ﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜﯝﯞﯟﯠﯡ

يقول جل وعلا :[ ولوطا إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ما سبقكم بها من احد من العالمين( ٨٠ ) إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء بل أنتم قوم مسرفون( ٨١ ) وما كان جواب قومه إلا أن قالوا أخرجوهم من قريتكم إنهم أناس يتطهرون( ٨٢ ) فأنجيناه وأهله إلا امرأته كانت من الغابرين( ٨٣ ) وأمطرنا عليهم مطرا فانظر كيف كان عاقبة المجرمين( ٨٤ ) ]( الأعراف : الآيات٨٠-٨٤ ).
هذه هي القصة الرابعة من قصص الأنبياء الذين قص الله علينا أخبارهم مع أممهم في هذه السورة الكريمة-سورة الأعراف- لنعتبر بما فيها[ لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب... ]( يوسف : آية ١١١ ) فبين لنا أن قوم نوح كذبوه، وأنه أهلكهم بطوفان أغرقهم فبادوا عن آخرهم، وأن قوم هود كذبوه فأرسل عليهم الريح العقيم فدمرتهم عن آخرهم، وأن قوم صالح كذبوه فأخذتهم الصيحة فأصبحوا في دارهم جاثمين، ليس فيهم داع ولا مجيب، كأن الله يقول : اعلموا معاملتي لمن عصاني وطغى وتكبر وعادى رسلي فإني سأهلكه الإهلاك المستأصل، وأجعل مصيره إلى النار. وهم – والعياذ بالله- مغضوب عليهم في الدنيا، مغضوب عليهم في الآخرة ؛ ولأجل ذلك ثبت في الصحيحين من غير وجه أن النبي صلى الله عليه وسلم في سفره في غزوة تبوك مر بأرض الحجر- وهي ديار ثمود- فلما مر بها صلى الله عليه وسلم تلثم وأسرع السير جدا ليجاوز أرض الغضب بسرعة، ونهى أصحابه أن يشربوا من مياهها، وكان قوم منهم قد عجنوا بمائها عجينا، وقوم قد حاسوا منه حيسا، فنهاهم أن يأكلوا العجين الذي عجن بماء تلك الأرض، ونهاهم عن أن يأكلوا الحيس الذي بماء تلك الأرض. وفي بعض روايات الحديث انه أذن لبعضهم في أن يطعموا ذلك الحيس إبلهم، ونهاهم عن أكله.
ومعلوم اختلاف العلماء : هل يجوز الوضوء بمياه أرضهم ؟ وهل يرفع الحدث ؟ وهل تجوز الصلاة في ديارهم أو لا تجوز ؟ وإن وقعت فهل هي باطلة أو غير باطلة ؟ خلاف العلماء في هذا معروف. ومما ينبغي أن يتنبه له الآن أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى عن مياه أولئك القوم ؛ لأنها مياه أرض غضب، وبين أن الشرب منها لا يجوز، وإذا كان الشرب منها لا يجوز فالطهارة التي هي طاعة الله يظهر أنها من باب أولى لا تجوز.
وصرحت الأحاديث المتفق عليها أنه لا يجوز لأحد أن يدخل ديارهم إلا باكيا، خوفا أن ينزل به مثل ما نزل بهم. فأرضهم ارض غضب. وكذلك جاء عن علي ( رضي الله عنه ) لما مر بأرض الخسف في باب من أرض العراق انه أسرع ولم يصل حتى جاوزها.
ومن ذلك يعلم انه لا تجوز السكنى في محل ديارهم، ولا الزراعة ولا الغرس في محل ديارهم، كل ذلك لا يجوز. لا يجوز الانتفاع بمياه أرضهم، ولا الازدراع فيها، ولا الشرب منها، ولا غرس شجر بها، كل ذلك حرام ممنوع لا يجوز، كما دلت عليه الأحاديث النبوية الصحيحة. فيجب على من بسط الله يده إذا أراد بعض الجهلة أن يسكن في ديار قوم صالح وان يشرب من مياهها ويزرع على مياهها ويغرس عليه الأشجار أن يمنعه من ذلك كله اقتداء بالنبي صلى الله عليه وسلم وهو خير قدوة، فقد منع أصحابه من أن يشربوا من مائها، ومنعهم أن يأكلوا عجينا بمائها، وان يأكلوا حيسا بل بمائها، وهو صلى الله عليه وسلم خير أسوة، وكل هذا ثابت في الصحيحين عن ابن عمر وغيره رضي الله عنهم.
فنهي النبي صلى الله عليه وسلم عن الشرب من آبار ثمود ومنعه من أكل العجين الذي بل بمائها، ومن أكل الحيس الذي بل بمائها، وتلثمه صلى الله عليه وسلم وإسراعه السير ليجاوز واديهم، وأمره أصحابه أن لا يشربوا إلا من البئر التي كانت تشرب منها الناقة يدل على أن بلادهم أرض غضب، وأنها لا يجوز السكنى فيها، ولا يجوز دخول ديارهم لأحد إلا وهو يبكي خوفا من الله أن ينزل به مثل ما أنزل بهم. فالذي يدخل بلادهم ليتفرج وينظر غير باك ففعله حرام لا يجوز للأحاديث الصحيحة النبوية الثابتة عنه صلى الله عليه وسلم، ولا يجوز أن يترك أحد يزدرع في ديارهم، ويشرب من مائها، ويأكل من الحب المزروع بمياههم، كل ذلك لا يجوز ؛ لأنها أرض غضب ملعونة لا يجوز المقام فيها ولا الانتفاع بمائها.
ثم ذكر تعالى القصة الرابعة وهي قصة لوط، قال :[ ولوطا إذ قال لقومه ]( الأعراف : آية ٨٠ ) اختلف العلماء في وجه نصب [ لوطا ] في قوله :[ ولوطا إذ قال لقومه ] على وجهين متقاربين :
قال بعض العلماء : هو معطوف على ما قبله :[ لقد أرسلنا نوحا إلى قومه ]( الأعراف : آية ٥٩ ) [ وإلى عاد أخاهم هودا ]( الأعراف : آية ٦٥ ) أي : وأرسلنا هودا إلى عاد [ وإلى ثمود أخاهم صالحا[ ( الأعراف : آية ٧٣ ) أي : وأرسلنا صالحا إلى ثمود، وأرسلنا لوطا أيضا فقال لقومه كذا وكذا.
وبعض العلماء يقول : هو منصوب ب " اذكر " محذوفا. واذكر لوطا حين قال لقومه. وعليه يكون [ إذ قال لقومه ] بدل اشتمال من قوله :[ لوطا ] كما قاله غير واحد.
ولوط : هو لوط بن هارون ابن أخي إبراهيم.
والمؤرخون يزعمون أن أبا إبراهيم اسمه( تارح ) والقرآن صرح بأن اسم أبيه( آزر ) حيث قال :[ وإذ قال إبراهيم لأبيه آزر ]( الأنعام : آية ٧٤ ) ولا مانع من أن يكون له اسمان، أو اسم ولقب. وهم يقولون : إن نبي الله لوطا ابن أخي إبراهيم، وأنه لما أنجى الله إبراهيم من نار النمرود وسافر من سواد العراق مهاجرا إلى الشام أن لوطا كان ممن هاجر مع إبراهيم [ فآمن له لوط وقال إني مهاجر إلى ربي ]( العنكبوت : آية ٢٦ ) فنزل إبراهيم فلسطين، وكانت محل مهاجره، ونزل لوط بالأردن- والأردن بضم الهمزة والدال وتشديد النون- يقولون : إنه نهر وكورة في أعالي الشام، فأرسل الله نبي الله لوطا إلى قوم لوط، وهم قرى، يزعم بعض المفسرون أنها أربعة، وبعضهم يقول هي خمسة وعاصمتها- البلد الكبير- تسمى :( سدوم ) وبعض علماء العربية يقولون " ( سذوم ) بذال المعجمة، وهو قول الجوهري، ونصره القاموس. وبعضهم يقول : هي ( سدوم ) بالدال المهملة، وهي اكبر قراهم، فأرسل الله فيهم نبيه لوطا ( عليه وعلى نبينا الصلاة والسلام )، وجرى لهم معه ما قصه الله علينا في آيات متعددة، منها آية الأعراف هذه [ ولوطا ] أي : وأرسلنا لوطا، أي : واذكر نبي الله لوط بن هاران إذ قال لقومه الذين أرسل إليهم وهم بلد سدوم والقرى التي حولها، وهي المعروفة بالمؤتفكات، لأن المؤتفكات قرى قوم لوط، والمؤتفكة بالإفراد يمكن أن يكون المراد بها جميع القرى ؛ لأن مثل ذلك يطلق عليه ما يطلق على المؤنثة المفردة المجازية التأنيث. وقيل لقرى قومه :( المؤتفكات ] لأن جبريل عليه السلام أفكها أي : قلبها بهم فاقتلعها من الأرض ورفعها إلى السماء ثم جعل عاليها سافلها، كما قال تعالى :[ فجعلنا عاليها سافلها ]( هود : آية ٨٢ ) وجعل العالي هو السافل هو معنى القلب والأفك ؛ لأن العرب تقول : أفك الشيء يأفكه إذا قلبه، ومنه سمي أسوأ الكذب ( إفكا ) لأنه قلب للحقيقة عن ظاهرها الصحيح إلى شيء آخر باطل.
[ إذ قال لقومه أتأتون الفاحشة ]( الأعراف : آية ٨٠ ) [ أتأتون ] هنا همزة إنكار، أنكر نبي الله لوط عليهم الفاحشة، وقد قدمنا أن الفاحشة في لغة العرب أنها كل خصلة متناهية في القبح تسميها العرب فاحشا، وكل شيء بالغ نهايته تسميه العرب فاحشا، ومنه قول طرفة بن العبد في معلقته :

أرى الموت يعتام الكرام ويصطفى عقيلة مال الفاحش المتشدد
فسماه فاحشا لما بلغ نهايته في البخل. فالفاحشة : الخصلة المتناهية في القبح والشناعة، وهذه الخصلة الخسيسة القبيحة هي فاحشة اللواط- قبحها الله وقبح مرتكبها- ولذا أنكرها نبي الله لوط عليهم، وبين أنه مبغض لها غاية البغض في قوله :[ إني لعملكم من القالين ]( الشعراء : آية ١٦٨ ) أي : من المبغضين الكارهين أشد البغض والكراهية. [ أتأتون الفاحشة ] أي : الخصلة الذميمة الخسيسة الدنية البالغة غاية الدناءة والخبث والفحش والقباحة، وهي إتيان الرجال في أدبارهم، وهي فاحشة اللواط- قبحها الله وقبح مرتكبها- فإنها فاحشة خسيسة قبيحة لم يسبق إليها أحد قوم لوط، كما قال هنا :[ ما سبقكم بها من أحد من العالمين ] الباء هذه تأتي بعد ( سبق ) كقوله صلى الله عليه وسلم :" سبقك بها عكاشة " وهي للتعدي ؛ لأن الفعل لا يتعدى إلى الضمير إلا بها [ ما سبقكم ] بهذه الفاحشة [ من أحد من العالمين ]( من ) الأولى أصلها دخلت على الفاعل، والأصل : ما سبقكم أحد بها. إلا أن النكرة في سياق النفي إن زيدت قبلها ( من ) نقلتها من الظهور في العموم إلى التنصيص الصريح في العموم. وقوله :[ من العالمين ] تبعيضية، أي : ما سبقكم أحد من بعض جميع العالمين إلى هذه الفاحشة المنكرة والخصلة القبيحة الخسيسة-قبحها الله جل وعلا- ولذا بينها فقال :[ إنكم لتأتون الرجال شهوة من دون النساء ]( الأعراف : آية ٨١ ).

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير