ﮥﮦﮧﮨﮩﮪ

[ فأخذتهم الرجفة ]( الأعراف : آية ٩١ ) الفاء سببية، وقد تقرر في علم الأصول في مبحث مسلك الإيماء والتنبيه، وفي مبحث النص والظاهر أن الفاء تذكر في التعليل لدلالتها على السببية، كقوله :" سهى صلى الله عليه وسلم فسجد " أي : لعلة سهوه. " سرق السارق فقطعت يده ". أي : لعلة سرقته قالوا :[ لئن اتبعتم شعيبا ] أي :[ فأخذتهم الرجفة ] أي : بسبب كفرهم وإلحادهم.
وقوله :[ لئن اتبعتم شعيبا إنكم إذا لخاسرون( ٩٠ ) فأخذتهم الرجفة ] الرجفة : معناه الزلزلة القوية التي تؤدي إلى تحريك قوي عنيف، فكل ما تحرك تحريكا قويا فقد رجف، فالرجفة زلزلة قوية حركت الأرض من تحتهم حتى اهتزت بهم هزا عنيفا أدى إلى موتهم. وهذا معروف في كلام العرب، ومنه : زلزلة القيامة لزلزلتها الأرض وتحريكها إياها تحريكا عنيفا [ يوم ترجف الراجفة( ٦ ) تتبعها الرادفة ( ٧ ) ]( النازعات : الآيتان٧، ٦ ) فهو معنى معروف في كلام العرب مشهور، ومنه قول عنترة :
متى ما تلقني فردين ترجف *** روانق أليتك وتستطارا
وفي هذه الآية الكريمة سؤال معروف مشهور عند العلماء وطلبة العلم، وهو : أن الله في هذه الآية الكريمة من سورة الأعراف بين أن الذي اهلك الله به قوم شعيب رجفة، حيث قال :[ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين( ٩١ ) ]( الأعراف : آية ٩١ ) جاثمين : أي : موتى، وكل واحد منهم منكب على وجهه لا روح في جسده، والجاثم : الذي يلزم محلا واحدا، لربما كان على وجهه كما هو معروف، ومنه قول زهير في معلقته :
بها العين والآرام يمشين خلفة *** وأطلاؤها ينهضن من كل مجثم
المجثم : مكان الجثوم، وهو المكان الذي كان فيه منكبا على وجهه غالبا. وهنا قال عن سبب إهلاكهم بالرجفة، وصرح بسورة هود بأن سبب إهلاكهم صيحة، حيث قال :[ وأخذت الذين ظلموا الصيحة فأصبحوا في ديارهم جاثمين ]( هود : آية ٩٤ ) وصرح في سورة الشعراء أن قوم شعيب أصحاب الظلة كان عذابهم في ظلة، المذكور في قوله :[ فأخذهم عذاب يوم الظلة إنه كان عذاب يوم عظيم ]( الشعراء : آية ١٨٩ ) تارة يعبر عن سبب إهلاكهم بالرجفة، وتارة بالصيحة، وتارة بالظلة، فهذا هو وجه السؤال المعروف في هذه الآيات.
وحاصل الجواب : أن العلماء اختلفوا-كما قدمنا- هل شعيب أرسل إلى امة واحدة أو أرسل إلى أمتين ؟ وكان قتادة ( رحمه الله ) في طائفة من العلماء يقولون : أرسل شعيب إلى أمتين، أرسل إلى مدين فأهلكهم الله بالصيحة، وأرسل إلى أصحاب الأيكة بعد أن هلك أصحاب مدين فأهلكهم الله بالضلة. وهذا القول قال به بعض العلماء، واستدلوا باختلاف نوع العذاب، وفي أن الله قال في أهل مدين :[ وإلى مدين أخاهم شعيبا ] ( الأعراف : آية ٨٥ ) ولم يقل في أصحاب الأيكة : أخاهم. وأكثر العلماء على أن أهل مدين هم أهل الأيكة، وأنها أمة واحدة، وأنهم نسبوا إلى جدهم مدين بن إبراهيم وأنه كانت لهم أيكة- غيضة- ملتفة من الشجر يعبدونها، وبعض المؤرخين يقولون : كانت أيكتهم من شجر الدوم والله تعالى أعلم.
الجواب عن هذا : هو ما قال به غير واحد، وممن ألم به ابن كثير ( رحمه الله ) في تفسيره : أن كل ذلك وقع لقوم شعيب، وأن أصحاب مدين هم أصحاب الأيكة، والاسم مختلف فيهما والمسمى واحد. قالوا : لما أراد الله أن يهلكهم صاح بهم الملك صيحة شديدة ؛ ولذا قيل :[ أخذت الذين ظلموا الصيحة ]( هود : آية ٩٤ ) فلما صاح الملك اهتزت الأرض بهم هزا عنيفا، ورجفت بهم رجفة قوية، فصار هو معنى قوله :[ فأخذتهم الرجفة ]( الأعراف : آية ٩١ ) ثم إن الله أضرم عليهم الظلة نارا فاحترقوا، فاجتمعت لهم الصيحة من أعلى، والرجفة من أسفل، وأحرقهم الله، واجتمع لهم ذلك كله- والعياذ بالله تعالى- قال بعض العلماء : وممن ذكره ابن كثير : أنهم كان لهم كاهنان احدهما يسمى : سميرا، والثاني يسمى عمران بن شداد، وأن رجلا منهم يقال له : عمر بن جلهاء نظر إلى الأيكة ورأى فيها العذاب فأطلعه الله عليه، وأنه كان يقول لهم أبياته المعروفة، يقول لهم :
يا قوم، إن شعيبا مرسل فذروا *** عنكم سميرا وعمران بن شداد
إني أرى غبية يا قوم قد طلعت *** تدعو بصوت على صمانة الوادي
وإنكم لن تروا فيها ضحاء غد *** إلا الرقيم يمشي بين انجاد
والرقيم : كلبهم. يقول : في ضحى غد لا يرى إلا الكلب وحده يمشي. لكونهم قد أبادهم الله.
وزعم جماعة من المؤرخين أن أبا جاد، وهوز، وحطي، وكلمن، وسعفص، وقرشت أنها أسماء ملوك مدين الذين أرسل إليهم شعيب، وأن (... ) ( في هذا الموضع كلمة غير واضحة، وفي ابن جرير ( ١٢/٥٦٨ ) : كلمون ) كان في ذلك الوقت ملك مدين المسمى ( كلمن )، وأنه لما أهلكه الله قال قالت ابنته، وبعضهم يقول : أخته تبكيه :
كلمن قد هد ركني *** هلكه وسط المحلة
سيد القوم أتاه ال *** حتف نارا وسط ظلة
وعلى كل حال فقد أهلكهم الله ودمرهم بالرجفة والصيحة والإحراق بعذاب يوم الظلة [ إنه كان عذاب يوم عظيم ] وهذا معنى قوله :[ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم ]( الأعراف : آية ٩١ ) الدار هنا : اسم جنس مفرد، أضيف إلى معرف فهو يعم أي : في ديارهم. وألف الياء منقلبة عن واو ؛ لأن أصلها ( دور ) ولذا تصغر على ( دويرة ) لا على دييرة، والجاثم هو المستلقي على وجهه، والمراد أنهم أصبحوا منكبين على وجوههم موتى لا أرواح في أجسادهم، وانتقلوا إلى الشقاء الأبدي- عياذا بالله- وهذا معنى قوله :[ فأخذتهم الرجفة فأصبحوا في دارهم جاثمين( ٩١ )

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير