تفسير سورة سورة المائدة
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري
التفسير المظهري
القاضي مولوي محمد ثناء الله الهندي الفاني فتي النقشبندى الحنفي العثماني المظهري (ت 1225 هـ)
الناشر
مكتبة الرشدية - الباكستان
المحقق
غلام نبي التونسي
«١» مدنيّة وهى مائة وعشرون اية وستّ عشر ركوعا بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ العقد العهد الموثق وأصله الجمع بين الشيئين بحيث يعسر الانفصال قال الزجاج هو أوكد العهود والوقاع والإيفاء القيام بمقتضى العهد وفى الإيفاء مبالغة ليس فى الوفاء كذا قال التفتازانيّ والحكم عام يشتمل العقود التي عقدها الله تعالى على عباده عامة من يوم الميثاق الى يومنا هذا من التكاليف وتحليل حلاله وتحريم حرامه وما أخذ الله ميثاق الذين أوتوا الكتب فى الايمان بمحمد ﷺ وبيان نعته وما يعقد الناس بينهم من عقود الأمانات والمعاملات ونحوها
واخرج ابو داود فى ناسخه والحاكم وصححه عن ابن عباس قال نسخ من هذه السورة آيتان اية القلائد وقوله تعالى فان جاؤك فاحكم بينهم او اعرض عنهم اخرج البيهقي فى شعب الايمان عن مقاتل بن حبان قال بلغنا فى قوله تعالى يا ايها الذين أمنوا أوفوا بالعقود يعنى العهد الذي كان عهدهم فى القرآن فيما أمرهم من طاعته ان يعملوا بها ونهيه الذي نهاهم عنه بالعهد الذي بينهم وبين المشركين وفيما يكون من العهود بين الناس ١٢ منه وبهذه الآية استدلت الحنفية على ان البيع إذا تم بالإيجاب والقبول ليس لاحد من المتعاقدين حق الفسخ إلا بخيار شرط او روية او عيب وبه قال مالك وقال الشافعي رحمه الله تعالى المتبايعان بالخيار ما لم يتفرقا او يكون البيع خيارا لما روى البخاري هذا اللفظ بعينه من حديث ابن عمر رضى الله عنه عن النبي ﷺ وكذا من حديث حكيم بن حزام وإذا ثبت خيار المجلس بالحديث الصحيح قالوا تمام العقد قبل التفرق وبطلان الخيار ممنوع كما ان عند اشتراط الخيار لا يتم العقد قبل انقضاء مدة الخيار والله اعلم ١٢ منه
لو جعل بهيمة الانعام ما يعم الوحشي والأهلي وهو التأويل الاوّل او يخص بالوحشى وهو التأويل الثالث فجعل حل الصيد مقيدا بحالة عدم الإحرام والتقدير أحلت لكم
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحِلُّوا شَعائِرَ اللَّهِ الاية فانتهى القوم وقال البغوي نزلت فى الحطم واسمه شريح بن ضبيعة البكري اتى المدينة وخلف خيله خارج المدينة وحده على رسول الله ﷺ فقال له الى ما تدعو الناس فقال الى شهادة ان لا اله الا الله وانا محمد رسول الله واقام الصلاة وإيتاء الزكوة فقال حسن الا ان لى أمراء لا اقطع امرا دونهم ولعلى اسلم واتى بهم وقد كان النبي ﷺ قال لاصحابه يدخل عليكم رجل من ربيعة يتكلم بلسان الشيطان ثم خرج شريح من عنده فقال رسول الله ﷺ لقد دخل بوجه كافر وخرج بقناء غادر ومر الرجل فمر بسرح «١» المدينة فاستاقه وانطلق فتبعوه فلم يدركوه فلما كان العام المقبل خرج حاجا فى حجاج بكر بن وائل من اليمامة ومعه تجارة عظيمة وقد قلد الهدى فقال المسلمون للنبى ﷺ هذا الحطم خرج حاجا فخل بيننا وبينه فقال النبي ﷺ انه قد قلد الهدى فقالوا يا رسول الله هذا شىء كنا نفعله فى الجاهلية فابى النبي ﷺ فانزل الله تعالى هذه الآية
زعمهم لان الكافر لا نصيب له فى الرضوان وقال قتادة هو ان يصلح الله معايشهم فى الدنيا وان لا يعجل لهم العقوبة فيها وقيل ابتغاء الفضل اى الرزق بالتجارة عام للمؤمنين والمشركين وابتغاء الرضوان للمؤمنين خاصة وَإِذا حَلَلْتُمْ من الإحرام فَاصْطادُوا اذن فى الاصطياد بعد تحريمه بقوله تعالى لا تحلوا شعائر الله فان الصيد فى الإحرام تحليل للشعائر وقيل بعد المنهي لقوله تعالى غير محلى الصيد وهذا بعيد وهذا الأمر للاباحة بقرينة الإجماع كما فى قوله تعالى فاذا قضيت الصلاة فانتشروا ولا دليل فيه على ان الأمر بعد الحظر يكون للاباحة مطلقا فان مقتضى الأمر المطلق الخالي عن القرائن هو الإيجاب كما برهن عليه فى الأصول قال الله تعالى فليحذر الذين يخالفون عن امره ان تصيبهم فتنة او يصيبهم عذاب اليم وقال الله تعالى ما منعك ان تسجد إذ امرتك واخرج ابن ابى حاتم عن زيد بن اسلم قال كان رسول الله ﷺ وأصحابه بالحديبية حين صدهم المشركون
حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ هذا بيان لما يتلى عليكم والميتة ما فارقه الروح على حتف انفه اخرج ابن مندة فى كتاب الصحابة من طريق عبد الله بن جبلة بن حيان بن ابجر عن أبيه عن جده حيان بن الجر قال كنا مع رسول الله ﷺ وانا أوقد تحت قدر فيها لحم ميتة فانزل الله تحريم الميتة فاكفأت القدر قلت انما ذكرت هذا الحديث فى هذا المقام تبعا
(٢) القراب شبه الجواب يطرح فيه الراكب سيفه بغمده وسوطه وقد يطرح فيه زاده من تمر وغيره ١٢ نهايه
(٣) المنار جمع منارة وهى العلامة ١٢ نهايه [.....]
(٤) ويمكن ان يقال ان ما أكله السبع المعلم الذي ذكر اسم الله عند إرساله فهو داخل فى المستثنى لانه ذكوة ضرورى ١٢
وأجاب ابو حنيفة رح بانه محمول على غير المنزوع فان الحبشة كانوا يذبحون بظفر غير منزوع والظاهر ان المراد بالسن فى الاستثناء ما ليس فيه حدة يدل عليه قوله ﷺ اما السن فعظم ولا يجوز بسن وظفر غير منزوعين اجماعا لانه يقتل بالثقل فيكون فى معنى المنخنقة- (مسئلة:) يستحب للذابح ان يحد شفرته لقوله ﷺ ان الله كتب الإحسان على كل شىء فاذا قتلتم فأحسنوا القتلة وإذا ذبحتم فأحسنوا الذبحة وليحد أحدكم شفرته وليرح ذبيحته رواه مسلم عن شداد بن أوس- (مسئلة:) لو رمى الى صيد فى الهواء فاصابه فسقط على الأرض ومات كان حلالا لان الوقوع على الأرض من ضرورته وان سقط فى الماء او على جبل او شجر ثم تردى منه فمات لا يحل أكله وهو من المتردية والذي مات بالغرق الا ان يكون السهم أصاب مذبحه
(٢) بالمروة الحجر الأبيض والمراد هاهنا كل حجر له حد ١٢
(٢) الطيرة التشاؤم بالشيء ١٢ نهايه
يَسْئَلُونَكَ ماذا أُحِلَّ لَهُمْ لما تضمن السؤال معنى القول أوقع على الجملة وروى ابن جرير عن عكرمة ان رسول الله ﷺ بعث أبا رافع فى قتل الكلاب حتى بلغ العوالي فدخل عاصم بن عدى وسعد بن حتم وعويمر بن ساعدة فقالوا ماذا أحل لنا يا رسول الله فنزلت هذه الآية واخرج عن محمد بن كعب القرظي قال امر النبي ﷺ بقتل الكلاب فقالوا يا رسول الله ماذا يحل لنا من هذه الامّة فنزلت واخرج من طريق الشعبي ان عدى بن حاتم الطائي قال اتى رجل رسول الله ﷺ يسأله عن صيد الكلاب فلم يدرعا يقول حتى نزلت هذه الآية واخرج ابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير ان عدى بن حاتم وزيد بن المهلهل الطائيين سألا رسول الله ﷺ فقالا انا قوم نصيد بالكلاب والبزاة وان كلاب آل دريح تصيد البقر والحمير والظباء وقد حرم الله الميتة فماذا يحل لنا منها فنزلت يسالونك ماذا أحل لهم يعنى من الانتفاع بالكلاب ومن الصيد الذي تصيدها الكلاب قُلْ أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ هذا زائد على قدر الجواب وسنذكر شرحه فيما بعد إنشاء الله تعالى والجواب قوله تعالى وَما عَلَّمْتُمْ عطف على الطيبات ان كانت ما موصولة والعائد محذوف والتقدير أحل لكم صيد ما علمتموه والجملة شرطية ان كانت ما شرطية وجواب الشرط فيما سيأتى اعنى فكلوا مِنَ الْجَوارِحِ بيان لما والمراد بها السباع من البهائم والطير كالكلب والفهد والنمر وغيرها والبازي والصقر والشاهين وغيرها والجرح اما من الكسب يقال فلان جارحة اهله اى كاسبهم ومنه يقال للاعضاء الجوارح لانها
وسلم
وانما اشترطنا عدم الاكل فى الكلب بحديث الصحيحين وما تفرد به مجالد لا يعتد به لمخالفة الحفاظ ومخالفة القياس والله اعلم وَاذْكُرُوا اسْمَ اللَّهِ عَلَيْهِ الضمير عايد الى ما علمتم يعنى سموا عليه عند إرساله فيشترط التسمية عند إرسال الكلب والباز ونحوهما وكذا عند الرمي كما يشترط عند الذبح غير ان التسمية عند الذبح انما هو على المذبوح وفى الصيد على الآلة لان المقدور فى الاوّل الذبح وفى الثاني الرمي والإرسال دون الاصابة فيشترط عند فعل يقتدر عليه حتى لو اضجع شأة وسمّى وذبح غيرها بتلك التسمية لا يجوز ولو رمى الى صيد وسمى وأصاب صيدا غيره حل ولو اضجع شاة وسمى ثم رمى بالشفرة وذبح بأخرى أكل وان سمى على سهم ثم رمى بغيره لا يؤكل والتسمية على المذبوح هو الأصل وجواز التسمية على الآلة انما هو عند العجز عن الأصل فان أدرك مرسل للباز او الكلب بالتسمية او الرامي بالتسمية الصيد حيا وجب عليه ان يذكّيه ويذكر اسم الله عند الذبح ثانيا وان ترك تذكية حتى مات لم يؤكل وهذا إذا تمكن من ذبحه واما إذا وقع فى يده ولم يتمكن من ذبحه وفيه من
رسول الله ﷺ ذبيحة المسلم حلال ذكر اسم الله او لم يذكر رواه ابو داود فى المراسيل ورواه البيهقي من حديث ابن عباس موصولا وفى اسناده ضعف وقال البيهقي الأصح وقفه على ابن عباس والجواب ان الحديث الاوّل لا يدل على ترك التسمية والظاهر تسميتهم واما الثاني ففيه مروان بن سالم قال احمد ليس ثقة وقال النسائي والدار قطنى متروك واما الثالث ففيه معقل مجهول واما الرابع فمرسل ثم الحديث الثاني والثالث فى متروك التسمية ناسيا فليس فيهما حجة للشافعى رح والحديث الرابع نحمله على حالة النسيان قال صاحب الهداية وهذا القول من الشافعي رح يعنى يحل متروك التسمية عامدا مخالف للاجماع فانه لا خلاف فيمن كان قبله فى حرمة متروك التسمية عامدا وانما الخلاف بينهم فى متروك التسمية ناسيا فمن مذهب ابن عمر انه يحرم ومن مذهب على وابن عباس يحل بخلاف متروك التسمية عامدا ولهذا فأل ابو يوسف رح متروك التسمية عامد الا يسع فيه الاجتهاد ولو قصى القاضي بجواز بيعه لا ينفذ لكونه مخالفا للاجماع- (مسئلة:) ما استأنس من الصيد فذكوته الذبح وما توحش من الإبل والبقر فذكوته العقر والجرح واما الشاة فاذا ندت فى الصحراء فذكوته العقر وان ندت فى المصر لا تحل بالعقر لانه يمكن أخذها فى المصر ومبنى الحكم على ان ذكوة الاضطرار انما يصار اليه عند العجز عن ذكوة الاختيار والعجز متحقق فيما توحش من النعم دون ما استأنس من الصيد وكذا ما تردى من النعم فى بير ووقع العجز عن ذكوته الاختيارية جاز فيه الذكوة الاضطرارية عند الجمهور وقال مالك لا يجوز ذكوة النعم الا فى الحلق واللبة لان توحشها نادر فلا عبرة به لنا حديث رافع بن خديج قال أصابنا نهب ابل فند منها بعير فرماه رجل بسهم فحبسه الله فقال رسول الله ﷺ ان لهذه الإبل أوابد كأوابد الوحش فاذا غلبكم منها شىء فافعلوا به هكذا متفق عليه وعن ابى العشراء عن أبيه انه قال يا رسول الله اما يكون الذكوة الا فى الحلق واللبة فقال لو طعنت فى فخذها لاجزأ عنك رواه احمد واصحاب السنن الاربعة والدارمي وقال ابو داؤد هكذا ذكوة المتردى وقال الترمذي هذا فى الضرورة ورواه الحافظ ابو موسى فى مسند ابى العشراء بلفظ لو طعنت فى فخذها او شأكلتها وذكرت اسم الله لاجزأ عنك وقال الشافعي رح
الْيَوْمَ يعنى الان عند كمال الدين الى يوم القيامة إذ لا نسخ بعد الإكمال أُحِلَّ لَكُمُ الطَّيِّباتُ كرره للتأكيد ولفظ الطيبات ضد الخبائث مجمل التحق الأحاديث النبوية البينة للطيبات والخبائث بيانا له ثم قيس على موارد النصوص أشباهها والأصل فيه ان ما ورد النص بكونه حلالا ظهرانه طيب وما ورد النص بكونه حراما ظهر كونه خبيثا وما ورد الأمر بقتله وسماه خبيثا فاسقا فهو خبيث حرام كما روى عن ابن عمر عن النبي ﷺ قال خمس لا جناح على من قتلهن فى الحرم والإحرام الفارة والغراب والحداة والعقرب والكلب العقور متفق عليه وعن عائشة عنه ﷺ قال خمس فواسق يقتلن فى الحل والحرم الحية والغراب الأبقع والفارة والكلب العقور والحدأة متفق عليه وعن ابى هريرة فى الحية ما سالمنا هم منذ حاربناهم ومن ترك شيئا منهم خيفة فليس منا رواه ابو داود وعن ابن مسعود قال قال رسول الله ﷺ اقتلوا الحيات كلهن فمن خاف ثارهن فليس منى رواه ابو داود والنسائي وما لم يرد النص فيه يقاس اما على الطيّبات بجامع استطابة الطبائع السليمة من العرب واما على الخبائث بجامع استقذار الطبائع السليمة منهم وكانت الصحابة رضوان الله عليهم أجمعون يكرهون ما يأكل الجيف أخرجه ابن ابى شيبة من طريق ابراهيم النخعي ولذا قال جمهور العلماء لا يؤكل من الدواب والطيور ما يأكل الجيف والنهى عن قتل حيوان لا يدل على حرمته ولا على كراهته ما لم يدل عليه دليل اخر عند الائمة الثلاثة وعند الشافعي رح يدل على تحريمه فلا يحرم الهدهد والطاووس عند الثلاثة خلافا للشافعى رح- (مسئلة:) كل حيوان ذى ناب من السباع كالاسد والذئب والنمر والفهد والكلب والهرة وذى مخلب من الطير كالصقر والباز والحدأة ونحوها فاكله حرام عند الائمة الثلاثة وقال مالك رح يكره ولا يحرم شىء من ذلك لقوله تعالى قل لا أجد فيما اوحى الى محرما على طاعم يطعمه الآية وهذا هو الأصل لمالك فى جميع مسائل الباب قلنا هذه الآية تدل على عدم وجدان الحرمة
الترمذي من حديث خزيمة بن جرير او يأكل الضبع أحد فضعيف لا تفاقهم على ضعف عبد الكريم بن امية والراوي عنه امية بن مسلم- (مسئلة:) يحرم حشرات الأرض مثل الفار والوزغ وغيرها عند الائمة الثلاثة وقال مالك رح يكره ولا يحرم لما ذكرنا لنا حديث أم شريك ان رسول الله ﷺ امر بقتل الوزغ وقال كان ينفخ على ابراهيم متفق عليه وعن سعد رض بن ابى وقاص ان رسول الله ﷺ امر بقتل الوزغ وسماه فويسقا رواه مسلم وعن ابى هريرة رضى الله عنه ان رسول الله ﷺ قال من قتل وزغا فى أول ضربة كتبت له مائة حسنة
(٢) حديث عائشة رضى الله عنها أورده صاحب المشكوة فى باب ما يحل أكله وما لا يحل أكله من حديث عبد الرحمن بن شبل نهى رسول الله ﷺ عن أكل لحوم الضب رواه ابو داود هكذا وجدت فى اصل النسخة فليحقق
رواه سفيان وأيوب وحماد عن ابى الزبير فوقفوه على جابر والله اعلم- (مسئلة:) حل أكل الأرنب اجماعا لحديث انس قال انفجنا أرنبا بمر الظهران فأخذتها فاتيت بها أبا طلحة فذبحها وبعث الى رسول الله ﷺ بوركها وفخذها فقبله متفق عليه- (فائدة) أكل رسول الله ﷺ لحم الدجاج متفق عليه عن ابى موسى (فائدة) عن سفينة أكلت مع رسول الله ﷺ لحم الحبارى رواه ابو داود- وَطَعامُ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ حِلٌّ لَكُمْ المراد بالطعام الذبائح لان سائر الاطعمة لا يختص حلها بالميتة وقوله تعالى الذين أوتوا الكتاب يشتمل اليهود والنصارى والصابئين ان كانوا يؤمنون بدين نبى ويقرءون بكتاب لا ان كانوا يعبدون الكواكب ولا كتاب لهم حربيا كان الكتابي او ذميا عجميا كان او عربيا او تغلبيا به قال ابو حنيفة رحمه الله
الى هؤلاء وهؤلاء- قلت معناه ان من الأشياء ما هو حلال على كافة الناس من غير شرط كحل ماء البحر ومنها ما هو مشروط حلها بشرائط كالصلوة مشروط جوازها بالوضوء وسائر العبادات مشروط إتيانها بالايمان بالله ورسوله واخلاص النية وأكل الأموال مشروط حلها بالملك او اذن من المالك فذبايح المؤمنين حلال على الكفار حتى لا يعذبون فى الاخرة بأكلها كما لا يعذبون بإتيان امور مباحة للعالمين إتيانها من غير شرط الايمان بخلاف ذبايح المجوس فانها كالميتة يحرم أكلها على سائر الناس فيعذب الكفّار بأكلها كما يعذبون بترك الايمان وترك سائر الواجبات المتوقفة على الايمان وإتيان المنهيات قال الله تعالى ما سلككم فى سقر قالوا لم نك من المصلين الآية وفائدة هذا القول التفرقة بين ذبايح المسلمين ونسائهم فان ذبايح المسلمين حلال على كافة الناس من غير اشتراط الايمان بخلاف نسائهم فانه يشترط لحل مناكحتهم الايمان- قال الزجاج معناه حلال لكم ان تطعموهم فيكون خطاب الحل مع المسلمين وعبّر البيضاوي ما قال الزجاج بعبارة أصح واصرح فقال فلا عليكم ان تطعموهم وتبيعوا منهم ولو حرم عليهم لم يجز ذلك والسر فى هذا المقام ما ذكرنا ان حل أكل ذبايح المؤمنين غير مشروط بالايمان بخلاف حل نسائهم والله اعلم وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الْمُؤْمِناتِ وَالْمُحْصَناتُ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ عطف على الطيبات او مبتدا خبره محذوف يعنى حل لكم والجملة معطوفة على قوله وطعام الذين أوتوا الكتاب حل لكم وما بينهما اعتراض قال البغوي اختلفوا فى معنى المحصنات فذهب اكثر العلماء الى ان المراد منهن الحرائر وأجاز وإنكاح كل حرة مؤمنة كانت او كتابية فاجرة كانت او عفيفة وهو قول مجاهد وقال
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ الاية فقال أسيد ابن حضير لقد بارك الله للناس فيكم يا ال ابى بكر وهذه الرواية مصرحة بان النازل فى قصة قلادة عائشة هذه الاية فى المائدة دون اية النساء ويعلم ان هذه الاية اسبق نزولا من اية النساء والا لما عاتب ابو بكر عائشة بقوله انها حبست الناس لا على ماء ولا ماء معهم وما شكرها أسيد بن حضير وروى الطبراني عنها نحوه وفيه فانزل الله رخصة التيمم فقال ابو بكر انك لمباركة ومعنى إذا قمتم الى الصلاة اى إذا أردتم القيام الى الصلاة كقوله تعالى وإذا قرأت القران فاستعذ بالله عبر عن ارادة الفعل بالفعل المسبب عنها للايجاز والتنبيه على ان من أراد العبادة فليبادر إليها بحيث لا ينفك الارادة عن الفعل وظاهر الاية يوجب الوضوء على كل قائم الى الصلاة وان لم يكن محدثا والإجماع على خلافه وقد صح عن النبي ﷺ انه صلى يوم الفتح الصلوات بوضوء واحد ومسح على خفيه وكان يتوضأ عند كل صلوة فقال له عمر لقد صنعت شيئا اليوم لم تكن تصنعه قال عمد اصنعته يا عمر رواه مسلم واصحاب السنن الاربعة من حديث بريدة فاختلف العلماء فى تاويل هذه الاية فقال بعضهم الأمر فيه للوجوب وكان ذلك اوّل الأمر ثم نسخ ويدل عليه حديث عبد الله بن حنظلة بن عامر غسيل الملائكة ان النبي ﷺ امر بالوضوء عند كل صلوة طاهرا او غير طاهر فلما شق ذلك عليه امر بالسواك لكل صلوة رواه احمد وابو داود وابن خزيمة وابن حبان فى صحيحهما والحاكم فى المستدرك وقال بعضهم الأمر للندب والإجماع منعقد على كون الوضوء مسنونا مندوبا عند كل صلوة وان كان المصلى طاهرا ويدل على كونه مسنونا حديث انس قال كان النبىّ ﷺ يتوضأ عند كل صلوة الحديث رواه النسائي وصححه ويدل على كونه مندوبا حديث ابن عمر ان النبي ﷺ قال من توضأ على طهر كتب الله له عشر حسنات رواه النسائي بإسناد ضعيف وقيل هذا الحكم وان كان مطلقا لفظا لكنه أريد به التقييد ومعناه إذا قمتم الى الصلاة محدثين يدل عليه قوله ﷺ لا يقبل الله صلوة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ رواه الشيخان فى الصحيحين وابو داود والترمذي عن ابى هريرة وقال زيد بن اسلم
ذكره القاضي عياض وقرر ذلك فى أحاديث جماعة من الصحابة بأسانيد صحيحة وفى مسلم من حديث جابر كان رسول الله ﷺ كثير شعر اللحية قلت ولا يمكن إيصال الماء بغرفة واحدة الى تحت كل شعرة لمن كان كث اللحية ويجب غسل ظاهر اللحية كلها عوضا عن البشرة عند الجمهور كما فى مسح شعر الراس وبه قال ابو حنيفة رحمه الله فى رواية قال فى الظهيرية وعليه الفتوى وقال فى البدائع ان ما عدا هذه الرواية مرجوع عنه وفى رواية عنه يجب مسح ربع اللحية وفى رواية مسح ثلث اللحية وفى رواية لا يجب مسح اللحية ولا غسلها والحجة على وجوب غسل ظاهر اللحية كلها ان غسل البشرة
فاقبل بهما وأدبر بمقدم راسه ثم ذهب بهما الى قفاه ثم ردّهما الى المكان الذي بدأ منه متفق عليه وقال ابو حنيفة رحمه الله والشافعي رحمه الله الباء للالصاق لانه هو المعنى الحقيقي للباء اجمع عليه علماء العربية لا يصار عنه الا بدليل وهى تدخل على الوسائط غالبا والوسائط لا تقصد استيعابها ولذلك إذا دخلت على المحل دلت على ان الاستيعاب غير مراد ويدل على ذلك فعله ﷺ عن المغيرة بن شعبة ان رسول الله ﷺ توضأ فمسح بناصيته ومسح على الخفين والعمامة رواه مسلم وروى الشافعي رحمه الله عن عطاء مرسلا ان رسول الله ﷺ توضأ فحسر العمامة ومسح مقدم راسه وهو مرسل اعتضد من وجه اخر روى موصولا أخرجه ابو داود من حديث انس وفى اسناده ابو معقل لا يعرف حاله واخرج سعيد بن منصور عن عثمان صفة الوضوء قال ومسح مقدم راسه وفيه خالد بن يزيد بن ابى مالك مختلف فيه قال الحافظ ابن حجر وصح عن ابن عمر الاكتفاء بمسح بعض الراس قاله ابن المنذر وغيره ولم يصح عن أحد من الصحابة انكار ذلك قاله ابن حزم وأحاديث الاستيعاب محمولة على الاستحباب لا ينفى عدم جواز الاكتفاء على البعض ولما ثبت ان مسح جميع الراس غير مراد فقال الشافعي رحمه الله فالمعنى وامسحوا بعض رءوسكم فالاية مطلق فيكفى من الرأس مسح شعرة او ثلث شعرات وقال ابو حنيفة رحمه الله بل الآية مجملة لان جميع الراس غير مراد بدلالة كلمة الباء وأحاديث المسح على مقدم الراس ولا مطلق البعض من الراس
المكان والمعية فى الزمان غير متصور فان الواجب اما الترتيب واما مطلق الفعل وبوجوب المسحين فى مكان واحد لم يقل أحد ولو فرض كونه معطوفا على الرءوس بتلك التوجيهات الركيكة فالباء الداخلة على الرءوس تدخل على الآلات غالبا وإذا تدخل على المحل لا يراد بها الاستيعاب تشبيها له بالآلة بل يكون للتبعيض ومن ثم ذهب اكثر الفقهاء الى فرضية مسح بعض الراس وتغير اسلوب الكلام فى المعطوف يقتضى ارادة الاستيعاب فى المعطوف والقائلون بمسح الرجلين لم يقل منهم أحد بفرضية استيعاب مسح الرجلين فوظيفة الأرجل الغسل وقالت الامامية وهو معطوف على رءوسكم وحقه الجر وللنصب ذكروا توجيهات ركيكة لنا ما روى ابن خزيمة وغيره من حديث عمرو بن عنبسة عنه ﷺ مطولا فى فضل الوضوء وذكر فيه ثم يغسل قدميه كما امره الله تعالى فهذه الحديث يدل على ان الله تعالى انما امر بالغسل وقد تواتر النقل عن النبي ﷺ وروى أحاديث غسل الرجلين رجال لا يمكن حصرهم ولا يحتمل تواطؤهم على الكذب ولم يرو عنه ﷺ المسح أصلا واجمع عليه الصحابة ولم يثبت عن أحد منهم خلاف ذلك الا ما روى عن علىّ وابن عباس وانس وقد ثبت عنهم الرجوع عن ذلك هكذا قال الحافظ ابن حجر عن على رضى الله عنه انه قرأ وأرجلكم قال عاد الى الغسل رواه سعيد بن منصور وابن المنذر وابن ابى حاتم وعن ابى عبد الرحمن السلمى قال قرأ الحسن والحسين وأرجلكم الى الكعبين فسمع على ذلك وكان يقضى بين الناس فقال وأرجلكم هذا من المقدم والمؤخر من الكلام أخرجه ابن جرير عن ابى عبد الرحمن وقال قال عبد الرحمن بن ابى ليلى اجمع اصحاب رسول الله ﷺ على غسل القدمين رواه سعيد بن منصور واخرج ابن ابى شيبة عن الحكم قال مضت السنة من رسول الله ﷺ والمسلمين بغسل القدمين واخرج ابن جرير عن عطاء قال لم يجز أحد المسح على القدمين وادعى الطحاوي وابن حزم ان المسح منسوخ روى ابن جرير عن انس انه قال نزل القران بالمسح والسنة بالغسل وهذا القول يدل على ان ظاهر القران يدل على المسح لكن عمل رسول الله ﷺ كان الغسل ولا يمكن ذلك الا ان يكون المراد بالقران هو الغسل او كان حكم القران منسوخا ولنا ايضا حديث عبد الله بن عمر قال تخلف عنا رسول الله صلى الله عليه وسلم
بن داود المسح على الخفين مطلقا قال بعض المفسرين قراءة النصب يوجب غسل الرجلين عطفا على الأيدي وقراءة الجر يوجب مسحهما عطفا على رءوسكم ويحمل تلك القراءة على حالة كونهما فى الخفين «١» والقراءتان بمنزلة
(مسئلة:) مدة المسح على الخفين للمسافر ثلثة ايام ولياليها وللمقيم يوم وليلة لحديث ابى بكر أرخص للمسافر ثلثة ايّام وللمقيم يوما وليلة إذا تطهر فلبس خفيه رواه الترمذي وصححه ورواه ابن خزيمة وابن حبان وابن الجارود والشافعي رحمه الله وابن ابى شيبة والبيهقي والدارقطني ونقل البيهقي ان الشافعي رحمه الله صححه وفى حديث المغيرة كما مرّ وفيه قلت يا رسول الله الا انزع خفيك قال دعهما فانى أدخلتهما وهما طاهرتان وثبت مدة المسح فى حديث على وصفوان بن عسال وعمرو بن الخطاب وعمرو بن ابى امية الضميري وابى هريرة وخزيمة بن ثابت ذكرها ابن الجوزي فى التحقيق وسردناها فى منار الاحكام فهى حجة على مالك حيث لا يوقت للمسافر ويمنع المقيم كما روى عنه (مسئلة:) ولا يشترط فى الوضوء الترتيب ولا الموالاة عند ابى حنيفة رحمه الله ويشترط الترتيب عند الائمة الثلاثة وكذا الموالاة عند مالك واحمد رحمه الله والقول القديم للشافعى رحمه الله لنا ان فى الاية ورد العطف بالواو وهى لمطلق الجمع دون الترتيب فهى لا تدل على الترتيب ولا على الموالاة وروى ان على بن ابى طالب قال ما أبالي باى أعضائي بدأت احتجوا بحديث ابى بن كعب وابن عمران رسول الله ﷺ دعا بوضوء فتوضأ مرة مرة فقال هذا وضوء من لم يتوضأ لم يقبل الله له صلوة ثم توضأ مرتين مرتين فقال هذا وضوء من توضأ أعطاه الله كفلين من الاجر ثم توضأ ثلثا ثلثا فقال هذا وضوئي ووضوء المرسلين قبلى رواهما الدارقطني وجه الاحتجاج انه ﷺ لا يخلو من انه توضأ مرتبا متواليا اولا لا جايز انه لم يرتب ولم يوال والا لافترض ترك الترتيب والموالاة ولم يقل به أحد فثبت انه رتب ووالى فثبت انه لا يقبل الله الصلاة الا بهما والجواب عنه بوجوه أحدها من حيث السند ان الحديثين ضعيفان فى حديث ابى بن كعب زيد بن ابى الجواري قال يحيى ليس بشئ وقال ابو ذرعة واهي الحديث وعبد الله بن عوادة قال يحيى ليس بشئ وقال البخاري منكر الحديث وفى حديث ابن عمر المسيب بن واضح ضعيف ثانيها من حيث المتن بالنقض وذلك بان يقال لو صح الاستدلال بهذا الحديث على وجوب الترتيب لوجب بهذا الحديث اما التيامن او عدمه والسواك او عدمه والاستنثار او عدمه لان فعله ﷺ لا يخلو عن أحد الضدين من هذه الأمور وثالثها وهو الحلّ
يصيها الماء فامره عليه السلام ان يعيد الوضوء ضعيف فيه بقية مدلس لا يصح حديثه ما لم يتابع عليه أحد ويدل على عدم اشتراط الموالاة ما رواه البخاري عن ميمونة فى صفة غسل رسول الله ﷺ قالت ثم تنحى عن مقامه فغسل قدميه وروى مالك عن نافع عن ابن عمر والشافعي رحمه الله فى الام عن مالك ان ابن عمر توضأ فى سوق المدينة فدعى الى جنازة وقد بقي من وضوئه فرض الرجلين فذهب معهم الى المصلّى ثم مسح على الخفين ويذكر عن ابن عمر غسل القدمين بعد ما جف وضوئه والله اعلم- (مسئلة:) ولا يشترط فى الوضوء النية عند ابى حنيفة رحمه الله ويشترط عند الائمة الثلاثة لانه عبادة بالإجماع وكل عبادة يشترط له النية بالنصوص والإجماع
(مسئلة:) لا يشترط للوضوء التسمية ولا المضمضة ولا الاستنشاق عند الجمهور وقال احمد كل ذلك واجب ركن للوضوء اما التسمية فلقوله ﷺ لا وضوء لمن لم يذكر اسم الله عليه رواه احمد وجماعة من الائمة من حديث كثير بن زيد عن رميح بن عبد الرحمن بن ابى سعيد الخدري عن أبيه عن جده ورواه الترمذي وجماعة من حديث سعيد بن زيد من طريق عبد الرحمن بن حرملة عن ابى ثقال عن رباح عن جدته عن أبيها وروى احمد واصحاب السنن من حديث ابى هريرة من طريق يعقوب ابن سلمة عن أبيه عنه وفى بعض ألفاظه من توضأ وذكر اسم الله فانه طهر جسده كله ومن توضأ ولم يذكر اسم الله لم يطهر الا موضع الوضوء رواه الدارقطني عنه وعن ابن مسعود وابن عمر ولحديث عائشة كان رسول الله ﷺ يقوم الى الوضوء فيسمى الله عز وجل رواه الترمذي وابن ابى شيبة وابن عدى وحديث خصيف قال توضأ رجل عند رسول الله ﷺ ولم يسم فقال أعد وضوءك ثم توضأ ولم يسم فقال أعد وضوءك ثلث مرات ثم توضأ وسمى فقال الان خيرا أصبت وضوءك والجواب ان حديث خصيف موضوع لا اصل له وباقى الأحاديث كلها ضعاف قال ابو بكر الأثرم سمعت احمد بن حنبل يقول ليس فى هذا شىء يثبت وأحسنها حديث كثير بن زيد وكثير ضعيف وكذا عبد الرحمن بن حرملة قال ابو حاتم لا يحتج به ولينه البخاري وابو ثقال ورباح مجهولان وجدة رباح راوية هذا الحديث عن سعيد بن زيد لا يعرف اسمها ولا حالها وكذا قال ابو حاتم وابو ذرعة ويعقوب بن سلمة هو الليثي قال البخاري لا يعرف له سماع من أبيه ولا لابيه من ابى هريرة واما حديث عائشة ففى اسناده حارثة عن محمد وهو ضعيف قال الحافظ ابن حجر وفى الباب حديث على رواه ابن عدى وقال اسناده ليس بمستقيم وحديث انس رواه عبد الملك وهو شديد الضعف
صلى الله عليه وسلم إذا توضأ أحدكم فليستنشق بمنخره من الماء ثم ليستنثر رواه مسلم وفى بعض طرقه فليجعل فى انفه ماء ثم ليستنثر متفق عليه قال ابن الجوزي قد روى نحوه عن عثمان بن عفان وسلمان بن قيس ومقدام بن معد يكرب
لحيته رواه الترمذي وابن ماجة وابن خزيمة والحاكم وابن حبان وفى الباب حديث ابن عمر رواه ابن ماجة والدارقطني والبيهقي وصححه ابن السكن ومنها ان يدلك عارضيه بعض الدلك لحديث ابن عمر كان رسول الله ﷺ عرك عارضيه بعض العرك رواه ابن ماجة والدارقطني وصححه ابن السكن والحديث حسن- (فصل) ويستحب البداية بالتسمية لما ذكرنا من الأحاديث وحملناه على الندب والتيامن وكان القياس كونها سنة ولم يقل العلماء بسنيته لان مواظبته ﷺ كان على سبيل العادة دون العبادة لحديث عايشة قالت كان النبىّ ﷺ يحب التيامن ما استطاع فى شانه كله فى طهوره وترجله وتنعّله متفق عليه وقال عليه السّلام إذا توضأوا فابدءوا بميامنكم رواه احمد وابو داود
الماء او التراب يقتضى عند العقل تلطخ اليد ببعض هذه الأشياء لا باللفظ واما لو قيل مسحت برأسي من الصخرة لا يفهم منه معنى التبعيض البتة بل يفهم معنى الابتداء كما لا يخفى وإذا ثبت ان من لابتداء الغاية ثبت جواز التيمم على الصخرة بلا نقع والله اعلم ما يُرِيدُ اللَّهُ بالأمر بالوضوء والغسل والتيمم لِيَجْعَلَ عَلَيْكُمْ مِنْ حَرَجٍ من ضيق وَلكِنْ يُرِيدُ لِيُطَهِّرَكُمْ
وَاذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ بإرسال الرسول وإنزال الكتاب والتوفيق للاسلام وسائر النعم ليذكركم المنعم ويرغبكم فى شكره عز وجلّ وَمِيثاقَهُ الَّذِي واثَقَكُمْ بِهِ الذي اخذه على المسلمين حين بايعهم رسول الله ﷺ على السمع والطاعة فى العسر واليسر والمنشط والمكره أخرجه البخاري ومسلم من حديث عبادة بن الصامت او ميثاق ليلة العقبة الذي اخذه من الأنصار رواه البخاري وغيره او ميثاق بيعة الرضوان فى الحديبية كما نطق به القران وقال مجاهد ومقاتل يعنى الميثاق الذي أخذ على العلمين حين أخرجهم من صلبادم
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا قَوَّامِينَ لِلَّهِ شُهَداءَ على أنفسكم واحبتكم بِالْقِسْطِ بالعدل والصدق وَلا يَجْرِمَنَّكُمْ شَنَآنُ قَوْمٍ عَلى أَلَّا تَعْدِلُوا جرم يجرم بمعنى كسب كاجترم يقال جرم لاهله كذا فى القاموس وعدى بعلى بتضمين فعل يتعدى به كانه قيل ولا يحملنكم شدة بغضكم لقوم مشركين على ترك العدل فيهم فتعتدوا عليهم بكسب ما لا يحل لكم منهم كالمثلة والقذف وقتل النساء ونقض العهد تشفيا لما فى قلوبكم على مقتضى اهوائكم اعْدِلُوا امر بالعدل وهو ضد الجور بعد النهى عن تركه تأكيدا هُوَ اى العدل أَقْرَبُ لِلتَّقْوى اى اقرب الى التقوى من غيره فان التقوى عبارة عن وقاية نفسه وقواه الظاهرة والباطنة عن إتيان ما كره الله فى الدنيا حتى يكون ذلك وقاية لنفسه عن عذاب الله وسخطه فى الاخرة ومرجع العدل والجور الى حقوق الناس ورعاية حقوق الناس أهم وادخل فى التقوى ولذلك قال هو اقرب للتقوى وَاتَّقُوا اللَّهَ فيما امر ونهى إِنَّ اللَّهَ خَبِيرٌ بِما تَعْمَلُونَ فيجازيكم به فيه وعد ووعيد وتكرير هذا الحكم اما لاختلاف السبب كما قيل الاولى نزلت فى المشركين وهذه فى اليهود او لمزيد الاهتمام بالعدل والمبالغة فى اطفاء نائرة العقب.
وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ الجملة فى موضع المفعول الثاني من وعد لان الوعد نوع من القول فيقع على الجملة او هى مستانفة والمفعول الثاني لوعد محذوف يدل عليه هذه الجملة وجاز ان يكون الصالحات ثانى مفعولى وعد اى وعد المثوبات الصالحات ومفعول عملوا محذوف لظهور ان اعمال المؤمن انما هو ما آمن بحسنه.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ يعنى لا يفارقونها هذا من قبيل عطف المعمولين على المعمولين السابقين على تقدير كون جملة لهم مغفرة فى موضع النصب على المفعولية والمعنى وعد الله المؤمنين بهذا القول والكافرين بهذا القول وجاز ان يكون الموصول مبتدأ خبره أولئك اصحاب الجحيم
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ
الآية ذكر القصة بطولها ابن إسحاق وابن عمرو وابن سعد وذكروا فيها ان سلام بن مشكم نهاهم عن ذلك وقال لئن فعلتم ليخبرن بانا قد غدرنا به وان هذا نقض للعهد الذي بيننا وبينه فلا تفعلوا واخرج ابن جرير عن عكرمة ويزيد بن زياد ونحوه عن عبد الله بن ابى بكر وعاصم بن عمر بن قتادة ومجاهد وعبد الله بن كثير وابى مالك ان النبي ﷺ خرج ومعه ابو بكر الحديث كما ذكر البغوي ولم يذكر قصة قتل المنذر أصحابه واخرج ابو نعيم فى الدلائل عن ابن عباس وابن إسحاق والبيهقي فى الدلائل عن يزيد بن رومان والذي فى روايتهم ان المقتولين عبدان الا انهما كانا مسلمين واخرج ابن جرير عن قتادة قال ذكر لنا ان هذه الاية نزلت ورسول الله ﷺ ببطن نخل فى الغزوة السابعة فاراد بنو ثعلبة وبنو محارب ان «١» يفتكوا به وبأصحابه إذا اشتغلوا بالصلوة فاطلعه الله تعالى على ذلك وانزل صلوة الخوف واخرج ابو نعيم فى دلائل النبوة من طريق الحسن عن جابر بن عبد الله ان رجلا من محارب يقال له الغويرث بن الحارث قال لقومه اقتل لكم محمدا فاقبل على رسول الله ﷺ وهو جالس وسيفه فى حجره فقال يا محمد انظر الى سيفك هذا قال نعم فاخذه فاستله فجعل يهزه ويهم به فيكبته «٢» الله تعالى فقال يا محمد اما تخافنى قال لا قال اما تخافنى والسيف فى يدى قال لا يمنعنى الله منك ثم غمد السيف ورده الى رسول الله ﷺ فانزل الله تعالى هذه الاية وذكر هذه الرواية عن الحسن وقال كان النبىّ ﷺ حينئذ محاصر غطفان بنخل واخرج ابن جرير وابن ابى حاتم من طريق العوفى عن ابن عباس فى هذه الاية ان قوما من اليهود صنعوا لرسول الله ﷺ ولاصحابه طعاما ليقتلوه فاوحى الله عز وجل بشانهم فلم يأت الطعام وامر أصحابه فلم يأتوه واخرج الشيخان من حديث جابر نحو هذه القصة وليس عندهما ذكر نزول الاية واخرج البيهقي فى الدلائل عن قتادة انها نزلت فى قوم من العرب أرادوا ان يفتكوا بالنبي ﷺ فارسلوا اليه الاعرابى يعنى الذي جاءه وهو نائم فى بعض المنازل فاخذ سلاحه وقال من
(٢) اى يذله الله ويصرفه عنه ١٢
وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ حين انزل عليهم التورية بعد الفراغ من امر فرعون وقد مرّ قصة أخذ الميثاق فى سورة البقرة حيث قال وإذ أخذنا ميثاقكم ورفعنا فوقكم الطور وَبَعَثْنا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيباً والمراد به رئيس كل سبط يكون شاهدا ينقب عن احوال قومه ويفتش عنها ويكفل عنهم بالوفاء بما أمروا به ويأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر على حسب امر نبيهم ونهيه وَقالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ يعنى ما دمتم مريدين الوفاء بالميثاق معية بلا كيف يوجب التوفيق لامتثال الأوامر والانتهاء عن المناهي وشرح الصدر والاطمينان وتم الكلام للابتداء بالشرط الداخل عليه اللام الموطّئة للقسم فى قوله تعالى لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي اى بموسى ومن يأتي بعده مصدقا لما جاء به موسى من غير تفريق بين أحد منهم وَعَزَّرْتُمُوهُمْ اى عظمتموهم وقويتموهم ونصرتموهم فى القاموس العزر اللوم والتفخيم والتعظيم ضد والاعانة والتقوية والنصر وفى الصحاح التعزير النصرة مع التعظيم وأصله الذب والرد وفى النصرة رد الأعداء وسمى الزاجر ما دون الحد تعزيرا لان فيه منعه عن شنائع الأعمال ودفع الشنائع عنه والله اعلم وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ بالإنفاق فى سبيل الخير وقيل هو كل حسنة وجاز ان يكون معناه أقرضتم عباد الله بحذف المضاف او أقرضتم الناس لله قَرْضاً حَسَناً يحتمل المصدر والمفعول والقرض الحسن ما يكون بلا منّ وعجب ورياء وغير ذلك مما يبطل العمل لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئاتِكُمْ جواب للقسم سادّ مسدّ جواب الشرط وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذلِكَ مِنْكُمْ اى بعد ذلك الميثاق والوعد المؤكد المعلق بالوفاء فَقَدْ ضَلَّ سَواءَ السَّبِيلِ اضافة الصفة الى الموصوف يعنى ضل سبيلا مستويا واخطأ
فَبِما نَقْضِهِمْ ما زائدة أفاد التفخيم مِيثاقَهُمْ حيث كذب النصارى محمدا ﷺ واليهود إياه وعيسى وغيرهما من الأنبياء ونبذوا كتب الله وضيعوا فرائضه لَعَنَّاهُمْ قال عطاء بعد ناهم عن رحمتنا وقال الحسن ومقاتل مسخناهم وقيل معناه ضربنا عليهم الجزية وَجَعَلْنا قُلُوبَهُمْ قاسِيَةً غليظة لا تلين بذكر الله ولا تنفعل بالآيات والنذر من القسوة بمعنى غلظ القلب وأصله من حجر قاس كذا فى الصحاح وهو المراد بما فسر ابن عباس باليابسة قرأ حمزة والكسائي قسية بتشديد الياء من غير الف قال البغوي هما لغتان كالزاكية والزكية ومعناهما واحد وقال البيضاوي وهى اما مبالغة قاسية او بمعنى ردية من قولهم درهم قسى إذا كان مغشوشا قلت وهو ايضا من القسوة بمعنى الغلظ فان المغشوش فيه يبس وصلابة وقيل معناه ان قلوبهم ليست بخالصة للايمان بل ايمانهم مشوب بالكفر والنفاق كالدرهم المغشوش يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ يعنى كلمات الله التي فى التورية عَنْ مَواضِعِهِ قيل هو تبديل نعت النبي ﷺ وقيل تحريفهم بسوء التأويل والجملة مستأنفة لبيان قسوة قلوبهم فان تحريف كلام الله والافتراء عليه مقتضى كمال القسوة وجاز ان يكون حالا من مفعول لعناهم لا عن القلوب إذ لا ضمير وَنَسُوا تركوا حَظًّا نصيبا وافيا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فى التورية وعلى لسان الأنبياء من اتباع محمد ﷺ او المعنى تركوا حظهم مما انزل إليهم لان حظ ابائهم كان اتباع موسى عليه السلام وحظ هؤلاء الموجودين فى زمان النبي ﷺ كان اتباع محمد ﷺ فلم ينالوه ذكر التحريف بلفظ المضارع والنسيان بلفظ الماضي لان الاول مترتب على الثاني فى الوجود وقيل معناه انهم حرفوا فنسو بشوم التحريف علوما كانوا يحفظونها مما ذكروا به روى احمد بن حنبل فى الزهد عن ابن مسعود لا حسب الرجل ينسى العلم كان يعلمها بالخطية يعملها وتلا هذه الاية وَلا تَزالُ يا محمّد تَطَّلِعُ عَلى خائِنَةٍ الخائنة فاعلة بمعنى المصدر كالكاذبة واللاعنة يعنى على خيانة او هى بمعناها والمعنى
وَمِنَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّا نَصارى أَخَذْنا مِيثاقَهُمْ الجار والمجرور متعلق باخذنا وهو معطوف على قوله تعالى ولقد أخذ الله ميثاق بنى إسرائيل وضمير ميثاقهم اما راجع الى الموصول يعنى وأخذنا من النصارى فى الإنجيل وعلى لسان عيسى عليه السّلام ميثاق النصارى بامتثال ما أمروا فى الإنجيل مصدقا لما بين يديه من التورية ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه احمد واما راجع الى بنى إسرائيل المذكورين من قبل يعنى أخذنا من النصارى ميثاق من ذكر قبلهم من قوم موسى اى ميثاقا مثل ميثاقهم قال الحسن فيه دليل على انهم نصارى بتسميتهم أنفسهم لا بتسمية الله تعالى والاولى ان يقال انه تعالى انما لم يقل ومن النصارى أخذنا ميثاقهم ليدل على انهم يسمّون أنفسهم بذلك ادّعاء لنصرة الله تعالى وليسوا كذلك وليس هذا الا للتعريض على الموجودين فى زمن النبي ﷺ لا على أسلافهم فان منهم من كانوا أنصار الله تعالى
يا أَهْلَ الْكِتابِ الى قوله صراط مستقيم والمراد باهل الكتاب اليهود والنصارى ووحد الكتاب لانه للجنس قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد ﷺ يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ اى التورية والإنجيل مثل اية الرجم ونعت محمد ﷺ فى التورية وبشارة عيسى بأحمد فى الإنجيل وَيَعْفُوا اى يعرض عَنْ كَثِيرٍ مما يخفونه لا يخبر به إذا لم يتوقف عليه امر دينى او عن كثير منكم فلا يؤاخذ بجرمه قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ يعنى محمد ﷺ او الإسلام وَكِتابٌ مُبِينٌ للاحكام او بين الاعجاز وهو القران وجاز ان يكون العطف تفسيريا وسمى محمدا ﷺ والقران نورا لكونهما كاشفين لظلمات الكفر.
يَهْدِي بِهِ اللَّهُ وحد الضمير لان المراد بهما اما واحد او كواحد فى الحكم مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ اى رضاه بالايمان منهم سُبُلَ السَّلامِ اى طرق السلامة من عذاب الله وقيل السلام هو الله تعالى وسبله شرائعه الموصلة اليه وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ والقائلون بهذا القول اليعقوبية من النصارى فانهم قائلون بالاتحاد وقيل لم يصرح به أحد ولكن لما زعموا ان فيه لاهوتا وقالوا لا اله الّا واحد لزمهم ان يكون هو المسيح فنسب إليهم لازم قولهم توضيحا لجهلهم وتفضيحا لمعتقدهم قُلْ فَمَنْ يَمْلِكُ اى يقدر ان يدفع مِنَ اللَّهِ شَيْئاً إِنْ أَرادَ أَنْ يُهْلِكَ الْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَأُمَّهُ وَمَنْ فِي الْأَرْضِ جَمِيعاً يعنى ان المسيح وامه عبدان مخلوقان من جنس سائر الممكنات فان عطف من فى الأرض عليهما يفيد انهما من جنسهم متصفان بالحدوث واماراته من الابنيّة والامومية قابلان للهلاك والغناء مقدوران لله تعالى وحده إنشاء الله تعالى هلاكهما لا يستطيعان دفع الهلاك عن أنفسهما كسائر الممكنات وَلِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما بَيْنَهُما يَخْلُقُ ما يَشاءُ بغير مادة سبقت عليه كالسموات والأرض او من مادة من غير جنسه كما خلق آدم من الطين او من ذكر وحده كما خلق حواء من آدم او من أنثى وحدها كما خلق عيسى بن مريم او من ذكر وأنثى كاكثر الحيوانات وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من الاحياء والاماتة فكيف يتصور اتحاد من ذلك شانه وظهر احتياجه وإمكانه بمن هذا سلطانه وعزّ برهانه روى ابن إسحاق عن ابن عباس قال اتى رسول الله ﷺ نعمان بن احيى وبحرى بن عمرو وشاس بن عدى فكلموه وكلمهم ودعاهم الى الله وحذرهم نقمته فقالوا ما تخوفنا يا محمد نحن والله أبناء الله واحباؤه كقول النصارى فانزل الله تعالى.
وَقالَتِ الْيَهُودُ وَالنَّصارى نَحْنُ أَبْناءُ اللَّهِ وَأَحِبَّاؤُهُ الاية قيل أرادوا ان الله تعالى كالاب لنا فى الحنو والعطف ونحن كالابناء له فى القرب والمنزلة وقال ابراهيم النخعي ان اليهود وجدوا فى التورية يا أبناء احبارى فبدّلوا يا أبناء ابكارى فمن ذلك قالوا نحن أبناء الله وقيل معناه نحن أبناء رسل الله وقيل أرادوا انهم أشياع ابنيه عزير والمسيح كما قال لاشياع ابى الجنيب عبد الله بن الزبير الجنيبيون قُلْ يا محمد ان صح ما زعمتم فَلِمَ يُعَذِّبُكُمْ بِذُنُوبِكُمْ فان الأب
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا محمد ﷺ يُبَيِّنُ لَكُمْ اعلام الهدى وشرائع الدين وحذف لظهوره او ما كتمتم وحذف لتقدم ذكره ويجوز ان لا يقدر مفعول والمعنى يبذل لكم البيان والجملة فى موضع الحال اى جاءكم رسولنا مبينا لكم عَلى فَتْرَةٍ مِنَ الرُّسُلِ متعلق بجاء اى جاءكم على حين فتور من المرسلين وانقطاع من الوحى او حال من الضمير فى يبين أَنْ تَقُولُوا يعنى كراهة ان تقولوا او لئلا تقولوا معتذرين ما جاءَنا مِنْ بَشِيرٍ وَلا نَذِيرٍ فَقَدْ جاءَكُمْ بَشِيرٌ وَنَذِيرٌ يعنى فلا تعتذروا فقد جاءكم بشير ونذير وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ فيقدر على الإرسال تترى كما فعل بين موسى وعيسى وكان بينهما الف وسبعمائة او خمسمائة سنة والف نبى اخرج ابن سعد والزبير بن بكار وابن عساكر عن الكلبي انه كان بين موسى بن عمران ومريم بنت عمران أم عيسى الف وسبعمائة سنة وليسا من سبط واحد واخرج الحاكم عن ابن عبّاس بلفظ بين موسى وعيسى الف وخمسمائة سنة واخرج ابن ابى حاتم عن الأعمش قال كان بين موسى وعيسى الف نبى ويقدر على الإرسال على فترة كما فعل بين عيسى ومحمد صلى الله عليهما وسلم وكان بينهما ستمائة سنة أخرجه ابن عساكر وابن ابى حاتم عن قتادة او خمسمائة وستون سنة أخرجه عبد الرزاق وعبد بن حميد وابن جرير من طريق
وَإِذْ قالَ مُوسى لِقَوْمِهِ بنى إسرائيل يا قَوْمِ اذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جَعَلَ فِيكُمْ أَنْبِياءَ فارشدكم وشرفكم بهم ولم يبعث فى امة ما بعث فى بنى إسرائيل من الأنبياء وَجَعَلَكُمْ اى جعل منكم او فيكم مُلُوكاً وقد تكاثر فيهم الملوك بعد فرعون حتى قتلوا يحيى وهمّوا بقتل عيسى عليهما السلام وقال ابن عباس أراد بالملوك اصحاب خدم وحشم قال قتادة كانوا اوّل من ملك الخدم ولم يكن لمن قبلهم خدم وروى ابن ابى حاتم عن ابى سعيد الخدري رضى الله عنه عن النبي ﷺ قال كان بنو إسرائيل إذا كان لاحدهم خادم وامرأة ودابة يكتب ملكا وله شاهد من مرسل زيد بن اسلم وقال عبد الرحمن الحبلى سمعت عبد الله بن عمرو بن العاص وسأله رجل فقال السنا من فقراء المهاجرين فقال له عبد الله ألك امرأة تأوي إليها قال نعم قال ألك مسكن تسكنه قال نعم قال فانت من الأغنياء قال فان لى خادما قال فانت من الملوك وقال السدى معناه وجعلكم أحرارا تملكون امر أنفسكم بعد ما كنتم فى أيدي القبط يستعبدونكم وقال الضحاك كانت منازلهم واسعة فيها مياه جارية فمن كان مسكنه واسعا فيها ماء جار فهو ملك وَآتاكُمْ ما لَمْ يُؤْتِ أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ فى زمانهم لشرف صحبة الأنبياء من مراتب القرب عند الله مع الرفعة فى الدنيا والكرامات مثل فلق البحر وإنزال انواع الرجز على أعدائهم دونهم.
يا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ قال مجاهد هى الطور وما حوله وقال الضحاك ايليا وبيت المقدس وقال عكرمة والسدى هى أريحا وقال الكلبي هى دمشق وفلسطين وبعض الأردن وقال قتادة هى الشام كلها وقال كعب وجدت فى كتاب الله المنزل ان الشام كنز الله من ارضه وبها كنز من عباده سميت بالمقدسة لانها مقر الأنبياء ومسكن المؤمنين الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ اى كتب وفرض عليكم دخولها كما كتب الصوم والصّلوة كذا قال قتادة والسدى وَلا تَرْتَدُّوا عَلى أَدْبارِكُمْ الى مصر او الى خلاف ما أمركم الله جبتا فَتَنْقَلِبُوا خاسِرِينَ ثواب الدارين يجوز فى
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قالُوا يا مُوسى إِنَّ فِيها اى فى تلك الأرض قَوْماً جَبَّارِينَ الجبار فعال من جبره على الأمر بمعنى أجبره عليه وهو العالي الذي يجبر الناس على ما يريد وقال البغوي الجبار المتعظم الممتنع عن القهر بحيث لا يتاتى مقاومته يقال نخلة جبارة إذا كانت طويلة ممتنعة عن وصول الأيدي إليها قلت كان امتناعهم اما بطولهم وقوة أجسادهم كما يدل عليه القصة او لكثرة جنودهم وأموالهم وآلات الحرب معهم قال البغوي كانوا من العمالقة وبقية قوم عاد وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَها حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْها فَإِنَّا داخِلُونَ إذ لا طاقة لنا بهم فلما قال بنو إسرائيل ذلك وهموا بالانصراف الى معه وخر موسى وهارون ساجدين وخرق كالب ويوشع ثيابهما وهما الذين اخبر الله تعالى عنهما فى قوله.
قالَ رَجُلانِ يعنى كالب ويوشع مِنَ الَّذِينَ يَخافُونَ الله تعالى ويتقونه وقيل كانا رجلين من الجبابرة أسلما وصارا الى موسى فعلى هذا الواو لبنى إسرائيل والراجع الى الموصول محذوف اى من الذين يخافهم بنو إسرائيل ويشهده قراءة سعيد ابن جبير يخافون بضم الياء أخرجه ابن جرير عنه والحاكم وصححه عن ابن عباس
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قالُوا يا مُوسى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَها أَبَداً نفوا دخولهم على التأكيد والتأبيد وقوله ما دامُوا فِيها بدل من ابدا بدل البعض فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقاتِلا إِنَّا هاهُنا قاعِدُونَ قيل قالوا ذلك استهانة بالله ورسوله وعدم مبالاة بهما وهذا مستبعد جدا لانه يستلزم الكفر فلا يتصور بعد ذلك مصاحبة موسى وقد كانوا فى مصاحبته ونزل عليهم المن والسلوى وظلل عليهم الغمام وانفجرت من الحجر عيونا لشربهم فالمعنى اذهب أنت وربك يعينك والله اعلم عن ابن مسعود قال شهدت من المقداد بن اسود مشهد الان أكون صاحبه لاحب الى مما عدل به اتى النبي ﷺ وهو يدعوه على المشركين قال لا نقول كما قال قوم موسى اذهب أنت وربك فقاتلا ولكنا نقاتل عن يمينك وعن شمالك وبين يديك وخلفك فرايت النبىّ ﷺ أشرق وجهه وسره رواه البخاري وغيره فلما فعلت بنو إسرائيل ما فعلت من مخالفة امر الله ورسوله وهموا بيوشع وكالب غضب موسى ودعا عليهم.
قالَ رَبِّ إِنِّي لا أَمْلِكُ إِلَّا نَفْسِي وَأَخِي يعنى وأخي لا يملك الا نفسه فاخى اما منصوب عطفا على اسم ان او مرفوع عطفا على الضمير المرفوع فى املك او مبتدأ خبره محذوف يعنى كذلك وجاز ان يكون معناه لا يطيعنى الا نفسى وأخي وحينئذ أخي اما منصوب عطفا على نفسى او مجرور عند الكوفيين عطفا على ياء المتكلم فى نفسى والحصر إضافي بالنسبة الى القوم العاصين اخرج الكلام شكاية عنهم ولا يلزم منه عدم إطاعة الرجلين يوشع وكالب فَافْرُقْ بَيْنَنا وَبَيْنَ الْقَوْمِ الْفاسِقِينَ بان تحكم لكل ما يستحقه من المدح والثواب والذم والعقاب او المعنى فافرق بالتبعيد بيننا وبينهم وتخليصنا من صحبتهم.
قالَ الله تعالى فَإِنَّها اى الأرض المقدسة مُحَرَّمَةٌ عَلَيْهِمْ تحريم منع لا تحريم تعبد يعنى انها ممنوعة منهم لا يدخلونها ولا يسكنونها بسبب
موسى عليه السّلام عين ملك الموت ففقأها قال فرجع الملك الى الله سبحانه وتعالى فقال انك أرسلتني الى عبد لك لا يريد الموت وقد فقأ عينى قال فرد الله اليه عينه وقال ارجع الى عبدى فقل له الحيوة تريد فان كنت تريد الحيوة فضع يدك على متن ثور فما وارت يدك من شعره فانك تعيش بها سنة قال ثم مه قال ثم تموت قال فالآن من قريب قال رب أدنني من الأرض المقدسة رمية الحجر قال رسول الله ﷺ لو انى عنده لاريتكم قبره الى جنب الطريق عند الكثيب الأحمر متفق عليه وقال وهب خرج موسى لبعض حاجته فمر برهط من الملائكة يحفرون قبر الم ير شيئا احسن منه ولا مثل ما فيه من الخضرة والنضرة والبهجة فقال لهم يا ملائكة الله لمن تحفرون هذا القبر قالوا لعبد كريم على ربه قال ان هذا العبد
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ ابْنَيْ آدَمَ هابيل وقابيل بِالْحَقِّ صفة مصدر محذوف اى تلاوة متلبسة بالحق او حال من الضمير فى اتل او من نبأ اى متلبسا بالصدق موافقا لما فى كتب الأولين إِذْ قَرَّبا قُرْباناً ظرف لنبأ او حال منه او بدل على حذف مضاف اى اتل نبأهم نبا ذاك الوقت والقربان اسم ما يتقرب بها الى الله تعالى من ذبيحة او غيرها كما ان الحلوان اسم لما يحلى اى يعطى وهو فى الأصل مصدر ولذلك لم يثن وقيل تقديره إذ قرب كلو أحد منهما قربانا وكان سبب قربانهم على ما ذكر اهل العلم ان حواء كانت تلد لآدم عليه السلام فى بطن غلاما وجارية وكان جميع ما ولد أربعين ولدا فى عشرين بطنا أولهم قابيل وتوامته إقليما وثانيهم هابيل وتوامته لبودا وآخرهم ابو المغيث وتوامته أم المغيث قال ابن عباس لم يمت آدم حتى بلغ ولده وولد ولده أربعين الفا قال محمد بن اسحق عن بعض اهل العلم بالكتاب الاوّل انه ولد قابيل وأخته فى الجنة فلم تجد حواء عليهما وجعا ولا وصبا ولا طلقا ولم تر معهما دما فلما هبطا الى الأرض حملت بهابيل وأخته فوجدت عليهما الوجع والوصب والطلق والدم وقال غيره غشى آدم حواء بعد مهبطهما الى الأرض بمائة سنة فولدت له قابيل وأخته فى بطن ثم هابيل وأخته فى بطن وكان بينهما سنتان فى قول الكلبي وكان آدم إذا شب أولاده يزوج غلام هذا البطن جارية بطن اخرى فكان الرجل منهم يتزوج اية أخواته شاء الا توامته فلما بلغ قابيل وهابيل النكاح اوحى الله تعالى الى آدم ان يزوج كلواحد منهما توامة الاخر فرضى هابيل وسخط قابيل لان توامته كانت أجمل وقال انا أحق بها ونحن من ولادة الجنة وهما من ولادة الأرض فقال له أبوه انها لا تحل لك فابى ان يقبل ذلك وقال ان الله لم يأمره بهذا وانما هو برأيه فقال آدم فقربا قربانا فمن يقبل قربانه فهو احقّ بها وكانت القربان إذا قبلت نزلت نار من السماء بيضاء فاكلته وإذا لم تقبل لم تنزل النار وأكله الطير والسباع فخرجا ليقربا وكان قابيل صاحب زرع فقرب صبرة من طعام من أردى زرعه وأضمر
يتقبل الله من المتقين واخرج ابن عساكر عن هشام بن يحيى عن أبيه قال دخل سائل الى ابن عمر فقال لابنه أعطه درهما فاعطاه فلما انصرف قال ابنه تقبل منك يا أبتاه قال لو علمت ان الله يقبل سجدة واحدة او صدقة درهم لم يكن غائب أحب الى من الموت تدرى ممن يتقبل الله انما يتقبل الله من المتقين واخرج ابن عساكر عن ابن مسعود قال لان أكون اعلم ان الله يتقبل منى عملا أحب الى من ان أكون لى ملأ الأرض ذهبا وعن عامر بن عبد الله انه بكى حين حضره الوفاة
لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ قرأ نافع وابو عمرو وحفص بفتح الياء والباقون بالإسكان إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي قرأ نافع وابن كثير وابو عمرو بفتح الياء والباقون بالإسكان أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ قال عبد الله بن عمرو وايم الله ان كان المقتول لاشد الرجلين ولكن منعه التحرج ان يبسط يده الى أخيه يعنى استلم له خوفا من الله تعالى اما لان الدفع لم يبح بعد قال مجاهد كتب عليهم فى ذلك الوقت إذا أراد الرجل قتل رجل ان لا يمتنع ويصبر واما تحريا لما هو الأفضل قال عليه السّلام كن عبد الله المقتول ولا تكن عبد الله القاتل أخرجه ابن سعد فى الطبقات من حديث عبد الله وهذا جائز فى شريعتنا ان ينقاد ويستسلم كما فعل عثمان رضى الله عنه اخرج ابن سعد عن ابى هريرة قال دخلت على عثمان يوم الدار فقلت جئت لانصرك فقال يا أبا هريرة أيسرك ان تقتل الناس جميعا وإياي معهم قلت لا قال فان قتلت رجلا واحدا فكانما قتلت الناس جميعا واخرج عبد الرزاق وابن جرير عن الحسن قال قال رسول الله ﷺ ان ابني آدم ضربا مثلا لهذه الامة فخذوا بالخير منهما واخرج عبد بن حميد عنه بلفظ فتشبهوا بخيرهما ولا تشبهوا بشرهما وانما قال ما انا بباسط فى جواب لئن بسطت للتبرى عن هذا الفعل الشنيع راسا والتحرز من ان يوصف به ويطلق عليه ولذا أكد النفي بالباء.
إِنِّي فتح الياء نافع واسكن غيره أُرِيدُ أَنْ تَبُوءَ الى ربك بِإِثْمِي وَإِثْمِكَ كلاهما فى موضع الحال من فاعل تبوء اى ترجع متلبسا بالاثمين حاملا لهما يعنى إذا قتلتنى ترجع حاملا اثم خطاياى التي عملتها واثم خطاياك التي عملتها من قتلى وغير ذلك كذا روى ابن نجيح عن مجاهد فَتَكُونَ مِنْ أَصْحابِ النَّارِ وَذلِكَ جَزاءُ الظَّالِمِينَ فان المظلوم يعطى من حسنات الظالم يوم القيمة جزاء لظلمه وان لم يكن للظالم حسنات او كانت ولكن فنيت قبل أداء جميع حقوق الناس يطرح على الظالم اثم خطايا المظلوم ويلقى فى النار عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ ان المفلس من أمتي من يأتى يوم القيامة بصلوة وصيام وزكوة ويأتى قد شتم هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
فَطَوَّعَتْ اى أسمعت وانقادت لَهُ نَفْسُهُ وله لزيادة الربط كقولك حفظت لزيد ماله قَتْلَ أَخِيهِ كانه دعا نفسه اليه فطاوعته واطاعته قال فى الصحاح طوعت ابلغ من اطاعت فلما قصد قابيل قتله لم يدر كيف يقتله قال ابن جريح فتمثل له إبليس فاخذ طيرا فوضع راسه على حجر ثم شدخ راسه بحجر اخر وقابيل ينظر اليه فعلمه القتل فرضخ قابيل راس هابيل بين حجرين قيل وهو مستسلم وقيل اغتاله فى النوم فشدخ راسه فَقَتَلَهُ فَأَصْبَحَ مِنَ الْخاسِرِينَ فى الدنيا حيث بقي مدة عمره مطرودا محزونا وفى الاخرة حيث بدل جنته بالنار وكان هابيل يوم قتل ابن عشرين سنة قال ابن عباس قتله على جبل نود وقيل عند عقبة حراء فلما قتله تركه بالعراء ولم يدر ما يصنع به لانه كان أول ميت على وجه الأرض من بنى آدم وقصده السباع فجعله فى جراب على ظهره أربعين يوما وقال ابن عبّاس سنة حتى تعير وعكفت عليه الطير والسباع تنتظر متى يرمى به فتاكله فبعث الله غرابين فاقتتلا فقتل أحدهما صاحبه ثم حفر له بمنقاره وبرجله حتى مكن له ثم ألقاه فى الحفرة وواراه وقابيل ينظر اليه وذلك قوله تعالى.
فَبَعَثَ اللَّهُ غُراباً يَبْحَثُ فِي الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ الضمير المرفوع راجع الى الله سبحانه او الى الغراب كَيْفَ حال من الضمير فى يُوارِي سَوْأَةَ أَخِيهِ قدم عليه لاقتضائه صدر الكلام والجملة ثانى مفعولى ليريه والروية هاهنا بمعنى العلم دون الابصار إذ الابصار لم يتحقق بمواراة سوأة أخيه بل بمواراة الغراب ولا بد هاهنا من مفعول ثالث لتعديته بهمزة الافعال فتقول جملة كيف يوارى قائم مقام المفعولين كما فى قولك علمت ان زيدا قائم ومعنى الكلام ليريه توارى سوأة أخيه متكيفا بتلك الكيفية والمراد بسوأة أخيه جسده الميت فانه مما يستقبح ان يرى وقيل المراد به عورته وما لا يجوز ان ينكشف من جسده ولم يلهم الله سبحانه قابيل ما الهم الغراب ازدراء به وتنبيها على انك أهون على الله
| تغيرت البلاد ومن عليها | فوجه الأرض مغبر قبيح |
| تغير كل ذى طعم ولون | وقل بشاشة الوجه المليح |
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
| ومالى لا أجود بسكب دمع | وهابيل تضمنه الضريح |
| ارى طول الحياة علىّ غما | فهل انا من حياتى مستريح |
مِنْ أَجْلِ ذلِكَ قرأ ابو جعفر من أجل بكسر النون موصولا وإلقاء الهمزة والعامة بسكون النون وفتح الهمزة مقطوعا اى بسبب وقوع ذلك الجناية العظيمة من ابن آدم وسد باب القتل وأجل فى الأصل مصدر أجل شرا بأجل إذا اجناه اى جره اليه فى القاموس أجل للشر عليهم ياجله جناه إذا ثاره وهيجه ثم استعمل فى تعليل الجنايات ثم اتسع فيه فاستعمل فى كل تعليل ومن ابتدائية متعلقة بقوله كَتَبْنا عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ اى ابتداء الكتب وانشأه من أجل ذلك أَنَّهُ الضمير للشان مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ اى بغير قتل نفس يوجب القصاص أَوْ فَسادٍ فِي الْأَرْضِ وهو يشتمل فساد اهل الحرب واهل البغي وقطاع الطريق وزنا يعنى بغير هذه الأشياء الموجبة للقتل فَكَأَنَّما قَتَلَ النَّاسَ «١» جَمِيعاً قال البغوي اختلفوا فى تأويلها
إِنَّما جَزاءُ الَّذِينَ يُحارِبُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ «١» اى يحاربون عباد الله ويحاربون رسوله فانه ﷺ هو الحافظ للطرق والخلفاء والملوك بعده نوابه او المعنى يحاربون الله ورسوله انهم يخالفون أمرها ويهتكون حرمة دماء واموال ثبت باثباتهما قال البيضاوي اصل الحرب السلب وفى القاموس الحرب معروف والسلب وهذا يدل على كونه مشتركا وكلام البيضاوي يدل على كونه منقولا وَيَسْعَوْنَ فِي الْأَرْضِ فَساداً اى مفسدين او للفساد وجاز ان يكون منصوبا على المصدرية لان سعيهم كان فسادا وقيل يفسدون فى الأرض فسادا واختلفوا فى نزول هذه الاية اخرج ابن جرير عن يزيد بن ابى حبيب ان عبد الملك بن مردان كتب الى انس يسأله عن هذه الاية فكتب اليه انس ان هذه الاية نزلت فى العرنيين ارتدّوا عن الإسلام وقتلوا الراعي واستاقوا الإبل الحديث ثم اخرج عن جرير مثله واخرج عبد الرزاق نحوه عن ابى هريرة وكذا ذكر البغوي قول سعيد بن جبير روى البخاري وغيره عن انس قال لما قدم على النبىّ ﷺ نفر عن عكل فاسلموا فاجتوت «٢» المدينة فامرهم النبي ﷺ ان يأتوا ابل الصدقة فيشربوا من أبوالها وألبانها ففعلوا فصحوا فارتدوا وقتلوا رعاتها واستاقوا
(٢) اى أصابهم الجوى وهو المرض وداء الجوف إذا تطاول وذلك إذا لم يوافقهم هواء المدينة ١٢ نهايه
المصر وبين القاطع قلت وحديث العرنيين يابى عن اشتراط هذه المسافة بين المصر ومكان القطع والله اعلم- (مسئلة:) ويشترط كونهم ذا منعة جماعة تمنعين او واحد يقدر على الامتناع لا مختلسون يتعرضون لاخر القافلة يعتمدون المهرب والذين يغلبون شرذمة بقوتهم فهم قطاع فى حقهم وان لم يكونوا قطاعا فى حق قافلة عظيمة وهذا الشرط يستفاد من الاية فان المحاربة والفساد فى الأرض لا يتحقق بدون المنعة والقدرة على الامتناع أَنْ يُقَتَّلُوا أَوْ يُصَلَّبُوا أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ مِنْ خِلافٍ يعنى أيديهم الايمان وأرجلهم الإيسار بإجماع الامة أَوْ يُنْفَوْا مِنَ الْأَرْضِ ذهب قوم الى ان الامام بالخيار فى امر المحاربين بين القتل والصلب والقطع والنفي كما هو المستفاد
به التشهير ليعتبر به غيره وقال ابو حنيفة رح اصل التشهير بالقتل والمبالغة فى الصلب فيخير فيه وصفة الصلب عند الشافعي رح انه يقتل ثم يصلب وقيل عنده يصلب حيا ثم يطعن برمح حتى يموت وكلا الروايتين عن ابى حنيفة رح الاولى مختار الطحاوي رح توقيا عن المثلة والثانية مروى عن الكرخي رح وهو الأصح لدخول كلمة او بين القتل والصلب ولا يصلب فوق ثلثة ايّام عند ابى حنيفة رح لانه يتغير بعدها فيتاذى به الناس وعن ابى يوسف رح انه يترك على خشبة حتى ينقطع فيسقط ليعتبر به غيره قلنا يحصل الاعتبار بالصلب والنهاية غير مطلوبة وهذا التفسير الذي اختاره الجمهور رواه الشافعي رح عن ابن عباس قال فى قطاع الطريق إذا قتلوا وأخذوا المال قتلوا وصلبوا وإذا قتلوا ولم يأخذوا المال قتلوا ولم يصلبوا وإذا أخذوا المال ولم يقتلوا قطعت أيديهم وأرجلهم من خلاف وإذا أخافوا السبيل ولم يأخذوا مالا نفوا من الأرض ورواه البيهقي من طريق محمد بن سعد العوفى عن ابائه الى ابن عبّاس فى هذه الاية قال إذا حارب وقتل فعليه القتل إذا ظهر عليه قبل توبته وإذا حارب وأخذ المال وقتل فعليه الصلب وان لم يقتل فعليه قطع اليد والرجل من خلاف وان حارب وأخاف السبيل فعليه النفي وروى محمد عن ابى يوسف رح عن الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال وادع رسول الله ﷺ أبا بردة هلال بن عويمر الأسلمي فجاء أناس يريدون الإسلام فقطع عليهم اصحاب ابى بردة الطريق فنزل جبرئيل على رسول الله ﷺ بالحدان من قتل وأخذ المال صلب ومن قتل ولم يأخذ قتل ومن أخذ مالا ولم يقتل قطعت يده ورجله من خلاف ومن جاء مسلما هدم الإسلام ما كان منه فى الشرك وفى رواية عطية عن ابن عباس
(مسئلة:) وان لم يقتل القاطع ولم يأخذ مالا وقد جرح اقتص منه مما فيه القصاص وأخذ الأرش مما فيه الأرش وذلك الى المجنى عليه فيجوز عفوه قال فى الهداية لانه لا حد فى هذه الجناية فظهر حق العبد وهو ما ذكرناه ويرد عليه ان حد هذه الجناية النفي بسبب الاخافة فقوله لاحد فى هذه الجناية ممنوع.
(مسئلة:) وان أخذ ما لا ثم جرح قطعت يده ورجله وبطلت الجراحات لانه لما وجب الحد حقا لله تعالى سقطت عصمة النفس حقا للعبد كما يسقط عصمة المال عند ابى حنيفة رح وقال الشافعي رح لا يسقط حق العبد بالحد فيستوفى الجراحات مع الحد وعلى هذا الخلاف إذا قتل القاطع حدا او قطعت يده ورجله لا ضمان عليه فى مال أخذ وهلك عنده او استهلك عند ابى حنيفة رح وعند الشافعي رح واحمد رح عليه الضمان وان كان المال موجودا يرد على المالك اجماعا وسنذكر هذا الخلاف فى حد السرقة ان شاء الله تعالى.
(مسئلة:) ان كان فى قطاع الطريق امرأة فوافقتهم فقتلت وأخذت قال مالك رح والشافعي رح واحمد رح تقتل حدا وقال ابو حنيفة رح تقتل قصاصا وتضمن المال.
(مسئلة:) وان كان من قطاع الطريق صبى او مجنون يحد الباقون عند الائمة الثلاثة وقال ابو حنيفة وزفر يسقط الحد عن الباقين وعن ابى يوسف رح لو باشر العقلاء يحد الباقون وكذا الخلاف لو كان من قطاع الطريق ذو رحم محرم من بعض اهل القافلة لابى حنيفة رح انه جناية واحدة قامت بالكل فاورثت شبهة فى الباقين وعند الجمهور لا عبرة بهذه الشبهة إذ حينه عن ينسد باب الحد.
(مسئلة:) إذا قطع بعض القافلة على البعض لا يجب الحد لان القافلة حرز واحد
إِلَّا الَّذِينَ تابُوا مِنْ قَبْلِ أَنْ تَقْدِرُوا عَلَيْهِمْ قال البغوي من ذهب ان الاية نزلت فى الكفار قال معناه الا الذين تابوا من الشرك واسلموا قبل القدرة عليهم فلا سبيل عليهم بشئ من الحدود ولا تبعة عليهم فيما أصابوا فى حال الكفر من دم او مال قلت وكذا ان تاب الكافر الحربي عن الشرك بعد القدرة ويثبت هذا الحكم من غير هذه الاية واما قطاع الطريق من المسلمين واهل الذمة فمن تاب منهم من قطع الطريق قبل القدرة عليه اى قبل ان يظفر به الامام فبمقتضى هذا الاستثناء يسقط عنه الحد المذكور حقا لله تعالى اجماعا كما يدل عليه قوله تعالى فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ واما حقوق العباد فقال بعضهم يسقط ولا يكون لاحد عليه تبعة فى دم او مال الا ان يوجد معه مال بعينه فيرده الى صاحبه وهو المروي عن على فى حارثة بن بدر كان خرج محاربا فسفك الدماء وأخذ الأموال ثم جاء تائبا قبل ان يقدر عليه فلم يجعل عليه على عليه السّلام تبعة كذا روى ابن ابى شيبة وعبد بن حميد وابن ابى الدنيا وابن جرير وابن ابى حاتم عن الشعبي عن على واخرج ابن ابى شيبة وعبد بن حميد عن اشعث عن رجل عن ابى موسى الأشعري نحوه وعند الجمهور لا يسقط عنه حقوق العباد فان كان قد قتل وأخذ المال وتاب قبل ان يظفر به يستوفى الولي القصاص او يعفو ويجب ضمان المال إذا هلك فى يده او استهلكه قال ابو حنيفة سقوط القصاص والضمان انما كان مبنيا على وجوب الحد وكونه خالص حق الله تعالى فاذا ظهر بالاستثناء ان الحد لم يجب ظهر حق العبد فى النفس والمال ويجب القصاص فى النفس والأطراف والضمان فى الأموال تغير هذه الاية والله اعلم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَابْتَغُوا إِلَيْهِ الْوَسِيلَةَ اى التقرب رواه الحاكم عن حذيفة وكذا روى الفرياني وعبد بن حميد وابن المنذر وابن ابى حاتم عن ابن عباس قلت يعنى تقربا ذاتيا بلا كيف فى القاموس الوسيلة المنزلة عند الملك والدرجة والقربة والواسل الراغب وفى الصحاح الوسيلة التوصل الى شىء برغبة وهى أخص من الوصيلة لتضمنها
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا لَوْ ثبت أَنَّ لَهُمْ فى الاخرة ما فِي الْأَرْضِ من صنوف المحبوبين عنده جَمِيعاً وَمِثْلَهُ مَعَهُ وبذلوه يدل عليه سياق الكلام لِيَفْتَدُوا بِهِ ووحد الضمير والمذكور شيئان
يُرِيدُونَ أَنْ يَخْرُجُوا مِنَ النَّارِ اى يقصدون الخروج كما فى قوله تعالى كلما أرادوا ان يخرجوا منها أعيدوا فيها او يتمنون ويطلبون من الله كما فى قوله تعالى اخبارا عنهم ربنا أخرجنا منها وَما هُمْ بِخارِجِينَ مِنْها أورد الجملة الاسمية بدل وما يخرجون للمبالغة والجملة حال من فاعل يريدون وَلَهُمْ عَذابٌ مُقِيمٌ اى دائم فيه تصريح لما علم ضمنا من الجملة السابقة وفيها إفادة انه كما لا يندفع ولا يخفف عذابهم لا يندفع دوامه ولا يزول عنهم.
وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما كان المختار عند النحاة فى مثل هذا الموضع اعنى فى اسم يقع بعده فعل مشتغل عنه بضميره وكان الفعل إنشاء النصب بإضمار الفعل على شريطة التفسير
وفى بعضها ضعف وكون الاخذ مختفيا اما ابتداء وانتهاء ان كان السرقة بالنهارا وابتداء فقط ان كانت بالليل فانه إذا نقب الجدار ليلا على الاستسرار أو أخذ المال من المالك جهارا مكابرة فهو سرقة وهذه الشروط مراعى بالإجماع لكونها ماخوذة فى مفهوم السرقة وما قيدنا من عدم الشبهة فى الملك او الحرز فمستفاد من الأحاديث المرفوعة قال رسول الله ﷺ ادرءوا الحدود عن المسلمين ما استطعتم فان وجدتم للمسلم مخرجا فخلوا سبيله فان الامام لان يخطى فى العفو خير من ان يخطى فى العقوبة رواه الشافعي رح والترمذي والحاكم والبيهقي وصححه من حديث عائشة وروى ابن ماجة من حديث ابى هريرة مرفوعا بسند حسن ادفعوا الحدود عن عباد الله ما وجدتم له مدفعا وعن على مرفوعا ادرءوا الحدود ولا ينبغى للامام تعطيل الحدود رواه الدارقطني والبيهقي بسند حسن وروى ابن عدى فى جزء له من حديث اهل المصر بسند ضعيف والجربزة عن ابن عباس مرفوعا ادرءوا الحدود بالشبهات وأقيلوا الكرام عثراتهم الا فى حد من حدود الله وروى صدره ابو مسلم الكحى وابن السمعاني
قال يقطع النباش ولم يصح فى الباب حديث مرفوع ومنها انه لا يقطع السارق من بيت المال عند ابى حنيفة والشافعي واحمد والنخعي والشعبي وقال مالك يقطع قلنا انه مال عامة والسارق منهم واخرج ابن ابى شيبة عن عمر انه قال لا قطع عليه يعنى على سارق من بيت المال ما من أحد الا وله فيه حق وروى البيهقي عن على ليس على من سرق من بيت المال قطع واخرج ابن ماجة عن ابن عبّاس ان عبدا من رقيق الخمس سرق من المغنم فرفع الى النبي ﷺ فلم يقطعه وقال مال الله سرق بعضه بعضا وعن ابن مسعود فيمن سرق من بيت المال قال أرسله فما من أحد إلا وله فى هذا المال حق ومنها انه لا يقطع السارق إذا كان للسارق فيه شركة بان سرق أحد الشريكين من حرز الاخر مالا مشتركا بينهما ومنها انه من له على اخر دراهم فسرق مثلها لم يقطع لانه استوفى حقه وكذا لو سرق اكثر من حقه لان فى الزيادة يكون شريكا بحقه ومنها انه لا يقطع الآباء والأمهات وان علوا فيما سرقوا من مال أولادهم لقوله ﷺ أنت ومالك لابيك وكذا ان سرق الفرع مال أصله عند الثلاثة للبسوطة فى المال وفى الدخول فى الحرز وقال مالك يقطع وكذا من سرق من ذى رحم محرم كالاخ والعم عند ابى حنيفة للبسوطة فى الدخول فى الحرز ولذا أباح الشرع النظر الى مواضع الزينة الظاهرة وعند الائمة الثلاثة يقطع الحاقا لها بالقرابة البعيدة ومما يدل على نقصان الحرز فى المحارم من ذوى الأرحام قوله تعالى ولا على أنفسكم ان تأكلوا من بيوتكم او بيوت ابائكم او بيوت أمهاتكم او بيوت إخوانكم او بيوت أخواتكم او بيوت أعمامكم او بيوت عماتكم او بيوت أخوالكم او بيوت خالاتكم او ما ملكتم مفاتحه او صديقكم فانه يفيد اطلاق الدخول وجواز الاكل او يورث شبهة عند قيام دليل المنع كما فى قوله عليه السلام أنت ومالك لابيك فان قيل فعلى هذا ينبغى ان لا يجب القطع من بيت الصديق ايضا
بن العاص ان رسول الله ﷺ قال تعافوا الحدود فيما بينكم فما بلغني من حد فقد وجب وأجاب ابن همام بان حديث صفوان المذكور فى رواية كما ذكر وفى رواية الحاكم فى المستدرك انا أبيعه وانسئه ثمنه وسكت عليه وفى كثير من الروايات لم يذكر هذا بل قال ما كنت أريد هذا او قال أيقطع رجل من العرب فى ثلثين درهما فكان فى هذه الزيادة اضطرابا والاضطراب موجب للضعف واستيفاء الحدود من تمام القضاء وملك السارق قبل القضاء توجب شبهة البتة.
(مسئلة:) نصاب السرقة عشرة دراهم او دينارا وما يبلغ قيمة أحدهما عند ابى حنيفة رحمه الله وعند مالك واحمد فى اظهر الروايات عنه ربع دينار او ثلثة دراهم او ما يبلغ قيمة أحدهما وعند الشافعي ربع دينار من الدراهم وغيرها لحديث عائشة مرفوعا يقطع اليد فى ربع دينار فصاعدا ويروى لا يقطع اليد الا فى ربع دينار متفق عليه باللفظين معا وفى لفظ لن يقطع يد السارق على عهد رسول الله ﷺ فى ادنى من ثمن المجن وفى لفظ لمسلم لا يقطع اليد الا فى ربع دينار فما فوقه وفى مسند احمد فى حديثها اقطعوا فى ربع دينار ولا تقطعوا فيما هو ادنى من ذلك وفى حديث ابن عمران رسول الله ﷺ قطع سارقا فى مجن قيمته ثلثة دراهم متفق عليه وروى مالك فى المؤطا عن عمرة بنت عبد الرحمن ان سارقا سرق فى زمن عثمان اترجة فامر بها عثمان فقومت بثلاثة دراهم من ضرب اثنا عشر بدينار فقطع عثمان يده وجه قول ابى حنيفة ان الاخذ بالأكثر فى هذا الباب اولى احتيالا للدرء وقد روى فى ثمن المجن اكثر مما ذكر روى الحاكم فى المستدرك عن مجاهد عن ايمن قال لم يقطع اليد على عهد رسول الله ﷺ الا فى ثمن المجن وثمنه يومئذ دينار وروى احمد والشافعي عن ابن إسحاق عن عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان قيمة المجن كان على عهد رسول الله ﷺ عشرة دراهم واخرج الدار قطنى واحمد من طريق سالم بن قتيبة حدثنا زفر بن
واحدا والحاصل ان هذا الحديث لا يصلح كونه معارضا لحديث عائشة وابن عمر.
عمرو وقال ليس فى شىء من الثمار قطع حتى يأوي الجرين وأخرجه عن ابن عمر مثله سواء وهذا الحديث حجة للائمة الثلاثة حيث أوجبوا القطع فى الثمار بعد الاحراز وايضا يؤيد مذهبهم ما رواه مالك فى المؤطأ ان سارقا سرق اترجة فى عهد عثمان فامر بها عثمان فقومت ثلثة دراهم من ضرب اثنى عشر درهما بدينار فقطع يده قال مالك وهى الا ترجة التي يأكلها الناس وقال ابن كنانة كانت اترجة من ذهب قدر الحمصة يجعل فيها الطيب ورد عليه بانه لو كانت من ذهب لم يقوم وأجاب عنه الحنفية بوجوه أحدها ان هذا الحديث متروك الظاهر بنص الكتاب حيث وجب الحديث فى الثمر غرامة مثليه وفى الحريسة ثمنها مرتين وقد قال الله تعالى فاعتدوا عليه بمثل ما اعتدى عليكم وهذا انقطاع معنوى فى الحديث يوجب ترك العمل به ثانيها ان الحديث معارض بإطلاق ما روينا لا قطع فى ثمر ولا كنز وهو يشمل ما يوويه الجرين وغيره فالسبيل فى دفع التعارض اما التوزيع فيحمل عدم القطع على الرطب والقطع على اليابس واما ترجيح مالا يوجب القطع درأ للحد والله اعلم والمراد بالطعام فى الحديث الذي يوجب عدم القطع ما يتسارع اليه الفساد للاجماع
(٢) موضع بخفيف التثمر
(٣) الحريسة يقال للشاة التي يدركها الليل قبل ان يصل الى مراحها وفلان يأكل الحرساة إذا سرق أغنام الناس وأكلها ١٢ نهاية
(مسئلة:) وإذا سرق ثانيا بعد القطع فى الاولى او سرق اولا وهو مقطوع اليد اليمنى يقطع رجله اليسرى اجماعا لا بهذه الاية لان المأمور بالآية قطع اليد والمراد به قطع اليد اليمنى خاصة بدليل قراءة ابن مسعود والإجماع فلا يجب القطع لفوات المحل بل بالسنة والإجماع وان كان السارق مقطوع اليد اليمنى والرجل اليسرى او سرق ثالثا بعد القطع لا يقطع عند ابى حنيفة واحمد رحمهما الله بل يسجن ويعزر وقال مالك والشافعي يقطع رجله اليسرى ثانيا ثم ان سرق ثالثا يقطع يده اليسرى ثم ان سرق رابعا يقطع رجله اليمنى وهو رواية عن احمد ثم ان سرق خامسا يعزر ويحبس عندهما ايضا كقولنا فى الثالثة وحكى عن عطاء وعمرو بن العاص وعثمان وعمرو بن عبد العزيز يقتل فى الخامسة احتج مالك والشافعي بحديث جابر بن عبد الله قال اتى رسول الله ﷺ بسارق فقطع يده ثم اتى به قد سرق فقطع رجله ثم اتى به قد سرق فقطع يده ثم اتى به قد سرق فقطع ثم اتى به قد سرق فامر به فقتل رواه الدارقطني وفى اسناده محمد بن يزيد بن سنان وهو ضعيف ورواه ابو داود والنسائي بغير هذا السياق بلفظ جئ بسارق الى رسول الله ﷺ فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله انما سرق قال اقطعوه فقطع به ثم جئ به الثانية فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله انما سرق قال اقطعوه ثم جئ به الثالثة فقال اقتلوه فقالوا انما سرق قال اقطعوه فقطع ثم جئ به الرابعة فقال اقتلوه فقالوا يا رسول الله انما سرق فقال اقطعوه فقطع ثم جئ به الخامسة فقال اقتلوه قال جابر فانطلقنا به الى مربد النعم فاستلقى على ظهره فقتلناه ثم اجتررناه فالقيناه فى بير ورمينا عليه الحجارة وفى اسناده مصعب بن ثابت قال النسائي ليس بالقوى والحديث منكر لا اعلم فيه حديثا صحيحا وفى الباب عن الحارث بن حاطب الحجبي عند النسائي والحاكم وعن عبد الله بن زيد عند ابى نعيم فى الحلية وقال ابن عبد البر حديث القتل منكر لا اصل له وقد قال الشافعي هذا الحديث منسوخ لا خلاف فيه عند اهل العلم قال ابن عبد البر هذا يدل على ان ما حكاه ابو مصعب عن عثمان وعمرو بن عبد العزيز انه يقتل لا اصل له لانهم لا يخالفون الإجماع وبحديث ابى هريرة عن النبي صلى الله
كان على لا يقطع الا اليد والرجل وان سرق بعد ذلك سجنه ويقول انى لاستحيى من الله الحديث واخرج ابن ابى شيبة فى مصنفه حدثنا حاتم بن اسمعيل عن جعفر بن محمد عن أبيه عن على مثل ما قال الشعبي عنه واخرج البيهقي عن عبد الله بن سلمة عن على انه اتى بسارق فقطع يده ثم اتى به فقطع رجله ثم اتى به فقال اقطع يده باى شىء يتمسح وباى شىء يأكل اقطع رجله على اى شىء يمشى انى لاستحيى من الله ثم ضربه وخلده فى السجن وفى تنقيح عبد الهادي قال سعيد بن منصور حدثنا ابو معشر عن سعيد بن ابى سعيد المقبري عن أبيه قال حضرت على بن ابى طالب اتى برجل مقطوع اليد والرجل قد سرق
واشتراط العدد فى الإقرار بالزنا معدول عن سنن القياس بالنص وايضا يعارضه القياس على حد القذف والقصاص والحجة لابى حنيفة ما ذكرنا من حديث ابى هريرة فى مسئلة الحسم حيث قطعه بإقراره مرة- جَزاءً بِما كَسَبا نَكالًا مِنَ اللَّهِ منصوبان على المفعول له او المصدرية ودل على فعلهما فاقطعوا وقال البغوي منصوبان على الحال يعنى من فاعل فاقطعوا بتأويل اسم الفاعل وفى المدارك جزاء منصوب على المفعول له ونكالا بدل منه وفى القاموس نكّل تنكيلا صنع به صنعا يحذر غيره ونحاه عن ما قبله والنكال ما نكلت به غيرك كائنا ما كان قال المحقق التفتازانيّ ترك العطف اشعارا بان القطع للجزاء والقطع على قصد الجزاء للنكال والمنع عن المعاودة ولمنع الغير عن مثله قلت فعلى هذا الاولى ان يقال جزاء مفعول له لقوله فاقطعوا ونكالا مفعول له لقوله جزاء وقال بعض المحققين لم يعطف لان العلة مجموعهما والجزاء اشارة الى ان فيه حق العبد والنكال اشارة الى ان فيه حق الله تعالى.
(مسئلة:) القطع يسقط عصمة المال المسروق عند ابى حنيفة رحمه الله ولا يجتمع القطع مع الضمان عنده وعند الائمة الثلاثة لا يسقط العصمة بالقطع ويجتمع القطع مع الضمان فان كان المال المسروق موجود أيسترد المالك من السارق اجماعا قبل لقطع وبعده وان هلك المال او استهلكه السارق لا ضمان على السارق عند ابى حنيفة
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
امرأة سرقت على عهد رسول الله ﷺ فقطعت يدها اليمنى فقالت هل لى من توبة يا رسول الله قال نعم أنت اليوم من خطيئتك كيوم ولدتك أمك فانزل الله تعالى.
فَمَنْ تابَ من السرقة وغيرها مِنْ بَعْدِ ظُلْمِهِ اى معصية من السرقة وغيرها والمراد بالتوبة الندم على ما وقع منه من المعصية ورد المظلمة والاستغفار من الله تعالى والعزم على تركها وَأَصْلَحَ امره بعد ذلك فَإِنَّ اللَّهَ يَتُوبُ عَلَيْهِ اى يرجع عليه بالرحمة وقبول التوبة فلا يعذبه فى الاخرة وهل يسقط عنه القطع فى الدنيا أم لا فقال احمد يسقط القطع عن السارق وكل حد بالتوبة لهذه الاية ولقوله تعالى واللذان يأتيانها منكم فاذوهما فان تابا وأصلحا فاعرضوا عنهما ولقوله عليه السّلام التائب من الذنب كمن لا ذنب له وفى قول للشافعى يسقط الحد إذا مضى على التوبة سنة وعند ابى حنيفة ومالك وهو رواية عن احمد وقول للشافعى لا يسقط شىء من الحدود بالتوبة الأحد قاطع الطريق بالاستثناء المذكور فى الاية قالوا هذه الاية لا تدل على سقوط الحد وقوله تعالى واللذان يأتيانها كان فى اوّل الأمر ثم نسخ ونحن نقطع بان رجم ما عز والغامدية كان بعد توبتهما.
(مسئلة:) قطع السارق هل يكون له توبة اولا فقال مجاهد نعم لحديث عبادة ابن الصامت قال قال رسول الله ﷺ وحوله عصابة من أصحابه بايعونى على ان لا تشركوا بالله شيئا ولا تسرقوا ولا تزنوا ولا تقتلوا أولادكم ولا تأتوا ببهتان تفترونه بين ايديكم وأرجلكم ولا تعصوا فى معروف فمن وفى منكم فاجره على الله ومن أصاب من ذلك شيئا فعوقب على ذلك فى الدنيا فهو كفارة له ومن أصاب من ذلك شيئا ثم ستره الله فهو الى الله ان شاء عفى عنه وان شاء عاقبه فبايعناه على ذلك متفق عليه وقال البغوي الصحيح ان القطع للجزاء على الجناية كما قال الله تعالى جزاء بما كسبا ولا بد من التوبة بعده ويدل عليه حديث ابى هريرة الذي ذكرناه فى مسئلة الحسم بعد القطع حيث قال له النبي ﷺ بعد القطع بالإقرار تب الى الله فقال تبت الى الله تعالى فقال تاب الله عليك إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ أَلَمْ تَعْلَمْ ايها النبي والمراد به الامة او المراد الم تعلم ايها الإنسان خطابا لكل واحد.
أَنَّ اللَّهَ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُعَذِّبُ مَنْ يَشاءُ تعذيبه من العصاة سواء ارتكب صغيرة او كبيرة فانه عدل مقتضى المعصية وَيَغْفِرُ بفضله صغيرة كانت او كبيرة بالتوبة وبلا توبة لِمَنْ يَشاءُ مغفرته وَاللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ من التعذيب والمغفرة قَدِيرٌ لا يجب عليه شىء قدم التعذيب لان استحقاق التعذيب مقدم على المغفرة ولان المقصود وصفه تعالى بالقدرة والقدرة فى تعذيب من يشاء اظهر من القدرة فى مغفرته لانه لا اباء فى المغفرة وفى التعذيب اباء والله اعلم روى احمد ومسلم وغيرهما عن البراء ابن عازب قال مر على رسول الله ﷺ يهودى محمم مجلود فدعاهم فقال هكذا تجدون حد الزاني فى كتابكم قالوا نعم فدعا رجلا من علمائهم فقال أنشدك بالله الذي انزل التورية على موسى هكذا تجدون حد الزاني فى كتابكم قال لا والله ولولا انك
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ لا يَحْزُنْكَ صنيع الَّذِينَ يُسارِعُونَ يقعون سريعا فِي الْكُفْرِ اى فى انكار ما يجب فى الشرع إقراره والاعتقاد به إذا وجدوا منه فرصة روى البغوي بسنده عن ابن عمر قال ان اليهود جاؤا الى رسول الله ﷺ فذكروا له ان رجلا منهم وامراة زنيا فقال لهم رسول الله ﷺ ما تجدون فى التورية فى شان الرجم قال نفضحهم ويجلدون قال عبد الله بن سلام كذبتم ان فيها لاية الرجم فاتوا بالتورية فنشروها فوضع أحدهم يده على اية الرجم فقرأ ما قبلها وما بعدها فقال له عبد الله ارفع يدك فرفع يده فاذا فيها اية الرجم قالوا صدق محمد فيها اية الرجم فامر بهما رسول الله ﷺ فرجما فقال عبد الله فرايت الرجل يحنى على المرأة يقيها الحجارة واخرج احمد فى مسنده عن جابر بن عبد الله قال زنى رجل من اهل فدك فكتب اهل فدك الى ناس من اليهود بالمدينة ان سألوا محمدا عن ذلك فان أمركم بالجلد فخذوه عنه وان أمركم بالرجم فلا تأخذوه عنه فسألوه عن ذلك فذكر نحو حديث مسلم فامر به فرجم فنزلت فان جاءوك فاحكم بينهم الاية واخرج البيهقي فى الدلائل من حديث ابى هريرة نحوه وقال البغوي وقيل سبب نزول الاية القصاص وذلك ان بنى نضير كان لهم فضل على بنى قريظة فقال بنو قريظة إخواننا بنى النضير أبونا واحد وديننا واحد ونبيّنا واحد وإذا قتلوا منا قتيلا لم يقيدونا واعطون ديته سبعون وسقا من تمر وإذا قتلنا منهم قتلوا القاتل وأخذوا منا الضعف مائة وأربعين وسقا من تمر وإن كان القتيل امرأة قتلوا بها رجلا منا وبالرجل رجلين وبالعبد حرامنا وجراحاتنا على التضعيف من جراحاتهم فاقض بيننا وبينهم فانزل الله عز وجل هذه الاية كذا روى
متعلق بقالوا لا بآمنا وَلَمْ تُؤْمِنْ قُلُوبُهُمْ فى محل النصب على الحال من فاعل قالوا ويحتمل العطف على قالوا وَمِنَ الَّذِينَ هادُوا عطف على من الذين قالوا يعنى من المنافقين واليهود سَمَّاعُونَ خبر مبتدأ محذوف اى هم سماعون والضمير للفريقين او للذين يسارعون ويجوز ان يكون مبتدأ ومن الذين هادوا خبره اى من اليهود قوم سماعون لِلْكَذِبِ اللام اما مزيدة للتاكيد او لتضمين السماع معنى القبول اى قابلون لما يفتريه الأحبار او للعلة والمفعول محذوف اى سماعون كلامك ليكذبوا عليك فيها بالزيادة والنقصان والتغير والتبديل وقيل اللام بمعنى الى اى سماعون الى كذب أحبارهم سَمَّاعُونَ لِقَوْمٍ آخَرِينَ من اليهود لَمْ يَأْتُوكَ اى لم يحضروك وتجافوا عنك تكبرا او افراطا فى البغض واللام فى لقوم اما لتضمن السماع معنى القبول اى مصغون لقوم آخرين قابلون كلامهم واما للعلة اى سماعون لاجلهم والإنهاء إليهم اى هم يعنى بنى قريظة جواسيس لقوم آخرين وهم اهل خيبر ويجوز ان يتعلق اللام بالكذب وسماعون الثاني مكرر للتاكيد اى سماعون كلامك ليكذبوا عليك لقوم آخرين أمي للانهاء إليهم يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ المنزلة فى التورية من اية الرجم والقصاص وغير ذلك والكلم اسم جنس او اسم جمع وليس بجمع ولذلك أفرد الضمير نظرا الى لفظه فى قوله تعالى مِنْ بَعْدِ مَواضِعِهِ اى من بعد وضعه الله تعالى مواضعه معنى يحرفون الكلم
(٢) الفرق بالفتحتين الخوف ١٢ نهاية [.....]
سَمَّاعُونَ لِلْكَذِبِ كرر للتأكيد اى هم سماعون ومثله. أَكَّالُونَ لِلسُّحْتِ قرأ ابن كثير وابو عمرو والكسائي وابو جعفر فى المواضع الثلاثة بضم الحاء والباقون بإسكانها ومعناه الحرام وأصله الهلاك قال الله تعالى فيسحتكم بعذاب قال الأخفش السحت كل كسب لا يحل نزلت الاية فى حكام اليهود كعب بن الأشرف وأمثاله كانوا يرتشون ويقضون لمن رشاهم ويسمعون الكذب ويقبلونه من الراشي ولا يلتفتون الى خصمه وقال الحسن ومقاتل وقتادة والضحاك السحت هو الرشوة فى الحكم وقال الحسن انما ذلك فى الحكم إذا رشوته ليحق لك باطلا او يبطل عليك حقا فاما ان يعطى الرجل الوالي يخاف ظلمه ليدرأ به عن نفسه الظلم فلا بأس به يعنى لا بأس به على المعطى فى دفعه وقاية لنفسه وماله واما على الاخذ فحرام اخذه قلت وكذا إذا كان المدعى محقا يرى ان القاضي لا يحكم له بحقه ولا يدفع عنه ظلم
(فائدة) قال ابن همام الرشوة على اقسام منها ما هو حرام على الاخذ والمعطى وهو الرشوة فى تقليد القضاء فلا يصير قاضيا وارتشاء القاضي ليحكم فلا ينفذ قضاؤه فى تلك الواقعة وان حكم بحق لانه واجب عليه فلا يحل أخذ المال عليه ولا إعطائه ومنها ما هو حرام على الاخذ دون المعطى كما إذا اعطى المال ليسوى امره عند السلطان دفعا للضرر او جلبا للنفع وحيلة حلها للاخذ ان يستاجر يوما الى الليل او يومين فيصير منافعه مملوكة له ثم يستعمله فى الذهاب الى السلطان للامر الفلاني وكذا إذا ما اعطى المال لدفع الخوف من المدفوع اليه على نفسه او ماله حرام على الاخذ دون المعطى لان دفع الضرر على المسلم واجب ولا يجوز أخذ المال على الفعل الواجب.
(فائدة) وفى المحيط الرشوة على انواع نوع منها ان يهدى الرجل الى رجل مالا لابتغاء التودد والتحبب وهذا حلال من جانب المهدى والمهدى اليه قلت وفى الباب قوله صلى
وَكَيْفَ يُحَكِّمُونَكَ وَعِنْدَهُمُ التَّوْراةُ فِيها حُكْمُ اللَّهِ تعجيب من تحكيمهم من لا يؤمنون به والحال انهم يعلمون حكم الله فان عندهم التورية فيها حكم الله وهو الرجم وهم لا يعملون به والحاصل انه ليس غرضهم من تحكيمهم إياك إصابة الحق واقامة الشرع بل انما يطلبون ما يكون أهون عليهم وان لم يكن حكم الله وقوله فيها حكم الله حال من التورية ان رفعتها بالظرف وان جعلتها مبتدأ فمن ضميرها المستكن فى الظرف وتانيثها لكونها نظيرة المؤنث فى كلام العرب كرماة ثُمَّ يَتَوَلَّوْنَ عطف على يحكمونك داخل فى التعجيب يعنى ثم يعرضون عن حكمك الموافق لكتابهم مِنْ بَعْدِ ذلِكَ اى بعد تحكيمك وَما أُولئِكَ بِالْمُؤْمِنِينَ ٦ بشئ من كتب الله تعالى لا بالتورية والا لعملوا بها وأمنوا بما يصدقه ويوافقه ولا بكتابك.
إِنَّا أَنْزَلْنَا التَّوْراةَ فِيها هُدىً الى الحق وَنُورٌ ينكشف به احكام الله تعالى ويجتلى به القلوب الغير القاسية يَحْكُمُ بِهَا النَّبِيُّونَ موسى ومن بعده من الأنبياء آخرهم محمد ﷺ قضى عليهم بالرجم وقال الحسن والسدى أراد به محمدا ﷺ حكم على اليهود بالرجم وذكر بلفظ الجمع كما فى قوله تعالى ان ابراهيم كان امة قانتا ويحكم بصيغة المضارع يدل على ان حكم محمّد ﷺ ايضا داخل فى المقصود بالآية وقيل ان المراد بالنبيين هاهنا الذين بعثوا بعد موسى قبل عيسى
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَكَتَبْنا اى فرضنا عَلَيْهِمْ اى على بنى إسرائيل فِيها اى فى التورية أَنَّ النَّفْسَ القاتلة حرا كانت او رقيقا ذكرا كانت او أنثى مسلما كانت او ذميا تقتل بِالنَّفْسِ المقتولة كيفما كانت وقد مرحكم هذه المسألة فى شريعتنا فى سورة البقرة فى تفسير قوله تعالى الحر بالحر الاية وَالْعَيْنَ تقفأ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ تجدع بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ تقطع بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ تقلع بِالسِّنِّ قرأ الكسائي العين والانف والاذن والسن بالرفع على انها جمل متعاطفة عطفت على ان وما فى حيزها كانه قيل كتبنا عليهم النفس بالنفس فان الكتابة والقراءة يقعان على الجمل كالقول او مستانفة ومعناها وكذلك العين مقفوة بالعين والانف
(مسئلة:) ولا يقتص من الجراحة الا بعد الاندمال عند ابى حنيفة واحمد وقال الشافعي يقتص فى الحال لنا حديث جابر ان رجلا جرح فاراد ان يستقيد منه فنهى رسول الله ﷺ ان يستقاد من الجارح حتى يبرأ المجروح رواه الدارقطني.
(مسئلة:) من قطع يد رجل من نصف الساعد او جرحه جائفة فبرأ منها فلا قصاص عليه لانه لا يمكن اعتبار المماثلة فيه إذ الاول كسر العظم ولا ضابطة فيه وكذا البرأ نادر فيفضى الثاني الى الهلاك ظاهرا وقال الشافعي لو كسر عضده وابانه قطع من المرفق وله حكومة الباقي وكذا فى كسر الساعد وغيره من العظام ان له قطع اقرب مفصل من موضع الكسر وحكومة الباقي.
(مسئلة:) لا قصاص عند ابى حنيفة فى اللسان ولا فى الذكر الا ان يقطع الحشفة
(مسئلة:) ولا يقطع اليد الصحيحة باليد الشلاء ولا يمين بيسار ولا يسار بيمين اجماعا- (مسئلة:) فى العين القائمة بلا نور واليد الشلاء ولسان الأخرس والذكر الأشل والإصبع الزائدة حكومة عدل عند الجمهور وعند احمد فيها ثلث دية العضو الصحيح لحديث عمرو بن شعيب عن أبيه عن جده ان النبي ﷺ قضى فى العين العوراء السادة مكانها إذا طمست ثلث ديتها وفى اليد الشلاء إذا قطعت بثلث ديتها وفى السن السوداء إذا نزعت بثلث ديتها رواه البيهقي من طريق النسائي وعن ابن عباس موقوفا فى اليد الشلاء ثلث الدية وفى العين القائمة إذا حشفت ثلث الدية رواه الدارقطني.
(مسئلة:) ان كانت يد المقطوع صحيحة ويد القاطع شلاء او ناقصة الأصابع فالمقطوع بالخيار عند ابى حنيفة رحمه الله ان شاء قطع اليد المعيبة ولا شىء غيرها وان شاء أخذ الأرش كاملا لان استيفاء الحق كملا متعذر فله ان يتجوز بدون حقه وله ان يعدل الى البدل وعند الشافعي يجب الأرش لا غير.
(مسئلة:) من شج رجلا فاستوعبت الشجة ما بين قرنيه وهى لا تستوعب ما بين قرنى الشاج فالمشجوج بالخيار ان شاء اقتص بمقدار شجته يبتدئ بها من اى الجانبين شاء وان شاء أخذ الأرش وفى عكسه يخير ايضا.
(مسئلة:) ويجرى القصاص فى كسر السن كما يجرى فى قلعها عند ابى حنيفة رحمه الله وقال الشافعية لا قصاص فى الكسر لامتناع التماثل قلنا يمكن التماثل إذا يبرد بالمبرد وفى الباب حديث انس ان رسول الله ﷺ قضى بالقصاص فى السن رواه النسائي وعن انس ايضا قال كسرت الربيع وهى عمة انس بن مالك ثنية جارية من الأنصار فاتوا النبي ﷺ فامر بالقصاص فقال انس بن النضر عم انس ابن مالك لا تكسر
(مسئلة:) ليس فيما دون النفس شبهة عمد انما هو عمدا وخطاء لان شبه العمد فيما دون النفس عمد.
(مسئلة:) لا قصاص بين الرجل والمرأة فيما دون النفس ولا بين الحر والعبد ولا بين العبدين عند ابى حنيفة رحمه الله وعند الائمة الثلاثة يجرى القصاص فى جميع ذلك الا فى الحر يقطع طرفا للعبد جريا على أصلهم من انه لا يقتص حر لعبد لقوله تعالى الحر بالحر وهذه الاية بعمومها يعنى العين بالعين حجة لهم على ابى حنيفة ووجه قول ابى حنيفة ان الأطراف يسلك بها مسلك الأموال فينعدم التماثل بالتفاوت فى القيمة وهو معلوم قطعا بتقويم الشرع فامكن اعتباره بخلاف الأنفس لان المتلف به الحيوة بازهاق الروح ولا تفاوت فيه.
(مسئلة:) يجب القصاص فى الأطراف بين المسلم والذمي عند ابى حنيفة رحمه الله للتساوى بينهما فى الأرش عنده وقال الشافعي واحمد ان قطع المسلم طرف كافر فلا قصاص لعدم جريان القصاص بينهما فى الأنفس وقد مر المسألة فى سورة البقرة فَمَنْ تَصَدَّقَ من اصحاب الحق بِهِ اى بالقصاص وعفا عن الجاني فَهُوَ اى التصدق كَفَّارَةٌ لَهُ اى للمتصدق كذا قال عبد الله بن عمرو بن العاص والحسن والشعبي وقتادة اخرج ابن مردويه عن رجل من الأنصار عن النبي ﷺ فى قوله فمن تصدق به فهو كفارة له قال هو الرجل يكسر سنه او يقطع يده او يقطع شىء منه او يجرح فى بدنه فيعفو عن ذلك فيحط عنه قدر خطاياه فان كان ربع الدية فربع خطاياه وإن كان الثلث فثلث خطاياه وانكانت الدية حطت عنه خطاياه كذلك وروى الطبراني فى الكبير بسند حسن عن عبادة بن الصامت قال قال رسول الله ﷺ من تصدق من جسده بشئ كفر الله بقدره من ذنوبه والطبراني والبيهقي عن سنجرة قال قال رسول الله ﷺ من ابتلى فصبروا عقل فشكر وظلم فغفر وظلم فاستغفر أولئك لهم الا من وهم مهتدون وروى الترمذي وابن ماجة عن ابى الدرداء
وَقَفَّيْنا اى اتبعناهم يعنى النبيين حذف المفعول لدلالة الجار والمجرور عليه اعنى عَلى آثارِهِمْ اى على اثار النبيين الذين اسلموا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ مفعول ثان عدى اليه الفعل بالباء مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ التَّوْراةِ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ فِيهِ هُدىً وَنُورٌ فى موضع النصب على الحال من الإنجيل وَمُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ اى الإنجيل مِنَ التَّوْراةِ عطف على فيه هدى وكذا قوله وَهُدىً وَمَوْعِظَةً وجاز نصبهما على العلية عطفا على محذوف يعنى رحمة للناس وهدى وموعظة لِلْمُتَّقِينَ لانهم هم المنتفعون به او تعلقا بمحذوف تقديره واتيناه هدى وموعظة وعلى تقدير نصبهما على العلية عطفا عليهما.
وَلْيَحْكُمْ أَهْلُ الْإِنْجِيلِ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فِيهِ فى قراءة حمزة بكسر اللام ونصب يحكم يعنى ولكى يحكم وعلى التأويل الاول لام كى متعلق بمحذوف تقديره واتيناه ليحكم واما على قراءة الجمهور بسكون اللام والجزم على انه صيغة امر والجملة مستانفة فان قيل الإنجيل نسخ بالقران وصيغة الأمر للحال او للاستقبال فكيف يتصور الأمر بالحكم بما فى الإنجيل قلنا لا نسلم انه منسوخ بجميع أحكامه وما نسخ منه فتركه باتباع القران محكوم فيه فالحكم بالناسخ الذي ورد فى القران حكم بما انزل الله فى الإنجيل والحكم بالمنسوخ بعد النسخ ترك العمل بالإنجيل
(٢) نواب مرزا نجف خان ١٢
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ يا محمد الْكِتابَ القران متلبسا بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ اى من جنس الكتب المنزلة فاللام الاولى للعهد والثانية للجنس وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ روى الوالبي عن ابن عباس رضى الله عنهما اى شاهدا وهو قول مجاهد وقتادة والسدى والكسائي وقال عكرمة دالا وقال سعيد بن جبير وابو عبيدة موتمنا عليه وقال الحسن أمينا وقال سعيد بن المسيّب والضحاك قاضيا وقال الخليل رقيبا وحافظا والمعنى متقاربة ومعنى الكل ان كل كتاب يشهد به القران ويصدقه فهو كتاب الله قال ابن جريح القران أمين على ما قبله من الكتب فما اخبر اهل الكتاب من كتابهم فانكان فى القران فصدقوه والا فكذبوه يعنى الكان فى القران تصديقه فصدقوه وإن كان فى القران تكذيبه فكذبوه وان كان القران ساكتا عنه فاسكتوا عنه لاحتمال الصدق والكذب من اهل الكتاب قيل اصل مهيمن ما يمن مفيعل من الامانة فقلبت الهمزة هاء فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ اى بين الناس بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فى القران فانه اما موافق لما سبق من الاحكام او ناسخ له وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ اى أهواء الناس ان أرادوا منك الحكم على خلاف ما انزل الله عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ متعلق بقوله لا تتبع لتضمنه معنى لا تنحرف او حال من فاعله اى لا تتبع أهواءهم معرضا عما جاءك من الحق لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ اى جعلنا لكل امة منكم ايها الناس شِرْعَةً اى شريعة وهى الطريق الى الماء شبه الدين لانه طريق الى ما هو سبب للحيوة الا بدية وَمِنْهاجاً طريقا واضحا فى الدين من نهج الأمر إذا وضح استدل البيضاوي بهذه الاية على انا غير متعبدين بالشرائع المتقدمة ونحن نقول إذا ثبت بالقران او السنة ان الله تعالى حكم بشئ فى شىء من الكتب السابقة ولم يثبت نسخه فنحن متعبدون به بناء على انه من احكام شريعتنا والقول بترك جميع ما نزل فى الكتب السابقة لا يساعده عقل ولا نقل واختلاف الشرائع انما هو باختلاف اكثر الفروع مع اتحاد الأصول لا محالة وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً
وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ الى قوله يوقنون عطف على الكتاب اى أنزلنا إليك الكتاب وأنزلنا إليك الحكم او على الحق اى أنزلناه بالحق وبان احكم وجاز ان يكون جملة بتقدير وأمرنا ان احكم بينهم بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عطف على احكم وكذا وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ اى ان يضلوك ويصرفوك وان مع صلته بدل اشتمال من الضمير المنصوب يعنى احذر فتنتهم او مفعول له يعنى احذرهم مخافة ان يفتنوك او لئلا يفتنوك عَنْ بَعْضِ ما أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ فَإِنْ تَوَلَّوْا عن الحكم المنزل وأرادوا غيره فَاعْلَمْ أَنَّما يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُصِيبَهُمْ بِبَعْضِ ذُنُوبِهِمْ اى يعجل لهم الله العقوبة فى الدنيا ببعض ذنوبهم هاهنا وضع المظهر موضع المضمر والمعنى يريد الله ان يصيبهم به اى بذلك التولي فى الدنيا وهذا الإبهام لتعظيم التولي والتنبيه على ان لهم ذنوب كثيرة واحدها هذا وَإِنَّ كَثِيراً مِنَ النَّاسِ يعنى من اليهود لَفاسِقُونَ المتمردون المعتدون فى الكفر.
أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ قرأ ابن عامر بالتاء الفوقانية على الخطاب والباقون بالتحتانية على الغيبة والمراد بالجاهلية الملة الجاهلية وهى متابعة الهوى
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا «١» الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ اى لا تعتمدوا عليهم ولا تعاشروهم معاشرة الأحباب بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ ايماء الى علة النهى يعنى انهم متفقون على خلافكم واضراركم وتوالى بعضهم بعضا لاتحادهم فى الدين وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ يعنى عبد الله بن ابى فَإِنَّهُ مِنْهُمْ يعنى كافر منافق فقال النبي ﷺ يا أبا الحباب ما نفست «٢» من ولاية
(٢) اى ما صرت مرغوبا من ولاية اليهود على عباده ١٢
فَتَرَى الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يعنى عبد الله ابن ابى ابن سلول وأصحابه من المنافقين يُسارِعُونَ فِيهِمْ اى فى موالاة اليهود ومعاونتهم مفعول ثان لترى إن كان من الروية بمعنى العلم والا فهو حال من فاعله يَقُولُونَ حال من فاعل يسارعون نَخْشى أَنْ تُصِيبَنا دائِرَةٌ من دوائر الزمان بان ينقلب الأمر ويكون الدولة للكفار ولا يتم امر محمّد فيدور علينا كذا قال ابن عباس وقيل معناه نخشى ان يدور الدهر علينا بمكروه فنحتاج الى نصرهم او يصيبنا جدب وقحط فلا يعطونا الميرة اخرج ابن جرير من حديث عطية وابن اسحق ان عبادة بن الصامت قال لرسول الله ﷺ ان لى موالى من اليهود كثيرا عددهم وانى ابرأ الى الله ورسوله من ولايتهم وأو الى الى الله ورسوله فقال ابن ابى انى رجل أخاف الدوائر لا ابرأ من ولاية موالى قال البغوي فقال النبي ﷺ يا أبا الحباب ما نفست من ولاية اليهود على عبادة بن الصامت فهو لك دونه قال إذا اقبل قال الله تعالى فَعَسَى اللَّهُ أَنْ يَأْتِيَ بِالْفَتْحِ قال قتادة ومقاتل بالقضاء الفصل من نصر محمد ﷺ على من خالفه وقال الكلبي والسدى فتح مكة وقال الضحاك فتح قرى ليهود خيبر وفدك وغيرها أَوْ أَمْرٍ مِنْ عِنْدِهِ اى اظهار اسرار المنافقين وقتلهم وتفضيحهم او قتل بنى قريظة واجلاء بنى النضير واستيصال اليهود من جزيرة العرب فَيُصْبِحُوا اى هؤلاء المنافقين منصوب بان مقدرة بعد فاء السببية الواقعة بعد عسى لانه بمعنى لعل وهو من ملحقات التمني كما فى قوله تعالى لعلى ابلغ الأسباب اسباب السموات فاطلع بالنصب وجاز ان يكون معطوفا على الفتح تقديره عسى الله ان يأتي بالفتح وصيرورة المنافقين نادمين وجاز ان يكون معطوفا على يأتي وهذا اما على تقدير كون ان يأتي اسم عسى بدلا من الله
وَيَقُولُ الَّذِينَ آمَنُوا قرأ الكوفيون بالواو ويقول بالرفع على انه كلام مبتدأ وقرأ ابن كثير ونافع وابن عامر بغير واو وهكذا فى مصاحفهم ويقول بالرفع على الاستيناف كانه فى جواب قائل يقول فماذا يقول المؤمنون حينئذ وقرأ ابو عمرو ويعقوب بالواو ويقول بالنصب على انه معطوف على يصبحوا والمعنى إذا جاء الله بالفتح يصير المنافقون نادمين ويقول المؤمنون متعجبين او على احتمالات اخر ذكرناها فى فيصبحوا والتقدير عسى ان يأتي الله بالفتح وقول المؤمنين كذلك او عسى ان يأتي الله بالفتح او عسى ان يقول المؤمنون او عسى الله ان يقول المؤمنون أهؤلاء المنافقون الذين اقسموا به تعالى كذلك أَهؤُلاءِ يعنى المنافقين الَّذِينَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ اى أغلظها مصدر قائم مقام الجملة الواقعة حالا تقديره اقسموا بالله يجتهدون جهدا ايمانهم ولذلك جاز كونه معرفة او منصوب على المصدرية من اقسموا لانه بمعناه إِنَّهُمْ اى المنافقين لَمَعَكُمْ هذه الجملة جواب للقسم يعنى يقول المؤمنون بعضهم لبعض تعجبا من حال المنافقين حيث كانوا يقسمون بانهم لمع المؤمنين وتبجّحا بما منّ الله عليهم من الإخلاص او يقولون لليهود فان المنافقين كانوا يحلفون لليهود بالمعاضدة ويقولون لهم ان أخرجتم لنخرجن معكم وان قوتلتم لننصرنكم حَبِطَتْ أَعْمالُهُمْ فَأَصْبَحُوا خاسِرِينَ
فى الدنيا والاخرة هذه الجملة اما من مقولة المؤمنين او من مقولة الله تعالى شهادة لهم بحبوط أعمالهم وخسرانهم.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ «١» قرأ نافع
فزارة قوم عيينة بن حصين وغطفان قوم قرة بن سلمة القشيري وبنو سليم قوم الفجاة بن عبد ياليل وبنو يربوع قوم مالك بن نويرة وبعض تميم قوم شجاج بنت المنذر المتنبية زوجة مسيلمة وأسلمت آخرا وكندة قوم الأشعث بن قيس وبنو بكر بن وائل بالبحرين قوم الحطيم حتى كفى الله بالمسلمين أمرهم ونصر دينه على يدى ابى بكر رض قالت عائشة توفى رسول الله ﷺ وارتدت العرب واشرب النفاق ونزل بابى ما لو نزل بالجبال الراسيات «١» لها ضمها «٢» وارتد فى خلافة عمر غسان قوم جبلة ابن الابهم لما اجرى عليه عمر حكم القصاص تنصر وصار الى الشام وقال قوم المراد «٣» بقوم يحبهم ويحبونه هم الأشعريون روى عن عياض بن غنم قال لما نزلت هذه الاية قال رسول الله ﷺ قوم هذا وأشار الى ابى موسى الأشعري رواه ابن جرير فى سننه والطبراني والحاكم وكانوا من اليمن عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ قال أتاكم اهل اليمن هو أضعف قلوبا وارق افئدة الايمان يمان والحكمة يمانية متفق عليه وقال الكلبي هم احياء من اليمن الفان من النخع وو خمسة آلاف من كندة وبحيلة وثلثة آلاف من إفناء الناس فجاهدوا فى سبيل الله يوم القادسية فى ايام عمر رض أَذِلَّةٍ جمع ذليل من ذل يذل ذلا وذلالة بالضم وذلة بالكسر ومذلة وذلالة بالفتح بمعنى هان كذا فى القاموس والذلة انكانت على الإنسان من نفسه فهى محمودة قال الله تعالى واخفض لهما جناح الذل من الرحمة اى كن كالمقهور لهما وانكانت من غيره عليه فعليه عذاب قال الله تعالى ترهقهم ذلة وضربت عليهم الذلة والمسكنة وضد الذلة العز بمعنى الغلبة والعزيز الذي يقهر ولا يقهر وهى إن كان للانسان من نفسه لنفسه فمذموم قال الله تعالى بل الذين كفروا فى عزة وشقاق وقد يستعار
(٢) اى كسرها ١٢
(٣) اخرج ابن سعد وابن ابى شيبة واحمد والطبراني والبيهقي فى الشعب عن ابى ذر قال أمرني رسول الله ﷺ بسبع يحب المساكين وان ادنوا منهم وان انظر الى من هو أسفل منى ولا انظر الى من هو فوقى وان اصل رحمى وان جفانى وان اكثر من قول لا حول ولا قوة الا بالله فانها من كنز تحت العرش وان أقول الحق وان كان مرا ولا أخاف فى الله لومة لائم وان لا أسأل الناس شيئا ١٢ منه
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا متصل بقوله تعالى لا تتخذوا اليهود والنصارى اولياء وما بينهما اما لتاكيد النهى كقوله تعالى ومن يتولهم منكم فانه منهم وقوله تعالى فترى الذين فى قلوبهم الاية واما لتوطية تعيين من هو حقيق للولاية كقوله تعالى فسوف يأتي الله بقوم يحبهم ويحبونه الاية وهذه الاية لتعيين من هو حقيق بالولاية والنفي المستفاد بانما هو على قول البصريين لتاكيد النهى المستفاد مما سبق وانما قال وليكم ولم يقل أوليائكم للتنبيه على ان الولاية لله خاصة على الاصالة وما هو لرسوله وللمؤمنين فبالتبع الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ صفة للذين أمنوا لانه جار مجرى الاسم ولو قدر له موصوف يكون صفة ثانية لموصوفه او بدل منه ويجوز نصه على المدح وكذا رفعه بتقدير المبتدأ يعنى هم او الاستيناف فى جواب من الذين أمنوا وَهُمْ راكِعُونَ الواو للعطف على يقيمون الصلاة ويؤتون الزكوة والمعنى هم مصلون صلوة ذات ركوع بخلاف صلوة اليهود والنصارى فانها لا ركوع فيها او المعنى هم خاضعون متخشعون فى صلوتهم وزكوتهم قال الجوهري يستعمل الركوع تارة فى التواضع والتذلل وجاز ان يكون الواو للحال من فاعل يؤتون اى يؤتون الزكوة فى حال ركوعهم فى الصلاة مسارعة الى الإحسان اخرج الطبراني فى الأوسط بسند فيه مجاهيل عن عمار بن ياسر قال وقف على على بن ابى طالب سائل وهو راكع فى تطوع ونزع خاتمه وأعطاه السائل فنزلت انما وليكم الله ورسوله الاية وله شواهد قال عبد الرزاق بن عبد الوهاب بن مجاهد عن أبيه عن ابن عباس فى قوله تعالى انما وليكم الله قال نزلت فى على ابن ابى طالب وروى ابن مردويه عن وجه اخر عن ابن عباس مثله واخرج ايضا عن على مثله واخرج ابن جرير عن مجاهد وابن ابى حاتم عن سلمة بن كهيل مثله وروى الثعلبي عن ابى ذر والحاكم فى علوم الحديث عن على رض فهذه شواهد يقوى بعضها بعضا وهذه القصة تدل على ان العمل القليل فى الصلاة لا يبطلها وعليه انعقد الإجماع وعلى ان صدقة التطوع تسمى زكوة ونزول هذه الاية فى على رض لا يقتضى تخصيص الحكم به لان العبرة لعموم اللفظ دون خصوص المورد كما يدل عليه صيغة الجمع ولعل ذكر
وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا قال ابن عباس يريد المهاجرين والأنصار يعنى من يتخذهم اولياء فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغالِبُونَ تقديره فانهم هم الغالبون وضع المظهر موضع المضمر تنبيها على البرهان عليه كانه قيل ومن يتول هؤلاء فهم حزب الله وحزب الله هم الغالبون ينتج فهم هم الغالبون وتنويها بذكرهم وتعظيما لشانهم وتشريفا لهم بهذه الاسم وتعريضا لمن تولى غير هؤلاء بانهم حزب الشيطان فى القاموس الحزب بالكسر الورد والطائفة والسلاح وجند الرجل وأصحابه الذين على رايه قلت وهذا هو المراد هاهنا قال البيضاوي الحزب القوم يجتمعون لامر حزبه فى القاموس حزبه الأمر يعنى نابه واشتد عليه احتجت الروافض بهذه الاية على انحصار الخلافة فى على رض قالوا المراد
الحسن المجتبى انه لما قيل له ان خبر من كنت مولاه نص فى امامة على قال اما والله لو يعنى النبي ﷺ بذلك الامامة والسلطان لافصح لهم فانه ﷺ كان افصح الناس للمسلمين وكان سبب خطبة النبي ﷺ بغدير خم ان النبي ﷺ بعث عليا الى اليمن امير العسكر فتسرى جارية من الخمس وشكى بذلك بعض الناس فغضب النبي ﷺ لاجل شكايته وقال ما تريدون من رجل يحب الله ورسوله ويحبه الله ورسوله وخطب تلك الخطبة ليتمكن محبة على فى قلوب المؤمنين ويزول شكايتهم وقوله ﷺ ألستم تعلمون انى اولى بكل مؤمن الغرض منه تنبيه المسلمين على وجوب امتثال امره فى محبة على رض وكذا دعائه ﷺ فى اخر الحديث للتاكيد فى محبته قلت وهذه الاية تدل على ابطال مذهب الروافض بوجهين أحدهما ان قوله تعالى اذلة على المؤمنين اعزة على الكافرين يجاهدون فى سبيل الله ولا يخافون لومة لائم يستاصل بنيان التقية التي عليها بناء مذهبهم فان عليا رض تابع الخلفاء الثلاثة وصلى معهم وجاهد معهم الى ثلث وعشرين سنة وانكح ابنته عمر رض فان كان ذلك بالتقية خوفا من الناس لا يكون على داخلا فى حكم هذه الاية ولا مجال بهذه القول الباطل الا للروافض خذلهم الله والله اعلم وثانيهما ان قوله تعالى فان حزب الله هم الغالبون يدل على ان الفرقة الناجية ليست الا اهل السنة والجماعة دون الروافض وغيرهم من اهل الأهواء لبداهة غلبة اهل السنة فى القرون والأمصار بل الروافض يعترفون بذلك حيث قالوا ان عليا
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ الى قوله تكتمون هُزُواً وَلَعِباً مهزوا به وملعوبا حيث يظهرون الايمان ويضمرون الكفر رتب النهى عن موالاتهم على استهزائهم أيماء الى علة النهى من باب ترتب الحكم على العلة وتنبيها على ان هذا الوصف يوجب المعادات فكيف يجوز موالاتهم مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ يعنى اليهود وَالْكُفَّارَ يعنى المشركين يؤيده قراءة ابن مسعود ومن الذين أشركوا قرأ ابو عمرو والكسائي بالجر عطفا على الموصول الثاني والباقون بالنصب عطفا على الموصول الاول عبّر المشركين بالكفار لتضاعف كفرهم وجاز ان يكون المراد بالكفار أعم من اهل الكتاب واهل الشرك فهو تعميم بعد تخصيص على قراءة النصب تنبيها على ان الاستهزاء والكفر كلواحد منهما يقتضى المعادات ويمنع الموالاة أَوْلِياءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ بترك المناهي إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ شرط استغنى عن الجزاء بما سبق يعنى ان الايمان بالله وبوعده ووعيده يوجب التقوى عن المناهي المقتضية للوعيد قال الكلبي كان منادى رسول الله ﷺ إذا نادى للصلوة وقام المسلمون إليها قالت اليهود قد قاموا لا قاموا وصلوا لا صلوا على طريق الاستهزاء وضحكوا فانزل الله عز وجل.
وَإِذا نادَيْتُمْ عطف على اتخذوا دينكم يعنى لا تتخذوا الذين إذا ناديتم إِلَى الصَّلاةِ اتَّخَذُوها يعنى الصلاة او المناداة هُزُواً وَلَعِباً اخرج ابن ابى حاتم عن السدى ان نصرانيا بالمدينة كان إذا سمع المؤذن يقول اشهد ان محمدا رسول الله قال احرق الله الكاذب فدخل خادمه ذات ليلة بنار وهو واهله ينام فتطائرت منها شرارة فاحترق هو واهله قيل ان الكفار لما اسمعوا الاذان حسدوا المسلمين فدخلوا على رسول الله ﷺ فقالوا يا محمد لقد أبدعت شيئا لم يسمع به فيما مضى من الأمم فان كنت تدعى النبوة فقد خالفت فيما أحدثت الأنبياء قبلك ولو كان فيه خيرا لكان
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ قرأ الكسائي بإدغام لام هل وبل فى التاء كما فى هذه الاية وقوله تعالى هل تعلم والثاء والسين والزاء والطا والضاد والنون نحو هل ثوب وبل سولت وبل زين وبل طبع وبل ظننتم وبل ضلوا وهل ندلكم وهل ننبئكم وهل نحن وشبهه وادغم حمزة فى التاء والثاء والسين فقط واختلف عن خلاد عند الطاء فى قوله بل طبع وادغم ابو عمرو هل ترى من فطور فهل ترى لهم فى الملك والحاقة لا غير واظهر الباقون عند اليمانية والاستفهام للانكار بمعنى النفي والنقمة العيب المنكر المكروه والأسقام مكافاته ومعنى ما تنقمون ما تنكرن وتكرهون وتعيبون مِنَّا اى من اعمالنا وصفاتنا شيئا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ يعنى الا ايمانا بالله وبكل ما انزل الله من الكتب وذلك هو الحسن البين حسنه وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ الواو للحال من فاعل هل تنقمون يعنى لا تكرهون الا أيماننا والحال ان أكثركم فاسقون اى كافرون فمالكم لا تعلمون انكم على أقبح الصفات من انكار الكتب السماوية ونحن على أحسنها ومع ذلك
قُلْ يا محمد لمعشر اليهود هَلْ أُنَبِّئُكُمْ أخبركم بِشَرٍّ مِنْ ذلِكَ المتقوم المكروه عندكم مَثُوبَةً جزاء وهى مختصة بالخير كالعقوبة بالشر وضعت هاهنا موضع العقوبة استهزاء بهم كقوله تعالى بشّرهم بعذاب اليم والمثوبة منصوب على التميز عن بشر قال البغوي لما كان قول اليهود لم نر اهل دين اقل خطا فى الدنيا والاخرة ولا دينا شرا من دينكم فذكر الجواب بلفظ الابتداء وان لم يكن الابتداء شراكما فى قوله تعالى أأنبئكم بشر من ذلكم النار عِنْدَ اللَّهِ متعلق بشر مَنْ لَعَنَهُ اللَّهُ بدل من شر على حذف المضاف هاهنا او فيما قبل تقديره بشر من ذلك دين من لعنه الله او بشر من اهل ذلك من لعنه الله او خبر مبتدأ محذوف على حذف مضاف ايضا تقديره هو دين من لعنة الله وَغَضِبَ عَلَيْهِ وَجَعَلَ مِنْهُمُ الْقِرَدَةَ وَالْخَنازِيرَ فالقردة اصحاب السبت والخنازير كفار مائدة عيسى عليه السّلام وروى عن على بن ابى طلحة
وَإِذا جاؤُكُمْ يعنى المنافقين قالُوا آمَنَّا بك وهم يسرّون الكفر وَقَدْ دَخَلُوا بِالْكُفْرِ وَهُمْ قَدْ خَرَجُوا بِهِ الجملتان حالان من فاعل قالوا وبالكفر وبه حالان من فاعلى دخلوا وخرجوا يعنى قالوا أمنا بك والحال انهم كاذبون فى هذا القول وقد دخلوا عندك متلبسين بالكفر وخرجوا لذلك لم يوثر فيهم ما سمعوا منك وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِما كانُوا يَكْتُمُونَ فيه وعيد لهم بالفضيحة فى الدنيا والعذاب فى الاخرة.
وَتَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يعنى من اليهود او من المنافقين يُسارِعُونَ فِي الْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ قيل الإثم المعاصي والعدوان الظلم وقيل الإثم ما كتموا من التوراة والعدوان ما زادوا فيها وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ الحرام خصه بالذكر للمبالغة فى الذم فان أكلهم الرشى منعهم عن الايمان بالنبي ﷺ وبعثهم على تحريف التوراة والكذب على الله وصد غيرهم عن الايمان لَبِئْسَ ما كانُوا يَعْمَلُونَ اى لبئس شيئا بما يعملونه وصفهم بسوء الأعمال بعد وصفهم بسوء الاعتقاد ليستدل بها على نفاقهم.
لَوْلا يَنْهاهُمُ الرَّبَّانِيُّونَ وَالْأَحْبارُ يعنى العلماء قيل الربانيون علماء النصارى والأحبار علماء اليهود تخصيص لعلمائهم عن النهى عَنْ قَوْلِهِمُ الْإِثْمَ يعنى الكذب وَأَكْلِهِمُ السُّحْتَ الحرام وفيه كمال توبيخ
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
وَقالَتِ الْيَهُودُ يَدُ اللَّهِ مَغْلُولَةٌ قال ابن عباس وعكرمة والضحاك وقتادة ان الله تعالى قد بسط على اليهود حتى كانوا من اكثر الناس مالا واخصبهم ناحية فلما عصوا الله فى محمد ﷺ وكذبوه كف الله عنهم ما بسط عليهم من السعة فعند ذلك نسبوه الى البخل وقال فنحاص بن عازورا راس يهود قينقاع يد الله مغلولة اى محبوسة مقبوضة عن الرزق كذا اخرج ابو الشيخ ابن حبان فى تفسيره عن ابن عباس واخرج الطبراني عن ابن عباس قال قال رجل من اليهود يقال له النباش بن قيس ان ربك بخيل لا ينفق فانزل الله تعالى هذه الاية قيل انما قال هذه المقالة فنحاص او النباش ولكن لما لم ينهه الآخرون ورضوا بقوله اشركهم الله فى نسبة القول إليهم وغل اليد وبسطها مجاز عن البخل والجود ومنه قوله تعالى ولا تجعل يدك مغلولة الى عنقك ولا تبسطها كل البسط غُلَّتْ أَيْدِيهِمْ دعاء عليهم بالبخل او بالفقر والمسكنة او بغل الأيدي حقيقة بالأسر فى الدنيا او بالاغلال فى أعناقهم والسلاسل فى نار جهنم وَلُعِنُوا بِما قالُوا بَلْ يَداهُ مَبْسُوطَتانِ يد الله صفة من صفاته تعالى كالسمع والبصر والوجه لا يدرى كنهها الا الله تعالى ولا تذهب نفسك الى الجارحة وتكيّفها ويجب على العباد الايمان بها والتسليم قال ائمة السلف من اهل السنة فى هذه الصفات امرّوا كما جاءت بلا كيف عن عمرو بن عنبسة قال سمعت رسول الله ﷺ يقول عن يمين الرحمن وكلتا يديه يمين رجال ليسوا بانبياء ولا شهداء يغشى بياض وجوههم نظر الناظرين يغبطهم النبيون والشهداء بمقعدهم وقربهم من الله قيل يا رسول الله ومن هم قال جمّاع «١» من نزاع القبائل يجتمعون على ذكر الله فيبتغون
(٢) قال رسول الله ﷺ تفرقت امة موسى على احدى وسبعين ملة سبعون منها فى النار وواحدة فى الجنة وتفرقت امة عيسى ع على اثنتين وسبعين ملة واحدة منها فى الجنة واحدى وسبعون فى النار وستفرق أمتي على ثلث وسبعين ملة واحدة فى الجنة وثنتان وسبعون فى النار قالوا من هم يا رسول الله قال الجماعات الجماعات رواه ابن مردويه من طريق يعقوب بن زيد بن طلحه عن زيد بن اسلم عن انس وقال يعقوب بن زيد كان على ابن ابى طالب إذا حدث بهذا الحديث عن رسول الله ﷺ تلا فيه قرانا قال ولو ان اهل الكتاب أمنوا واتقوا الى قوله ساء ما كانوا يعملون قال العبد الضعيف ثناء الله يعنى على رض ان الفرقة الناجية المتمسكون بكتاب الله ذكر النبي ﷺ فقال ذلك عند ذهاب العلم قال زياد بن لبيد كيف يذهب العلم ونحن نقرأ القران ونقرأه أبنائنا ويقرأه أبناء أبنائنا أبنائهم الى يوم القيامة قال ثكلتك أمك يا ابن أم لبيد ان كنت لاراك من افقه رجل بالمدينة او ليس هذه اليهود والنصارى يقرؤن التورية والإنجيل ولا ينتفعون مما فيهما بشىء رواه عن لبيد وروى ابن جرير عن جبير بن نفير وفيه ثم قرأ ولو انهم أقاموا التورية والإنجيل الاية ١٢ منه
وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْكِتابِ آمَنُوا محمد ﷺ وبالقران وَاتَّقَوْا الكفر والمعاصي لَكَفَّرْنا عَنْهُمْ سَيِّئاتِهِمْ التي فعلوها قبل ذلك وان جلت عن عمرو بن العاص قال أتيت النبي ﷺ فقلت ابسط يمينك فلا بايعك فبسط يمينه فقبضت يدى فقال مالك يا عمرو قلت أردت ان اشترط قال تشترط ماذا قلت ان يغفر لى قال اما علمت يا عمرو ان الإسلام يهدم ما كان قبله وان الهجرة تهدم ما كان قبلها وان الحج يهدم ما كان قبله رواه مسلم وَلَأَدْخَلْناهُمْ جَنَّاتِ النَّعِيمِ فان دخول الجنة مشروط بالايمان قال رسول الله ﷺ والذي نفس محمد بيده لا يسمع بي يهودى ولا نصرانى ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به الا كان من اصحاب النار رواه مسلم من حديث ابى هريرة.
وَلَوْ أَنَّهُمْ أَقامُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ يعنى أقاموا حدودها وأحكامها وعملوا بما فيها ولم يحرفوها ولم يكتموها ومن جملة إقامتها ان يؤمنوا بمحمد ﷺ وبينوا ما وصفه الله تعالى فى التورية وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ مِنْ رَبِّهِمْ يعنى القران والزبور وسائر الكتب السماوية فانهم مكلفون بالايمان بجميع الكتب فهى كالمنزل إليهم لَأَكَلُوا مِنْ فَوْقِهِمْ وَمِنْ تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ قال الفراء أراد به كمال التوسعة فى الرزق كما يقال فلان فى الخير من القرن الى القدم وقال ابن عباس لا نزلت عليهم المطر من فوقهم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعنى كل شىء انزل إليك لا يفوت منه شىء غير منتظر مضرتك ولا خائف من أحد مكروها روى عن مسروق قال قالت عائشة من حدثك ان محمدا كتم شيئا مما انزل الله فقد كذب وهو يقول يا ايها الرسول بلغ ما انزل إليك من ربك وقيل بلغ ما انزل من الرجم والقصاص نزلت فى قصة يهود وقيل نزلت فى امر زينب بنت جحش ونكاحها «١» وقيل نزلت فى
من قتلك ومحو دين الإسلام قال البغوي دعا رسول الله ﷺ اليهود الى الإسلام فقالوا اسلمنا قبلك وجعلوا يستهزءون به فيقولون تريد ان نتخذك حنانا كما اتخذ النصارى عيسى حنانا فلما رأى النبي ﷺ ذلك سكت فنزلت يا ايها الرسول بلغ الاية وامره ان يقول يا اهل الكتاب لستم على شىء الاية وروى ابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس قال جاء رافع وسلام بن مشكم ومالك بن
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لَسْتُمْ عَلى شَيْءٍ اى على دين معتد به عند الله او يقال إذا لم يكن دينهم معتدا به عند الله تعالى والدين كالصلوة له وجود اعتباري باعتبار الشرع لا وجود له سواه كان باطلا فصدق لستم على شىء من الدين حَتَّى تُقِيمُوا التَّوْراةَ وَالْإِنْجِيلَ وَما أُنْزِلَ إِلَيْكُمْ مِنْ رَبِّكُمْ ومن إقامتها الايمان بما فيها من اصول الدين ومنها الايمان بمحمد ﷺ والقران والعمل بمقتضاها من بيان نعت محمد ﷺ وفى فروع الايمان الأعمال المأمورة فى التورية ما لم يثبت نسخها وبعد النسخ العمل بالناسخ مما انزل الله وهذه الاية تدل على وجوب العمل بالشرائع المتقدمة وَلَيَزِيدَنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ يعنى القران طُغْياناً وَكُفْراً وقد مر شرحه فَلا تَأْسَ فلا تحزن عَلَى الْقَوْمِ الْكافِرِينَ لزيادة طغيانهم ترحّما عليهم ولا خوفا من شرهم.
إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هادُوا وَالصَّابِئُونَ قد مر تفسير هذه الاية فى سورة البقرة بقي الكلام فى رفع الصابئين وكان حقه والصابئين فذهب الكوفيون الى انه يجوز للعطف على اسم ان بالرفع نظرا الى محله من غير اشتراط مضى الخبر فان ان عندهم لا تعمل الا فى الاسم وعند الكسائي والمبرد يجوز ذلك ان كان اسم ان مبنيا لعدم ظهور عملها فيه فكانها لم تعمل فلا إشكال على مذهب هؤلاء وعند البصريين لا يجوز ذلك من غير مضى الخبر كيلا يجتمع العاملان فى الخبران ومعنى الابتداء فاحتاجوا الى تكلف فقال سيبويه هو مرفوع على الابتداء وخبره محذوف والنية فيه التأخير تقديره ان الذين أمنوا والذين هادوا وَالنَّصارى مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَعَمِلَ صالِحاً فَلا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلا هُمْ يَحْزَنُونَ والصابئون كذلك وهذه الجملة انما قدمت من مقامها لتدل على ان الصابئين مع ظهور ضلالتهم وميلهم عن الأديان كلها يغفر لهم ويثاب عليهم ان صح ايمانهم وعملوا صالحا فغيرهم اولى بذلك وجاز ان يكون والنصارى ايضا مرفوعا عطفا على الصابئون وما بعدهما خبرهما وخبران
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
لَقَدْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ فى التورية بالتوحيد والعمل بما فيها والايمان بالأنبياء كلهم وبمحمد ﷺ وَأَرْسَلْنا إِلَيْهِمْ رُسُلًا ليذكروهم وليبينوا لهم امر دينهم كُلَّما جاءَهُمْ رَسُولٌ بِما لا تَهْوى أَنْفُسُهُمْ فى هذا الكلام دلالة على انهم خالفوا التورية ونقضوا المواثيق فكلما جاءهم رسول بما فى التورية مخالفا لهواهم فَرِيقاً منهم كَذَّبُوا ولم يقتلوه وَفَرِيقاً يَقْتُلُونَ بعد تكذيبهم هذا جواب الشرط والجملة الشرطية صفة رسلا والعائد محذوف اى كلما جاءهم رسول منهم وقيل الجواب محذوف والشرطية مستانفة وانما جئ بيقتلون موضع قتلوا على حكاية الحال الماضية استحضارا لها واستعظاما للقتل وتنبيها على ان هذا ديدنهم ماضيا ومستقبلا ومحافظة على رؤس الآي او المراد انهم يريدون قتل محمد ﷺ يحاربونه ويجعلون فى طعامه سما ويسحرونه.
وَحَسِبُوا يعنى بنى إسرائيل أَلَّا تَكُونَ قرأ ابو عمرو وحمزة والكسائي بالرفع على ان هى المخففة من الثقيلة والحسبان نزل منزلة العلم لتمكنه فى قلوبهم تقديره انه لا تكون وان بما فى حيزها ساد مسد مفعوليه والباقون بالنصب على انه مصدرية وكان تامة فاعله فِتْنَةٌ اى لا تصيبهم عذاب وبلاء بقتل الأنبياء وتكذيبهم فَعَمُوا عن الدين والدلائل وَصَمُّوا عن استماع الحق لاجل حسبانهم الباطل بعد موسى عليه السلام ثُمَّ تابَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ حين تابوا وأمنوا بعيسى عليه السلام ثُمَّ عَمُوا وَصَمُّوا كرة اخرى بعد عيسى عليه السلام وكفروا بمحمد ﷺ كَثِيرٌ مِنْهُمْ بدل من الضمير او فاعل والواو علامة الجمع كقولهم أكلوني البراغيث او خبر مبتدأ محذوف اى أولئك كثير منهم وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِما يَعْمَلُونَ فيجازيهم على حسب أعمالهم.
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ يعنى الملكائية واليعقوبية منهم زعموا بالحلول والاتحاد
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قالُوا إِنَّ اللَّهَ ثالِثُ ثَلاثَةٍ اى ثالث الهة ثلاثة يعنى المرقوسية والنسطورية القائلون بالأقانيم الثلاثة قيل المراد بالثلاثة الله يعنى مرتبة الذات وعيسى وهو عبارة عن صفة العلم على زعمهم وجبرئيل وهو عبارة عن صفة الحيوة على زعمهم وقيل الثلاثة هو الله وعيسى ومريم كما يدل عليه قوله تعالى للمسيح أأنت قلت للناس اتخذوني وأمي الهين من دون الله وَما مِنْ إِلهٍ من مزيدة للاستغراق واله فى محل الرفع على انه اسم ما وخبره محذوف اى ما اله فى الوجود اى ما فى الوجود والإمكان العام اله واجب وجوده مستحق للعبادة من حيث وجوب وجوده وكونه مبدأ لوجود كل موجود يغائره إِلَّا إِلهٌ واحِدٌ موصوف بالوحدانية متعال عن قبول الشركة لا فى ذاته وماهيته ولا فى شىء من صفاته وَإِنْ لَمْ يَنْتَهُوا عَمَّا يَقُولُونَ من كلمات الشرك ولم يوحدوا لَيَمَسَّنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ من للبيان او للتبعيض بناء على ان الذين داموا على الكفر بعض منهم ووضع المظهر موضع المضمر تكريرا للشهادة على كفرهم وتنبيها على ان من دام على الكفر حتى مات فله عَذابٌ أَلِيمٌ ولذلك عقبه بقوله.
أَفَلا يَتُوبُونَ إِلَى اللَّهِ من الشرك وَيَسْتَغْفِرُونَهُ عمّا صدر منهم موحدين منزهين عن الاتحاد والحلول بعد هذا التقرير والتهديد وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
مَا الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ إِلَّا رَسُولٌ يعنى هو منحصر فى صفة الرسالة ليست له صفة الالوهية كما زعمته النصارى خذلهم الله فالحصر إضافي بالنسبة الى ما يصفه به النصارى قَدْ خَلَتْ اى مضت مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ وهو يمضى ايضا الجملة صفة لرسول يعنى ما هو الا رسول من جنس الذين خلوا من قبله ممكن حادث جائز العدم خصه الله ببعض المعجزات كابراء الأبرص والأكمه واحياء الموتى كما خص غيره بغير ذلك فان الله احيى على يد موسى عصاه وجعلها حية تسعى وذلك اعجب من احياء الموتى وان خلقه من غير اب فقد خلق آدم من غير اب وأم وَأُمُّهُ صِدِّيقَةٌ يعنى كانت امرأة كسائر النساء فضلت على أكثرهن بكثرة الصدق وتصديق آيات الله وأنبيائه كما ينبغى كانا يَأْكُلانِ الطَّعامَ ويفتقران اليه كسائر الحيوانات بيّن اولا أقصى ما لهما من الكمال وبين انه لا يوجب الالوهية وان كثيرا من الناس يشاركهما فى مثله ثم بين نقصهما وما فيهما من امارة الحدوث ومنافى الربوبية وكونهما من جملة المركبات الكائنة الفاسدة ثم تعجب ممن يدعى الربوبية لهما مع هذه الادلة الظاهرة فقال انْظُرْ كَيْفَ نُبَيِّنُ لَهُمُ الْآياتِ الدالة على بطلان قولهم ثُمَّ انْظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ كيف يصرفون عن استماع الحق وتأمله وثم لتفاوت ما بين العجبين يعنى بياننا عجيب واعراضهم عنها اعجب منه فانهم مع بداهة كونه من الحوادث اليومية الممكنة المفتقرة الى علة الإيجاد والإبقاء لا يحكمون عليه بالإمكان والحدوث ومع بون بعيد بين الرب والمربوب لما نظروا الى بعض صفاته الكاملة المستعارة من الله سبحانه حكموا عليه بالالوهيّة.
قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ ما لا يَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلا نَفْعاً يعنى عيسى عليه السّلام فان أفعاله مخلوقة لله تعالى كسائر العباد فلا يملك فى الحقيقة شيئا وان ملك بعض الأشياء بتمليك الله تعالى وصدر على يده بخلق الله تعالى وهو لا يملك مثل ما يضر الله به من البلايا والمصائب فى الدنيا والتعذيب بالنار فى الاخرة ولا مثل ما ينفع الله به من الصحة والسعة فى الدنيا والجنة فى الاخرة وعبّر بكلمة ما وهو بغير ذوى العقول توطية لنفى القدرة عنه راسا وتنبيها على انه من هذا الجنس ومن كان له مجانسة بالممكنات فهو بمعزل عن الالوهية وقدم الضرر لان دفع الضرر أهم
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ لا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ الغلو التجاوز عن الحد بالإفراط او التفريط فان من جملة الدين الصحيح عند الله الايمان بان عيسى عبد الله ورسوله فاليهود فرطوا فى دينهم وأنكروا رسالته وبهتوا امه والنصارى افرطوا فيه وادعوا له الالوهية وقيل الخطاب للنصارى فقط غَيْرَ الْحَقِّ منصوب على المصدرية اى غلوا باطلا غير الحق وفيه تأكيد والا فالغلو لا يكون الا باطلا وجاز ان يكون حالا من دينكم يعنى لا تغلوا فى دينكم حال كونه غير الحق والغلو فى الدين الباطل الإصرار عليه وَلا تَتَّبِعُوا أَهْواءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ يعنى أسلافهم الذين ضلوا قبل بعثة محمد ﷺ فى شريعتهم وَأَضَلُّوا كَثِيراً ممن تابعهم على البدع والضلال وَضَلُّوا بعد بعثة النبي ﷺ لما كذبوه وبغوا عليه عَنْ سَواءِ السَّبِيلِ ٤ يعنى عن دين الإسلام الذي هو ظاهر الحقية وقيل الضلال الاول كفرهم والضلال الثاني اضلالهم غيرهم وقيل الاول اشارة الى ضلالهم عن مقتضى العقل والثاني اشارة الى ضلالهم عما نطق به الشرع.
لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ يعنى اليهود عَلى لِسانِ داوُدَ يعنى فى الزبور او المراد بهم اهل ايلة لما اعتدوا فى السبت قال داؤد عليه السلام اللهم العنهم واجعلهم اية فمسخوا قردة وَعلى لسان عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ فى الإنجيل او المراد بهم كفار اصحاب مائدة لما لم يؤمنوا قال عيسى عليه السّلام اللهم العنهم واجعلهم اية فمسخوا خنازير وكانوا خمسة آلاف رجل ذلِكَ اللعن بِما عَصَوْا وَكانُوا يَعْتَدُونَ اى بسبب عصيانهم واعتدائهم ثم فسر العصيان والاعتداء بقوله.
كانُوا لا يَتَناهَوْنَ اى لا ينهى بعضهم بعضا عَنْ مُنكَرٍ يعنى عن معاودة منكرا وعن مثل منكر فَعَلُوهُ او المعنى عن منكر أرادوا فعله فان جريمة ترك النهى عن المنكر يقتضى عذاب كلهم أجمعين عن ابى بكر الصديق رضى الله عنه قال سمعت رسول الله ﷺ يقول ان الناس إذا راوا الظالم فلم يأخذوا على يديه أوشك ان يعمهم الله بعقاب رواه الاربعة قال الترمذي حسن صحيح وصححه ابن حبان ولفظ النسائي القوم إذا راوا المنكر فلم يغيروه
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
تَرى كَثِيراً مِنْهُمْ يعنى من اليهود كعب بن الأشرف وأصحابه يَتَوَلَّوْنَ اى يوالون الَّذِينَ كَفَرُوا يعنى مشركى مكة حين خرجوا إليهم يستجيشون على النبي ﷺ وقال ابن عباس ومجاهد والحسن فى منهم ضمير للمنافقين فانهم كانوا يتولون اليهود لَبِئْسَ اى شيئا ما قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَفِي الْعَذابِ هُمْ خالِدُونَ ان مع صلته مخصوص بالذم والمراد بالسخط موجب سخط الله وعذابه المخلد او المخصوص محذوف وهذا علة الذم اى لبئس شيئا قدمت لهم أنفسهم ذلك لان ذلك يوجب السخط والخلود فى العذاب.
وَلَوْ كانُوا هؤلاء اليهود او المنافقون يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالنَّبِيِّ يعنى نبيهم وان كانت الاية فى المنافقين فالمراد به نبينا ﷺ وَما أُنْزِلَ إِلَيْهِ من التورية او القران مَا اتَّخَذُوهُمْ يعنى ما اتخذ اليهود كفار مكة على بغض النبي ﷺ او المنافقون اليهود أَوْلِياءَ إذ الايمان بالأنبياء والكتب السماوية يمنع ذلك وَلكِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ فاسِقُونَ خارجون عن امتثال امر الله سبحانه.
لَتَجِدَنَّ أَشَدَّ النَّاسِ عَداوَةً لِلَّذِينَ آمَنُوا الْيَهُودَ اخرج ابو الشيخ وابن مردويه عن ابى قال قال رسول الله ﷺ ما خلا يهودى بمسلم
عمرو مصعب بن عمير وابو سلمة بن عبد الأسد وامرأته أم سلمة بنت امية وعثمان بن مظعون وعامر بن ربيعة وامرأته ليلى بنت ابى حشمة وحاطب بن عمر وسهيل ابن بيضا رضى الله عنهم أجمعين فخرجوا الى البحر وأخذوا سفينة إلى أرض الحبشة بنصف دينار فى رجب من السنة الخامسة من البعثة وهذه الهجرة الاولى ثم خرج جعفر بن ابى طالب وتتابع المسلمون إليها وكان جميع المهاجرين الى الحبشة من المسلمين اثنين وثمانين رجلا سوى النساء والصبيان فلما علمت قريش بذلك وجهوا عمرو بن العاص وصاحبه بالهدايا الى النجاشي وبطارقته ليردهم إليهم فعصمهم الله وذكرت القصة فى تفسير
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
مريم فامنوا بالقران وقاضت أعينهم من الدمع فهم الذين انزل فيهم لتجدن أقربهم مودة الى قوله فاكتبنا مع الشاهدين وروى ابن جرير وابن ابى حاتم عن سعيد بن جبير قال بعث النجاشي فلاس رجلا من خيار أصحابه الى رسول الله ﷺ فقرأ عليه سورة يس فبكوا فنزلت فيهم الاية واخرج النسائي عن عبد الله بن الزبير قال نزلت هذه الاية فى النجاشي وأصحابه.
وَإِذا سَمِعُوا ما أُنْزِلَ إِلَى الرَّسُولِ تَرى أَعْيُنَهُمْ تَفِيضُ مِنَ الدَّمْعِ وروى الطبراني عن ابن عباس نحوه ابسط منه قلت ونزول الاية فى النجاشي او فى الذين وفدهم لا يقتضى اختصاصهم بهذا الحكم فان العبرة لعموم اللفظ لا لخصوص المورد قوله وإذا سمعوا عطف على لا يستكبرون وهو بيان لرقة قلوبهم وشدة خشيتهم ومسارعتهم الى قبول الحق وعدم تابيهم عنه والفيض هو انصباب عن امتلاء فوضع موضع الامتلاء للمبالغة او جعلت أعينهم من فرط البكاء كانها تفيض بانفسها وتفيض فى موضع النصب على الحال....
لان الروية بمعنى الابصار وقيل من للابتداء والظاهر انها للتعليل اى من أجل الدمع مِمَّا عَرَفُوا من للابتداء او للتعليل اى من أجل المعرفة وما موصولة يعنى من الذي عرفوه كائنا مِنَ الْحَقِّ من اما للبيان او للتبعيض يعنى انهم عرفوا بعض الحق فابكاهم فكيف إذا عرفوه كله قال ابن عباس فى رواية عطاء به يريد بالسامعين النجاشي وأصحابه قرأ عليهم جعفر بالحبشة كهيعص فما زالوا يبكون حتى فرغ جعفر من القراءة يَقُولُونَ حال من الضمير الفاعل فى عرفوا رَبَّنا آمَنَّا بمحمد ﷺ وبما انزل عليه منك والمراد
وَما لَنا لا نُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَما جاءَنا على لسان محمّد مِنَ الْحَقِّ يعنى القران وَنَطْمَعُ أَنْ يُدْخِلَنا رَبُّنا الجنة مَعَ الْقَوْمِ الصَّالِحِينَ اى مع مؤمنى امة محمد ﷺ الذين قال الله تعالى فيهم ولقد كتبنا فى الزبور من بعد الذكر انّ الأرض يرثها عبادى الصّالحون قوله ما لنا مبتدأ وخبر ولا نؤمن حال اى غير مؤمنين كقولك مالك قائما ونطمع معطوف على نؤمن يعنى ما لنا لا نؤمن ولا نطمع او عطف على نؤمن اى ما لنا نجمع بين عدم الايمان والطمع فانهما متنافيان فان الطمع مع عدم الايمان باطل او خبر مبتدأ محذوف اى نحن والواو للحال وجملة ونحن نطمع حال من ضمير الفاعل فى نؤمن وفيه انكار واستبعاد لانتفاء الايمان مع قيام موجبه وهو الطمع فى انعام الله تعالى وقيل جواب سوال ذكر البغوي ان اليهود عيّرهم وقالوا لم أمنتم فاجابوا وقيل انهم لما رجعوا الى قومهم لاموهم فاجابوا بذلك ويرد عليه انه كيف جاء الجواب بالعاطف والجواب مبنية للفصل وغاية التوجيه ان يقال تقديره مالك لا تؤمن وما لنا لا نؤمن.
فَأَثابَهُمُ اللَّهُ اى جزاهم الله بِما قالُوا بعد خلوص الاعتقاد المدلول عليه بقوله ترى أعينهم تفيض من الدمع بما عرفوا من الحق وقيل القول يستعمل فى قول عن اعتقاد يقال هذا قول فلان اى معتقده جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها وَذلِكَ الجنات جَزاءُ الْمُحْسِنِينَ الذين يعبدون الله تعالى بكمال الخشوع والحضور قال رسول الله ﷺ الإحسان ان تعبد ربك كانك تراه فان لم تكن تراه فانه يراك ثم ذكر جزاء الكافرين المكذبين كما هو داب المثاني والقران العظيم من الجمع بين الترغيب والترهيب ولما كان فيما مضى ذكر التصديق بالقلب ومعرفة الحق مع الإقرار باللسان عقبه بما يضاده
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَالَّذِينَ كَفَرُوا اى جحدوا الحق بقلوبهم وَكَذَّبُوا بِآياتِنا بألسنتهم أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ ع روى الترمذي وغيره عن ابن عباس ان رجلا اتى النبي ﷺ فقال يا رسول الله انى إذا أصبت اللحم انتشرت للنساء وأخذتني شهوتى فحرمت علىّ اللحم فانزل الله تعالى.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُحَرِّمُوا طَيِّباتِ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكُمْ اى ما طاب ولذّ وتشتهيها الأنفس من الحلال وفى ترتيب الآيات لطافة فانه تضمن ما قبله مدح النصارى على ترهبهم والحث على كسر النفس ورفض الشهوات ثم عقبه النهى عن الافراط فى ذلك والاعتداء عما حد الله تعالى بجعل الحلال حراما فقال وَلا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ ويجوز ان يراد به ولا تعتدوا حدود ما أحل الله لكم الى ما حرم عليكم فتكون الاية ناهية عن تحريم ما أحل وتحليل ما حرم داعية الى القصد بينهما وجاز ان يكون المعنى ولا تسرفوا فى تناول الطيبات اخرج ابن جرير من طريق العوفى انّ رجالا من الصحابة منهم عثمان بن مظعون حرموا النساء واللحم على أنفسهم وأخذوا الشفار ليقطعوا مذاكيرهم لكى ينقطع الشهوة عنهم ويتفرغوا للعبادة فنزلت هذه الاية واخرج ابن جرير نحو ذلك من مرسل عكرمة وابى قلابة ومجاهد وابى مالك والنخعي والسدى وغيرهم وفى رواية السدى انهم كانوا عشرة منهم ابن مظعون وعلى ابن ابى طالب وفى رواية عكرمة منهم ابن مظعون وعلى وابن مسعود والمقداد بن الأسود وسالم مولى حذيفة وفى رواية مجاهد منهم ابن مظعون وعبد الله بن عمرو واخرج ابن عساكر فى تاريخه من طريق السدى الصغير عن الكلبي عن ابى صالح عن ابن عباس قال نزلت هذه الاية فى رهط من الصحابة منهم ابو بكر وعمر وعلى وابن مسعود وعثمان بن مظعون والمقداد بن الأسود وسالم مولى ابى حذيفة توافقوا على ان يجبوا أنفسهم ويعتزلوا النساء ولا يأكلوا لحما ولا دسما ويلبسوا المسوح ولا يأكلوا من الطعام الا قوتا وان يسيحوا فى الأرض كهيئة الرهبان فنزلت وذكر البغوي عن اهل التفسير ان النبي ﷺ ذكر الناس يوما ووصف القيامة فرق الناس له وبكوا فاجتمع عشرة من الصحابة فى بيت عثمان بن مظعون الجمحي وهم أبو بكر الصديق وعلى بن ابى طالب وعبد الله بن مسعود وعبد الله بن عمر وابو ذر الغفاري وسالم مولى ابى حذيفة والمقداد بن الأسود وسلمان الفارسي ومعقل
رسول الله ﷺ ليس منا من خصى ولا من اختصى ان خصاء أمتي الصيام فقال يا رسول الله ائذن لنا فى السياحة فقال ان سياحة أمتي الجهاد فى سبيل الله قالوا يا رسول الله ائذن لنا فى الترهب فقال ان ترهب أمتي الجلوس فى المساجد وانتظار الصلاة وفى الصحيحين عن انس قال جاء ثلثة رهط الى ازواج النبي ﷺ يسألون عن عبادة النبىّ ﷺ فلمّا أخبروا بها كانهم تقالّوها فقالوا اين نحن من النبىّ ﷺ وقد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر فقال أحدهم اما انا فاصلى الليل ابدا وقال
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَكُلُوا مِمَّا رَزَقَكُمُ اللَّهُ حَلالًا طَيِّباً قال عبد الله بن مبارك الحلال ما أخذته من وجهه يعنى من وجه مشروع والطيب ماغذ او نما فاما الجوامد كالطين والتراب وما لا يغذى فمكروه الا على وجه التداوى حلالا مفعول كلوا ومما رزقكم حال منه قدمت لكون ذى الحال نكرة ومن للتبعيض وفيه تصريح ان بعض الرزق يكون حلالا دون بعض كما يقوله اهل الحق ويجوز ان يكون من ابتدائية متعلقة بكلوا ويجوز ان يكون مفعولا وحلالا حال من الموصول والعائد محذوف او صفة لمصدر محذوف يعنى أكلا حلالا وعلى الوجوه كلها لو لم يقع الرزق على الحرام لم يكن لذكر الحلال فائدة وَاتَّقُوا اللَّهَ توكيد للتوصية بما امر به وزاده توكيدا بقوله الَّذِي أَنْتُمْ بِهِ مُؤْمِنُونَ لان مقتضى الايمان التقوى فيما امر به ونهى عنه روى البغوي بسنده عن عائشة قالت كان النبي ﷺ يحب الحلوا والعسل رواه البخاري وعن ابن عباس قال كان أحب الطعام الى رسول الله ﷺ الثريد من الخبز والثريد من
لا يُؤاخِذُكُمُ «١» اللَّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمانِكُمْ وَلكِنْ يُؤاخِذُكُمْ بِما عَقَّدْتُمُ الْأَيْمانَ قرأ ابن ذكوان عاقدتم من المفاعلة بمعنى فعل وقرأ ابو بكر وحمزة والكسائي عقدتم بغير الف مخففا على وزن ضربتم والباقون مشددا من التفعيل وقد مر تفسير الاية فى سورة البقرة واقسام الايمان وأحكامها وان المراد بالمؤاخذة المؤاخذة الاخروية وبما عقدتم الايمان ما تعلق القصد بتوثيقه والزام شىء من فعل او ترك به على نفسه صيانة لذكر اسم الله تعالى فتكون لا محالة فى الإنشاء وهذا القسم من اليمين يوجب ذلك الفعل او الترك على الحالف بقوله تعالى يا ايها الذين أمنوا أوفوا بالعقود وقوله تعالى ولكن يواخذكم بما عقدتم يعنى بنكث ما عقدتم او يواخذكم بما عقدتم ان حنثتم وحذف للعلم.
(مسئلة:) ينعقد اليمين عند جمهور العلماء والائمة الاربعة بحرف القسم ملفوظا او مقدرا مقترنا باسم من اسماء الله تعالى او ما يدل على ذاته تعالى نحو والذي نفسى بيده والذي لا اله غيره ومقلب القلوب ورب السموات والأرض ونحو ذلك وقال بعض مشائخ الحنفية كل اسم لا يسمى به غيره تعالى فهو يمين وما يسمى به غيره ايضا كالحليم والعليم والقادر والوكيل والرحيم ونحو ذلك لا يكون يمينا الا بالنية او العرف او دلالة الحال وكذا ينعقد عند الجمهور بكل صفة من صفاته وقال ابو حنيفة ينعقد بكل صفة يحلف بها عرفا كعزة الله وجلاله وعظمته وكبريائه لا بما لا يحلف عرفا كعلم الله وإرادته ومشيته ولمشايخ العراق هاهنا تفصيل اخر وهو ان الحلف بصفات الذات يكون يمينا وبصفات الفعل لا يكون يمينا وصفات الذات ما لا يوصف الله تعالى بضده كالقدرة والجلال والكبرياء والعظمة والعزة وصفات الفعل ما يوصف به وبضده كالرحمة والغضب والرضاء
(مسئلة) لو حلف بالقران يكون يمينا عند الائمة الثلاثة وعند ابى حنيفة لا يكون يمينا لعدم العرف وقال ابن همام ولا يخفى ان الحلف بالقران الان متعارف فيكون يمينا يعنى عنه ابى حنيفة ايضا كما هو قول الائمة الثلاثة وكذا الكلام لو حلف بالمصحف فان المراد به القران دون القراطيس وحكى ابن عبد البر فى التمهيد فى المسألة اقوال الصحابة والتابعين واتفاقهم على إيجاب الكفارة فيها قال ولم يخالف فيها الا من لا يعتد بقوله واختلفوا فى قدر الكفارة فقال مالك والشافعي يلزم كفارة واحدة وعن احمد رح روايتان إحداهما كالجمهور والثانية يلزم بكل اية كفارة ولو قال وحق الله كان يمينا عند الثلاثة خلافا لابى حنيفة ولو قال لعمر الله وايم الله قال ابو حنيفة يمين نوى او لم ينو وهى رواية عن احمد وقال بعض اصحاب الشافعي وهى رواية عن احمد ان لم ينو لا يكون يمينا.
(مسئلة) من حلف بالكعبة او بالنبي لا يكون يمينا ولا يجب عليه الكفارة عند الائمة الثلاثة وهى رواية عن احمد وفى اظهر الروايتين عنه الحلف بالنبي يكون يمينا لنا قوله ﷺ من كان حالفا فليحلف بالله او ليصمت متفق عليه من حديث ابن عمر وعنه قال سمعت رسول الله ﷺ من حلف بغير الله فقد أشرك رواه ابو داؤد وعن ابن مسعود موقوفا لان احلف بالله كاذبا أحب الىّ ان احلف بغير الله صادقا قال صاحب الهداية هذا إذا قال والنبي اما لو قال ان فعلت كذا فهو برئ عن النبي ﷺ او عن الكعبة او هو يهودى او نصرانى او كافر يكون يمينا لانه لما جعل الشرط علما على الكفر فقد جعله واجب الامتناع وقد أمكن القول بوجوبه لغيره فجعلناه يمينا كما نقول فى تحريم الحلال فان تحريم الحلال عند نايمين وقال الشافعي رح تحريم الحلال لا يكون يمينا لنا ان النبي ﷺ حرم مارية وشرب العسل فنزل يا ايها النبي لم تحرم ما أحل الله لك قد فرض الله لكم تحلة ايمانكم كذا فى الصحيحين وغيرهما وسنذكر فى سورة التحريم ان شاء الله تعالى.
(مسئلة) ولو قال ان فعلت كذا فهو يهودى او برئ من الإسلام او نحو ذلك فى شىء قد فعله فهو الغموس ولا يكفر عند ابى حنيفة اعتبارا بالمستقبل وقيل يكفر لانه تنجيز معنى قال صاحب الهداية والصحيح انه لا يكفر إن كان يعلم انه يمين وإن كان عنده
(مسئلة) لو ذكر فعل القسم على صيغة الماضي مقترنا باسم الله او صفة من صفاته فقال أقسمت بالله او حلفت بالله او شهدت بالله او عزمت بالله لا فعلن كذا فهو يمين بلا خلاف ولو قال بصيغة المضارع نحو اقسم بالله او احلف بالله او اشهد بالله او اعزم بالله فهو يمين عند ابى حنيفة واحمد وعند الشافعي لا يكون يمينا الا بالنية لاحتمال ان يريد بالمستقبل الوعد قالت الحنفية المضارع حقيقة فى الحال مجاز فى الاستقبال لا ينصرف اليه الا بقرينة السين او سوف او نحو ذلك.
(مسئلة) لو قال أقسمت او اقسم او حلفت او احلف ونحو ذلك من غير ذكر اسم الله تعالى وصفة فهو يمين عند ابى حنيفة نوى او لم ينو شيئا وان نوى غيره يصدق ديانة لا قضاء وقال مالك واحمد فى رواية وزفران نوى يكون يمينا والا فلا لاحتمال اليمين بغير الله وقال الشافعي لا يكون يمينا وان نوى قلنا الحلف بالله هو المعهود والمشروع وبغيره محظور فيصرف الى المشروع عند عدم النية واحتج فى هذه المسألة بحديث ابن عباس ان رجلا راى رويا فقصها على رسول الله ﷺ فقال ابو بكر ايذن لى فاعبرها فاذن له فعبرها ثم قال أصبت يا رسول الله قال أصبت واخطأت قال أقسمت يا رسول الله لتخبرنى قال لا تقسم هكذا رواه احمد وقد اخرج فى الصحيحين بلفظ اخر فانه قال والله لتخبرنى بالذي اخطأت قال لا تقسم والله اعلم فَكَفَّارَتُهُ اى كفارة نكثه او كفارة معقود الايمان او كفارة ما عقدتم الايمان إذا حنثتم والكفارة الفعلة التي من شانها ان يكفر الخطيئة ويذهب إثمها ويسترها إِطْعامُ عَشَرَةِ مَساكِينَ والإطعام جعل الغير طاعما سواء كان بالتمليك او الإباحة ومن ثم قال ابو حنيفة لو غدّاهم وعشّاهم اكلتين مشبعتين من غير تمليك جاز قليلا أكلوا او كثيرا كذا ذكر الكرخي بإسناده الى الحسن خلافا للشافعى رحمه الله فعنده يشترط التمليك اعتبارا بالزكاة وصدقة الفطر ولان التمليك ادفع للحاجة فلا ينوب منابه الإباحة قلنا المنصوص عليه فى الزكوة الإيتاء وفى صدقة الفطر الأداء وهما للتمليك
(مسئلة) ان اعطى مسكينا واحدا عشرة ايام يجوز عند ابى حنيفة وان اطعم فى يوم واحد عشر مرات لا يجوز وقيل هذا إذا كان بالاباحة واما إذا كان بالتمليك فيجوز لان الحاجة الى التمليك يتجدد فى يوم واحد ولا يتجدد الحاجة الى الاكل فى يوم واحد عشر مرات وإذا دفع الى فقير وأحد طعام عشرة مساكين دفعة واحدة فى يوم واحد ولو بالتمليك لا يجوز هذا كله قول ابى حنيفة وجه قوله ان المقصود سدخلة المحتاج والحاجة يتجدد فى كل يوم فالدفع اليه فى اليوم الثاني كالدفع الى غيره ولا يتجدد الحاجة فى يوم الى الاكل عشر مرات وقال مالك والشافعي وهو الصحيح من مذهب احمد وبه قال اكثر اهل العلم لا يجوز اطعام مسكين واحد عشرة ايام ولو بالتمليك لانه تعالى نص على عشرة مساكين وبتكرر الحاجة فى مسكين واحد لا يصير هو عشرة مساكين والتعليل بان المقصود سدخلة المحتاج الى اخر ما ذكر مبطل لمقتضى النص فلا يجوز.
(مسئلة) وإذا ملك الطعام عشرة مساكين فالقدر الواجب لكل مسكين عند اهل العراق مدان وهو نصف صاع قال البغوي يروى ذلك عن عمرو على وقال ابو حنيفة نصف صاع من بر او صاع من شعير او تمر وهو قول الشعبي والنخعي وسعيد بن جبير ومجاهد والحكم وقال مالك مد وهو رطلان بالبغدادي وقال احمد مد من حنطة او دقيق ومدان من شعير او تمر ورطلان من خبز اى خبز حنطة وقال الشافعي مد النبي ﷺ وهو رطل
(مسئلة) ان ادى الى ذمى قال ابو حنيفة يجوز لاطلاق النص وقد قال الله تعالى لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم فى الدين الاية وعند الجمهور لا يجوز قياسا على الزكوة فانه لا يجوز صرف الزكوة الى الذمي اجماعا مِنْ أَوْسَطِ ما تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ محله النصب لانه صفة مفعول محذوف تقديره ان تطعموا عشرة مساكين طعاما من اوسط ما تطعمون او الرفع على البدل من اطعام قال البغوي اى من خير قوة عيالكم قلت والظاهر ان المراد المتوسط فى الكيفية لا أعلى ولا ادنى فمن كان غنيا يأكل اهله أطعمة لذيذة يجب فى التغدي والتعشي ان يطعم الفقراء على غالب قوة اهله وهذا الكلام يدل على ما قال ابو حنيفة بجواز عطاء الفقير على وجه الإباحة اخرج عبد بن حميد وابن جرير وابن ابى حاتم عن ابن عباس فى قوله تعالى من اوسط ما تطعمون قال من عسركم ويسركم وفى رواية ليس بارفعه ولا أدناه وجمع الأهل بالياء والنون شاذ لعدم العلمية أَوْ كِسْوَتُهُمْ عطف على اطعام او على من اوسط ان جعل بدلا لان البدل هو المقصود وادنى الكسوة ما يجوز به الصلاة عند مالك واحمد وهو المروي عن محمد ففى الرجل يجزى السراويل فقط او الإزار فقط او القميص فقط وفى المرأة لا بد من ثوبين قميص وخمار وعند ابى حنيفة وابى يوسف أدناه ما يستر عامة البدن فلا يجوز السراويل وان صح صلوته فيه لان لابسه يسمى فى العرف عريانا والمأمور به جعله مكتسيا ويجوز ان يعطى قميصا سابلا للمرأة وان لم يصح صلوتها بدون الخمار لانها مكتسية عرفا لا عريانة اخرج ابن مردويه عن حذيفة قال قلنا يا رسول الله او كسوتهم ما هو قال عباءة وكذا اخرج الطبراني وابن مردوية عن عائشة عن النبي ﷺ قال عباءة لكل مسكين وعند الشافعي رح يجوز اقل ما يقع عليه اسم الكسوة فيجوز عنده العمامة فحسب والسراويل فقط والقميص فقط وفى القلنسوة لاصحابه وجهان ان اطعم
(مسئلة) مقتضى كلمة او إيجاب احدى الخصال الثلث مطلقا ويخير المكلف فى التعيين اخرج ابن مردوية عن ابن عباس قال لما نزلت اية الكفارة قال حذيفة يا رسول الله نحن بالخيار قال أنت بالخيار ان شئت كسوت وان شئت أطعمت فمن لم يجد فصيام ثلثة ايام متتابعات فَمَنْ لَمْ يَجِدْ شيئا من ذلك وعجز عنها بان لا يفضل ماله عن الديون وعن قوته وقوة عياله وحوائجه ما يطعم او يكسو او يعتق وقال بعض العلماء إذا ملك ما يمكنه الإطعام او أحد أخواته وان لم يفضل عن كفاية فليس هو بعاجز وهو قول الحسن وسعيد بن جبير وروى ابو الشيخ عن قتادة ان كان عنده خمسون درهما فهو ممن يجد ويجب عليه الإطعام وانكانت اقل فهو ممن لا يجد ويصوم واخرج ابو الشيخ عن ابراهيم النخعي قال إذا كان عنده عشرون درهما فعليه ان يطعم.
(مسئلة) العبد لا كفارة له الا الصوم لانه لا يقدر على الإطعام والاكساء والاعتاق لعدم مالكية المال ولو أعتق عنه مولاه او اطعم او اكسى لا يجزيه وكذا المكاتب والمستسعى.
(مسئلة) لو صام العبد فعتق قبل ان يفرغ ولو بساعة فاصاب مالا وجب عليه استيناف الكفارة وكذا الفقير إذا صام فاصاب مالا قبل ان يفرغ من الصيام استأنف الكفارة.
(مسئلة) المعتبر عندنا كونه واجدا عند ارادة التكفير وعند الشافعي عند الحنث لنا ان الصوم خلف عن المال كالتيمم فانما يعتبر فيه وقت الأداء فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ خبر مبتدأ محذوف والجملة جزاء للشرط يعنى فكفارته صيام ثلثة ايام.
(مسئلة) لا يجب عند مالك التتابع فى الصيام لاطلاق النص بل يستحب وعن
(مسئلة) يمين الكافر لا ينعقد ولا يلزمه الكفارة عند ابى حنيفة وقال الائمة الثلاثة ينعقد يمينه ويلزمه الكفارة بالحنث لنا انه ليس باهل اليمين لانها تنعقد لتعظيم اسم الله تعالى ومع الكفر لا يكون معظما ويرد عليه انه فى الدعاوى يستحلف الكافر المنكر اجماعا ولانه ليس أهلا للكفارة لكونها عبادة قلت ومقتضى هذا الدليل انه لو حلف الكافر ثم اسلم وحنث بعد الإسلام يلزمه الكفارة والله اعلم.
ذلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمانِكُمْ إِذا حَلَفْتُمْ وحنثتم فان الكفارة لا تجب الا بعد الحنث اجماعا استدل احمد والشافعي بهذه الاية على جواز تقديم الكفارة قبل الحنث وهو أحد الروايتين عن مالك لانه أضيف الكفارة الى اليمين دون الحنث والاضافة دليل بسببية المضاف اليه للمضاف الواقع حكما شرعيا او متعلقه كما فى ما نحن فيه فان الكفارة متعلق الحكم الذي هو الوجوب وإذا ثبت سببيته جاز تقديم الكفارة على الحنث لانه حينئذ شرط والتقديم على الشرط بعد وجود السبب ثابت شرعا كما فى الزكوة جاز تقديمها على الحول بعد وجود السبب الذي هو ملك النصاب وكما فى تقديم التكفير بعد الجرح على المقتول قبل الموت وبناء على هذا الدليل لا فرق بين الكفارة بالمال والصوم وعند مالك واحمد وبه قال الشافعي فى القديم وفى القول الجديد للشافعى يجوز تقديم الكفارة بالمال قبل الحنث ولا يجوز بالصوم لان تقديم الأداء على الوجوب بعد السبب لم يعرف شرعا الا فى العبادة المالية ولا يجوز تقديم الصوم والصلاة قبل وجوبهما وعند ابى حنيفة لا يجوز تقديم الكفارة على الحنث مطلقا هو يقول ان سبب الكفارة هو الحنث دون اليمين لان الكفارة انما وجبت لستر الجناية ودفع الإثم ولا جناية ولا اثم الا بالحنث واليمين
عليه وسلم قال من حلف على يمين فرأى خيرا منها فليكفر عن يمينه وليفعل رواه مسلم والاحتجاج بهذه الأحاديث على جواز تقديم الكفارة على الحنث لذكر الكفارة فى بعض الروايات قبل ذكر الحنث ليس بشئ لان الواو لمطلق الجمع دون الترتيب فان قيل قد ورد فى بعض الروايات بكلمة ثم روى ابو داؤد حديث عبد الرحمن بن سمرة بلفظ فكفر عن يمينك ثم ات الذي هو خير وفى المستدرك من حديث عائشة كان عليه الصلاة والسلام إذا حلف لا يحنث حتى انزل الله كفارة اليمين فقال لا احلف الى ان قال الا كفرت عن يمينى ثم أتيت الذي هو خير قلنا هى رواية شاذة مخالفة لما فى الصحيحين من حديث عبد الرحمن بن سمرة وقد ذكرنا ولما فى البخاري من حديث عائشة وفيه العطف بالواو وقد شذت الرواية بثم لمخالفتهما روايات الصحيحين والسنن والمسانيد وَاحْفَظُوا أَيْمانَكُمْ قيل أراد به ترك الحلف اى لا تحلفوا لكل امر والصحيح ان المراد منه حفظ اليمين عن الحنث وإيفاء ما أوجب على نفسه القيام بمقتضاه ويؤيده قوله تعالى يا ايها الذين أمنوا أوفوا بالعقود والحكم فى الباب ان المحلوف عليه ان كان طاعة لزمه الوفاء بها وهل له ان يعدل عن الوفاء الى الكفارة مع القدرة على الوفاء قال ابو حنيفة واحمد ليس له ذلك عملا بهذه النص وقال الشافعي الاولى ان لا يعدل فان عدل جاز ولزمه الكفارة وعن مالك روايتان كالمذهبين وكذا ان حلف على امر مباح ليس تركه خيرا من فعله وان كان المحلوف عليه معصية يجب عليه ان يحنث ويكفر لان اثم المعصية لازم واثم الحنث مكفر بالكفارة وان حلف على ترك امر مستحب فالاولى ان يحنث ويكفر قال الله تعالى لا نجعلوا الله عرضة لايمانكم يعنى حاجزا مانعا من الحسنات وقال عليه السلام كفر عن يمينك وات بالذي هو خير عن عمر بن الخطاب رضى الله عنه قال انى احلف لا اعطى أقواما ثم يبدو لى ان أعطيهم فاطعم عشرة مساكين صاعا من شعير او صاعا من تمر او نصف صاع من قيح وعن عائشة قالت كان ابو بكر إذا حلف لم يحنث حتى نزلت اية الكفارة وكان بعد ذلك يقول لا احلف على يمين فارى غيرها خيرا منها الا أتيت الذي هو خير وقبلت رخصة الله رواه ابن ابى شيبة وعبد الرزاق والبخاري وابن مردوية.
(مسئلة) من نذر نذرا لا يمكنه وفائه اما بان لا يطيقه كحج ماشيا وصوم الدهر او كان النذر بمعصية يكفر عنه كفارة يمين لان النذر إيجاب شىء على نفسه وإيجاب شىء يقتضى تحريم ضده والتحريم يمين واللام المستعمل فى النذر فى قوله لله علىّ كذا يجئى بمعنى القسم قال الله تعالى لعمرك وفى الباب حديث عائشة لا نذر فى معصية وكفارته كفارة اليمين رواه احمد وابو داؤد والترمذي والنسائي وروى النسائي عن عمران بن حصين نحوه وعن ابن عباس ان رسول الله ﷺ قال من نذر نذر الم يسمه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا فى معصية فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا لا يطيقه فكفارته كفارة يمين ومن نذر نذرا اطاقه فليف به رواه ابو داؤد وابن ماجة ووقفه بعضهم على ابن عباس وعن عبد الله بن مالك ان عقبة بن عامر سأل النبي ﷺ عن اخت له نذرت ان تحج حافية غير مختمرة قال مروها فتخمر ولتركب ولتصم ثلثة ايام رواه اصحاب السنن الاربعة والدارمي.
(مسئلة) من حلف على يمين وقال إنشاء الله متصلا بيمينه فلا حنث عليه لحديث ابن عمران رسول الله ﷺ قال من حلف على يمين فقال إنشاء الله فلا حنث عليه رواه اصحاب السنن الاربعة والدارمي وذكر الترمذي ان جماعة وقفوه
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ «١» قد مر تفسيرهما وحكمهما فى تفسير سورة البقرة وَالْأَنْصابُ اى الأصنام التي نصبت للعبادة وَالْأَزْلامُ سبق تفسيرها فى أول السورة رِجْسٌ قذر يعاف عنه العقول السليمة والطباع المستقيمة وافراده لانه خبر للخمر وخبر المعطوفات محذوف او بحذف المضاف كانه قال انما تعاطى الخمر والميسر مِنْ عَمَلِ الشَّيْطانِ اى من تسويله وتزئينه فكانه عمله فَاجْتَنِبُوهُ الضمير للرجس او لما ذكر او للتعاطى لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ لكى تفلحوا بالاجتناب عنه ان الله سبحانه أكد تحريم الخمر والميسر فى هذه الاية بان صدر الجملة بانما وقرنهما بالانصاب والأزلام وسماهما رجسا وجعلهما من عمل الشيطان تنبيها على ان الاشتغال بهما شربحت او غالب وامر بالاجتناب عن أعينهما وجعله سببا يرجى منه الفلاح ثم بين ما فيهما من المفاسد الدينية والدنيوية المقتضية للاجتناب فقال.
إِنَّما يُرِيدُ الشَّيْطانُ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ فى الانتهاء عن الخمر والميسر وسائر المناهي وإتيان الواجبات وَاحْذَرُوا عن مخالفتهما فَإِنْ تَوَلَّيْتُمْ عن إطاعة الله والرسول فَاعْلَمُوا أَنَّما عَلى رَسُولِنَا الْبَلاغُ الْمُبِينُ فتوليكم لا يضر بالرسول وانما يضر بانفسكم عن ابن عمر عن رسول الله ﷺ قال كل مسكر حرام وان حتما على الله ان لا يشربه عبد فى الدنيا الا سقاه الله عن طينة الخبال هل تدرون ما طينة الخبال قال عرق اهل النار رواه البغوي وعنه ان النبي ﷺ قال من شرب الخمر فى الدنيا ثم لم يتب منها حرمها الله فى الاخرة رواه البغوي وعنه انه قال اشهد انى سمعت رسول الله ﷺ وهو يقول لعن الله الخمر وشاربها وساقيها وبايعها ومبتاعها وعاصرها ومعتصرها وحاملها والمحمول اليه وأكل ثمنها رواه ابن ماجة وروى ابو داؤد وليس فيه وأكل ثمنها وفى الباب عن انس بن مالك وروى الترمذي وابن ماجة عن ابن عباس والحاكم عن ابن مسعود وعنه قال قال رسول الله ﷺ من شرب الخمر لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب تاب الله عليه فان عاد فى الرابعة لم يقبل الله له صلوة أربعين صباحا فان تاب لم يتب الله عليه وسقاه من نهر الخبال رواه الترمذي ورواه النسائي وابن ماجة والدارمي عن عبد الله بن عمرو وعن عبد الله بن عمرو عن النبي ﷺ قال لا يدخل الجنة عاق ولا قمار ولا مد من خمر رواه الدارمي وعن ابى امامة قال قال رسول
لَيْسَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ جُناحٌ فِيما طَعِمُوا اى شربوا من الخمر وأكلوا من مال الميسر قبل تحريمهما إِذا مَا اتَّقَوْا الشرك وَآمَنُوا بالله وَعَمِلُوا الصَّالِحاتِ بعد الايمان ثُمَّ اتَّقَوْا الخمر والميسر بعد التحريم وَآمَنُوا بتحريمهما ثُمَّ اتَّقَوْا سائر المحرمات او الاولى عن الشرك والثاني عن المحرمات والثالث عن الشبهات وَأَحْسَنُوا الى الناس او المعنى أحسنوا الأعمال بان عبدوا ربهم كانهم يرونه وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ ع فلا يؤاخذهم بشئ وفيه تنبيه على انه من فعل ذلك صار محسنا ومن صار محسنا صار لله محبوبا ونزلت عام الحديبية وكانوا محرمين بالعمرة فى ذى القعدة سنة ست.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ يعنى الحيوان الممتنع المتوحش فى اصل الخلقة سواء كان ماكول اللحم او لا كذا فى القاموس وبه قال ابو حنيفة رحمه الله غير انه خص منه ما ورد فى الحديث جواز قتلها وهى الحية والعقرب والفارة والحداة والغراب والذئب السبع العادي دون غير العادي فيجوز قتل الكلب لا سيما العقور والظاهر انه صيد واستيناسها عارضى وقيل انه ليس بصيد فانه غير متوحش بالطبع فى الصحيحين عن ابن عمر سئل رسول الله ﷺ عما يقتل المحرم من الدواب فقال لا جناح فى قتلهن على من قتلهن العقرب والفارة والغراب والحداة والكلب العقور وفيهما عن عائشة وعن حفصة نحوه قال ابن الجوزي المراد بالكلب السبع مطلقا لانه يطلق الكلب على السبع قال رسول الله ﷺ فى قصة عتبة بن ابى لهب اللهم سلط عليه كلبا من كلابك وقال الله تعالى من الجوارح مكلبين قال ابو حنيفة
(مسئلة) ويلتحق بالصيد بيض الطائر وقال داؤد لا يضمن وسنذكر ما ورد من الحديث والآثار فى ضمان البيص.
(مسئلة) اجمعوا على ان المحرم إذا اصطاد صيدا او ذبحه كان حكمه حكم الميتة لا يجوز أكله للحلال ولا للمحرم وقال الثوري وابو ثور وطائفة يجوز أكله وهو كذبيحة السارق وهو وجه للشافعية لنا انه اثم فى ذبحه بمنزلة تارك التسمية عامدا فصار فى معنى ما ذبح فسقا اهل لغير الله بخلاف السارق فان الذبح له فى نفسه وانما المانع هناك حق العبد وهو ينجبر بالضمان.
(مسئلة) وان اصطاده حلال وكان امره بالقتل محرم او دل عليه او أشار اليه يحرم أكله للمحرم لما ذكرنا من حديث ابى قتادة حيث علق النبي ﷺ اباحة الاكل للمحرم بعدم الأمر والاشارة ويجوز أكله للحلال اجماعا وَمَنْ قَتَلَهُ يعنى الصيد مِنْكُمْ يعنى من المؤمنين المحرمين مُتَعَمِّداً قال سعيد بن جبير وداؤد وابو ثور وابو منذر من الشافعية وهى رواية عن احمد بن حنبل ان هذا القيد يفيد انه لا يجب الجزاء إذا قتل مخطيا او ناسيا إحرامه او مكرها او نحو ذلك وقال مجاهد والحسن انما الجزاء انما يجب إذا قتله عامدا فى قتله ناسيا إحرامه واما إذا قتله ذاكرا إحرامه فلا حكم عليه وامره الى الله تعالى لانه أعظم من ان يكون له كفارة وجمهور العلماء والائمة الاربعة على انه يجب الجزاء سواء قتله عامدا او ناسيا إحرامه او مكرها او مخطيا او جاهلا للحرمة قال الزهري الجزاء على المتعمد بالكتاب وعلى المخطى بالسنة والمفهوم ليس بحجة عند ابى حنيفة وعند القائلين به المفهوم دليل ظنى ومنطوق الحديث
(مسئلة) إذا دل المحرم على صيد «١» من يريد قتله باللسان او باليد يجب عليه الجزاء كما يجب بالقتل عند ابى حنيفة واحمد وقال مالك والشافعي لا يلزم الجزاء على الدال وان كان يا ثم كمن دل صائما على امرأة فجامعها لا يلزم الكفارة على الدال ولا يفسد صومه ولكن يأثم فكذا هاهنا لان الدلالة ليس بقتل والجزاء انما هو على القتل بالنص قلنا الدلالة فى معنى القتل والنبي ﷺ سوى بين الاشارة والقتل كما مر فى حديث ابى قتادة ولانه محظورات الإحرام اجماعا فلو لم يجب عليه الجزاء لا يرتفع إثمه ويرتفع اثم القتل بالجزاء فيلزم مزية الدلالة على القتل فان قيل فعلى هذا يلزم ان يجب الكفارة على الدال وان لم يتعقبه القتل قلنا الدلالة فانية ان يكون كالرمى الى الصيد من اسباب القتل وذلك ليس بموجب للجزاء ما لم يتعقبه القتل فانه إذا لم يتعقبه القتل لم ينعقد سببا فَجَزاءٌ خبر مبتدأ محذوف يعنى فالواجب عليه جزاء او مبتدأ خبره ظرف مقدم عليه او فاعل ظرف مقدم عليه يعنى فعليه جزاء والجملة خبر لمن والفاء لتضمن المبتدأ معنى الشرط قرأ الجمهور مضافا الى مِثْلُ ما قَتَلَ قيل الاضافة بيانية والظاهر انه اضافة المصدر الى مفعوله يعنى فعليه ان يجزى مثل ما قتل وقرأ الكوفيون فجزاء منونا ومثل مرفوعا بدلا منه او صفة له ومال القرائتين واحد معنى والمراد بالمثل القيمة عند ابى حنيفة وابى يوسف لان المثل المطلق صورة ومعنى هو المشارك فى النوع غير مراد هاهنا اجماعا فبقى ان يراد المثل معنى وهو القيمة ولان القيمة فى قتل بعض الصيد واجب اجماعا وهو ما لا يكون له مثل من النعم وما كان أصغر من الحمامة كالعصفور والجراد فلا بد ان يقال بوجوب القيمة فى الجميع كيلا يلزم الجمع بين الحقيقة والمجاز او عموم المشترك ولان المعهود فى الشرع فى اطلاق المثل ان يراد المشارك فى النوع او القيمة قال الله تعالى فى ضمان العدوان فمن اعتدى عليكم فاعتدوا عليه بمثل اعتدى عليكم والمراد الأعم اعنى المماثل فى النوع إذا كان المتلف مثليا
الأرنب بعنز لأن العنز يماثل قيمة بقيمة الأرنب وفى الحمامة بشاة لان الشاة ادنى اقسام الهدى وأشبهها وأقربها بالحمامة قيمة بالنسبة الى البقرة والبدنة فلو أراد الهدى يهدى ادنى افراد الشاة ولا دليل على انهم اعتبروا المماثلة فى الخلقة فان قيل روى البيهقي بسند حسن عن ابن عباس وروى ايضا من عطاء الخراسانى عن عمر وعثمان وعلى وزيد بن ثابت وابن عباس ومعاوية انهم قالوا فى النعامة يقتلها المحرم بدنة ورواه مالك من طريق ابى عبيدة بن عبد الله بن مسعود مكاتبة عن أبيه وقال مالك لم ازل اسمع ان فى النعامة بدنة ولا شك ان حكمهم فى النعامة ببدنة ليس الا لرعاية المشابهة فى طول العنق والرجلين دون القيمة قلنا فى الأثر ضعف وانقطاع وقال الشافعي هذا غير ثابت عند اهل العلم بالحديث وبالقياس قلنا ان فى النعامة بدنة او يقال لعل بعض افراد النعامة فى بعض الازمنة بلغ قيمة شىء من الإبل فحكم بعض الصحابة ان فى النعامة بدنة ثم تبعه جماعة من التابعين زعما
(٢) عن ميمون بن مهران ان أعرابيا اتى أبا بكر فقال قتلت صيدا انا محرم فما ترى علىّ من الجزاء فقال ابو بكر وابى بن كعب وهو جالس عنده ما ترى فيها فقال الاعرابى أتيتك وأنت خليفة رسول الله ﷺ اسألك فاذا أنت تسأل غيرك فقال ابو بكر فما تنكر يقول الله عز وجل يحكم به ذوا عدل منكم فشاورت صاحبى حتى إذا اتفق على شىء امرناك به وعن ابى بكر المزني قال كان رجلان محرمين فحاش أحدهما ظبيا فقتله الاخر وأتيا عمر وعبد الرحمن بن عوف عنده فقال له عمر ما ترى قال شاة قال وانا ارى ذلك فاهديا شاة فلما مضيا قال أحدهما لصاحبه مادرى امير المؤمنين ما يقول حتى سأل صاحبه فسمعها عمر فردهما واقبل على القائل ضربا بالدرة قال تقتلون الصيد وأنتم حرم وتغمصون الفتيا ان الله تعالى يقول يحكم به ذوا عدل منكم ثم قال ان الله لم يرض لعمر وحده فاستعنت لصاحبى ١٢ منه
(مسئلة:) اختلف القائلون بالمثل خلقة فقال مالك يحكم الحكمان فى كل زمان حكما مستانفا وقال أكثرهم ان الحكم فى ذلك ما حكم به السلف لا يتجاوز عنه وما لم يحكموا فيه يستانف فيه الحكم وما اختلف فيه مجتهد فيه وقال الثوري الاختيار فى ما اختلف فيه السلف الى الحكمين فى كل زمان والقران يبطل هذه الأقوال كلها فان الحكم فى كل زمان مستانفا غير مفيد عند اعتبار المماثلة خلقة إذ الخلقة لا تتفاوت والاخذ بما حكم به السلف يرده قوله تعالى يحكم به ذوا عدل منكم فانه يقتضى ان يحكم العدلان فى كل زمان مستانفا ولو كان الحكم مرة يكفى للابد لحكم النبي ﷺ فى جميع الصيود او فى اكثر منه ولم يحتج الى حكم الحكمين فى كل مرة فالاية دليل على ان المراد بالمثل هو المثل من حيث القيمة حتى يتصور الاحتياج الى حكم الحكمين فى كل زمان ومكان لاختلاف القيمة باختلاف الازمنة والامكنة هَدْياً حال من الضمير الراجع الى الى الجزاء او الى المثل او من جزاء وان نوّن لتخصيصه بالصفة او بدل عن مثل باعتبار محله قال الشافعي وغيره هذا يدفع قول ابى حنيفة ان المراد بالمثل القيمة فان القيمة لا يكون هديا قلت ولا يرد ذلك على ما ذكرت من التفسير للمثل بالحيوان من النعم يماثل الصيد فى القيمة فانه يكون هديا على انه لو كان المراد بالمثل القيمة كما قاله ابو حنيفة فيجوز ان يكون هديا حالا مقدرة اى صائرا ذلك القيمة هديا بواسطة الشراء بها لا يقال حينئذ يحتاج الى التقدير بقوله صائرا من غير ضرورة قلنا الضرورة ثابتة لما ذكرنا وايضا التقدير لازم على تفسير الشافعي ايضا إذ لا يصح حكمهما بالهدى
(مسئلة:) هل يجب فى الهدى السوق أم يجوز ان يشترى بمكة فقال مالك يجب فيه السوق عملا بظاهر قوله تعالى هديا بالِغَ الْكَعْبَةِ وصف به هديا لان إضافته لفظية وقال الجمهور لا يجب السوق بل انما ذكر قوله هديا بالغ الكعبة للدلالة على ان الحرم شرط لذبح الهدى وعليه انعقد الإجماع وكونه مهدى من خارج غير مقصود قلت والدليل على ان السوق ليس بشرط قصة حجة الوداع ان النبي ﷺ لما قدم مكة قال للناس من كان منكم اهدى فانه لا يحل من شىء حرم منه حتى يقضى حجه ومن لم يكن منكم اهدى فليطف بالبيت وبالصفا والمروة وليقصر وليحلل ثم ليهل بالحج وليهدو من لم يجد هديا فليصم وهذا صريح فى ان بعض الصحابة لم يسق الهدى واشتروا هديا بمكة ومن لم يجد هديا صام وقد سماه النبي ﷺ هديا حيث قال ثم ليهل بالحج وليهدو قد قال الله تعالى فى التمتع ايضا فما استيسر من الهدى وما قاله مالك فيمن اشترى الهدى من الحرم الواجب ان يخرج به إذا حج الى عرفة امر لا دليل عليه.
(مسئلة) هل يجب التصدق بلحم الهدى على فقراء مكة فقال الجمهور يجب ذلك لان صفة بلوغ الهدى الكعبة يشعر ان ينفق اللحم على مساكين الحرم وقال ابو حنيفة لا يجب ذلك بل يتصدق على من يشاء من المساكين فى الحرم وغيره لان الذبح عبادة غير معقولة فلا بد فيه من رعاية المكان حتى انه من ذبح فى غير الحرم لا يجزيه الا ان يبلغ اللحم قيمة الصيد فينفقه بنية الإطعام واما انفاق اللحم فعبادة معقولة ولا دليل على التخصيص بمساكين الحرم وما ذكروا من الاشعار ممنوع أَوْ كَفَّارَةٌ عطف على جزاء قرأ نافع وابن عامر بالاضافة الى طَعامُ مِسْكِينٍ اضافة بيانية والباقون بتنوين كفارة ورفع طعام على انه عطف بيان او بدل منه او خبر مبتدأ محذوف اى هى طعام مساكين وكلمة او للتخيير «١» تفيد ان الجاني مخير
(مسئلة) اجمعوا على ان بناء الإطعام على القيمة وعلى ان الصيد إذا لم يكن له مثل من النعم فالمعتبر قيمة الصيد يشترى به طعاما واما إذا كان له مثل من النعم فعند الجمهور يعتبر قيمة مثله لا قيمته لان الواجب عندهم المثل لا قيمة الصيد والإطعام بدل عنه فمن قتل حمامة واختار الإطعام يطعم عندهم قيمة شاة لا قيمة حمامة إذا النظير هو الواجب عينا وعند ابى حنيفة رح يعتبر قيمة الصيد مطلقا لانها هو الواجب عنده واما على ما قلت ان الواجب على تقدير اختيار الهدى مثله من النعم فالمراد مثله فى القيمة فما زاد الهدى على قيمة الصيد انما التزمه تطوعا او لزمه ضرورة عدم التجزى فى الهدى ولا ضرورة ولا التزام عند اختيار الإطعام فيعتبر قيمة الحمامة لا قيمة الشاة لان المتلف هو المضمون فلا معنى لتقويم غيره لجبره ولا نسلم ان النظير هو الواجب عينا فانه من قتل حمامة لو اهدى بعيرا أجزأه البتة ولو كانت الشاة هى الواجبة عينا لم يجزه البعير على ان القول بان النظير هو الواجب عينا لا يتصور الا إذا كان الواجب على الترتيب كما قال الشعبي والنخعي فيجب اولا النظير فان لم يجد النظير يقضيه بالاطعام وان لم يجد فبالصيام قضاء غير معقول وليس كذلك بل الواجب أحد الخصال الثلاثة على التخيير كما ذكرنا فاعتبار احدى الخصال فى الاخرى بلا دليل شرعى باطل وانما اعتبر قدر الإطعام فى الصيام بقوله تعالى أَوْ عَدْلُ ذلِكَ الطعام صِياماً معطوف على جزاء قال الفراء العدل بالكسر المثل من جنسه وبالفتح المثل من غير جنسه.
(مسئلة:) اختلفوا فى مقدار طعام كل مسكين فقال الشافعي ليطعم كل مسكين مدا كما هو كذلك عنده فى كفارة الصوم والظهار واليمين وقال ابو حنيفة يطعم كل
(مسئلة:) ولو كان قيمة الصيد اقل من طعام مسكين واحد او فضل شىء يسير من طعام مسكين او مساكين يعطى ذلك القدر اليسير مسكينا ولا يجب عليه جبر الكسر اجماعا وان صام عنه صام يوما لان الصوم لا يتجزى وكذا لو اهدى يهدى ادنى ما يطلق عليه اسم الشاة على ما قلت وشاة جائز للتضحية عند ابى حنيفة ومالك لِيَذُوقَ متعلق بمحذوف يعنى أوجبنا ذلك الجزاء او الكفارة ليذوق الجاني وَبالَ أَمْرِهِ اى ثقل فعله وسوء عاقبته هتكه حرمة الله واصل الوبل الثقل يقال طعام وبيل اى ثقيل ومنه أخذناه أخذا وبيلا عَفَا اللَّهُ عَمَّا سَلَفَ من قتل الصيد محرما فى الجاهلية او قبل التحريم او فى هذه المرة وَمَنْ عادَ الى قتل الصيد بعد ذلك المرة فَيَنْتَقِمُ اللَّهُ مِنْهُ خبر مبتدأ محذوف تقديره فهو ينتقم الله منه لان الفاء لا تدخل على المضارع إذا وقع جزاء ذهب ابن عباس على ظاهر هذه الاية حيث روى عنه انه إذا قتل المحرم صيدا متعمدا يسأله هل قتلت قبله شيئا من الصيد فان قال نعم لم يحكم وقال له اذهب فينتقم الله منك وان قال لم اقتل قبله شيئا من الصيد حكم عليه فان عاد بعد ذلك لم يحكم عليه ولكن يملأ ظهره وصدره ضربا وجيعا كذا قال البغوي قلت والاولى ان يقال فى تفسير الاية عفا الله عما سلف بأداء الجزاء ومن عاد فينتقم الله منه يعنى يوجب عليه الجزاء مرة ثانية فان لم يود الجزاء يعذبه فى الاخرة وَاللَّهُ عَزِيزٌ ذُو انْتِقامٍ ممّن أصر على عصيانه.
أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ الْبَحْرِ اى الاصطياد «١» من البحر لانه هو المراد من صيد «٢» البر كما سنذكر وَطَعامُهُ
(٢) عن الحارث بن نوفل قال حج عثمان بن عفان فاتى بلحم صيد صاده حلال فاكل منه عثمان ولم يأكل على فقال عثمان والله ما صدنا ولا أمرنا ولا أشرنا فقال على وحرم عليكم صيد البر ما دمتم حرما وعن الحسن ان عمر بن الخطاب لم يكن يرى بأسا بلحم الصيد للمحرم إذا صيد لغيره وكرهه ابن ابى طالب رواه ابن ابى شيبة ١٢ منه
(مسئلة) ما اصطاد الحلال لاجل المحرم اختلف فيه فقال ابو حنيفة يحل أكله مطلقا حتى يحل لمن صيد لاجله ايضا وقال مالك لا يحل أكله لا للحلال ولا للمحرم وقال الشافعي واحمد ما صيد لاجل المحرم قبل إحرامه او بعده يحرم على ذلك المحرم أكله ولا يحرم أكله لغير المحرم ولا لمن لم يصد له من المحرمين ومذهب الشافعي واحمد مروى عن عثمان روى مالك فى الموطإ عن عبد الله بن ابى بكر عن عبد الله بن عامر قال رايت عثمان بن عفان بالعرج وهو محرم فى صائف قد غطى وجهه بقطيفة ثم اتى بلحم صيد فقال لاصحابه كلوا فقالوا اولا تأكل أنت قال لست كهيئتكم انما صيد من اجلى وما روى عن النبي ﷺ انه أكل من لحم الصيد وروى انه رده ولم يأكله قال الائمة الثلاثة وجه الجمع بين الروايتين انه أكل ما صاده الحلال لاجل نفسه ولم يأكل
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي إِلَيْهِ تُحْشَرُونَ جَعَلَ اى صير اللَّهُ الْكَعْبَةَ سميت لتربعها والعرب تسمى كل بيت مربع كعبة وقال مقاتل سميت كعبة لانفرادها من البناء وقيل سميت كعبة لارتفاعها من الأرض وأصلها الخروج والارتفاع ومنه سمى الكعب فى الرجل كعبا لارتفاعه من جانبى القدم ومنه قيل للجارية إذا قاربت البلوغ وخرج ثديها تكعبت الْبَيْتَ الْحَرامَ عطف بيان على جهة المدح او بدل او المفعول الثاني سمى به لان الله حرمه وعظم حرمته قال النبي ﷺ ان الله حرم مكة يوم خلق السموات والأرض قِياماً لِلنَّاسِ منصوب على انه مفعول ثان او حال قرأ ابن عامر قيما بلا الف والباقون بالألف اى قواما لهم وهو ما يقوم به امر دينهم ودنياهم اما الدين فلان به يقوم الحج والمناسك واما الدنيا فلانهم كانوا يأمنون فيه من النهب والغارة ولا يتعرض أحد لهم فى الحرم وَالشَّهْرَ الْحَرامَ يعنى جنس الأشهر الحرم وهى رجب وذو القعدة وذو الحجة والمحرم جعلها قياما للناس يأمنون فيه من القتال وَالْهَدْيَ وَالْقَلائِدَ سبق تفسيرها فى اوّل السورة يأمنون الناس بها من التعرض ذلِكَ اشارة الى الجعل او الى ما ذكر من الأمر بحفظ حرمة الإحرام وغيره وقال الزجاج راجع الى ما سبق فى هذه السورة من الاخبار عن الغيوب وكشف الاسرار مثل قوله سماعون للكذب سماعون لقوم آخرين ومثل اخباره بتحريفهم الكتب ونحو ذلك لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ ما فِي السَّماواتِ وَما فِي الْأَرْضِ فان شرع الاحكام لدفع المضار قبل وقوعها وجلب المنافع المترتبة عليهما دليل على حكمة الشارع وكمال علمه وكذا الاخبار بالغيب دليل على علمه الكامل الشامل وَأَنَّ اللَّهَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ تعميم بعد تخصيص ومبالغة بعد اطلاق.
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقابِ وَأَنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ وعد ووعيد لمن انتهك محارمه ولمن حافظ عليها ولمن أصر عليها ولمن انقلع عليها اخرج ابو الشيخ عن الحسن ان أبا بكر الصديق
ما عَلَى الرَّسُولِ إِلَّا الْبَلاغُ وقد فرغ الرسول ما وجب عليه من التبليغ وقامت عليكم الحجة ولا عذر لكم فى التفريط فيه تشديد فى إيجاب القيام بما امر به وَاللَّهُ يَعْلَمُ ما تُبْدُونَ وَما تَكْتُمُونَ من تصديق وتكذيب وفعل وعزيمة اخرج الواحدي والاصبهانى فى الترغيب عن جابر ان النبي ﷺ ذكر تحريم الخمر فقام أعرابي فقال انى كنت رجلا كانت هذه تجارتى فاعتقيت منها ما لا فهل ينفع ذلك المال ان عملت فيه بطاعة الله فقال النبي ﷺ ان الله لا يقبل الا الطيب فانزل الله تصديقا لرسوله.
قُلْ لا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ «١» وَالطَّيِّبُ لفظه عام فى نفى المساوات عند الله بين الردى من الاشخاص والأعمال وبين جيدها رغب به فى صالح العمل والحلال من المال وَلَوْ أَعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فان العمل القليل الصّالح بالإخلاص خير من كثير بلا اخلاص وانفاق مال قليل حلال خير من الكثير الحرام عن ابى هريرة قال قال رسول الله ﷺ من تصدق بعدل تمرة ولا يقبل الله الا الطيب فان الله يقبلها بيمينه ويربيها لصاحبه كما يربى أحدكم فلوه حتى يكون مثل الجبل متفق عليه والمخلصون والصالحون من الناس خير عند الله من ملأ الأرض من الخبيثين عن سهل بن سعد قال مر رجل على رسول الله ﷺ فقال لرجل عنده جالس ما رأيك فى هذا فقال رجل من اشراف الناس هذا والله حرى ان خطب ان ينكح وان شفع ان يشفع قال فسكت رسول الله ﷺ ثم مر رجل فقال رسول الله ﷺ ما رأيك فى هذا فقال يا رسول الله رجل من فقراء المسلمين هذا حرى ان خطب ان لا ينكح وان شفع ان لا يشفع وان قال
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَسْئَلُوا عَنْ أَشْياءَ والقائل عكاشة بن محصن كذا فى حديث ابى هريرة عند ابن جرير يعنى لا تسألوا عن أشياء يشق عليكم إتيانها كالحج فى كل عام قال الخليل وسيبويه وجمهور البصريين أصله شئياء على وزن فعلاء بهمزتين بينهما الف وهمزته الثانية للتأنيث ولذا لم ينصرف كحمراء وهى مفردة لفظا جمع معنى يعنى اسم جمع ولما استثقلت الهمزتان المجتمعان قدمت الاولى التي هى لام الكلمة فجعلت قبل الشين فصار وزنها لفعاء وقيل أصله أشياء على وزن افعلاء جمع لشىء على ان أصله شيئ كهيئ او شييئ كصديق فخفف وقيل افعال جمع لشئ من غير تغيير كبيت وأبيات ومنع عن الصرف على الشذوذ لعدم السببين إِنْ تُبْدَ لَكُمْ اى تظهر لكم ذلك الأشياء الشاقة بان تومروا بإتيانها تَسُؤْكُمْ اى تغمكم ويصعب عليكم إتيانها وَإِنْ تَسْئَلُوا عَنْها عن هذه التكليفات الشاقة حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ والرسول بين أظهركم تُبْدَ لَكُمْ يعنى يحتمل ان تبد لكم وتومروا بما سألتم من التكاليف الشاقة الجملتان الشرطيتان المتعاطفتان صفتان لاشياء وهما كالمقدمتين المنتجتين لمنع السؤال.
(مسئلة) الأمر المطلق لا يقتضى التكرار على اصل ابى حنيفة ولا يحتمله فمعنى
قَدْ سَأَلَها «١» الضمير راجع الى الأشياء بحذف الجار اى عنها او الى المسألة التي دل عليها لا تسألوا «٢» فلم يعد بعن قَوْمٌ مِنْ قَبْلِكُمْ قال البيضاوي الظرف متعلق بسألها وليس صفة لقوم لان ظرف الزمان لا يكون صفة الجثة ولا حالا منها ولا خبرا عنها وقيل فيه نظر لان الظرف يسند الى الجثة التي لا يتعين وجودها فيه نحو الهلال يوم الجمعة فيصح كونه صفة لقوم سأل بنو إسرائيل حين أمروا بذبح البقرة بما هى وما لونها وما هى فشق ذلك عليهم وسأل ثمود صالحا الناقة وقوم عيسى المائدة وسأل بنو إسرائيل بعد موسى ابعث لنا ملكا نقاتل فى سبيل الله مع جالوت ثُمَّ أَصْبَحُوا بِها اى بمسبها كافِرِينَ حيث لم يأتمروا بما أمروا بعد سوالهم قال ابو ثعلبة الخشني ان الله فرض فرايض فلا تسبقوها يعنى بالسؤال ونهى عن أشياء فلا تنتهكوها وحد حدود أفلا تعتدوها
(٢) عن ابى هريرة ان رسول الله ﷺ خرج وهو غضبان محمار وجهه حتى جلس على المنبر فقام اليه رجل فقال اين ابائى قال فى النار فقام اخر فقال من ابى فقال أبوك فلان فقام عمر بن الخطاب فقال رضينا بالله ربا وبالإسلام دينا وبمحمد نبيا وبالقران اماما انا يا رسول الله حديث عهد بالجاهلية والشرك والله اعلم من آبائنا فسكن غضبه ونزلت يا ايها الذين أمنوا لا تسألوا عن أشياء الاية ١٢ منه
ما جَعَلَ اللَّهُ مِنْ بَحِيرَةٍ وَلا سائِبَةٍ وَلا وَصِيلَةٍ وَلا حامٍ كلمة من زائدة يعنى ما شرع هذه الأشياء ووضع لها احكاما قال ابن عباس البحيرة الناقة التي ولدت خمسة ابطن كانوا بحروا اذنها اى شقوها وتركوا الحمل عليها ولم يركبوها ولم يجزوا وبرها ولم يمنعوها الماء والكلاء فان كان خامس ولدها ذكرا نحروه وأكله الرجال والنساء وان كان أنثى بحروا اذنها اى شقوها قال ابو عبيدة السائبة البعير الذي يسيب وذلك ان الرجل
فى قولهم ان الله أمرنا بها وَأَكْثَرُهُمْ لا يَعْقِلُونَ وجه التحليل والتحريم بل يقلدون كبارهم الجهال وفيه اشارة ان بعضهم يعرفون بطلان ذلك ولكن يمنعهم حب الرياسة وتقليد الآباء ان يعترفوا به.
وَإِذا قِيلَ لَهُمْ تَعالَوْا إِلى ما أَنْزَلَ اللَّهُ وَإِلَى الرَّسُولِ فى التحليل والتحريم قالُوا حَسْبُنا ما وَجَدْنا عَلَيْهِ آباءَنا حسبنا مبتدأ والخبر ما وجدنا يعنى الذي وجدنا عليه آباءنا بيان «١» لقصور عقلهم وان لا استدلال لهم سوى التقليد أَوَلَوْ كانَ آباؤُهُمْ لا يَعْلَمُونَ شَيْئاً وَلا يَهْتَدُونَ الواو للحال والهمزة دخلت عليها لانكار التقليد على هذا الحال يعنى ايحسبهم ما وجدوا عليه اباؤهم ولو كانوا جهلة ضالين يعنى اى يحسبهم الجهل والضلال الذي كان عليه اباؤهم والحاصل ان الاقتداء لا يليق الا بالعلماء المهتدين.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا عَلَيْكُمْ أَنْفُسَكُمْ الجار والمجرور اسم فعل جعلا اسما لالزموا فلذلك نصب أنفسكم يعنى الزموا إصلاحها واحفظوها لا يَضُرُّكُمْ يحتمل الرفع على انه مستانف والجزم على انه جواب امر او على انه نهى ضمت الراء اتباعا لضمة الضاد المنقولة إليها من الراء المدغمة مَنْ ضَلَّ إِذَا اهْتَدَيْتُمْ قيل نزلت الاية لما كان المؤمنون يتحسرون على الكفار ويتمنون ايمانهم اخرج احمد والطبراني وغيرهما عن ابى عامر الأشعري قال سالت رسول الله ﷺ عن هذه الاية فقال لا يضركم من ضل من الكفار إذا اهتديتم وقال مجاهد وسعيد بن جبير الاية فى اليهود والنصارى يعنى عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل من اهل الكتاب إذا اهتديتم فخذوا منهم الجزية واتركوهم وقيل كان الرجل إذا اسلم يقال سفهت أباك اخرج ابن ابى حاتم عن عمر مولى عفرة قال انما نزلت هذه يا ايها الذين أمنوا عليكم أنفسكم لان الرجل كان ليسلم ويكفر أبوه او اخوه فلما دخل فى قلوبهم حلاوة الايمان دعوا ابائهم وإخوانهم الى الإسلام فقالوا حسبنا ما وجدنا عليه آباءنا فانزل الله هذه الاية وليست الاية فى ترك الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر لان من الاهتداء الأمر بالمعروف والنهى عن المنكر على حسب طاقته عن ابى بكر
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا شَهادَةُ بَيْنِكُمْ إِذا حَضَرَ أَحَدَكُمُ الْمَوْتُ حِينَ الْوَصِيَّةِ اثْنانِ شهادة بينكم مبتدأ خبره اثنان بحذف المضاف واقامة المضاف اليه مقامه تقديره شهادة بينكم شهادة اثنين لفظه خبر ومعناه امر اى ليشهد اثنان وجاز ان يكون اثنان فاعل المصدر يعنى شهادة بينكم والمصدر مبتدا خبره محذوف مقدم عليه تقديره فيما أمرتم شهادة اثنين اى ان يشهد اثنان واتسع فى بين فاضيف اليه المصدر والمراد بالشهادة الاشهاد بمعنى الإحضار للايصاء إليهما يدل عليه سياق القصة المنزلة فيها كما فى قوله تعالى وليشهد عذابهما طائفة من المؤمنين وعدد الاثنان مبنى على الأحوط والواحد يكفى للوصية اجماعا وإذا حضر ظرف الشهادة اى الاشهاد ومعنى إذا حضر أحدكم الموت إذا ظهرت اماراته وقوله حين الوصية ظرف لحضر او بدل من إذا حضر وفى إبداله تنبيه على ان الوصية مما ينبغى ان لا يتهاون فيه
فَإِنْ عُثِرَ اى اطلع واصل العثر الوقوع على الشيء عَلى أَنَّهُمَا يعنى الوصين اسْتَحَقَّا اى استوجبا وفعلا ما أوجب إِثْماً بخيانتهما وإيمانهما الكاذبة وادعيا دعوى بالشراء او نحو ذلك ليدفع عنهما تهمة الخيانة فَآخَرانِ فشاهدان اخر ان يَقُومانِ ليحلفا مَقامَهُما مقام الوصيين سمى الاثنان من الورثة شاهدين لانهما بدعوى حقهما وتصديق الشرع لهما فى ان الحق لهما يظهر ان اثم الشاهدين السابقين كانهما شاهدان على إثمهما وتخصيص الحلف باثنين من أقارب الميت لخصوص الواقعة التي نزلت لها فانكان وارث الميت واحد أيحلف هو او اكثر من الاثنين يحلفوا جميعا حيث أنكروا ما ادعيا الوصيان من الشراء من الميت او نحو ذلك مِنَ الَّذِينَ اسْتَحَقَّ قرأ حفص على البناء للفاعل يعنى من اهل الميت الذين استحق عَلَيْهِمُ اى على الورثة الْأَوْلَيانِ من بين الورثة بالشهادة وذلك بسبب كونهما اقرب الى الميت غير محجوبين بغيرهما من الورثة استحقا على سائر الورثة بان يجردوهما للقيام بالشهادة ويظهروا بهما كذب الوصيين وعلى هذه القراءة الاوليان فاعل لاستحق والجار والمجرور متعلق به وقرأ الباقون استحقّ على البناء للمفعول أسند الى عليهم وعلى حينئذ بمعنى فى كما فى قوله تعالى على ملك سليمان اى فى ملكه يعنى استحق الحالفان الإثم فيهم اى بسببهم والاوليان صفة للاخرين وانما جاز ذلك مع ان الاوليان معرفة وآخران نكرة لانه لما وصف الآخران بقوله تعالى من الذين صار معرفة والظاهران أوليان بدل من آخران او من الضمير فى يقومان ولا يلزم خلو الصفة عن الضمير لان المبدل منه موجود وان كان فى حكم المطروح ولكون البدل عين المبدل منه فهو يسد مسده كالظاهر موضع الضمير او خبر مبتدأ محذوف اى هما الاوليان والمراد بالاوليان الاقربان الى الميت الذين لم يحجبهما غيرهما وقرأ ابو بكر عن عاصم وحمزة ويعقوب الأولين على انه صفة الذين او بدل منه او من الأولين الذين استحق عليهم وسموا أولين لانهم كانوا أولين فى الذكر فى قوله شهادة بينكم فَيُقْسِمانِ بِاللَّهِ على خيانة الوصيين وكذبهما فى دعوى الشراء ونحو ذلك ويقولان لَشَهادَتُنا أَحَقُّ مِنْ شَهادَتِهِما يعنى يميننا أحق بالقبول من يمينهما كما فى قوله تعالى
ذلِكَ الحكم بتحليف الوصيين عند ارتياب الورثة وتحليف الورثة عند دعوى الوصيين بالشراء ونحوه. أَدْنى اى اقرب من أَنْ يَأْتُوا اى يأتي الأوصياء بِالشَّهادَةِ اى بإظهار الحق وبيان ما اوصى إليهم الميت عَلى وَجْهِها على نحو ما حملوها من غير خيانة فيها أَوْ يَخافُوا عطف على يأتوا اى او ادنى ان يخافوا أَنْ تُرَدَّ على الورثة أَيْمانٌ على انكار ما ادعاه الوصي بَعْدَ أَيْمانِهِمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ عطف على محذوف اى احفظوا احكام الله واتقوا الله وَاسْمَعُوا ما أمركم الله سماع اجابة وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفاسِقِينَ يعنى ان لم تتقوا ولم تسمعوا كنتم قوما فاسقين والله لا يهدى القوم الفاسقين الى حجة او الى طريق الجنة وعلى هذا التفسير الذي ذكرت تطابق الاية
(مسئلة:) ولا يجوز شهادة كافر على مسلم فى شىء من الاحكام وقال اكثر المفسرين معنى قوله تعالى منكم اى من اهل دينكم وملتكم ومن غيركم اى من غير ملتكم وبه قال ابن عباس وابو موسى الأشعري وسعيد بن المسيب وابراهيم النخعي وسعيد ابن جبير ومجاهد وعبيدة فقال النخعي وجماعة هى منسوخة وكانت شهادة اهل الذمة مقبولة فى الابتداء ثم نسخت فان شهادة الكافر على المسلم لا يسمع وذهب قوم الى انها ثابتة وقالوا إذا لم يجد مسلمين ليشهد كافرين قال شريح من كان بأرض غربة ولم يجد مسلما يشهد على وصية فاشهد كافرين فشهادتهما جائزة ولا يجوز شهادة كافر على مسلم الا على وصية وعن الشعبي ان رجلا من المسلمين حضرته الوفاة بدقوقا ولم يجد مسلما يشهده على وصية فاشهد رجلين من اهل الكتاب فقدما الكوفة بتركته وأتيا الأشعري فاخبراه وقد ما بتركته ووصيته فقال الأشعري هذا امر لم يكن بعد الذي كان فى عهد النبي ﷺ فاحلفهما وامضى شهادتهما قلت ولو كان حكم هذه الاية ثابتة يجب ان يرد اليمين على الورثة ان ظهر كذب الشاهدين فى الشهادة على الوصية بوجه.
يَوْمَ يَجْمَعُ اللَّهُ الرُّسُلَ يعنى يوم القيامة ظرف متعلق بلا يهدى يعنى لا يهدى الى طريق الجنة يوم يجمع او بدل من مفعول اتقوا بدل اشتمال او مفعول لا سمعوا على حذف مضاف يعنى واسمعوا خبر يوم يجمع او منصوب بإضمار اذكروا او احذروا فَيَقُولُ الله تعالى للرسل ماذا أُجِبْتُمْ ماذا منصوب بأجبتم نصب المصدر او بنزع الخافض اى اىّ اجابة اجابتكم أمتكم او باى شى مما دعوتم قومكم اجابتكم قومكم وهذا السؤال لتوبيخ قومهم كما يسئل الموؤدة باى ذنب
إِذْ قالَ اللَّهُ بدل من يوم يجمع يعنى يوبخ الكفرة يومئذ بسوال الرسل عن اجابتهم وتعديد ما اظهر عليهم من الآيات فكذبتهم طائفة وسموهم سحرة وغلا آخرون فاتخذوهم الهة او منصوب بإضمار اذكر يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي لفظه واحد ومعناه جمع إذ المراد به الجنس عَلَيْكَ وَعَلى والِدَتِكَ مريم حيث طهرتها واصطفيتها على نساء العلمين قال الحسن ذكر النعمة شكرها إِذْ أَيَّدْتُكَ اى قويتك ظرف لنعمتى او حال منه بِرُوحِ الْقُدُسِ اى جبريل عليه السّلام او بالكلام الذي يحيى به النفوس حيوة ابدية ويطهرها من الآثام ولذا أضاف الروح الى القدس لانه سبب الطهر والذي يحيى به المولى تُكَلِّمُ النَّاسَ حال من مفعول أيدتك فِي الْمَهْدِ اى كائنا فى المهد صبيا وَكَهْلًا نبيّا يعنى يكلمهم فى الطفولية والكهولة على سواء الحق حاله فى الطفولية بحال الكهولة فى كمال العقل والتكلم بالحكمة وبه يستدل على انه سينزل فانه رفع قبل الكهولة قال ابن عباس أرسله الله وهو ابن ثلثين سنة فمكث فى رسالته ثلثين شهرا ثم رفعه الله اليه قال بعض الأفاضل لا دلالة فى النظم على التسوية بين كلام الطفولية والكهولة والاولى ان يجعل وكهلا تشبيها بليغا اى يكلمهم كائنا فى المهد وكائنا كالكهل
وَإِذْ أَوْحَيْتُ إِلَى الْحَوارِيِّينَ عطف على إذ كففت ومعنى أوحيت ألهمتهم وقذفت فى قلوبهم كذا روى عبد بن حميد عن قتادة وابو الشيخ عن السدى وقيل معناه امرتهم على لسان عيسى أَنْ آمِنُوا بِي وَبِرَسُولِي ان مصدرية ويجوز ان يكون مفسرة لاوحيت قالُوا حين امرتهم ووفقتهم آمَنَّا بالله وبرسوله وَاشْهَدْ يا عيسى بِأَنَّنا مُسْلِمُونَ مخلصون.
إِذْ قالَ الْحَوارِيُّونَ منصوب باذكر او ظرف لقالوا يا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ هَلْ يَسْتَطِيعُ رَبُّكَ قرأ الجمهور يستطيع على الغيبة وربّك مرفوعا على الفاعلية يعنى هل يطيعك ربك ان سألته فاستطاع بمعنى أطاع كاستجاب بمعنى أجاب اخرج ابن ابى حاتم عن عامر الشعبي ان عليا كان يقرأ هل يستطيع ربك قال هل يطيعك ربك وفى الآثار من أطاع الله أطاعه ويؤيده قراءة الكسائي هل تستطيع بصيغة الخطاب لعيسى وربك منصوبا على المفعولية بحذف المضاف وهى قراءة على وعائشة وابن عباس ومجاهد ورواه الحاكم من معاذ بن جبل يعنى هل تستطيع سوال ربك من غير صارف يصرفك عن سواله فيفعل ربك اجابة سوالك قالت عائشة كان الحواريون اعلم بالله من ان يقولوا هل يستطيع ان تدعوه رواه ابن ابى شيبة وابو الشيخ وغيرهما وقيل هذه الاستطاعة على ما يقتضيه الحكمة والارادة لا على ما يقتضيه القدرة فلم يقولوا شاكين فى قدرة الله بل كما يقول الرجل لصاحبه هل تستطيع ان تنهض معى وهو يعلم انه يستطيع
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
قالُوا اى الحواريون انما سألنا لانا نُرِيدُ أَنْ نَأْكُلَ مِنْها وَتَطْمَئِنَّ قُلُوبُنا بانضمام علم المشاهدة الى علم الاستدلال بكمال قدرته وَنَعْلَمَ أَنْ قَدْ صَدَقْتَنا فى ادعاء النبوة اى نزداد ايمانا او يقينا قيل ان عيسى أمرهم ان يصوموا ثلثين يوما فاذا أفطروا لا يسألون الله شيئا الا أعطاهم ففعلوا وسألوا المائدة وقالوا ونعلم ان قد صدقتنا بمعنى صدقتنا ان الله يجيب دعوتنا بعد ما صمنا ثلثين يوما وَنَكُونَ عَلَيْها مِنَ الشَّاهِدِينَ لله بالوحدانية والقدرة ولك بالنبوة بعد ما أمنا بذلك بالغيب او من الشاهدين لك عند بنى إسرائيل إذا رجعنا إليهم قيل ان عيسى حينئذ اغتسل ولبس المسيح وصلى ركعتين وطأطأ رأسه وغض بصره وبكى.
قالَ عِيسَى ابْنُ مَرْيَمَ اللَّهُمَّ رَبَّنا نداء ثان لا صفة ولا بدل لان اللهم لا يوصف ولا يبدل منه كذا قال التفتازانيّ أَنْزِلْ عَلَيْنا مائِدَةً مِنَ السَّماءِ تَكُونُ لَنا عِيداً قال السدى معناه تتخذ ذلك اليوم عيدا نعظمه نحن ومن بعدنا
إِنِّي مُنَزِّلُها يعنى المائدة قرأ نافع وابن عامر وعاصم مشدّدا من التفعيل والتفعيل يدل على التكثير مرة بعد اخرى والباقون مخففا من الافعال عَلَيْكُمْ اجابة الى سوالكم فَمَنْ يَكْفُرْ بعد نزول المائدة بَعْدُ مِنْكُمْ فَإِنِّي أُعَذِّبُهُ عَذاباً اى تعذيبا مصدر للجنس ويجوز ان يجعل مفعولا به على السعة اى أعذبه بعذاب ويراد بالعذاب ما يعذب به لا أُعَذِّبُهُ صفة لعذابا والضمير للمصدر او للعذاب بمعنى ما يعذب به على حذف حرف الجر أَحَداً مِنَ الْعالَمِينَ ع اى من عالمى زمانهم او العلمين مطلقا فانهم مسخوا قردة وخنازير لما كفروا بعد نزول المائدة ولم يعذب بمثل ذلك غيرهم وتمام حديث سلمان الفارسي المذكور انه لما سأل عيسى ذلك ربه نزلت سفرة حمراء بين غمامتين غمامة من فوقها وغمامة من تحتها وهم ينظرون إليها وهى تهوى منقضة حتى سقطت بين أيديهم فبكى عيسى عليه السلام وقال اللهم اجعلنى من الشاكرين اللهم اجعلها رحمة ولا تجعلها عقوبة واليهود ينظرون الى شىء لم يروا مثله قط ولم يجدوا ريحا أطيب من ريحه فقال عيسى عليه السّلام ليقم أحسنكم عملا فيكشف عنها ويذكر اسم الله تعالى فقال شمعون الصفار راس الحواريين أنت اولى بذلك منا يا رسول الله فقام عيسى عليه السّلام فتوضأ وصلى صلوة طويلة وبكى كثيرا ثم كشف المنديل عنها وقال بسم الله خير الرازقين فاذا هو سمكة مشوية ليس عليها قلوسا ولا شوك عليها يسيل من الدسم وعند راسها ملح وعند ذنبها خل وحولها من ألوان البقول ما خلا الكراث وإذا خمسة ارغفة على واحد زيتون وعلى الثاني عسل وعلى الثالث سمن وعلى الرابع جبن وعلى الخامس قديد فقال
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
الملئكة بمائدة يحملونها عليها سبعة ارغفة وسبعة أخوات حتى وضعتها بين أيديهم فأكل اخر الناس كما أكل أولهم وقال كعب الأحبار نزلت مائدة منكوسة تطير بها الملئكة بين السماء والأرض عليها كل الطعام الا اللحم وقال سعيد بن جبير عن ابن عباس انزل على المائدة كل شىء الا الخبز واللحم وقال قتادة كان عليها ثمر من ثمار الجنة وقال عطية العوفى نزلت من السماء سمكة فيها طعم كل شىء وقال الكلبي كان عليها خبز رز وقال وهب بن منبه انزل الله أقرصة من شعير وحيتانا وكان قوم يأكلون ثم يخرجون ويجئى آخرون فياكلون حتى أكلوا بأجمعهم وفضل وعن الكلبي ومقاتل انزل الله خبزا وسمكا وارغفة فاكلوا ما شاء الله سبحانه وتعالى والناس الف ونيف فلما رجعوا الى قراهم ونشروا الحديث ضحك منهم من لم يشهد وقالوا ويحكم انما سحرا عينكم فمن أراد الله به الخير ثبته على بصيرة ومن أراد فتنة رجع الى كفره فمسخوا خنازير ليس فيهم صبى ولا امرأة فمكثوا بذلك ثلثة ايام ثم هلكوا ولم يتوالدوا ولم يأكلوا ولم يشربوا وكذلك كل ممسوخ وقال قتادة كانت المائدة تنزل عليهم بكرة وعشيا حيث كانوا كالمن والسلوى لبنى إسرائيل هكذا اقوال اكثر العلماء وقال مجاهد والحسن لم تنزل المائدة فان الله عز وجل لما أوعدهم على كفرهم بعد نزول المائدة خافوا ان يكفر بعضهم فاستعفوا وقالوا لا نريدها فلم ينزل ومعنى قوله تعالى انى منزلها عليكم يعنى ان سألتم والصحيح هو الذي عليه الأكثرون انها نزلت لقوله تبارك وتعالى انى منزلها عليكم ولا خلف فى خبره تعالى ولتواتر الاخبار به عن رسول الله ﷺ وأصحابه والتابعين.
وَإِذْ قالَ اللَّهُ قال البغوي اختلفوا فى هذا القول متى يكون فقال السدى قاله الله تعالى ذلك حين رفعه الى السماء يدل عليه كلمة إذ فانها للماضى وصيغة قال وقال سائر المفسرين انما يقول الله تعالى له ذلك يوم القيامة يريد به توبيخ الكفرة وتبكيتهم بدليل قوله تعالى يوم يجمع
ما قُلْتُ لَهُمْ إِلَّا ما أَمَرْتَنِي بِهِ تصريح بنفي المستفهم عنه بعد تقديم ما يدل عليه أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ رَبِّي وَرَبَّكُمْ يعنى وحدوه
إِنْ تُعَذِّبْهُمْ «١» فَإِنَّهُمْ عِبادُكَ ولا اعتراض على المالك المطلق بما فعل بملكه كيف وقد عبدوا غيرك وأنت خلقتهم وشكروا سواك وأنت أنعمت عليهم وَإِنْ تَغْفِرْ لَهُمْ فَإِنَّكَ أَنْتَ الْعَزِيزُ القادر الغالب القوى على الثواب والعقاب فمغفرتك ليست عن عجز حتى يستقبح الْحَكِيمُ لا تفعل الا بمقتضى الحكمة يعنى ان عذبت
قالَ اللَّهُ هذا يَوْمُ يَنْفَعُ الصَّادِقِينَ صِدْقُهُمْ قرأ نافع يوم بالفتح اما على انه منصوب ظرفا لقال اى قال الله هذا الكلام لعيسى يوم ينفع وجاز ان يكون خبر هذا محذوف يعنى قال الله هذا حق يعنى ما قال عيسى حق قال ذلك يوم ينفع تصديقا لعيسى ومزيد توبيخ لامة او ظرفا مستقرا واقعا خبرا لهذا يعنى هذا الذي مر من كلام عيسى واقع يوم ينفع فالجملة تأكيد لما سبق واما على انه مرفوع خبرا لهذا لكنه بنى على الفتح لاضافته الى المبنى لا يقال انه مضاف الى المضارع وهو معرب لانا نقول المضاف اليه هو.......
الجملة الفعلية لا المضارع فحسب وقرأ الجمهور بالرفع بالضم على انه خبر هذا وفيه رد لما يفهم من الاستغفار فى حق الكفار يعنى هذا يوم ينفع الصادقين صدقهم دون الكاذبين الكفار حيث لا مغفرة لهم ويحتمل ان يراد به ازالة خوف عيسى من صورة هذا السؤال والمعنى هذا يوم ينفع الصادقين فى الدنيا صدقهم فى الاخرة واما الكاذبون فى الدنيا لو صدقوا فى الاخرة وقالوا لم نك من المصلين ولم نك نطعم المسكين وقال
لِلَّهِ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَما فِيهِنَّ لم يقل من فيهن تغليبا للعقلاء وقال ما فيهن اتباعا لهم غير العقلاء تنبيها لغاية قصورهم عن مرتبة الالوهية بسبب مجالستهم لغير العقلاء فى الإمكان والقصور فى العلم والارادة ونحو ذلك بل الصفات الكاملة فى الممكن بمنزلة العدم قال الله تعالى انك ميت وانهم ميتون يعنى فى حد ذواتكم ولان كلمة ما تطلق على الأجناس كلها فهى اولى لارادة العموم وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ من المنع والإعطاء والإيجاد والافناء.
تمّت سورة المائدة وعمت الفائدة ونرجوا العائدة إنشاء الله تعالى فى السادس عشر من ذى القعدة سنة الف ومائة وثمان وتسعين.
تم عرض جميع الآيات
113 مقطع من التفسير