تفسير سورة سورة النور

إبراهيم القطان

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
تفسير الشعراوي
الشعراوي
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
أحكام القرآن
البيهقي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير آيات الأحكام للسايس
محمد علي السايس
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
زهرة التفاسير
محمد أبو زهرة
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
روائع البيان في تفسير آيات الأحكام
محمد علي الصابوني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
مكي بن أبي طالب
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير سفيان الثوري
عبد الله سفيان بن سعيد بن مسروق الثوري الكوفي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير يحيى بن سلام
يحيى بن سلام
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
تفسير ابن خويز منداد
ابن خويزمنداد
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
ابن حزم
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
مجالس التذكير من كلام الحكيم الخبير
ابن باديس
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
زهرة التفاسير
أبو زهرة
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

تيسير التفسير

إبراهيم القطان (ت 1404 هـ)

السورة: المنزلة الرفيعة، الفضل والشرف، العلامة. فرضناها: أوجبنا العمل بها. يرمون المحصنات: يقذفون العفيفات بالزنا.
﴿سُورَةٌ أَنزَلْنَاهَا وَفَرَضْنَاهَا وَأَنزَلْنَا فِيهَآ آيَاتٍ بَيِّنَاتٍ لَّعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾.
هذه سورة أوحينا بها وأوجبنا أحكامَها، وأنزلنا فيها دلائلَ واضحةً على قدرة الله ووحدانيته، لعلّكم تتعظون فتعملون بهذه التعاليم الإلهية.
﴿الزانية والزاني فاجلدوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلاَ تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ الله إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بالله واليوم الآخر وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَآئِفَةٌ مِّنَ المؤمنين﴾.
تبين هذه الآية الكريمة حدَّ الزاني غير المتزوج والزانية غير المتزوجة إذا ثبت عليهما ذلك بإقرارهما او بشهادةِ أربعة شهودٍ رأوا ذلك العملَ بأعينهم وحلفوا عليه، فلو كانوا ثلاثةَ شهود لا تثبتُ الجريمة، ولا يقع الحّد. وتنص الآية ان لا ترأفَ عند تنفيذ الحكم. وتطلب ان يكون ذلك بمشهدٍ من الناس، ليكونَ في العقاب ردع لغيرهما من الناس. ويزاد على عقاب الجلد ان يغرَّب الزاني عاماً عن بلّده عند جمهور العلماء، وعند أبي حنيفة أن التغريب عائدٌ إلى رأي الإمام ان شاء غرَّبَ وان شاء لم يغرِّب.
قراءات:
قرأ ابن كثير: رآفة بفتح الهمزة ومدها. والباقون: رأْفة بإسكان الهمزة. وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: فرّضناها بتشديد الراء اي فصّلناها. والباقون: فرضناها بفتح الراء دون تشديد.
أما عقوبة الزاني المتزوج فقد ثبتت بالسنّة الشريفة أنها القتلُ رجماً بالحجارة. وكانت العقوبة في أول الإسلام: للمرأة الحبسُ في البيت والأذى والتعبير، وللرجل الأذى والتعيير كما تنص الآية على ذلك من سورة النساء: ﴿واللاتي يَأْتِينَ الفاحشة مِن نِّسَآئِكُمْ فاستشهدوا عَلَيْهِنَّ أَرْبَعةً مِّنْكُمْ فَإِن شَهِدُواْ فَأَمْسِكُوهُنَّ فِي البيوت حتى يَتَوَفَّاهُنَّ الموت أَوْ يَجْعَلَ الله لَهُنَّ سَبِيلاً﴾ الآيتان ١٥، ١٦. ثم نسخ هذا الحكم بهذه الآية.
فالإسلام جاء ليحافظ على المصالح المعتبرة وهي خمس:
١ - المحافظة على النفس.
٢ - المحافظة على الدين.
٣ - المحافظة على العقل.
٤ - المحافظة على المال.
٥ - المحافظة على العِرض.
فالقتلُ اعتداءٌ على النفس، والردّةُ اعتداء على الدين، وتعاطي الخمر والمخدّرات اعتداء على العقل، والسرقةُ اعتداء على المال، والزنا اعتداء على العرض.
﴿الزاني لاَ يَنكِحُ إِلاَّ زَانِيَةً أَوْ مُشْرِكَةً والزانية لاَ يَنكِحُهَآ إِلاَّ زَانٍ أَوْ مُشْرِكٌ وَحُرِّمَ ذلك عَلَى المؤمنين﴾.
روى مجاهد وعطاء وغيرهم من المفسّرين أن المهاجرين لما قدِموا المدينة كان فيهم فقراء ليس لهم أموال ولا أقارب في المدينة، وكان فيها عدد من النساء بغايا يؤجّرون انفسهن، وهن يومئذ اخصبُ أهل المدينة عيشا، وعلى أبوابهن رايات للتعريف عنهن، فرغبَ في زواجهن رجالٌ من فقراء المسلمين المهاجرين، وقالوا نتزَّوجُهن الى أن يُغنينا الله عنهن، فاستأذنوا رسول الله ﷺ فنزلت الآية.
— 488 —
وفي هذه الآية زَجرٌ كبير، وإيضاح بأن من يرغب في زواج الزانية فهو زانٍ او مشرك، والزانية لا يرغبُ في زواجها الصالحون من الرجال المؤمنين، وهذا النكاح لا يليق بالمؤمنين فهو محرم عليهم.
أما إذا تابت الزانيةُ فيجوز الزواج منها، وكذلك الزاني إذا تاب يجوز ان يتزوج من المؤمنات العفيفات، كما نصّ على ذلك الإمامُ أحمد رضي الله عنهـ.
﴿والذين يَرْمُونَ المحصنات ثُمَّ لَمْ يَأْتُواْ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فاجلدوهم ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلاَ تَقْبَلُواْ لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وأولئك هُمُ الفاسقون إِلاَّ الذين تَابُواْ مِن بَعْدِ ذلك وَأَصْلَحُواْ فَإِنَّ الله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
والذين يتّهمون العفيفاتِ من النساء بالزنا، ثم لا يُثبتون ذلك بأربعة شهود عدولٍ يشهدون انهم رأوا ذلك بالعين، فعاقِبوهم بالضرب ثمانية جلدة، ولا تقبلوا شهادتهم على أي شيء مدى الحياة، جزاءً على هذه الفِرية الشنيعة. هؤلاء خارجون عن طاعة ربهم، وأصحاب واحدةٍ من الكبائر، إلا الذين رجعوا منهم عما قالوا وندموا على ما تكلموا به وتابوا توبةً نصوحا، فان الله يتجاوز عنهم ويغفر لهم.
— 489 —
يرمون أزواجهم: يتهمون زوجاتهم بالزنا. يدرأ عنها العذاب: يدفع عنها الحد.
والذين يتهمون زوجاتِهم بالزنا، ولا يستطيعون إثباته بأربعة شهود عدول، فان على الواحد منهم ان يشهد بالله أربعَ شهادات (يعني اربع مرات) انه صادق في هذا الاتهام، ويقول في المرة الخامسة أن عليه لعنةَ الله إن كان من الكاذبين.
وعلى الزوجة إذا لم تعترف بهذا الاتهام ان تقفَ وتقول أربع مرات: أشهدُ بالله أن الزوجَ كاذب في اتهامه إياها بالزنا، وتقول في المرة الخامسة إن عليها غضبَ الله إن كان زوجها من الصادقين. وهذا يدفعُ عنها الحد.
وفي هذه الحالة يقضي القاضي بالتفريق بينهما إلى الأبد، وتحرُم عليه حرمةً مؤبدة، ويسقط عنها الحد، وينتفي نسَب الولد عن الزوج فلا يرثه، ويبقى الولد ابنَ الزوجة فقط هي أمه الشرعية، وليس لها مسكن ولا نفقة وليس لها أيّ حقوق من زوجها.
وهذا التشريع من لطف الله وحكمته، فيه ستر للأعراض، وتهدئةٌ للنفوس، واطمئنانٌ للقلوب، وتيسير على الناس.
وقد عقّب الله بعد ذلك بقوله الكريم:
﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله تَوَّابٌ حَكِيمٌ﴾.
من فضل الله عليكم ورحمته بكم أن شرع لكم هذه الأحكام الميسّرة، وإلا لكان وقَعَ بينكم شر عظيم. لقد ستر عليكم، ورفع عنكم الحدَّ باللعان، وإن الله توابٌ حكيم. وجواب لولا محذوف تقديره: لفضحكم وعاجلكم بالعقوبة.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وحفص: فشهادة أحدهم اربعُ شهادات برفع العين. والباقون: أربعَ شهادات بفتح العين. وقرأ نافع ويعقوب: والخامسة أنْ لعنةُ الله، وأنْ غضبُ الله عليها بإسكان النون، ورفع كلمة لعنة. وق {أنافع: وأنْ غَضِبَ الله عيها. وقرأ يعقوب وان غضب الله عليها. والباقون: والخامسة انّ لعنةَ الله.... وانّ غضبَ الله، بتشديد ان وفتح لعنةَ وغضب. وقرأ حفص: والخامسةَ ان غضب الله عليها بنصب الخامسة. والباقون بالرفع.
الإفك: الافتراء، والفعل أفَك يأفِك مثل ضرب يضرب، وأفِك يأفَك: مثل علم يعلم. وأفك الناسَ: كذبهم. العصبة: الجماعة. تولى كبره: تحمل معظمه. إفك مبين: كذب ظاهر. لولا: بمعنى هلا. أفضتم فيه: خضتم فيه. اذ تُلقون بألسنتكم: اذ تتلقون الإفك ويتناقله بعضكم عن بعض. بهتان عظيم: كذب محير لفظاعته. تشيع: تنتشر. الفاحشة: الزنا، وكل أمر قبيح.
﴿إِنَّ الذين جَآءُوا بالإفك عُصْبَةٌ مِّنْكُمْ لاَ تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَّكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ لِكُلِّ امرئ مِّنْهُمْ مَّا اكتسب مِنَ الإثم والذي تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾.
نزلت هذه الآيات العشر في شأن عائشة أم المؤمنين، رضي الله عنها، حين رماها أهلُ الافك والبهتان من المنافقين ومن انضمّ إليهم من بعض المؤمنين بما قالوه من الكذب والافتراء. وكان القصدُ من ذلك إيذاءَ الرسول الكريم ﷺ في أحبّ نسائه اليه، فأنزل الله تعإلى هذه الآيات لبراءتها. وهذا باتفاق المفسرين والرواة من جميع الطوائف والمذاهب الإسلامية إلا من شذ.
وقد روى حديثَ الافك عددٌ من العلماء في مقدمتهم البخاري عن السيدة عائشة وابن الزبير؛ وأم رومان ام السيدة عائشة؛ وابن عباس وأبي هريرة وابي اليسر. كما رواه عدد من التابعين. والحديث طويل من أراده فليرجعْ الى صحيح البخاري وسيرة ابن هشام وغيرهما.
وخلاصته: ان الرسول الكريم كان إذا أراد سفراً عمل قُرعةً بين زوجاته، فالتي تخرج قرعتها أخذها معه. وفي سنة ستٍ من الهجرة (كما حدّدها ابن هشام في السيرة) خرج الرسول الى غزوة بني المصطَلِق وأخذ السيدة عائشة معه. فلما انتهى من الغزوة رجع، تقول السيدة عائشة: «حتى إذا قَفَلْنا ودنونا من المدينة، نزلنا منزلا. ثم نوديَ بالرحيل في الليل، فقمتُ لأقضي حاجة، ومشيتُ حتى جاوزتُ الجيش. فلما قضيت شأني أقبلت الى رحلي فلمست صدري فإذا عِقدي قد انقطع. فرجعتُ ألتمسه. فحبَسَني ابتغاءه. وجاء الذين توكلوا بهَوْدَجي فاحتملوه ووضعوه على بعيري وهم يحسبون إني فيه لخفّتي في ذلك الوقت. ورحَلَ الناس. وبعد ان وجدت عقدي جئت الى منزل الجيش فلم أجد أحدا، فجلست في مكاني وأنا أعلم أنهم سوف يفتقدونني ويعودون في طلبي. فبينما أنا جالسة في مكاني غلبتني عيني فنمت. وكان صفوان بن المعطّل السُّلَمي قد تخلف عن الجيش، فلما ورآني عرفني، فاستيقظت على صوته وهو يقول: إنا لله وأنا اليه راجعون. فخمَرتُ وجهي بجلبابي، وواللهِ ما تكلّمنا بكلمة ولا سمعت منه غير استرجاعه. ثم أناخ راحلته فقمتُ إليها فركبتها، وانطلق يقود بي الراحلة حتى أدركنا الجيشَ عند الظهر وهم نزول. وكانوا قد افتقدوني وماج القوم في ذكري. فبينما الناس كذلك إذ وصلتُ عندهم.
— 491 —
«وبعد وصولهم إلى المدينة، بدأ الناس يتهامسون: ما بالُ عائشة تأخرتْ عن الجيش، وجاءت مع صفوان على بعيره، وصفوان شاب وسيم الطلعة مكتمل القوة! وقاد هذه الحركة وتولّى كِبرها رأسُ المنافقين عبدُ الله بن أبَيّ وبعض المؤمنين سيأتي ذكرهم وعددٌ من المنافقين.
وبلغ النبيَّ الخبرُ، واضطرب له. وبعد مدة بلغ السيدة عائشةَ الخبر. وهاج الناس وماجوا واضطربت المدينة لهذا الخبر، وبقيتْ كذلك مدة شهر إلى ان نزلت هذه الآيات تبرىء السيدة عائشة وتحسم الموضوع حسماً كاملا.
ان الذين اتهموا عائشةَ أمَّ المؤمنين بالزنا هم جماعة من كبار الكذّأبين المفترين، وهم من المنافقين الموجودين بينكم، لا تظنوا هذه الحادثة شراً لكم بل هي خير لكم، لأنها ميزت المنافقين من المؤمنين، وأظهرت كرامة المبَّرئين منها، ولكل امرئ منهم جزاؤه على مقدار اشتراكه في هذه الجريمة.
﴿تولى كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
ورأسُ الكفر والمنافقين عبدُ الله بن أبيّ هو الذي قاد هذه الحركة وتولى معظمها - له يوم القيامة عذابٌ عظيم. وقد انساق معه بعض المؤمنين منهم حسّان بن ثابت ومِسطَح بن اثاثة وهو أقارب ابي بكر الصديق، وحمنة بنتُ جحش أختُ زينب أم المؤمنين. ولما نزلت آية البراءة أمَرَ رسول الله ﷺ بجَلْدِهم.
﴿لولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ ظَنَّ المؤمنون والمؤمنات بِأَنْفُسِهِمْ خَيْراً وَقَالُواْ هاذآ إِفْكٌ مُّبِينٌ﴾.
كان مقتضى الإيمان ان تظنوا بمن اتُّهم خيرا عند سماعِ هذه التهمة، وكان عليكم ان تقولوا هذا كذبٌ واضح لا يصدَّق.
ثم علل لسبحانه كذب الآفكين ووبخهم على ما اختلقوه واذاعوه فقال:
﴿لَّوْلاَ جَآءُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَآءَ فَإِذْ لَمْ يَأْتُواْ بِالشُّهَدَآءِ فأولئك عِندَ الله هُمُ الكاذبون﴾
هلاّ جاء الخائضون في الإفك بأربعةِ شهداءَ يشهدون على ثبوت ما قالوه، فإن لم يستطيعوا فهم الكاذبون فيما اتَّهموا به عائشة.
﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ فِي الدنيا والآخرة لَمَسَّكُمْ فِي مَآ أَفَضْتُمْ فِيهِ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
ولولا تفضُّلُ الله عليكم ببيان الأحكام، ورحمتُه لكم في الدنيا بعدم التعجيب بالعقاب، وفي الآخرة بالمغفرة - لنزل بكم عذابٌ عظيم على هذه التهمة الشنيعة.
﴿إِذْ تَلَقَّوْنَهُ بِأَلْسِنَتِكُمْ وَتَقُولُونَ بِأَفْوَاهِكُمْ مَّا لَّيْسَ لَكُمْ بِهِ عِلْمٌ وَتَحْسَبُونَهُ هَيِّناً وَهُوَ عِندَ الله عَظِيمٌ﴾.
فقد تناقلتم هذه التهمةَ بألسنتكم وأشعتُموها بينكم، وتخوضون فيما لم يكن لكم علمٌ بصحته، وتحسبَون ان هذا الأمر هين بسيطٌ لا يعاقِب الله عليه، مع أنه أمرٌ خطير عظيم يعاقِبُ عليه الله اشد العقاب.
﴿ولولا إِذْ سَمِعْتُمُوهُ قُلْتُمْ مَّا يَكُونُ لَنَآ أَن نَّتَكَلَّمَ بهذا سُبْحَانَكَ هذا بُهْتَانٌ عَظِيمٌ﴾
كان عليكم أن تقولوا حين سمعتموه: إن هذا كذِبٌ واختلاقٌ كبير، وأن تنصحوا بعدمِ الخوض فيه.... لأنه غير لائق بكم، وأن تقولوا متعجِّبين من هول هذه الفِرية: سبحانك يا ربّ، نحن ننزهك، إن هذا كذبٌ عظيم.
— 492 —
ثم حذّر الله المؤمنين أن يعودوا لمثل هذا فقال:
﴿يَعِظُكُمُ الله أَن تَعُودُواْ لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُمْ مُّؤْمِنِينَ﴾
يعِظُكم الله بهذه المواعظ وينهاكم ان تعودوا لمثل هذه المعصية ابدا، ان كنتم مؤمنين حقّاً، لأن هذه الأعمال تتنافى مع الإيمان الصادق.
﴿وَيُبَيِّنُ الله لَكُمُ الآيات والله عَلِيمٌ حَكِيمٌ﴾
ويفصّل الله لكم في كتابه الآياتِ الدالةَ على الأحكام ومحاسن الفضائل والآداب، واللهُ واسعُ العلم لا يغيب عنه شيءٌ من أعمالكم وهو الحكيم في كل ما يشرع ويخلق.
﴿إِنَّ الذين يُحِبُّونَ أَن تَشِيعَ الفاحشة فِي الذين آمَنُواْ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدنيا والآخرة والله يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ﴾.
ان الذين يحبّون ان يُفشوا القبائح ويتهمون بها المؤمنات لهم عذاب مؤلم في الدنيا بالعقوبة المقررة، وفي الآخرة بالنار، واللهُ عليم بجميع أحوالكم وأنتم لا تعلمون ما يعلمه.
﴿وَلَوْلاَ فَضْلُ الله عَلَيْكُمْ وَرَحْمَتُهُ وَأَنَّ الله رَءُوفٌ رَّحِيمٌ﴾ ولولا فضل الله عليكم ورحمته بكم، لَما بيَّن لكم الأحكامَ ولعَجَّلَ عقوبتكم في الدنيا وكنتم من الهالكين.
— 493 —
خُطُوات: بضم الخاء والطاء، واحدتها خطوة: المسافة ما بين الرِجلين في المشي، والمقصود: وساوس الشيطان. لا يأتلِ: لا يحلف. أولو الفضل: الأغنياء. المحصنَات: العفيفات. الغافلات: سليمات الصدور، اللاتي لا يفكرون في السوء. دينهم الحق: جزاءهم الثابت. ان الله هو الحق: ان الله هو الموجود الظاهر الذي بقدرته وجود كل شيء ويبين لهم حقيقة ما كان يعدهم في الدنيا.
﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَتَّبِعُواْ خُطُوَاتِ الشيطان...﴾.
يا أيها الذين آمنوا، لا تسلكوا سُبُلَ الشيطان، بل احذَروا وساوسه التي تجرّكم إلى إشاعة الفاحشة والمعاصي بينكم. ومن يتبع الشيطان فقد عصى.... لأنه يأمر بكبائر الذنوب. ولولا فضلُ الله عليكم ورحمته بكم ببيان الأحكام - ما طَهُرَ أحدٌ منكم من ذنوبه ابدا، ولكن الله يطهِر مَن يشاء من خلقه بقبول توبته، واللهُ سميع لما تقولون، عليم بما في قلوبكم.
﴿وَلاَ يَأْتَلِ أُوْلُواْ الفضل مِنكُمْ والسعة أَن يؤتوا أُوْلِي القربى والمساكين والمهاجرين فِي سَبِيلِ الله وَلْيَعْفُواْ وليصفحوا أَلاَ تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ الله لَكُمْ والله غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾.
كان أبو بكر الصدّيق ينفق على مسطح بن أثاثه ابنِ خالته، وهو صحابي بدريّ من المهاجرين الفقراء، ولكن هذا كان من الخائضين في حديث الإفك، فحلف أبو بكر ان يقطع النفقة عنه، فنزلت هذه الآية:
لا يحلف أصحابُ الفضل من الأغنياء منكم الامتناعَ عن الإنفاق على أقاربهم من المساكين والمهاجرين ولو أساؤوا اليهم، بل عليهم ان يسامحوهم ويصفحوا عنهم. ألا تحبّون أن يستر الله عليكم ويغفر لكم ذنوبكم!! إن الله غفورٌ لذنوب من أطاعه رحيم به. فاستغفرَ أبو بكر ربه وأعاد النفقة على مسح.
﴿إِنَّ الذين يَرْمُونَ المحصنات الغافلات المؤمنات لُعِنُواْ فِي الدنيا والآخرة وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ﴾
ان الذين يتّهمون المؤمناتِ المتزوجاتِ الشريفاتِ الغافلات عن كل سوء عليهم لعنةُ الله والطردُ من رحمته في الدنيا، ولهم عذابٌ عظيم في الآخرة.
﴿يَوْمَ تَشْهَدُ عَلَيْهِمْ أَلْسِنَتُهُمْ وَأَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُمْ بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ يَوْمَئِذٍ يُوَفِّيهِمُ الله دِينَهُمُ الحق وَيَعْلَمُونَ أَنَّ الله هُوَ الحق المبين﴾.
في ذلك اليوم العظيم لا يحتاج الله شهوداً، لأن جوارحَ الإنسان تشهد عليه بما كان يعمل... الله تعالى يجعلُها تنطق بالحق. وعند ذلك يحاسبُهم الله حساباً دقيقا ويجزيهم على ما عملوا جزاءَ الحق والعدل. عندئذٍ يعلمون أن ما وعدَهم الله هو الحق الذي لا شك فيه ولا ريب.
تستأنسوا: تستأذنوا، لأن إلاستئذان يحصل به الأنس لأهل البيت. تذكرون: تتعظون. أزكى: اطهر. جُناح. حرج. المتاع: كل ما يُنتفع به من طعام وأثاث ومال.
﴿الْخَبِيثَاتُ لِلْخَبِيثِينَ﴾.
في هذه الآية تأكيدٌ على نفي الريبة عن السيدة عائشة بأجلي وضوح، فقد جرت سُنةُ الله في خلقه على مشاكلة الأخلاق والصفات بين الزوجين، فالطيّبات للطيبين والخبيثات للخبيثين... ورسولُ الله ﷺ من أطيب الطيبين، وكذلك الصدّيقة عائشة يجب ان تكون من أطيب الطيبات على مقتضى المنطق السليم.
﴿أولئك مبرئون مِمَّا يَقُولُونَ...﴾.
مبرؤون من التهم التي يلصقها بها المنافقون، وقد منَّ الله عليهم بالغفران ورزق كريم عند ربهم في جنات النعيم.
﴿يا أيها الذين آمَنُواْ لاَ تَدْخُلُواْ بُيُوتاً غَيْرَ بُيُوتِكُمْ.... الآيات﴾
في هذه الآيات الثلاثة يبن الله تعالى حُكمَ دخولِ المرء بيتَ غيره، وانه لا يجوز لأي إنسان ان يدخل بيت غيره الا بعد الاستئذان، فعلى المؤمنين ان لا يدخلوا بيوتَ غيرهم الا بعد ان يستأذنوا ويسلِّموا على أهلها. فإن لم يجدوا فيها أحداً فلا يجوز لهم ان يدخلوها، وان قيل لهم ارجعوا لأننا مشغولون لا نستطيع استقبالكم فيعلهم ان يرجعوا، فان ذلك من فضائل الأخلاق، وحُسنِ المعاشرة، وهو أزكى لهم وأَطهر.
ولا بأس ان يدخل المرء بيتاً وضع فيه حاجاتِه ومتاعه، ان كان غير مسكون، وله ان يدخله دون اذن، والله يعلم ما يُظهره الإنسان وما يخفيه فليتّقِ الله وليراقبْ نفسه.
يغضوا من أبصارهم: يكفّونها عن المحرمات ويخفضونها. الخُمُر: جمع خمار وهو ما تغطي به المرأة رأسها. الجيوب: واحدها جيب، وهو فتحة في أعلى القميص. البعولة: إلازواج، واحدها بعل. الإربة: الحاجة إلى النساء، يقال أرِب الرجل إلى لاشيء إذا احتاج اليه، والأربة والأرَب بفتح الهمزة والراء، والمأربة بفتح الراء بمعنى واحد. الطفل: يطلق على الواحد والجمع والمذكر والمؤنث، ويجوز ان يقال طفل وطفلة وأطفال وطفلات، ويقال له طفل حتى يبلغ. لم يظهَروا على عورات النساء: لم يبلغوا حد الشهوة ولا يدرون ما هي.
﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنِينَ يَغُضُّوا مِنْ أَبْصَارِهِمْ﴾
في هاتين الآيتين تعليمٌ لنا وتهذيب لأخلاقنا، لأن الإسلام يهدف الى إقامة مجتمع سليم نظيف، وذلك بالحيلولة دون استثارة المشاعر، وإبقاء الدافع الفطري العميق بين الجنسين سليماً. ذلك أن الميل الفطري بين الرجل والمرأة مَيْلٌ عميق في التكوين الحيوي، لأن الله قد أناط به امتدادَ الحياة على هذه الأرض. والله سبحانه يرشدنا الى أرقى الأخلاق وأسماها لنعيش في أمن وسلام.
قل أيها الرسول للمؤمنين: كفُّوا أبصاركم عما حرَّم الله عليكم من عورات النساء ومواطن الزينة منهن، واحفظوا أنفسكم من عمل الفاحشة. ان ذلك الأدبَ أكرمُ بكم واطهرُ وأبعدُ عن الوقوع في المعصية. ﴿إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا يَصْنَعُونَ﴾ فلا يخفى عليه شيء مما يصدُر منهم من الأفعال.
وبعد ان أمر المؤمنين بغضّ أبصارهم - أمر المؤمنات كذلك. فقل يا أيها النبي للمؤمنات: عليهنّ ان يحفظن أبصارهن فلا ينظرن الى المحرَّم من الرجال. ويحفظن انفسَهن من الوقوع في الزنا وفتنة الغير. وذلك بستر أجسامهن ما عدا الوجه والكفّين. وهذا معنى قوله تعالى: ﴿وَلاَ يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلاَّ مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾.
ولما نهى عن إبداء الزينة أرشدَ الى إخفاء بعض مواضعها فقال:
﴿وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ على جُيُوبِهِنَّ﴾
وليضعن الخمارَ على رؤوسهن ليَسْتُرْنَ بذلك شعورهن وأعناقهن وصدورهن.
﴿وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إِلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ﴾
لا يحلُّ لهنّ ان يُظهرن شيئا من أجسامهن الا لأزواجهن والأقارب الذين يحرُم عليهن التزوج منهم تحريماً مؤبدا مثل آبائهن او آباء أزواجهن، أو أبنائهن، أو أبناء أزواجهن من زوجات سابقات، او إخوانهن أو أبناء إخوانهن او ما ملكت أيمانهن من الأرقاء، او من يشتغل عندهن من المسنّين الذي ماتت شهواتهم والأطفال الذين لم يبلغوا سن البلوغ.
ثم نهى الله عن إظهار وسوسة الحليّ وما يثير الشهوة فقال:
﴿وَلاَ يَضْرِبْنَ بِأَرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِن زِينَتِهِنَّ﴾
اطلبْ منهن أيها الرسول ان لا يفعلن شيئا يجلب أنظار الرجال الى ما خَفِيَ من الزينة، وكل ما يثير الفتنةَ من المشي غير المعتاد.
﴿وتوبوا إِلَى الله جَمِيعاً أَيُّهَ المؤمنون لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُون﴾
ارجعوا الى الله والى طاعته فيما أمركم به ونهاكم عنه من عاداتِ الجاهلية، والتزِموا آدابَ هذا الدين القويم لتسعدوا في دنياكم وأخراكم.
قراءات:
قرأ ابن عامر وأبو بكر: غير أولي الإربة، بنصب غيرَ. والباقون: غير بالجر كما هو في المصحف.
الأيامى: واحدهم أيِّم، وهو غير المتزوج رجلا كان او امرأة، بكرا او ثيبا. يقال: آم الرجل وآمت المرأة إذا لم يتزوجا.
منم عبادكم: من عبيدكم. الإماء: جمع أمة وهي المملوكة.
والذين يبتغون الكتاب: المكاتبة وهي ان يكاتب العبدُ سيده على مبلغ من الماء اذا أداه إليه يصبح حرا. الفتيات: الأماء. البغاء: الزنا. التحصن: العفة. مبينات: مفصلات لكل ما تحتاجون.
﴿وَأَنْكِحُواْ الأيامى مِنْكُمْ والصالحين مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمائِكُمْ إِن يَكُونُواْ فُقَرَآءَ يُغْنِهِمُ الله مِن فَضْلِهِ والله وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾.
وزوِّجوا من لم يتزوج من رجالكم ونسائكم، وأعينوهم على الزواج، حتى لا يقعوا في المعصية، ويسِّروا الزواج بقدْرِ ما تستطيعون من تقليل المهور، والمساعدة بكل الوسائل.
وأعِينوا الصالحين من عبيدِكم وإمائكم على الزواج ليتحصنّوا او يعفُّوا. ولا تنظروا إلى فقرِ من يخطُب او فقرِ من تريدون زواجَها، ففي فضل الله ما يغنيهم، واللهُ ذو سعةٍ عليمٌ بكل شيء.
﴿وَلْيَسْتَعْفِفِ الذين لاَ يَجِدُونَ نِكَاحاً حتى يُغْنِيَهُمُ الله مِن فَضْلِهِ﴾
اما الذين لا يجدون القدرة على مؤونات الزواج فعليهم أن يصبروا ويسلكوا طرق العفّة وينتظروا حتى يغنيَهم الله من فضله. وقد ورد في الحديث الصحيح ان النبي ﷺ قال «يا معشرَ الشباب، من استطاع منكم الباءةَ فليتزوجْ، فإنه أغضُّ للبصر وأحصنُ للفرج. ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وِجاء»
الباءة: النكاح ومؤنته. الوجاء: الخِصاء، يعني انه يعين على نسيان النكاح.
وفي الحديث الصحيح: «ثلاثةٌ حقٌ على الله عونُهم: المجاهدُ في سبيل الله، والمكاتب الذي يريد الأداء، والناكح الذي يريد العفاف» أخرجه الترمذي والنسائي.
﴿والذين يَبْتَغُونَ الْكِتَابَ مِمَّا مَلَكَتْ أَيْمَانُكُمْ فَكَاتِبُوهُمْ إِنْ عَلِمُتُمْ فِيهِمْ خَيْراً﴾
هنا يحثّ الله تعالى على تيسير تحرير الرقيق.... فكل عبدٍ أو عبدة تريد التحرر وتكاتب سيّدَها على مبلغ من المال - على المؤمنين ان يساعدوهما في ذلك ويسهّلوا لهما طريق الحرية من العبودية. وهكذا كان الإسلام أول من شرع تحرير الرقيق، وقد انتهى نظام الرق الآن.
ثم حث الله المؤمنين جميعاً على تحرير الرقاب فقال:
﴿وَآتُوهُمْ مِّن مَّالِ الله الذي آتَاكُمْ﴾
وعلى جميع المسلمين أن يساعدوا أولئك الذين يريدون التحرّرَ فدفْعِ ما يستطيعون من الأموال لهم حتى يتم تحريرهم.
ثم نهى المؤمنين عن السعي في جمع المال من الطرق غير المشروعة فقال:
﴿وَلاَ تُكْرِهُواْ فَتَيَاتِكُمْ عَلَى البغآء إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً لِّتَبْتَغُواْ عَرَضَ الحياة الدنيا﴾
كان من عادات الجاهلية ان الرجل يكون عنده غماء فيُكرهُهُنَّ على البغاء حتى يكسبن له المال، ليأخذَ أجورهن. وكانت هذه العادة فاشية فيهم. وقد اشتكت بعضُ الجواري الى الرسول الكريم ﷺ فأنزل الله هذه الآية ليقطع دابر تلك العادة القبيحة.
﴿وَمَن يُكْرِههُنَّ فِإِنَّ الله مِن بَعْدِ إِكْرَاهِهِنَّ غَفُورٌ رَّحِيمٌ﴾
ومن يكره غماءه على البغاء فإن الله غفور رحيم لهنّ، والذنبُ على المكرِه، وقد وعد المكرَهاتِ بالمغفرة بعد الإكراه على عملِ لا يدَ لهن فيه.
﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَآ إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ وَمَثَلاً مِّنَ الذين خَلَوْاْ مِن قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِّلْمُتَّقِينَ﴾
لقد أنزلنا إليكم في هذا القرآن آياتٍ واضحةً مبينّةٌ للأحكامٍ، كما أنزلنا اليكم أمثلةً من أحوال الأمم السابقة، وإرشاداتٍ ومواعظَ للذين يخافون الله وهدى وعزاً لمن تولاه.
المشكاة: الكوّة في الحائط غير نافذ يوضع فيها المصباح. الزجاجة: القنديل من الزجاج. دريّ: مضيء متلألئ نسبةً إلى الدر. لا شرقية ولا غريبة: يعني في مكان متوسط، لا شرقية فتُحرم حرارة الشمس آخر النهار، ولا غريبة فتحرمها أول النهار. الغدوّ: جمع غدوة: الصباح. الآصال: جمع أصيل، وهو المساء.
﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
الله مصدرُ النور في هذا الكون، فهو منوِّرُ السماواتِ والأرضِ بكلّ نورٍ حسّي نراه ونسير فيه، وبكل نورٍ معنويّ كنور الحق والعدل، والعلم والفضيلة، والهدى والإيمان. إن مَثَلَ نوره الباهر في الوضوح كمَثَلِ نور مصباح شديد التوهج، وُضع في فجوة من حائط يشعّ نوره، وقد وُضع المصباح في زجاجة يتلألأ نورها كالدّر (والعربُ تسمي النجومَ العظام الدَّراري)، ويستمدّ هذا المصباح وقودَه من زيتِ شجرةٍ مباركة طيبة التربة والموقع، زيتونةٍ مغروسة في مكان معتدل لا يسترها عن الشمس في وقتِ النهار شيء، فهي شرقية غربية، تصيبها الشمسُ بالغداة والعشي، يكاد زيت هذه الشجرة لشدة صفائه يضيء ولو لم تمسّه نار المصباح.
﴿نُّورٌ على نُورٍ﴾
نور مترادِف متضاعف تجمَّع فيه نور المشكاة والزجاج والمصباح والزيت، وفق ذلك كله نورُ رب العالمين بهدْيه الناسَ الى الصراط المستقيم.
﴿يَهْدِي الله لِنُورِهِ مَن يَشَآءُ وَيَضْرِبُ الله الأمثال لِلنَّاسِ والله بِكُلِّ شَيْءٍ عَلَيِمٌ﴾
وهكذا، تكون الشواهد المنبثة في هذا الكون، الحسّيُّ منها والمعنوي، آياتٍ واضحةً لا تدع مجالاً للشك في وجود الله، والله يوفق من يشاء الى الإيمان، إذا حاول الانتفاعَ بنور عقله. وهو يأتي بالأمثلة المحسوسة ليسهّل على الناس إدراكها، ولما فيها من الفوائد والنصح والإرشاد. وهو سبحانه واسع العلم، محيطٌ بكل شيء، يعطي هدايته من يستحقّها ممن صفَتْ نفوسهم واستعدّوا لتلقي أحكام الدين وآدابه.
قراءات:
قرأ ابن كثير ونافع وابن عامر وحفص: دُرّي بضم الدال والتشديد الراء بدون همز. وقرأ أبو عمرو والكسائي: دِريء بكسر الدال والهمزة. وقرأ حمزة وعاصم: دُرِّيءٌ بضم الدال وتشديد الراء وبالهمزة المضمومة في آخره.
وقرأ ابن كثير وأبو عمرو: تَوقَّدَ بفتح التاء والقاف المشددة وفتح الدال على انه فعل ماض. وقرأ نافع وابن عامر وحفص والكسائي: يُوقَدُ فعل مضارع بضم الياء وفتح القاف وضم الدال فعل مضارع مبني للمجهول كما هو في المصحف. وقرأ حمزة وأبو بكر: تُوقدُ بضم التاء والدال.
﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ الله أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسمه يُسَبِّحُ لَهُ فِيهَا بالغدو والآصال رِجَالٌ....﴾ الآية.
ذلك النور المشعّ في السموات والأرض يتجلّى في بيوت الله (وهي المساجد) التي تتصل فيها القلوب بالله.
روى سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: المساجدُ بيوت الله في الأرض، تضيء لأهل السماء كما تضيء النجوم لأهل الأرض.
— 498 —
أمر الله ان تبنى وتعظَّم وتعمر بذكر الله من رجالٍ لا تَشغَلُهم الدنيا وزخرفها ولا بيوعهم وتجارتهم عن ذكر الله.. فهم يعملون للدنيا في الأسواق والحقول والمصانع، ويعملون للآخرة فيؤدون جميع فروضهم وواجباتهم، فلا تشغلهم الدنيا عن الآخرة، ولا الآخرة عن الدنيا. وهم مع هذا يخافون هولَ يوم القيامة الذي تضطربُ الأفئدة من شدّته، وتشخَصُ فيه القلوب والأبصار في حيرة ودهشة. والله تعالى مع كل ذلك يطمئِنُ المؤمنين ويبين مآل أمرِهم وحُسْنَ عاقبتهم بقوله:
﴿لِيَجْزِيَهُمُ الله أَحْسَنَ مَا عَمِلُواْ وَيَزِيدَهُمْ مِّن فَضْلِهِ والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
إنها بشرى عظيمة للذين آمنوا واحسنوا، فانه بعد أن يجزيهم أحسنَ ما عملوا يزيدُهم من فضله. ﴿والله يَرْزُقُ مَن يَشَآءُ بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾
ما أحسنَ هذه البشرى وما اعظم فضل الله.
قراءات:
قرأ ابن عامر وأبو بكر: يسبح بضم الياء وفتح الباء. والباقون: يسبح بضم الياء وكسر الباء.
— 499 —
السراب: ظاهرة ضوئية سببُها انعكاس الشعاع من الأرض عندما تشتد حرارة الشمس فيظنه الإنسان ماء يجري ويتلألأ على وجه الأرض، وما هو إلا وهمٌ لا حقيقة فيه. القيعة: مكان منبسط من الأرض لا نبات فيه ويقال لها القاع أيضًا. لُجّيّ: اللج معظم الماء حيث لا يدرَك قعره، وبحر لجي: عميق. يغشاه: يغطيه. لم يكد يراها: تصعب رؤيتها. صافات: باسطة أجنحتها في الهواء. المصير: المرجع.
﴿وَالَّذِينَ كَفَرُوا أَعْمَالُهُمْ كَسَرَابٍ﴾
في هاتين الآيتين يبين الله في مقابل ذلك النورِ المتجلِّي في السموات والأرض، المشعّ في بيوت الله والمشرِقِ في قلوب المؤمنين - مجالاً مظلما لا نور فيه، مخيفاً لا أمن فيه، ضائعاً لا خير فيه.... ذلك هو حال الذين كفروا. فَمَثَلُ أعمالهم في بطلانها وعدم جدواها كمثل السرابِ الذي يراه الظمآن في الفلاة في شدة حرارة الشمس فيسرع إليه، حتى إذا وصله لم يجد الماء الذي رجا ان يشرب منه... ﴿وَوَجَدَ الله عِندَهُ فَوَفَّاهُ حِسَابَهُ والله سَرِيعُ الحساب﴾ يعني ان كل ما عمله هذا الجاحدُ من أعمال خيرٍ تذهب هباء منثورا، وفي يوم القيامة يحاسبُه الله ويفّيه جزاءه وعقابه. فلا يستفيد من أعماله شيئاً، لأنه لم يؤمن بالله والبعث والجزاء. وكما قال تعإلى: ﴿وَقَدِمْنَآ إلى مَا عَمِلُواْ مِنْ عَمَلٍ فَجَعَلْنَاهُ هَبَآءً مَّنثُوراً﴾ [الفرقان: ٢٣]
﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُجِّيٍّ﴾
وهذه صورة أخرى من صور حال الكفار الجاحدين. فأعمالُ الكافرين في الدنيا كمثل السراب الذي ليس بشيء، او كهذه الظلمات في البحر العميق، تتلاطم أمواجه ويتراكم بعضها فوق بعض. ومن فوقِ ذلك كله سحابٌ كثيف مظلم لو رفع الإنسان يدَه الى وجهه لما رآها من شدة الظلام. ان قلوب الكافرين وأعمالَهم مثلُ هذه الظلمات المتراكمة تراكمت عليها الضلالات، فهي مظلمة، في صدور مظلمة، في أجساد مظلمة.
ولقد جمع الله تعالى في هذا الوصف بينَ الليل المظلم، وتراكُب الأمواج في البحر بعضها فوق بعض، ومن فوقها السحاب الكثيف.... وهذا أشدُّ ما يكون من الظلمات.
وتجمع هذه الآية الكريمة أهم ظواهر عواصف المحيطات العظيمة. وهذا من أكبرِ الأدلة على ان القرآن من عند الله، لأن الرسول الكريم لم يركب المحيطاتِ وكان يعيش في بلاد صحراوية.... فورودُ هذه الدقائق العلمية دليل على أنها وحي من عند الله.
﴿وَمَن لَّمْ يَجْعَلِ الله لَهُ نُوراً فَمَا لَهُ مِن نُورٍ﴾
ومن لم يوفقه الله لنورِ الإيمان، فليس له نور يهديه الى الخير، ويدلّه على الصراط المستقيم.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ الله يُسَبِّحُ لَهُ مَن فِي السماوات والأرض والطير صَآفَّاتٍ كُلٌّ قَدْ عَلِمَ صَلاَتَهُ وَتَسْبِيحَهُ والله عَلِيمٌ بِمَا يَفْعَلُونَ﴾
ألم تعلم أيها النبي أن جميع من في هذا الكون يسبِّح بحمد الله تعالى، وان تسبيحَ كل صنف يختلف باختلاف صفاته وخصائصه، وكلٌّ يسبّح بدلالة وجوده وصورته وأحكامه على وجود المصوّر الحكيم، فالعاقل يسبّح بلسان المقال، وغيره يسبّح بلسان الحال، والطير صافات باسطةً أجنحتها في الفضاء تسبّح الله وتحمدُه بلغاتٍ لا نعملها.
— 500 —
واعلم أن هذا الوجودَ كلَّه حيّ، ولا معنى للوجود بغير حياة، وان الحياة على مقدار إشراق الأنوار العلوية على المخلوقات، فللإنسان وللحيوان وللنبات حياة، أي ان هناك نوعاً من الشعور. وهكذا الجماد له نوع من الشعور لا ندركه. وكل هذه المخلوقات تسبح بحمده تعالى.
﴿وَللَّهِ مُلْكُ السماوات والأرض وإلى الله المصير﴾
والله تعالى هو مالكُ هذا الكون ومن فيه وصاحبُ السلطان عليهم، وكلُّهم راجعٌ إليه يوم القيامة للحساب والجزاء.
— 1 —
يزجي: يسوقُ برفق. يؤلف بينه: يجمع بين أجزائه وقطعه. ركاماً: متراكما بعضه فوق بعض. الودق: المطر. من خلاله: من بينه. من جبال: من قطعٍ عظام تشبه الجبال.
سنا برقه: ضوء برقه. يذهب بالأبصار: يخطفها لشدة بريقه ولمعانه. يقلّب الليل والنهار: يتصرف فيهما طولا وقصرا. لأولي الأبصار: لأهل العقول والبصائر.
﴿أَلَمْ تَرَ أَنَّ اللَّهَ يُزْجِي سَحَابًا﴾.
في هذه الآية والتي تليها دلالةٌ على قدرة الله ووحدانيته.... انظرُ أيها الرسولُ الكريم السحابِ يسوقُه الريحُ بقدرة الله أول ما ينشئه، ثم يجمع بين ما تفرّق من أجزائه، ثم يجعل بعضَه متراكماً فوق بعض، فترى المطرَ يخرج من خلاله. واللهُ يُنزل من مجموعات السحب المتراكمة التي تشبه الجبالَ في عِظَمِها بَرَداً ينزل على قومٍ فينفعهم او يضرّهم تبعاً لقوانينه وارادته، ولا ينزل على آخرين كما يريد الله. وانظُر إلى ما في هذه السّحاب من بَرْقٍ يضيء بشدّةٍ وسرعة حتى يكاد يخطَفُ الأبصار، كما في قوله تعإلى: ﴿يَكَادُ البرق يَخْطَفُ أَبْصَارَهُمْ﴾ [البقرة: ٢٠].
وهذه الظواهر من أقوى الدلائل على قدرة الله، وكلُّ من ركب الطائرة يعرف التشابه بين السحب والجبال، فانه يراها متراكمة كأنها الجبال والآكام، وهذا من الأدلة الباهرة على إعجاز القرآن الكريم. ولم تُعرف هذه الصورة إلا بعد وجود الطائرات التي ترفع الإنسان فوق السحب فيراها على حقيقتها كما وُصفت في القرآن.
﴿يُقَلِّبُ الله الليل والنهار إِنَّ فِي ذلك لَعِبْرَةً لأُوْلِي الأبصار﴾
انظر أيضاً الى اختلاف الليلِ والنهار وتقلُّبِها بزيادة أحدِهما ونقص الآخر، والى تغير أحوالهما بالحرارة والبرودة.... ان في ذلك كله لعبرةً لذوي العقول السليمة، وعظةً لكل من ينظر ويتأمل.
﴿وَاللَّهُ خَلَقَ كُلَّ دَابَّةٍ مِنْ مَاءٍ﴾
والله خلقَ كلَّ حيوان يدب على الأرض من الماء، وكما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ المآء كُلَّ شَيْءٍ﴾ [الأنبياء: ٣٠]. ثم بيّن أقسام هذا الحيوان، فمنهم من يمشي على بطنه كالزواحف، ومنهم من يمشي على رِجلين كالإنسان والطير، ومنهم من يمشي على أربع كالأنعام والوحوش. ﴿وَيَخْلُقُ الله مَا يَشَآءُ﴾ من الحشرات التي تمشي على أكثرَ من أربع ارجل، وغير ذلك على اختلاف أنواعها.
﴿إِنَّ الله على كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾
ان الله على إحداث ذلك وخلْقِ ما يشاء لذو قدرة، لا يتعذر عليها شيء فالماء هو اصل الانسان، وجسمُ الانسان معظمه من الماء اذ يحتوي على نحو ٧٠% من وزنه ماءً. والماء اكثر ضرورةً للإنسان من الغذاء، فبينما يمكن للانسان ان يعيش ستين يوما بدون غذاء لا يمكنه ان يعيش بغير الماء الا ثلاثة أيام الى عشرة على أقصى تقديره.
﴿لَّقَدْ أَنزَلْنَآ آيَاتٍ مُّبَيِّنَاتٍ والله يَهْدِي مَن يَشَآءُ إلى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ﴾
لقد انزلنا عليك يا محمد دلائلَ واضحةً تبين الأحكام والعظات، والله يوفق الى الخير من يشاء من عباده، ويرشدهم الى الطريق المستقيم.
قراءات:
قرأ حمزة والكسائي وخلف: والله خالق كل دابة. والباقون: والله خلق كل دابة.
يتولى: يعرض ولا يطيع. مذعنين: منقادين. أفي قلوبهم مرض: فسادٌ وبغض يحملهم على الضلال. ارتابوا: شكوا. يحيف: يجور. جهد أيمانهم: أقصى غايتها. فان تولّوا: فان تتولوا بحذف التاء، أصلُه تتولوا.
الحديث في هذه الآيات الكريمة عن المنافقين الذي يقولون بأفواههم ما ليس في قلوبهم فيقولون: آمنّا بالله والرسول وأطعْنا أوامرهما، ثم يفعلون ضدّ ما يقولون، فهؤلاء ليسوا بمؤمنين.
فإذا طُلبوا إلى التحاكم أمامَ رسول الله فيما يتنازعون فيه أَبَوا وخافوا ان يحكمَ عليهم. أما اذا عرفوا الحق في جانبهم فإنهم يأتون الى الرسول مسرعين ليحكم بينهم.
لماذا يقفون هذا المقوف، هل هم مرضى القلوب بالكفر والنفاق؟
أم يشكّون في عدالة الرسول الكريم؟
ام يخافون ان يجور عليهم الله ورسوله؟
كل هذا لم يحصل، بل هم الظالمون لأنفسهم ولغيرهم بسبب كفرهم ونفاقهم وعدولهم عن الحق.
وبعد ان نفى عن المنافقين الإيمانَ الحقَّ بيَّن صفاتِ المؤمنين فقال:
﴿إِنَّمَا كَانَ قَوْلَ المؤمنين إِذَا دعوا إِلَى الله وَرَسُولِهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ أَن يَقُولُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وأولئك هُمُ المفلحون﴾.
فأما المؤمنون حقاً الصادقون فِعلاً فإنهم إذا طُلبوا الى التحاكم بمقتضى ما جاء عن الله الى رسوله قالوا مطيعين: سمعْنا وأطعنا الأمر، وأولئك هم المفلحون.
ومن يطِع الله ورسولَه فيما أمرا به وتركِ ما نهيا عنه، وخشيَ الله وغضبه - فأولئك هم الفائزون في الدنيا والأخرة.
ثم بعد المقابلة بين المنافقين والمؤمنين يعودُ لاستكمال الحديث عن المنافقين:
﴿وَأَقْسَمُواْ بالله جَهْدَ أَيْمَانِهِمْ لَئِنْ أَمَرْتَهُمْ لَيَخْرُجُنَّ قُل لاَّ تُقْسِمُواْ طَاعَةٌ مَّعْرُوفَةٌ إِنَّ الله خَبِيرٌ بِمَا تَعْمَلُونَ﴾
أقسم المنافقون بالأيمان المغلّظة لئن أمرتَهم يا محمد بالخروج إلى الجهاد معك ليخرجون، قل لهم: لا تحلِفوا، إن طاعتكم معروفة لنا، فهي طاعة باللسان فحسب، والله تعالى خبير لا تخفى عليه خافية من أعمالكم فلا يحتاج الى حلف او توكيد.
﴿قُلْ أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾
قل لهم أيها الرسول: أطيعوا الله وأطيعوا الرسول طاعة صادقة، فإن أعرضوا ولم يمتثلوا، فإنما على الرسول ما حمّله الله من أمر التبليغ، وعليكم ما حمّلكم من التكليف والطاعة. إنكم ان تطيعوا الرسول تهتدوا الى الخير، وما عليه إلا التبليغ الواضح.
قراءات:
قرأ حفص: «يتقْه» بإسكان القاف، والباقون: «يتقِهِ» بكسر القاف والهاء. قرأ ابن كثير وابن عامر وحمزة والكسائي: ويتقهي بكسر القاف ومد الهاء.
ليستخلفنهم: يجعلهم خلفاء في الحكم على هذه الأرض. وليمكننّ لهم دينهم: يثبت لهم الإسلام الذي ارتضاه لهم دينا.
﴿وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ﴾
وعد الله المؤمنين الصادقين في إيمانهم العاملين المجاهدين لجعل الاسلام هو الحاكمَ في الأرض - أن ينصرهم ويجعلهم حكام الأرض، كما فعل مع المؤمنين الذين سبقوهم. كما وعدهم ان يرسِّخَ دعائم دينهم الذي ارتضاه لهم، وان يبدِّل حالهم من الخوف الذي عاشوا فيه عند بداية الإسلام إلى أمنِ واستقرار وعز، وبشرط ان يعبدوا الله وحده.
وقد تحقق هذا الوعدُ لأسلافنا، وهو قائمٌ الى الأبد إذا نحن أقمنا على شرطِ الله بأن نصدُق في إيماننا، ونسيرَ على منهاج ديننا. ان وعدَ الله حقٌّ قائم وشَرْطَ الله حق معروف،
ومن أوفى بعهِده من الله.!؟
والذين كفروا بعد هذا الوعد الصادق، هم الخارجون المتمرّدون، وحسابهُم على الله.
﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ﴾
وبعد الوعد الصادق للمؤمنين بالنصرِ واستخلافِهم في الأرض يأتي الأمرُ بإقامة الصلاة وإيتاء الزكاة عن طيب خاطر لمستحقّيها، وإطاعة الرسول ﷺ في سائر ما أمرنا اللهُ به حتى يكون لنا رجاءٌ في رحمته ورضوانه.
ثم بين الله بعد ذلك أن الكافرين لا قيمة لهم، وانه سيحلُّ بهم العذاب، ولا يجدون مَهْرَباً مما أوعدهم به ربهم، وأن مصيرهم النار وبئس القرار.
قراءات
قرأ أبو بكر: كما استخلف، بضم التاء وكسر اللام. والباقون: كما استخلف بفتح التاء واللام. وقرأ ابن عامر وحمزة: لا يحسبن بالياء. والباقون: لا تحسبن بالتاء. وقرأ ابن كثير وأبو بكر: وليبدلنْهم بإسكان النون. والباقون: وليبدلنّهم بالتشديد.
ما ملكت أيمانكم: العبيد والإماء. الحلم: بضم اللام وسكونها، البلوغ. تضعون ثيابكم: تخلعونها. الظهيرة: وقت اشتداد الحر عند منتصف النهار. العورة من الجسم: كل ما يستحي الإنسان ان يظهرهُ من جسمه. ثلاث عورات: ثلاث مرات في الأوقات التي تستريحون فيها. جناح، بضم الجيم: إثم. طوافون عليكم: يطوفون عليكم للخدمة والمخالطة. القواعد من النساء: العجائز الكبار في السن. لا يرجون نكاحا: لا يطمعون بالزواج. التبرج: إظهار المحاسن.
في هذه الآيات توجيهٌ للمؤمنين وتربيةٌ وتعليم إلى اللّياقة الاجتماعية في محيط الأسرة، وذلك أن اندماجَ الخدم والصبيان في أسَرهم قد يتجاوز بهم الاحتشامَ في المخالطة فيدخلون على الكبار دون استئذان في هذ الأوقات الثلاثة المذكورة في الآية. وظراً لأنها أوقات خلوة وحرية شخصية ويتحلل الانسان فيها من لباس الحشمة، جاء القرآن الكريم بتشريع الاستئذان في تلك الاوقات بالنسبة لمن ذكرتُهم من الهدم والصبيان حتى لا يطلعوا على ما يعتبر سراً لا يستساغ اطلاعهم عليه، إذ هو كالعورة التي ينبغي سترها.
وفي هذا توجيه لأعضاء الأسرة المؤمنة إلى اتخاذ الملابس اللائقة لمقابلة بعضهم البعض، حتى تظل كرامتهم مصونة، وحريتهم مكفولة وآدابهم مرعية، فالقرآن الكريم جاء ليعلّمنا ويوجهنا الى الخير وفضائل الأخلاق وحسن المعاشرة.
وكان الخدم والصبيان والعبيد قبل هذا يدخلون على بعضهم دون استئذان. وهناك روايات عن سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنهـ، وأسماء بنت مرثد وغيرهما ان بعض الخدم دخل عليهم في بعض هذه الأوقات فتأذوا من ذلك فنزلت هذه الآيات، وهناك أحاديث كثيرة في هذا الموضع.
بيّن الله تعالى في هذه الآيات ان على الأطفال والخدم ان يستأذنوا للدخول على الكبار في ثلاثة اوقات من اليوم هي: قبل الفجر، وعند الاستراحة وقت الظهيرة، ومن بعد صلاة العشاء. وفيما عدا ذلك يمكن ان يدخلوا دون أذن.
أما إذا بلغ الاطفال سن البلوغ فعليهم ان يستأذنوا كما يفعل الكبار على كل حال. وأما النساء الكبار في السن اللاتي لا مطمع لهن في الزواج، فلا جناح عليهن اذا تحللن من بعض الملابس في بيوتهن، وإذا تعففن باللباس الساتر فانه خير لهن، والله سميع بما يجري بين الناس، عليم بمقاصدهم لا تخفى عليه خافية.
قراءت:
قرأ الجمهور ثَلاثُ عورات بضم الثاء، وقرأ أبو بكر وحمزة والكسائي: ثَلاثَ عورات بفتح الثاء.
الحرج: الضيق، ومعناه هنا الإثم. ما ملكتم مفاتحه: ما كان تحت تصرفكم. الصديق: يطلق على الواحد والجمع. جميعا: مجتمعين. أشتاتا: متفرقين.
في هذه الآيةِ الكريمة توجيهٌ للمؤمنين لتنظيم العلاقاتِ والمعاشرة والمخالطة بين الأقارب والاصدقاء، فقد سمح الله للمؤمنين أن يأكلوا مع أصحابِ العاهات من عُمْيٍ وعُرجٍ ومرضى من هذه البيوت التي سمّاها، يدخلونها مجتمعين او متفرقين. وعليهم إن أرادوا دخولها ان يسلِّموا على أهلِها إن كانوا موجودين، او يسلِّموا على انفسهم ان لم يكن في البيت احد. وهذه التحية تحية مشروعة مباركة، بها تطيبُ النفوس. وعلى هذا النحو يوضح الله لنا آياته لعلّنا نعقِلها ونتفهّم ما فيها من الأحكام والعظات لنعمل بها، ونِعْمَ الأدب والمؤدب.
أمر جامع: امر هام يستدعي ان يجتمع الناس عليه للتشاور والتداول. لا تجعلوا دعاء الرسول كدعاء بعضكم بعضا: لا تنادوا الرسول باسمه: يا محمد، بل عظموه وقولوا: يا رسول الله. يتسللون منكم...: يخرجون خفية. لوإذا: متسترين يلوذ بعضهم في بعض. يخالفون عن أمره: يخرجون عن طاعته.
﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾
كما أمَرَ اللهُ تعإلى المؤمنين بإلاستئذان عند الدخول - أمَرَهم هنا بالاستئذان عند الخروج، وفي هذا تعليمٌ وتأديبٌ لنا جميعا.
ان المؤمنين حقاً اذا كانوا مع الرسول ﷺ في امر مهمٍ من أمور المسلمين، كتشاوُرٍ في أمر الحرب، او ما ينفع المسلمين - فلا يحقّ لهم ان ينصرفوا الا بعد استئذانه ومشورته، فمن التزم بهذا فهو من المؤمنين الكاملين، ويحق للرسول أن يأذَنَ لمن يشاء منهم كما تقتضي المصلحةُ التي اجتمعوا عليها، ويستغفر للمستأذنين.
فقد حدث حين بدأ المسلمون بحفر الخندق عندما غزتهم قريشُ ومن معها من العرب - وكان في مقدمتهم الرسول الكريم - أنّ بعضَ المنافقين أخذوا يتسلّلون من ذلك المكانِ ويذهبون الى أهلِهم، أما المؤمنون فقد ثبتوا معه، وكان من يريد ن يذهب الى قضاء حاجة يستأذن الرسول الكريم ﷺ، فإن قضى حاجته عاد إلى مكانه وعمله.
﴿لاَّ تَجْعَلُواْ دُعَآءَ الرسول بَيْنَكُمْ كَدُعَآءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً﴾.
وعندما تخاطبون الرسولَ الكرمين فلا تنادوه باسمه: «يا محمد» مثلاً، أو يا أبا القاسم، وإنما خاطبوه بياء أيها الرسول، واحترموه غاية الاحترام، باللين من القول وخفض الجناح.
﴿قَدْ يَعْلَمُ الله الذين يَتَسَلَّلُونَ مِنكُمْ لِوَاذاً﴾
والله تعالى يعلم عِلم اليقين الّذين ينصرفون متسلّلين بدون إذن حتى لا يراهم الرسول، فليحذَرِ الذين يخالفون أمرَ الله أن يصيبَهم بلاءٌ من الله او عذاب أليم.
﴿أَلَا إِنَّ لِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ﴾
واعلموا أيها الناسُ أن هذا الكونَ وما فيه مِلْكٌ لله وحده لا شريك له، ويعلم كل ما تعلمون، وسترجعون غليه فينبئكم بكل ما عم لتموه من خير او شر، وسيجازيكم عليه، واللهُ بكل شيء عليم.
وهكذا ختمت السورة بتعليق القلوب والأبصار بالله، وتذكيرها بخشيته وتقواه، والحمد لله أولاً وآخرا، ونسأله التمام على خير.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

15 مقطع من التفسير