والتأنيث مانعان من الصرف، ومن صرف ثمود فقال :( ثمودا ) بتنوين الصرف، أراد جدهم الأكبر الذكر ولم يرد القبيلة فلم تجتمع علامتان مانعتان من الصرف، وهذا هو وجه كونه ينصرف في بعض المواضع ولا ينصرف في بعضها.
أرسلنا إليهم [ أخاهم صالحا ] أخاهم في النسب لا في الدين ؛ لأن دينه يخالف دينهم، فلما جاءهم نبي الله صالح جاءهم بدعوة جميع الأنبياء وهي عبادة الله وحده [ قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره ] ليس لكم معبود يستحق أن يعبد وحده سواه، بل هو ( جل وعلا ) المعبود وحده، المستحق لأن يفرد في العبادة ويخلص له الدين ؛ لأنه الخالق الرازق المحيي المميت الذي بيده الأمر، وإليه يصير كل شيء، فهو المعبود وحده.
[ قال يا قوم اعبدوا الله ما لكم من إله غيره قد جاءتكم بينة ربكم ] البينة : هي الدليل الذي يقوم على الحق فيتركه واضحا لا شبهة فيه، ومنه قيل للشهود على الحق :( بينة ) لأنهم يثبتونه ويظهرون أنه حق حتى يبقى لا لبس فيه. فكل دليل يظهر الحق ويبينه حتى لا يبقى فيه لبس تسميه العرب :( بينة ). وهذه البينة جاءتهم من ربهم. ( من ) لابتداء الغاية. أعني : مبدأ إتيانها من ربكم. أي : خالقكم وسيدكم ومدبر شؤونكم. فكان قائلا قال : ما هذه البينة والمعجزة الواضحة التي لم تترك في الحق لبسا، وأن صالحا رسول من رب العالمين ؟ فسر البينة بقوله :[ هذه ناقة الله لكم آية فذروها تأكل في أرض الله ولا تمسوها بسوء فيأخذكم عذاب أليم ]( الأعراف : آية ٧٣ ) يذكرون في قصتهم أن سيدهم كان رجلا يسمى : جندع بن عمرو. وبنو عمرو من سادات ثمود وبطونهم الكبار العظام، فلما ألح صالح في الدعاء إلى الله زعم المؤرخون والمفسرون أنهم قالوا : له :" اذهب معنا إلى عيدنا الذي نجتمع فيه، فنذهب بأصنامنا وندعو أصنامنا وتدعو أنت إلهك، فإن استجيب لأصنامنا اتبعتنا وإن استجيب لإلهك اتبعناك. فقال لهم : نعم. فخرج معهم فدعوا أصنامهم فلم يستجيبوا لهم بشيء- كما هو معلوم لا يخفى- فاقترح عليه سيدهم، أو جماعتهم-تعنتا-قالوا : هذه الصخرة-يزعمون أنها كانت صخرة كبيرة كالهضبة، ويزعمون أنها تسمى ( الكاثبة )- اخرج لنا منها ناقة مخترجة. معناه : هي كالبختية، تكون جوفاء وبراء عشراء، فإن أخرجتها لنا على هذا الوصف اتبعناك. فأخذ صالح عليهم عهود الله ومواثيقه انه إن أخرج لهم الله تلك الناقة من تلك الصخرة الصماء اتبعوه، فلما اخذ عليهم المواثيق يقول المفسرون : إنه قام فصلى ركعتين ودعا الله تعالى وهم ينظرون، فلما دعا الله تحركت الصخرة وتمخضت تمخض النتوج عن ولدها، فانشقت عن تلك الناقة، عشراء، وبراء، وجوفاء، ضخمة بالغة في غاية الضخم. ثم إنها ولدت فصيلا ضخما مثلها وهم ينظرون، فلما عاينوا هذا أسلم رئيسهم جندع بن عمرو ومن كان معه من الرهط الذين يطيعونه، وحاول كبراء ثمود أن يسلموا كلهم لما عاينوا من آيات الله، فجاءهم خبثاء منهم، منهم ذؤاب بن عمرو بن لبيد، بعضهم يقول : ابن عمرو بن أسد، والحباب صاحبا آلهتهم التي يسدنونها، ورباب بن صمعر، وجماعة من رؤسائهم، فزينوا لهم الارتداد، وأن لا يتبعوا صالحا، فثبتوهم على الكفر والعياذ بالله. وكان فيهم رجل يسمى : شهاب بن خليفة، ابن عم سيدهم جندع بن عمرو، كان من اعز الفتيان في ثمود، ومن أفاضلهم وأماثلهم المتبعين، فدعاه من أسلم من قومه من بني عمرو ليسلم فمنعه الخبيث ذؤاب بن عمرو ورباب ومن معهم من الأعزاء من كفرة ثمود. وكان شاعرهم المسلم يقول في ذلك :
| وكانت عصبة من آل عمرو | إلى دين النبي دعوا شهابا |
| عزيز ثمود كلهم جميعا | فهم بأن يجيب ولو أجابا |
| لأصبح صالح فينا عزيزا | وما عدلوا بصاحبهم ذؤابا |
واختلفت روايات المؤرخين والمفسرين في الفصيل، ولا شيء في ذلك ثابت، فمنهم من يقول : إن مصدعا تبعه فأخذه ونحره معها واقتسموا لحمه مع لحمها. ومنهم من يقول : إنه رغا مرات، وصار فوق جبل، وانفتحت له صخرة فدخل فيها، حتى إن قوما ليزعمون أنه هو الدابة التي تأتي في آخر الزمان ! وكل ذلك قصص لا معول عليها ولا ثبوت لها. والله اعلم بقصة الفصيل ؛ لأن القرآن لم يبين ماذا كان مصيره، ولم يبينه ولم يثبت بوحي صحيح، وإنما هي روايات يحكيها المؤرخون والمفسرون.
فلما عقروا الناقة- والعياذ بالله- والذي تولى عقرها قدار بن سالف- قبحه الله- هو أشقى الأولين، ويزعم أن أصله ابن زنية، ولد على فراش سالف، وهو خبيث أحمر أزرق، عزيز في قومه عارم، أنه لما عقروها والقرآن أكثر من ذكر عقرهم لها، فب
العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير
الشنقيطي - العذب النمير