والوزن أنتم قد وليتم امرا فيه هلكت الأمم السالفة قبلكم) وَلا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ اى بالكفر والحيف بَعْدَ إِصْلاحِها بعد ما أصلح أمرها وأهلها الأنبياء واتباعهم بإجراء الشرائع ذلِكُمْ اشارة الى العمل بما أمرهم به ونهاهم عنه خَيْرٌ لَكُمْ من التطفيف والبخس والإفساد وقيل خير هاهنا ليس على بابه من التفضيل بل بمعنى نافع عند الله إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ اى مصدقين بي فى قولى هذا وَلا تَقْعُدُوا بِكُلِّ صِراطٍ الباء للالصاق او المصاحبة لان القعود ملصق بالمكان وان القاعد ملابسه ويحتمل ان تكون بمعنى فى لان القاعد يحل بمكان قعوده وان تكون بمعنى على لاستيلاء القاعد على المكان تُوعِدُونَ حال من فاعل لا تقعدوا ولم يذكر الموعد به ليذهب الذهن كل مذهب. والمعنى ولا تقعدوا بكل طريق من طرق الدين موعودين اى مخوفين كالشيطان حيث قال لاقعدن لهم صراطك المستقيم وصراط الله وان كان واحدا لكنه يتشعب الى معارف وحدود واحكام وكانوا إذا رأوا أحدا يسعى فى شىء منها منعوه وقيل كانوا يجلسون على المرصد فيقولون لمن يريد شعيبا انه كذاب لا يفتننك عن دينك ويتوعدون من آمن به وقيل يقطعون الطريق وَتَصُدُّونَ عطف على توعدون اى تمنعون وتصرفون عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ اى السبيل الذي قعدوا عليه مَنْ آمَنَ بِهِ اى بكل صراط وهو مفعول تصدون وَتَبْغُونَها من باب الحذف والإيصال والتقدير وتبغون لها انث ضمير السبيل لانه يذكر ويؤنث. والمعنى وتطلبون لسبيل الله عِوَجاً زيغا وعدولا عن الحق بإلقاء الشبه او بوصفها للناس بانها معوجة وهى ابعد شىء من شائبة الاعوجاج وفيه اشارة الى الذين قطعوا طريق الوصول الى الله على الطالبين بانواع الحيل بالمكايد وطلبوا الاعوجاج فيه بإظهار الباطل كما قطعوا على أنفسهم فان شر المعاصي ما لا يكون لازما لصاحبه بل يكون متعديا عنه الى غيره لان ضرر التعدية عائد الى المبتدئ بقدر الأثر فى التعدي وَاذْكُرُوا إِذْ كُنْتُمْ قَلِيلًا فَكَثَّرَكُمْ بالبركة فى النسل والمال فصار ضعفكم قوة وفقركم غنى وَانْظُرُوا كَيْفَ كانَ عاقِبَةُ الْمُفْسِدِينَ من الأمم الماضية كقوم نوح ومن بعدهم من عاد وثمود واضرابهم واعتبروا بهم واحذروا من سلوك مسالكهم وَإِنْ كانَ طائِفَةٌ مِنْكُمْ آمَنُوا بِالَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ من الشرائع والاحكام وَطائِفَةٌ لَمْ يُؤْمِنُوا اى به قال فى التفسير الفارسي [قومى از مدين بشعيب عليه السلام ايمان آوردند جمعى ديكر انكار كردند وكفتند قوت وثروت ما راست نه مؤمنا را پس حق با ما باشد واگر حق با ايشان بودى بايستى كه توانكرى ووسعت معاش ايشانرا بودى شعيب عليه السلام فرمود كه اگر چهـ شما دو كره شده ايد] فَاصْبِرُوا فتربصوا حَتَّى يَحْكُمَ اللَّهُ بَيْنَنا اى الفريقين بنصر المحقين على المبطلين فهو وعد للمؤمنين ووعيد للكافرين وَهُوَ خَيْرُ الْحاكِمِينَ إذ لا معقب لحكمه ولا حيف فيه وهو اعدل القاضين تم الجزء الثامن فى اواخر شوال من سنة الف ومائة
صفحة رقم 201
بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها فقد افترينا على الله كذبا عظيما حيث نزعم حينئذ ان لله تعالى ندا وليس كمثله شىء وانه قد تبين لنا ان ما كنا عليه من الإسلام باطل وان ما كنتم عليه من الكفر حق وأي افتراء أعظم من ذلك وَما يَكُونُ لَنا اى وما يصح وما يستقيم لنا أَنْ نَعُودَ فِيها فى حال من الأحوال او فى وقت من الأوقات إِلَّا أَنْ يَشاءَ اللَّهُ اى إلا حالة مشيئة الله تعالى لعودنا فيها وذلك مما لا يكاد يكون كما ينبىء عنه قوله رَبُّنا فان التعرض لعنوان ربوبيته تعالى لهم مما ينبىء عن استحالة مشيئته تعالى لارتدادهم قطعا وكذا قوله تعالى بَعْدَ إِذْ نَجَّانَا اللَّهُ مِنْها فان تنجيته تعالى لهم منها من دلائل عدم مشيئته تعالى لعودهم فيها وقيل معناه الا ان يشاء الله خذلاننا وفيه دليل على ان الكفر بمشيئة الله تعالى وأياما كان فليس المراد بذلك بيان ان العود فيها فى حيز الإمكان وخطر الوقوع بناء على كون مشيئته تعالى كذلك بل بيان استحالة وقوعها كأنه قيل وما كان لنا ان نعود فيها الا ان يشاء الله ربنا وهيهات ذلك بدليل ما ذكر من موجبات عدم مشيئته تعالى له وَسِعَ رَبُّنا كُلَّ شَيْءٍ عِلْماً علما نصب على التمييز منقول عن الفاعلية تقديره وسع علم ربنا كل شىء كقوله وَاشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً والمعنى احاطة علمه بكل ما كان وما سيكون من الأشياء التي من جملتها احوال عباده وعزائمهم ونياتهم وما هو اللائق بكل واحد منهم فمحال من لطفه ان يشاء عودنا فيها بعد ما نجانا منها مع اعتصامنا به خاصة حسبما ينطق به قوله تعالى عَلَى اللَّهِ تَوَكَّلْنا
فى ان يثبتنا على الايمان ويخلصنا من الأشرار ثم اعرض عن المعاندين وتوجه الى مناجاة رب العالمين فقال رَبَّنَا افْتَحْ بَيْنَنا وَبَيْنَ قَوْمِنا بِالْحَقِّ احكم بيننا وبينهم واقض بما يدل على انا على الحق وهم على الباطل وافصل بما يليق بحال كل من الفريقين وَأَنْتَ خَيْرُ الْفاتِحِينَ والفاتح هو الحاكم بلغة اهل عمان سمى فاتحا لانه يفتح المشكلات ويفصل الأمور ويجوز ان يكون من فتح المشكل إذا بينه. والمعنى اظهر أمرنا حتى ينكشف ما بيننا وبينهم ويتميز المحق من المبطل وفى التأويلات النجمية فاحكم بيننا وبينهم بإظهار حقيقة ما قدرت لنا من خاتمة الخير واظهار ما قدرت لهم من خاتمة السوء وَقالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ عطف على قوله قالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا اى قال اشرافهم الذين أصروا على الكفر لاعقابهم بعد ما شاهدوا صلابة شعيب عليه السلام ومن معه من المؤمنين فى الايمان وخافوا أن يستتبعوا قومهم تثبيطا لهم عن الايمان وتنفيرا لهم منه على طريقة التوكيد القسمي والله لَئِنِ اتَّبَعْتُمْ شُعَيْباً ودخلتم فى دينه وتركتم دين آبائكم إِنَّكُمْ إِذاً لَخاسِرُونَ اى فى الدين لاشترائكم الضلالة بهداكم او فى الدنيا لفوات ما يحصل لكم بالبخس والتطفيف فَأَخَذَتْهُمُ الرَّجْفَةُ اى الزلزلة الشديدة وهكذا فى سورة العنكبوت وفى سورة هود وَأَخَذَتِ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ اى صحيحة جبريل ولعلها من مبادى الرجفة فاسند هلاكهم الى السبب القريب تارة والى البعيد اخرى قال ابن عباس رجفت بهم الأرض وأصابهم حر شديد فرفعت لهم سحابة فخرجوا إليها يطلبون الروح منها فلما كانوا تحتها سالت عليهم بالعذاب ومعه صيحة جبريل عليه السلام فَأَصْبَحُوا فِي دارِهِمْ اى صاروا فى مدينتهم وفى سورة هود فِي دِيارِهِمْ قال الحدادي اى بقرب دارهم تحت الظلة كما قال تعالى فَأَخَذَهُمْ عَذابُ يَوْمِ الظُّلَّةِ جاثِمِينَ اى ميتين على وجوههم وركبهم لازمين لاماكنهم
روح البيان
إسماعيل حقي بن مصطفى الإستانبولي الحنفي الخلوتي , المولى أبو الفداء