وقوله تعالى: كَأَنْ لَمْ يَغْنَوْا فِيهَا إبانة عن سوء حال المكذب نبيًا من أنبياء الله في أنه بمنزلة من لم يستمتع بالدنيا؛ إذ حصل في العذاب وصار إلى الخسران.
وقوله تعالى: الَّذِينَ كَذَّبُوا شُعَيْبًا كَانُوا هُمُ الْخَاسِرِينَ، هذا ابتداء منقطع من الفصل الأول، جملة من المبتدأ والخبر (١). قال ابن الأنباري: (ووقع التكرير لتعظيم الذم لهم و (٢) تفظيع ما يستحقون من الجزاء على جهلهم، والعرب تكرر مثل هذا في التفخيم والتعظيم، فيقول الرجل [للرجل] (٣): أخوك الذي ظلمنا، أخوك الذي أخذ أموالنا، أخوك الذي شتم أعراضنا) (٤).
٩٣ - قوله تعالى: فَتَوَلَّى عَنْهُمْ، قال الكلبي: (خرج من بين أظهرهم ولم يعذب قومُ نبي حتى يخرج من بينهم) (٥).
(١) انظر: "البيان" ١/ ٣٦٨، و"التبيان" ١/ ٣٨٤، و"الفريد" ٢/ ٣٣٣ - ٣٣٤، و"الدر المصون" ٥/ ٣٨٥ - ٣٨٧.
(٢) لفظ: (الواو) ساقط من (ب).
(٣) لفظ: (للرجل) ساقط من (ب).
(٤) ذكره ابن الجوزي في "تفسيره" ٣/ ٢٣٣، وهو عند الرازي ١٤/ ١٨٢ بدون نسبة.
(٥) "تنوير المقباس" ٢/ ١١٢، وذكره الرازي في "تفسيره" ١٤/ ١٨٢.
وقال أهل المعاني: (أعرض عنهم إعراضَ آيِسٍ منهم لما نزل العذاب بهم، وذلك أنه كان مقبلًا عليهم بالوعظ والدعاء إلى الحق، فلما تمادوا في غيهم، فأخذهم الله عز وجل ببأسه، تولى عنهم) (١).
وقوله تعالى: فَكَيْفَ آسَى عَلَى قَوْمٍ كَافِرِينَ. أي: كيف يشتد حزني (٢). يقال: أسِيت (٣) على الشيء آسَى (٤) أسًى إذا اشتد حزنه عليه.
قال امرؤ القيس:
يَقُولونَ لاَ تَهْلِكْ أَسًى وتَجَمَّلِ (٥)
وقوله تعالى: فَكَيْفَ آسَى استفهام معناه الإنكار، أي: لا آسى عليهم. ومعنى الآية: أن شعيبًا -عليه السلام- يتسلى عنهم بما يتذكر من حاله
(٢) انظر: "مجاز القرآن" ١/ ٢٢٢، و"معاني الزجاج" ٢/ ٣٥٩، و"نزهة القلوب" ص ٧٣، و"معاني النحاس" ٣/ ٥٦.
(٣) الأسى مفتوح مقصور: الحزن. انظر: "العين" ٧/ ٣٣٢، و"الجمهرة" ١/ ٢٣٨، و"تهذيب اللغة" ١/ ١٦٣، و"الصحاح" ٦/ ٢٢٦٨، و"مقاييس اللغة" ١/ ١٠٦، و"المفردات" ص ٧٧، و"اللسان" ١/ ٨٢ (أسَى).
(٤) في (ب): (أسًا).
(٥) "ديوانه" ص ١١١، و"طبقات فحول الشعراء" ١/ ٥٩، و"الشعر والشعراء" ص ٦٤، و"جمهرة أشعار العرب" ص ٩٥، و"الصناعتين" ص ٢٢٩، وهو من معلقته المشهورة وأوله:
وُقوفًا بِها صَحْبِي عَلَيَّ مَطِيَّهُمْ
قال النحاس في "شرح المعلقات" ١/ ٥: (الصحب الجماعة ومطيهم، واحده مطية وهي: الراحلة، والأسى: الحزن، وتجمل أي: أظهر جميلًا) اهـ. وانظر: "شرح القصائد" لابن الأنبارى ص ٢٤.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي