ﭑﭒﭓﭔﭕﭖﭗﭘﭙﭚﭛﭜﭝﭞﭟﭠﭡﭢﭣﭤﭥﭦﭧﭨﭩﭪ

ثم إن نبي الله صالحا ذكر قومه أيضا بنعم الله قال :[ فاذكروا ألاء الله ]( الأعراف : آية ٧٤ ) أي : نعم الله [ إذ جعلكم خلفاء ] يعني : في الأرض من بعد عاد، مثلها قال ( هود ) ( في الأصل : نوح. وهو سبق لسان ) لقومه :[ إذ جعلكم خلفاء من بعد قوم نوح ]( الأعراف : آية ٦٩ ) وهذا قررناه بالأمس فيما مضى، أي : أهلكهم وجعلكم مستخلفين في الأرض بعدهم تتمتعون فيها. واستدل بعض العلماء بهذه الآيات على ان الكافر يصدق عليه انه منعم عليه في الدنيا ؛ لأن نبي الله هودا- وهو هو- قال لقومه :[ فاذكروا ألاء الله ] فصرح بأن لله عليهم نعما في الدنيا، وكذلك قال نبي الله صالح :[ فاذكروا ألاء الله ] فبين كل من هود وصالح أن لله في الدنيا على الكفرة آلاء ونعما بما أعطاهم من الرزق والعافية ورغد العيش والتمتع بلذات الدنيا، هذه الآيات دلت على هذا.
وقال بعض العلماء : لا نعمة على الكافر أصلا ؛ لأن هذا استدراج، والله يقول :[ سنستدرجهم من حيث لا يعلمون( ١٨٢ ) وأملي لهم إن كيدي متين( ١٨٣ ) ]( الأعراف : الآيتان١٨٣، ١٨٢ ) فمنزلته منزلة الطعام اللذيذ الذي فيه السم الفتاك القاتل، فشربه ليس بلذيذ، والإنعام به ليس بإنعام ! ! وظاهر القرآن أولى بالإتباع ؛ لأن الله سمى هذه آلاء ونعما عليهم على ألسنة رسله الكرام ( صلوات الله وسلامه عليهم )، وهذا معنى قوله :[ واذكروا إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد ].
[ وبوأكم في الأرض ]( الأعراف : آية ٧٤ ) العرب تقول :( بواه يبوئه ) إذا جعل له مباءة. والمباءة في لغة العرب : المنزل. تقول العرب :( بوأه ببوئه ) أي : اتخذ له مباءة، أي : منزلا. وهذا كثير في القرآن وفي كلام العرب، فمنه في القرآن :[ وأورثنا الأرض نتبوأ من الجنة حيث نشاء ] ( الزمر : آية ٧٤ ) أي : نتخذ من مباءاتها ومنازلها حيث نشاء [ لنبوئنهم من الجنة غرفا ] ( العنكبوت : آية ٥٨ ) أي : لنجعلن الغرف مباءات ومنازل لهم. وهذا في القرآن كثير [ ولقد بوأنا بني إسرائيل مبوأ صدق ]( يونس : آية ٩٣ ) أي : أنزلناهم منزلا كريما طيبا كما هو معروف، وهذا كثير في القرآن. ومن إطلاقه في كلام العرب قول عمرو بن معد يكرب الزبيدي :
كم من أخ لي ماجد *** بوأته بيدي لحدا
أي : جعلت اللحد مباءة ومنزلا له عند موته. وهذا معروف، وهذا معنى قوله :[ إذ جعلكم خلفاء من بعد عاد وبوأكم في الأرض ]( الأعراف : آية ٧٤ ) أي : جعل في الأرض لكم مباءات ومنازل متنوعة، منها ما تتبردون به في الصيف، ومنها ما تستدفئون به في الشتاء، وهذا معنى قوله :[ وبوأكم في الأرض ] أرضهم هي بين الحجاز والشام من وادي القرى فما حوله، كانت ديارهم هناك.
[ تتخذون من سهولها قصورا ] السهول : جمع سهل، وهو المكان المنخفض المستوي الذي لا وعر فيه. أي : تتخذون من أمكنتها السهلة التي ليست بجبال قصورا، تبنون تلك القصور من سهل الأرض مما توقدون عليه من آجرها وطينها وتؤسسونها بالحجارة، وكانوا في الصيف يسكنون القصور المبنية من الآجر والطين ؛ لأنها أشد برودة.
[ وتنحتون الجبال بيوتا ] نحت الشيء : هو أن تنحته شيئا فشيئا، ومنه قيل للمبرد :( منحت ) لأنه ينحت الشيء، ومعنى نحتهم الجبال : أنهم يأخذون آلات حديد- وكانت سواعدهم قوية جدا- فيحفرون في الجبل، حتى يجعلوا فيه أوب البيوت، ثم يقطعون لها أبوابها وطاقاتها من نفس الجبل، ثم تكون تلك الأبواب والغرف والطاقات كلها من الجبال، ينحتونها بالحديد بقوة أيديهم نحتا، إذا اشتد البرد زمن الشتاء دخلوها فكانت لشدة استدفائها لا يحسون بالبرد شيئا، وهذا من نعم الله عليهم.
وقرأ هذا الحرف جماهير القراء :[ وتنحتون الجبال بيوتا ] بكسر باء :( بيوت ) لمجانسة الياء. وقرأه بضم الباء على الأصل :[ بيوتا ] أبو عمرو، وحفص عن عاصم، وورش عن نافع. لم يقرأه من القراء السبعة على الأصل :[ بيوتا ] إلا عاصم في رواية حفص خاصة، ونافع في رواية ورش خاصة، وأبو عمرو. وغير ذلك من سائر القراء قرؤوا :[ وتنحتون الجبال بيوتا ] أي : تنحتون من الجبال بيوتا ينحتونها في الجبال.
وقراءة الحسن شاذة :[ تنحتون من الجبال بيوتا ] وإن كانت قياسية ؛ لأن ( فعل ) إذا كانت حلقية العين أو اللام ينقاس في مضارعها الفتح، إلا أن السماع ( تنحتون ) بالكسر، وهي قراءة السبعة وغيرهم ؛ وقراءة الحسن :" تنحتون " شاذة، وأشذ منها قراءة من قرأ :" تنحاتون " بإشباع الفتحة، فهذه قراءة شاذة جدا، أشذ من الأولى ف " تنحتون " بفتح الحاء شاذة، وإشباع الفتحة ألفا أشذ وأشذ، وإن كان إشباع الفتحة بألف يسوغ في كلام العرب، هو مسموع في كلام العرب، إلا أنه لا يجوز قراءة، وهو موجود في كلام العرب، ومنه قول عبد يغوث بن وقاص :
وتضحك مني شيخة عبشمية *** كان لم ترى قبلي أسيرا يمانيا
فأشبع الفتحة بالألف، وأصل الفعل مجزوم، فالأصل :" تر " بلا ألف أشبع الفتحة ألفا. وقول الآخر :
إذا العجوز غضبت فطلق *** ولا ترضاها ولا تملق
الأصل :( ولا ترضها ) فأشبعت الفتحة. ومنه في وسط الكلام قول عنترة في معلقته :
ينباع من ذفري غضوب جسرة *** زيافة مثل الفنيق المكدم
فقوله :( ينباع ) أصله :( ينبع ) يعني : أن العرق ينبع من عظم ذفراها، وهو العظم الذي خلف أذنها، أصله يسيل منه العرق من الإبل إذا سارت سيرا شديدا.
وقراءة الجمهور هي التي يجوز القراءة بها [ تنحتون الجبال ] جمع جبل. [ بيوتا ] جمع بيت.
قرأه حفص عن عاصم، وورش عن نافع، وأبو عمرو :[ بيوتا ] بضم الباء على الأصل : جمع بيت، والبيت هو ما يسكن فيه، سمي بيتا لأن الساكن يبيت فيه.
[ فاذكروا ألاء الله ]أي : نعم الله عليكم حيث جعلكم خلفاء في الأرض من بعد عاد ويسر لكم القصور في سهولها، ويسر لكم نحت الجبال في نفس الجبال لتنالوا من برد السكنى زمن الحر، ومن الاستدفاء زمن البرد، وكل هذا نعم الله وآلاؤه عليكم. وهذا معنى قوله :[ فاذكروا آلاء الله ] أي : نعمه التي أنعمها عليكم.
وكان بعض العلماء يقول : هذه الآية الكريمة تدل على بناء القصور الشامخات لأن الله امتن عليهم على لسان نبيهم، بأنهم يتخذون القصور. وقد جاء عن النبي صلى الله عليه وسلم ما يدل في ظواهر كثيرة من الشرع انه لا ينبغي للإنسان أن يتطاول في البنيان ويبني فوق حاجته ويضيع المال في ذلك، فينبغي للإنسان أن يبني قدر حاجته وألا يضيع المال فيما يزيد على قدر حاجته من القصور الشامخة، ولا سيما إن كان ذلك على سبيل المباهاة والتفاخر فلا خير فيه. وأكثر العلماء على انه لا يمنع الرجل أن يبني بيتا ليستغله فيؤجره ويأخذ منه ؛ لأنه من أنواع التجارات وابتغاء فضل الله-جل وعلا- وكذلك ما يحتاج إليه هو ومن يعوله، فهذا من الأمور الضرورية.
وقوله جل وعلا :[ ولا تعثوا في الأرض مفسدين... ] العثي والعثو معناهما : الفساد. وهذه الحال مؤكدة عاملها ؛ لأن معنى :[ ولا تعثوا ] لا تفسدوا. ف( مفسدون ) حال مؤكدة لعاملها، والحال قد تؤكد عاملها فيكون معناها هو معنى عاملها، وإلى هذه بعينها أشار ابن مالك في الخلاصة بقوله :
وعامل الحال بها قد أكدا *** في نحو لا تعث في الأرض مفسدا
معناها : لا تفسدوا في الأرض في حال كونكم مفسدين، فالحال مؤكدة لعاملها، والمقصود تأكيد النهي عن الفساد في الأرض بالإشراك بالله وعبادة غيره معه، وأذية من أسلم من قوم صالح، وتكذيب نبي الله صالح، إلى غير ذلك من أنواع الفساد.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير