ﯜﯝﯞﯟﯠﯡﯢﯣﯤﯥﯦﯧﯨﯩﯪﯫ

[ فتولى عنهم ] ضمير الفاعل المستتر في قوله :[ فتولى ]راجع إلى شعيب، [ فتولى ] هو أي : نبي الله شعيب رجع موليا عنهم [ وقال يا قوم ] خاطبهم وقد أهلكهم الله، وهذا الخطاب بعض العلماء يقول : قاله لهم في آخر حياتهم لما أراد أن يخرج عنهم كما في قوله :[ ولما جاء أمرنا نجينا شعيبا والذين آمنوا معه برحمة منا ] ( هود : آية ٩٤ ) وقد أمره الله بالخروج عندما قرب نزول العذاب فيهم. وبعض العلماء يقول : قال لهم هذا بعد أن هلكوا ودمرهم الله رجع وقاله لهم. ولا مانع من هذا، وقد وقع مثله ؛ لأنه ثبت في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم جمع صناديد قريش يوم بدر- أصحاب القليب- ووبخهم وقال لهم :[ قد وجدنا ما وعدنا ربنا حقا فهل وجدتم ما وعد ربكم حقا ]( الأعراف : آية ٤٤ ) فوبخهم، وبينا أنهم يسمعون كلامه، وأنهم الآن يعرفون الحقيقة كما هو معروف.
[ قال يا قوم ] قد تكلمنا عن القوم فيما سبق قريبا.
[ لقد أبلغتكم رسالات ربي ]( الأعراف : آية ٩٣ ) اللام موطئة لقسم محذوف ( والله لقد أبلغتكم رسالات ربي ) وهذا النبي الكريم أقسم في هذه الآية الكريمة على انه أبلغ رسالة ربه ؛ لأن الأنبياء ( صلوات الله وسلامه عليهم ) يجب عليهم الإبلاغ على أكمل الوجوه وأتمها. فكل مشرع يأتي بتشريع ودين لم يأت به نبينا صلى الله عليه وسلم فكأنه يدعي عليه أنه لم يبلغ. وهو ( صلوات الله وسلامه عليه ) بلغ كل شيء أمر بتبليغه، كما اقسم شعيب على أنه بلغ رسالة ربه، فثبت عن عائشة ( رضي الله عنها ) أنها قالت : من زعم أن محمدا صلى الله عليه وسلم كتم حرفا مما أنزل عليه فقد افترى على الله الكذب، والله لو كان كاتما شيئا حرفا مما انزل عليه فقد افترى على الله الكذب، والله لو كان كاتما شيئا لكتم قوله تعالى :[ وتخفى في نفسك ما الله مبديه وتخشى الناس والله أحق أن تخشاه ] ( الأحزاب : آية ٣٧ ) وقد شهد الله لنبينا صلى الله عليه وسلم في آيات عديدة انه بلغ، كما شهد شعيب لنفسه هنا بقوله :[ لقد أبلغتكم رسالات ربي ] فمن الآيات التي شهد الله فيها لنبينا بالإبلاغ قوله :[ اليوم أكملت لكم دينكم وأتممت عليكم نعمتي ورضيت لكم الإسلام دينا ]( المائدة : آية ٣ ) فلو كان لم يبلغ جميعه على ما ينبغي لما قال :[ أكملت لكم دينكم ] للنقص في الذي لم يبلغ، وقال له :[ فتول عنهم فما أنت بملوم( ٥٤ ) ]( الذاريات : آية ٥٤ ) ولو كتم شيئا لكان ملوما. وقال :[ فإن تولوا فإنما عليه ما حمل وعليكم ما حملتم وإن تطيعوه تهتدوا ]( النور : آية ٥٤ ) إلى غير ذلك من الآيات، فهو ( صلوات الله وسلامه عليه ) لنا بمنزلة الوالد الشفيق يعلمنا حتى إنه من شدة رأفته ورحمته بنا وحرصه على هدانا يعلمنا، كل شيء، حتى إنه يعلم الرجل إذا راح إلى بيت الماء ليقضي حاجته- أكرمكم الله- كيف يفعل ؟ وبماذا يستجمر ؟ وما لا يفعل مع القبلة، وفي أي اليدين يستجمر، وماذا يتقي عند الاستجمار كما هو معروف في محله.
وهذه الآيات تدل على أن أنبياء الله ( صلوات الله وسلامه عليهم )نصحوا لأممهم وبلغوا أكمل البلاغ وأتمه، وصبروا على الأذى، وعلى أتباعهم من المنتسبين للعلم أن يبلغوا العلم على الوجه الأكمل، وأن يصبروا على أذى الناس ؛ لأن كل من يأمر بخير وينهى عن منكر لا بد أن يلحقه الأذى من الناس، وهذا أمر معروف ؛ لأن كل من يتعرض للناس في مهوياتهم وينهاهم عما يهوون، ويأمرهم بما لا يهوون يكونون أعداء له ؛ ولذا كان لقمان الحكيم لما أوصى ولده وقال له :[ وأمر بالمعروف وانه عن المنكر ]( لقمان : آية ١٧ ) اتبع ذلك بقوله :[ واصبر على ما أصابك ] لأنه يعلم أن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يستلزم إتباع إصابة الأذى من الناس كما لا يخفى، فعلى طلبة العلم أن يعتبروا بأمثال هذه الآيات، وينصحوا لأمة محمد صلى الله عليه وسلم، ولا يكتموا العلم عند الحاجة إليه، ويبلغوه على الوجه الأكمل بالإيضاح والحكمة والصبر على الأذى. ونحن معاشر هذه الأمة سيثبت بقولنا وشهادتنا على الأمم فصل القضاء يوم القيامة، يوم يجمع الله الأولين والآخرين في صعيد واحد، ينفذهم البصر، ويسمعهم الداعي، كما جاء في القرآن العظيم، وذلك أنه إذا اجتمعت الخلائق سأل الله الرسل والمرسل إليهم كما ( مضى ) ( في الأصل :" يأتي ". وهو سبق لسان ) في قوله :[ فلنسئلن الذين أرسل إليهم ولنسئلن المرسلين( ٦ ) ] فالكفار الذين كفروا من الأمم يقولون :[ ما جاءنا من بشير ولا نذير ]( المائدة : آية ١٩ ) فالرسل الذي أرسلت إلينا هم الذين خانونا وكتموا عنا رسائل ربنا، ولو جاءتنا رسالة ربنا لكنا اطوع الناس لها واتبعها لها ! ! فيقول الله- وهو أعلم- للرسل : هل عندكم بينة على التبليغ ؟ فيقولون : نعم، أمة محمد صلى الله عليه وسلم تشهد لنا. فتدعى هذه الأمة الكرام الذين قال الله فيهم :[ كنتم خير أمة أخرجت للناس ]( أل عمران : آية ١١٠ ) فيقال لهم : أتشهدون أن هؤلاء الرسل الكرام بلغوا هؤلاء الكفرة ؟ فنقول على رؤوس الأشهاد في ذلك اليوم العظيم : نعم، نحن نشهد أنهم بلغوهم أكمل البلاغ وأتمه، وان هؤلاء الكفرة آذوهم وتعرضوا لهم بكل سوء، ولجوا في الكفر بعد أن بينوا لهم كل شيء، وتحملوا منهم كل الأذى. فيحتج علينا الأمم فيقولون : كيف تشهدون علينا وانتم في وقت إرسال الرسل إلينا في ظلمات العدم لم توجدوا إذ ذاك، كيف تشهدون على شيء وقع قبل أن تخلقوا ؟
فنقول : نعم إننا نضع أداة الشهادة على حصول العلم اليقين، وقد حصل لنا العلم اليقين بما شهدنا، فما شهدنا إلا بما علمنا ؛ وكل ما في كتاب الله فنحن نقطع به ونجزم به- لأنه كلام خالقنا- أشد من جزمنا بما رأته أعيننا وسمعته آذاننا، فقد قص الله علينا قصصكم مفصلة ومجملة، فانتم يا قوم نوح قص الله علينا في كتابه ما جرى منكم معه في دار الدنيا وأنه قال :[ وإني كلما دعوتهم لتغفر لهم جعلوا أصابعهم في آذانهم واستغشوا ثيابهم وأصروا واستكبروا استكبارا( ٧ ) ثم إني دعوتهم جهارا( ٨ ) ثم أني أعلنت لهم وأسررت لهم إسرار ( ٩ ) ] إلى آخر الآيات. ( نوح : الايات٧-٩ ). وانتم يا قوم هود قص الله علينا من خبركم كذا وكذا وكذا، وقولكم له :[ إن نقول إلا اعتراك بعض آلهتنا بسوء ]( هود : آية ٥٤ ) وما صبر على آذاكم وما جاءكم به من الإنذار العظيم. وكذلك قوم صالح، فنفصل ما فصل، ونجمل ما أجمل، فيثبت الحكم عليهم بشهادتنا كما سيأتي في قوله :[ وكذلك جعلناكم امة وسطا ] أي : خيارا عدولا [ لتكونوا شهداء على الناس ]( البقرة : آية١٤٣ ) فهذه الآية وأمثالها كقوله :[ كنتم خير أمة أخرجت للناس ]( آل عمران : آية ١١٠ ) فيها الدلالة القرآنية الواضحة على أن هذه الأمة هي خير الأمم وأفضلها، ويؤيد ذلك ويوضحه ما جاء في السنن من حديث معاوية بن حيدة القشيري ( رضي الله عنه ) أن النبي صلى الله عليه وسلم قال في هذه الأمة : " أنتم توفون سبعين أمة أنتم خيرها وأكرمها على الله ". أما قوله في بني إسرائيل :[ وأني فضلتكم على العالمين ]( البقرة : آية ٤٧ ) فلا يتناول هذه الأمة ؛ لأنها في ذلك الوقت لم توجد، والمعدوم ليس بشيء حتى يفضل عليه غيره ؛ فبعد أن وجدت واستقر كيانها صح تفضيلها على جميع الأمم، واستقراء القرآن قد دل على ذلك دلالة واضحة، وإيضاح ذلك : أن الفضل العظيم إنما يعرف بالاختبار، فعند الامتحان(... ) ( )في هذا الموضع انقطع التسجيل. ويمكن استدراك النقص بمراجعة كلام الشيخ ( رحمه الل ) في هذه القضية فيما مضى عند تفسير الآية ( ٤٧ ) من سورة البقرة.
[ فكيف آسى على قوم كافرين ]( الأعراف : آية ٩٣ ) لما علم نبي الله شعيب أن الله مهلك قومه تولى راجعا عنهم، وقال مخاطبا لهم :[ لأقد أبلغتكم[ والله لقد أبلغتكم رسالات ربي التي لو اتبعتموها لما وقعتم فيما وقعتم فيه [ ونصحت لكم ] بذلت لكم غاية النصح، وبينت لكم، وأمرتكم بما فيه لكم الخير، ونهيتكم عما فيه لكم الشر، ولكن تمردتم حتى أهلككم الله [ فكيف آسى ] آسى : معناها أحزن، فالعرب تقول : أسي الرجل يأسى بمعنى : حزن يحزن، ( وآسى ) فعل مضارع، والهمزة الأولى همزة المتكلم، والألف مبدلة من فاء الفعل، والمعنى : فكيف احزن أنا. [ آسى ] أي : أحزن [ على قوم كافرين ] متمردين على الله ؛ أعداء لله ورسله، فهؤلاء لا يحزن عليهم، كما قال الله لنبينا :[ ولا تحزن عليهم ]( النمل : آية ١٢٧ ) ونحو ذلك من الآيات. وهذه الآية تدل أن قوم الرجل إذا كانوا أعداء الله فأهلكهم الله بذنوبهم لا ينبغي له أن يحزن عليهم ؛ لأنهم ليسوا أهلا للحزن عليهم ولعداوتهم لله ورسله.

العذب النمير من مجالس الشنقيطي في التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

الشنقيطي - العذب النمير

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير