تفسير سورة غافر

تفسير سورة غافر من كتاب تيسير التفسير المعروف بـالقطان .
لمؤلفه إبراهيم القطان . المتوفي سنة 1404 هـ

التوب والتوبة: معناهما واحد. ذي الطَّول: ذي الفضل. يجادل: يخاصم. تقلُّبهم في البلاد: تصرفهم فيها للتجارة ونحوها. الأحزاب: جميع الذين تحزبوا ضد رسلهم. همّت: عزمت على قتلهم. ليأخذوه: ليقتلوه أو يعذبوه. ليدحضوا: ليبطلوا. حقت: وجبت. كلمة ربك: حكمه بالهلاك.
حاميم هكذا تقرأ. حرفان من حروف الهجاء، بدئت بهما السورة للاشارة الى ان القرآن مؤلف من جنس هذه الحروف، ومع ذلك عجِز المشركون عن الإتيان بأصغر سورة من مثله.
إن هذا القرآن منزَّل من عند الله الغالب القاهر، وهو الذي يغفر الذنبَ مهما جلّ، ويقبل التوبة من عباده في كل آن، فبابُه مفتوح دائما وابدا، فلا يقنط أحدٌ من ذلك. وهو شديد العقاب، ومع هذا فهو صاحبُ الإنعام والفضل، لا معبودَ بحقٍّ الا هو، إليه وحده المرجع والمآل.
وقد كثر في القرآن الكريم الجمع بين الوصفين كقوله تعالى: ﴿نَبِّىءْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الغفور الرحيم وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ العذاب الأليم﴾ [الحجر: ٤٩-٥٠] ليبقى الناسُ بين الرجاء والخوف، ولكن الرحمة دائماً مقدَّمة على العذاب.
وبعد ان بيّن الله ان القرآن كتابٌ أُنزل لهداية الناس وسعادتهم في الدارَين، بيّن هنا أنه لا يخاصِم في هذا القرآن - بالطعن فيه وتكذيبه - الا الذين كفروا، فلا يخدعك أيها الرسول تقلّبُهم في البلاد وما يفعلونه من تجارة وكسب، ولا تغترَّ بسلامتهم، فإن عاقبتهم الهلاك.
ثم قال مسلّياً رسوله عن تكذيب مَن كذّبه من قومه بأن له أسوةً في الأنبياء مع اقوامهم من قبله بقوله:
﴿كَذَّبَتْ قَبْلَهُمْ قَوْمُ نُوحٍ والأحزاب مِن بَعْدِهِمْ﴾
الأحزابُ كل من تحزَّب ضد الحق واهله في كل زمان ومكان، وقصة الرسالة والتكذيب والطغيان طويلة طويلة على مدى القرون.
﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾
ليقتلوه او يعذّبوه، وخاصموا رسولهم بالباطل ليبطلوا به الحق الذي جاء به من عند الله.
﴿وَهَمَّتْ كُلُّ أُمَّةٍ بِرَسُولِهِمْ لِيَأْخُذُوهُ﴾
ليقتلوه او يعذّبوه، وخاصموا رسولهم بالباطل ليبطلوا به الحق الذي جاء به من عند الله.
﴿فَأَخَذْتُهُمْ فَكَيْفَ كَانَ عِقَابِ﴾
فاستأصلتهم فلم أُبْقِ منهم احدا وكان عقابي لهم شديداً مدمرا.
وكما حقت كلمةُ العذاب على الأمم التي كذّبت أنبياءها - حقّت كلمة ربك على الكافرين، لانهم اصحاب النار. وهذا تحذير شديد لجميع المنحرفين من أهل الضلال.
قراءات:
قرأ نافع وابن عامر: حقت كلمات بالجمع، والباقون: كلمة بالافراد.
العرش: المُلْك، وسرير الملك. وهنا معناه مركز تدبير العالم، ولا نعرف صفاته وكيف هو. قِهِم: احفظهم، من الفعل: وقَى يقي. مقْتُ الله: اشدّ غضبه.
ثم بين الله تعالى ان حملة العرش من الملائكة، ومَن حول العرش مِنهم ﴿يُسَبِّحُونَ بِحَمْدِ رَبِّهِمْ﴾ وهم من بين القوى المؤمنة في هذا الوجود، يذكُرون المؤمنين عند ربهم ويستغفرون لهم ضارعين الى الله تعالى بقولهم:
﴿رَبَّنَا وَسِعْتَ كُلَّ شَيْءٍ رَّحْمَةً وَعِلْماً فاغفر لِلَّذِينَ تَابُواْ﴾
اغفر لهم ذنوبهم بعد ان تابوا واستقاموا على هداك، وجنّبهم عذاب النار.
ويقول الملائكة: ربنا أدخِل المؤمنين جناتِ الاقامة التي وعدْتهم بها على لسان رسُلك، وأدخل معهم الصالحين من آبائهم وأزواجهم وذريّاتهم، ﴿إِنَّكَ أَنتَ العزيز الحكيم﴾.
ويقولون في دعائهم ايضاً: واحفظْهم يا رب من سوء عاقبة سيّئاتهم التي وقعوا فيها، ومَنْ جنّبتَه سيئاتِه يوم القيامة فقد رَحِمتَه بفضلك، ﴿وَذَلِكَ هُوَ الفوز العظيم﴾ بل هو أكبر فوز يحصل عليه المؤمن مكافأة له على ما قدّم من صالحات الأعمال.
وتنادي الملائكةُ الكافرين يوم القيامة وهم في أشد العذاب فيقولن لهم: إن مَقْتَ الله لكم وغضبه عليكم في الدنيا على كفركم أشدُّ من مقتكم الآن لأنفسِكم، فقد دعاكم سبحانه بواسطة رسُله الى الإيمان فأبيتم إلا الكفر. وما أوجعَ هذا التأنيبَ في هذا الموقف العصيب!!.
أمتّنا اثنتين، وأوحييتنا اثنتين: خلقتنا من العدم، ثم أمتّنا بعد انقضاء آجالنا. وأحييتنا اثنتين: عند ميلادنا، ويوم البعث يوم القيامة. يوم التلاق: يوم القيامة؟ بارزون: ظاهرون.
ويقول الكافرون يوم القيامة: يا ربنا أمتّنا موتَتين: الأولى حين خلقْتَنا من العدم، والثانية يوم توفّيتنا عند انقضاء أجلنا. وأحييتنا مرتين: مرة هي حياتنا الدنيا، والثانية يوم بعثِنا هذا فاعترفنا أننا أنكرنا البعث وكفرنا وأذنبنا. ونحن الآن قادمون، فهل من سبيل الى الخروج من النار، ولك منا عهدَ الطاعة والامتثال؟ فيجيبهم الله: لا.
﴿ذَلِكُم بِأَنَّهُ إِذَا دُعِيَ الله وَحْدَهُ كَفَرْتُمْ وَإِن يُشْرَكْ بِهِ تُؤْمِنُواْ﴾
إنكم ان عدتم الى الدنيا فلن تؤمنوا، فقد كفرتم بالله، وآمنتم بالشركاء، وهذا العذابُ الذي انتم فيه من حُكم الله عليكم نتيجة لأعمالكم ﴿فالحكم للَّهِ العلي الكبير﴾.
هو الذي يريكم دلائل قدرته، وينزل لكم من السماء ماءً يكون سببَ رزقكم، لكنه لا يعتبر بتلك الآيات ويستدلّ بها على عظمة الخالقِ الأوحد الا من يُنيب إلى الله ويرجع اليه.
ثم لما ذكر ما وجّههم اليه من الأدلة على وحدانيته - أمر عباده بالدعاء والتوجه اليه:
﴿فادعوا الله مُخْلِصِينَ لَهُ الدين وَلَوْ كَرِهَ الكافرون﴾
فادعوا الله مخلصين له العبادةَ ولو كره الكافرون عبادتكم.. ولن يرضوا عنكم ابدا. والدعاء عبادة، وفي الحديث الصحيح: «ادعوا الله تباركَ وتعالى وانتم موقنون بالإجابة، واعلموا أن الله لا يستجيب دعاءَ قلبٍ غافل لاهٍ».
ثم ذكر الله تعالى بعض صفاته بقوله:
﴿رَفِيعُ الدرجات ذُو العرش يُلْقِي الروح مِنْ أَمْرِهِ على مَن يَشَآءُ مِنْ عِبَادِهِ لِيُنذِرَ يَوْمَ التلاق﴾.
فهو وحده صاحبُ المقام العالي، وصاحب المُلك والسلطة المطلقة، وهو الذي يلقي الوحيَ على من يشاء من رسُله. وسمّى الوحيَ روحاً لأنه روحٌ وحياة للبشر. وذلك لينذر هؤلاء الرسلُ الناسَ أنهم سيُبعثون يوم التلاقي (وهو يوم القيامة) حيث يتلاقون - في ذلك اليوم يبرزون مكشوفين ظاهرين لا يخفى على الله من أمرهم شيء، ويسمعون نداءً رهيباً: ﴿لِّمَنِ الملك اليوم؟﴾ ويأتي الجواب الحاسم ﴿لِلَّهِ الواحد القهار﴾. وفي ذلك اليوم يتضاءل المتكبرون، ويقف الوجود كله خاشعاً، والعباد كلهم خاضعين.
في ذلك اليوم الرهيب يُثاب كلُّ عامل بعمله، ويقال بوضوح: ﴿لاَ ظُلْمَ اليوم﴾ فإنه يوم الجزاء الحق، ويوم العدل، والقضاء الفصل، هذا كله يسير بسرعة ﴿إِنَّ الله سَرِيعُ الحساب﴾.
يوم الآزفة: يوم القيامة، ومعنى الآزفة: القريبة. الحناجر: جمع حنجرة، الحلقوم. كاظمين: ممسكين، محزونين. حميم: صديق. خائنة الأعين: الأعين التي تزوغ وتنظر بخبث. وما تخفي الصدور: ما تكتمه الضمائر. من واق: من حافظ.
أنذِر أيها الرسول مشركي قومك عذابَ يوم القيامة وهوله، حين تصير القلوب عند الحناجر من شدة الخوف. يومئذ ليس لهم صديق ينفعهم، ولا شفيع تُقبل شفاعته لهم، والله تعالى لا يخفى عليه شيء، يعلم النظرة الخائنة، والسرَّ المستور الذي تخفيه الصدور. وهو تعالى يقضي بالعدل والحق، فلا يظلم احداً ولا ينسى شيئاً، والآلهة المزعومة لا يستطيعون عمل شيء، ﴿إِنَّ الله هُوَ السميع البصير﴾.
ألم يسافر المشركون في الأرض، فيروا كيف كان مآل الأمم الماضية!! كانوا أشدّ منهم قوة وتركوا آثاراً عظيمة في الأرض، فاستأصلهم الله بذنوبهم.
﴿وَمَا كَانَ لَهُم مِّنَ الله مِن وَاقٍ﴾
لم يكن لهم من ينصرهم ويحفظهم من عذاب الله.
وقد تكرر هذا المعنى في أكثر من آية، ولكن بأسلوب مختلف.
ولقد نزل بهم ذلك العذاب لأنهم كذّبوا رسُلهم وجحدوا آيات الله ﴿فَأَخَذَهُمُ الله إِنَّهُ قَوِيٌّ شَدِيدُ العقاب﴾
قراءات:
قرأ نافع وهشام: والذين تدعون: بالتاء. والباقون: يدعون: بالياء.
سلطان مبين: حجة واضحة. هامان: وزير فرعون. قارون: من أغنى الأغنياء في ذلك الزمان. اني عُذت بربي: اني التجأت اليه. رجل مؤمن من آل فرعون: يقال إنه ابن عم فرعون. المسرف: الذي تجاوز الحد في المعاصي. ظاهرين: غالبين. ما أريكم الا ما أرى: ما أعلّمكم الا ما أعلم من الصواب.
لقد تقدمتْ قصةُ موسى أكثر من مرة، ذُكر هامان وقارون كل منهما ست مرات، وهذه آخر سورة يُذكران فيها. والجديد في قصة موسى هنا هو ذِكر الرجل الؤمن من آل فرعون. فإن الله تعالى لما أرسل موسى الى فرعون وهامان وقارون كذّبوه وقالوا ساحر مبالغ في الكذب. ولمّا أعيت فرعونَ الحيلة ولم يستطع ان يأتي بحجة ضد موسى - صال لقومه: دعوني أقتلُ موسى، وليدعُ ربه لينقذه، فاني أخاف عليكم ان يغير دينكم ﴿أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الأرض الفساد﴾ فقال موسى لفرعون وملئه: إني تحصنت والتجأتُ الى ربي ولا اخاف منكم احدا.
وهنا يتدخل الرجل المؤمن من آل فرعون فيما لا يعرفُ أحدٌ أنه آمن، فيقول: اتقتلون رجلاً لأنه يقول إن الهي الله!! ولقد جاءكم بالأدلة الواضحة من رب العباد، وأفحمكم بالحجة القاطعة وعجزتم عن اقناعه!
﴿وَإِن يَكُ كَاذِباً فَعَلَيْهِ كَذِبُهُ﴾ وما عليكم من تبعته شيء.
﴿وَإِن يَكُ صَادِقاً يُصِبْكُمْ بَعْضُ الذي يَعِدُكُمْ إِنَّ الله لاَ يَهْدِي مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ كَذَّابٌ﴾.
ثم أضاف يقول: يا قومي، ان الملك لكم اليوم وانتم ظاهرون في ارض مصر، فمن ينقذنا من عذاب الله ان جاءنا!؟
فلم يلتفت فرعون اليه، وقال لقومه: ﴿مَآ أُرِيكُمْ إِلاَّ مَآ أرى وَمَآ أَهْدِيكُمْ إِلاَّ سَبِيلَ الرشاد﴾ واستمر على عناده وكفره.
ثم يتابع الرجل الؤمن من آل فرعون كلامه ويقول: يا قومِ، اني أخشى عليكم يوماً مثل يوم الأحزاب الذين تحزَّبوا على أنبيائهم من الأمم الماضية مثل قوم نوحٍ وعادٍ وثمودَ، وكل من جاء بعدهم من المعاندين الجاحدين، ولا اقول لكم هذا غلا خوفاً عليكم من ان يصيبكم ما اصاب هؤلاء الأولين من الهلاك، يوم تولّون مدْبِرين من عذاب النار فلا يكون لكم من الله مانع يمنعكم ﴿وَمَن يُضْلِلِ الله فَمَا لَهُ مِنْ هَادٍ﴾ يهديه او يرشده.
ولقد جاء يوسفُ من قبل بالأدلَّة الواضحة، فما زلتم في شكٍ مما أتاكم به، حتى اذا مات قلتم لن يرسلَ الله من بعدِ يوسفَ رسولا ﴿كَذَلِكَ يُضِلُّ الله مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُّرْتَابٌ﴾.
ثم بين الله هؤلاء المسرفين المرتابين فقال:
﴿الذين يُجَادِلُونَ في آيَاتِ الله بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ﴾ فهم يجادلون في آيات الله بغير حجة ولا برهان.
﴿كَبُرَ مَقْتاً عِندَ الله وَعِندَ الذين آمَنُواْ﴾ ان يجادلوا بغير علم ولا هدى ولا كتاب منير.
﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله على كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ﴾.
كما يطبع الله على قلوب المسرفين المرتابين فهو يطبعُ على قلوب جميع المتكبرين الجبارين.
قراءات:
قرأ عاصم وحمزة والكسائي ويعقوب: او ان يظهر، والباقون: وان يظهر. وقرأ حفص ونافع ويعقوب وابو عمرو: يُظهر الفسادَ بضم الياء ونصب الدال. والباقون: يَظهر الفسادُ بفتح الياء، وبضم الدال.
الصرح: البناء العالي. الأسباب: واحدها سبب، وهو ما يُتوصَّل به الى الغرض المطلوب. التباب: الخسران والهلاك. متاع: ما يستمتع به من كل شيء في هذه الدنيا. دار القرار: الجنة، دار البقاء.
لا يزال الكلام في قصة فرعون وموسى.
ظن فرعون ان الأمر بهذه البساطة فقال لوزيره هامان: ابنِ لي صرحا عالياً لأصعد به الى السماء لعلّي أطّلع الى اله موسى هذا. ثم قال مستهزئا:
﴿وَإِنِّي لأَظُنُّهُ كَاذِباً﴾
وهو يعني موسى في دعواه انه رسولُ رب العالمين.
وهكذا زين الشيطان لفرعون هذا العملَ السيء حتى رآه حسنا، ولم يرعوِ بحال، وحاد عن سبيل الرشاد.
﴿وَمَا كَيْدُ فِرْعَوْنَ إِلاَّ فِي تَبَابٍ﴾
ان مكر فرعون وعاقبة امره وكذبه تذهب سدى وفي خيبة ودمار.
ويأتي دور الرجل المؤمن من آل فرعون، ويستمر في نصيحته لقومه، مبيّناً لهم أن هذه الجياة الدنيا زائلة، وان الحياة الباقية هي حياة الخلد في الجنة، فيقول: يا قوم اتّبعوني أرشدْكم الى طريق الصلاح. يا قوم، ما هذه الحياة الدنيا الا متاع زائل لا دوام له، ﴿وَإِنَّ الآخرة هِيَ دَارُ القرار﴾.
ثم بين الله تعالى كيف يكون الجزاء في الآخرة، واشار الى ان جانب الرحمة فيها غالبٌ على جانب العقاب.... فمن أتى في الدنيا معصية من المعاصي مهما كانت لن يعذِّب الا بقدرها، ومن عمل صالحا، ذكرا كان او انثى، وهو مؤمن بربه مصدّق بأنبيائه ورسله، ﴿فأولئك يَدْخُلُونَ الجنة يُرْزَقُونَ فِيهَا بِغَيْرِ حِسَابٍ﴾.
وهذه اكبر بشرى للمؤمنين، ورحمة الله وسِعتْ كل شيء.
قراءات:
قرأ حفص وعاصم: فأطلعَ بنصب العين. والباقون: فأطلعُ بارفع. وقرأ اهل الكوفة: وصُد بضم الصاد. والباقون: وصَد بفتح الصاد. وقرأ ابن كثير وابو عمرو وابو بكر: يُدخَلون: بضم الياء وفتح الخاء. والباقون: يدخُلون بفتح الياء وضم الخاء.
لا جَرَم: لا ريبَ في. أفوّض: أسلّم. حاق: نزل.
لا يزال الكلام في قصة فرعون وقومه، وحديث المؤمن من آل فرعون. ويظهر ان هذا الرجل كان من ذوي المكانة والنفوذ حتى جرؤ على هذا الحديث الطويل، فهو يُهيب بقومه ويحثهم على الايمان، ويتعجب من عنادهم فيقول لهم: يا قوم إن أمركم لعجيبٌ، فإني ادعوكم الى الايمان الذي ينجيكم من النار، وتدعونني الى الكفر الله وإشراك غيره في العبادة. وهذا يوجب دخول النار. إنني أدعوكم إلى رُشْدكم، الى عبادة رب عزيز كثير المغفرة واسع الرحمة.
ثم أكد ان أولئك الشركاء الذي يعبدونهم لا مقدرة لهم على شيء، ولا شأن لهم في الدنيا ولا في الآخرة، وان مرد الجميع الى الله.
﴿وَأَنَّ المسرفين هُمْ أَصْحَابُ النار﴾ سيدخلون فيها.
ثم ختم نصيحته بكلمة فيها تحذير ووعيد لهم فقال:
﴿فَسَتَذْكُرُونَ مَآ أَقُولُ لَكُمْ﴾
وذلك يوم القيامة، يوم يقفون بين يدي الله، ويأخذ كل واحد منكم كتابه.
ثم لما يئس منهم قال:
﴿وَأُفَوِّضُ أمري إِلَى الله إِنَّ الله بَصِيرٌ بالعباد﴾.
من ثم نجّاه الله من مكرهم، وأحاط بآل فرعون العذابُ السيّء، النار يدخلونها صباحا ومساء. هذا في الدنيا وهم في عالم البرزخ.. ويومَ تقوم القيامة يقول الله تعالى: ﴿أدخلوا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَّ العذاب﴾.
قراءات:
قرأ اهل الكوفة الا أبا بكر: أدْخِلُوا آل فرعون، بقطع الهمزة. والباقون: ادخلوا آل فرعون، على ان آل فرعون منادى.
يتحاجّون: يتجادلون ويتخاصمون. الضعفاء: الأتباع. المستكبرون: الرؤساء، السادة اولو الرأي فيهم. تبعا: تابعين لهم. مغنون عنا: دافعون الشر عنا. نصيبا: قسطا، وجزءا. حكم: قَضَى. خَزنة جهنم: القائمون عليها. يوم يقوم الأشهاد: يوم القيامة، والاشهاد: الشهود الذين يشهدون على الناس. العشيّ: من نصف النهار الى آخره الإِبكار: اول النهار.
اذكرْ لهم أيها النبي حين يتخاصم أهل النار فيها، فيقول الأتباع من الضعفاء للذين اضلوهم من الرؤساء: إنا كنّا لكم في الدنيا تَبَعا، فهل انتم حاملون عنا بعض العذاب؟ فيرد المستكبرون قائلين: إننا جميعاً في النار، هذا هو حكم الله في عباده، ولا نستطيع ان نساعدكم بشيء. وفي سورة ابراهيم ﴿قَالُواْ لَوْ هَدَانَا الله لَهَدَيْنَاكُمْ سَوَآءٌ عَلَيْنَآ أَجَزِعْنَآ أَمْ صَبَرْنَا مَا لَنَا مِن مَّحِيصٍ﴾ [الآية: ٢١].
ثم خاطب الضعفاءُ خزنةَ جهنم وتوسّلوا إليهم أن يخفّف الله عنهم يوما من العذاب فأجابوهم موبّخين لهم: ان الله تعالى أرسَل إليكم رسُلاً مكرَّمين فلم تستجيبوا لهم. فاعترفوا بأنهم كذّبوا رسلهم. فقال لهم خزنة جهنم: فاذا كان الأمرُ كذلك فادعوا مهما شئتم، ﴿وَمَا دُعَاءُ الكافرين إِلاَّ فِي ضَلاَلٍ﴾.
ان طلبَكم مرفوض، فلوموا أنفسَكم على ما أسلفتم.
ثم بين الله تعالى انه ينصر رسُله، والذين آمنوا معهم في الحياة الدنيا، ﴿وَيَوْمَ يَقُومُ الأشهاد﴾ وهو يوم القيامة. وقد يكون الشهود من الإنسان نفسه كما قال تعالى ﴿حتى إِذَا مَا جَآءُوهَا شَهِدَ عَلَيْهِمْ سَمْعُهُمْ وَأَبْصَارُهُمْ وَجُلُودُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ [فصلت: ٢٠]. وفي ذلك اليوم لا ينفع الظالمين اعتذارُهم عما فَرَطَ منهم في الدنيا.
﴿وَلَهُمُ اللعنة وَلَهُمْ سواء الدار﴾
جزاؤهم الطردُ من رحمة الله وإنزالهم من جهنم في اسوأ مكان.
ثم ببين الله تعالى انه نَصَرَ موسى ومن معه، وآتاه هدى منه، واعطى بني اسرائيل التوراة الصحيحة غير المحرفة، ﴿هُدًى وذكرى لأُوْلِي الألباب﴾ هاديةً ومذكِّرة لأصحاب العقول المدركة المفكرة.
وبعد ان بيّن أنه ينصر رسله والمؤمنين خاطب الرسولَ الكريم أن يصبر، وطمأنه إلى ان النصر له فقال: ﴿فاصبر إِنَّ وَعْدَ الله حَقٌّ واستغفر لِذَنبِكَ وَسَبِّحْ بِحَمْدِ رَبِّكَ بالعشي والإبكار﴾
اصبر ايها الرسول على ما ينالك من الأذى من الناس، انّ وعد الله بنصرك ونصر المؤمنين حقٌّ لن يتخلف. ثم أكد عليه بان لا يترك الاستغفار والدعاء والتسبيح بحمده دائماً صباحاً ومساء، شكراً له على نعمه التي لا تحصى.
قراءات:
قرأ اهل الكوفة ونافع: يوم لا ينفع الظالمين: بالياء والباقون: لا تنفع بالتاء.
بغير سلطان: بغير دليل ولا حجة. ادعوني: اسألوني. داخرين: صاغرين، أذلاء. لتسكنوا فيه: لتستريحوا فيه. تؤفكون: تصرَفون عن الحق.
اعلم يا محمد ان الذين يجادلونك في دين الله بغير حجّةٍ أو برهان يعلمونه إنما يدفعهم الى ذلك ما يجدونه في صدورهم من الكيد والحسد، وعنادُهم وطمعهم في ان يغلبوك.
﴿مَّا هُم بِبَالِغِيهِ﴾
وما هم ببالغي إرادتهم، ولن يصِلوا الى ذلك ابدا.
ثم امر رسوله ان يستعيذ من هؤلاء المجادلين المستكبرين بقوله:
﴿فاستعذ بالله إِنَّهُ هُوَ السميع البصير﴾
الجأ الى الله واستعنْ به فهو السميع لاقوالهم، البصيرُ بأفعالهم.
ثم بين الله تعالى للناس وضعهم في هذا الكون الكبير، وضآلتهم بالقياس الى بعض خلْق الله حتى يعلموا حقيقتهم، فيقول:
﴿لَخَلْقُ السماوات والأرض أَكْبَرُ مِنْ خَلْقِ الناس ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَعْلَمُونَ﴾
هذا ما يفهمه أصحاب العقول المدركة، فان إعادة خلْق الانسان أهونُ بكثير من ابتداء خلقه، ومن خلْق هذا الكونِ العجيب. ان قدرةَ اله لا تُحَدّ، فاين الانسان من هذا الكون الهائل؟.
ليس يستوي الأعمى عن الحق والبصير العارف به، ولا يستوي المؤمن العامل بإيمانه والمسيء في عقيدته وعمله، ذلك أن المؤمنين ابصروا وعرفوا فهم يحسنون التقدير، اما الأعمى بجهله فهو يسيء كل شيء. ﴿قَلِيلاً مَّا تَتَذَكَّرُونَ﴾ وما أقلّ ما تتذكرون.
وبعد أن قرر الدليل على إمكان وجود يوم القيامة والبعث، أخبر بأنه واقع لا محالة:
﴿إِنَّ الساعة لآتِيَةٌ لاَّ رَيْبَ فِيهَا ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يُؤْمِنُونَ﴾
فآمنوا بها أيها الناس تفوزوا، وأطيعوا ربكم اذ أمركم أن تسألوه، فانه قريب يجيب داعءكم ويعطيكم. أما الذين يتكبرون عن عبادة الخالق فجزاؤهم جهنّم يدخلونها صاغرين.
ثم شرع الله يبين بعض نعمه على الناس، وهي تُظهر عظمته تعالى، لكنهم لا يشكرون عليها فقال:
﴿الله الذي جَعَلَ لَكُمُ الليل لِتَسْكُنُواْ فِيهِ﴾
من أكبرِ النعم على الناس ان الله جعل لهم الليلَ ليستريحوا فيه من العمل، والنهارَ مضيئا ليعملوا فيه ويكسبوا رزقهم، والله هو المتفضل عليهم بالنعم التي لا تحصى.
﴿ولكن أَكْثَرَ الناس لاَ يَشْكُرُونَ﴾ هذه النعم، ولا يعترفون بها. ﴿نَّ الإنسان لَظَلُومٌ كَفَّارٌ﴾ الآية [إبراهيم: ٣٤].
ثم بين الله كمالَ قدرته وانه الاله الواحد فقال:
﴿ذَلِكُمُ الله رَبُّكُمْ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ لاَّ إله إِلاَّ هُوَ فأنى تُؤْفَكُونَ﴾
ذلكم الذي انعم عليكم بهذه النعم الجليلة هو الله خالق هذا الكون وما فيه، الاله الواحد المنفرد في الألوهية.
﴿فأنى تُؤْفَكُونَ﴾
فإلى اي جهة تُصرفون عن عبادته الى عبادة غيره!.
ثم ذكر ان هؤلاء الجاحدين ليسوا ببدعٍ في الأمم قبلهم، فقد سبقهم الى هذا جحود خلق كثير فقال:
﴿كَذَلِكَ يُؤْفَكُ الذين كَانُواْ بِآيَاتِ الله يَجْحَدُونَ﴾
فكما ضلّ هؤلاء بعبادة غير الله ضل الذين قبلهم بلا دليل ولا برهان.
قراءات:
قرأ أهل الكوفة: تتذكرون بتاءَين، والباقون: يتذكرون بالياء. وقرأ ابن كثير ورويس سيدخَلون: بضم الياء وفتح الخاء. والباقون: سيدخُلون بفتح الياء وضم الخاء.
قرارا: مستقرا تستقرون عليها. بناء: مبنية بنظام لا يختل. فتبارك: فتقدّس وتنزه. طِفلاً: يعني اطفالا، لأنه يطلق على المفرد والجمع.
في هذه الآيات يؤكد الله تعالى حقيقة الوحدانية، كما يؤكد على حقيقة ألوهيته وربوبيته. فالله وحده هو الذي جعل لنا هذه الأرض لنستقر عليها، وجعل السماء بناءً محفوظا زيّنه بهذه النجوم والكواكب التي نراها. ولقد خلقَ الانسانَ فأبدع تصويره، وجعله في احسن تقويم ﴿وَرَزَقَكُمْ مِّنَ الطيبات﴾ المباحةِ ما يلذّ لكم، ﴿فَتَبَارَكَ الله رَبُّ العالمين﴾، الذي يخلق ويقدّر ويدبّر. وهو الذي لا تنبغي الألوهية إلاّ له، ولا تصلح الربوبية لغيره، بما انه المنفرد بالحياة: ﴿هُوَ الحي لاَ إله إِلاَّ هُوَ فادعوه مُخْلِصِينَ لَهُ الدين﴾ فادعوه باخلاص الدين له، واحمدوه في الدعاء والثناء لأنه مالكُ هذا الكون بما فيه.
وبعد ان اثبت سبحانه لنفسه صفاتِ الجلال والكمال، أمر رسولَه الكريم أنه منهيٌّ عن عبادة غيره مما يَدْعون.. قل لهم ايها الرسول: إني نُهيت عن عبادة الآلهة التي تعبدونها من دون الله ﴿لَمَّا جَآءَنِيَ البينات مِن رَّبِّي﴾ وأُمرت ان أنقاد في كل اموري لله رب هذا الكون كله.
ثم يستعرض آية من ىيات الله في انفسهم بعدما استعرض آياته في هذا الكون العجيب، وهذه الآية هي الحياة الانسانية واطوارها العجيبة فيقول:
﴿هُوَ الذي خَلَقَكُمْ مِّن تُرَابٍ...﴾
رتّب الله سبحانه تطور حياة الانسان في ثلاث مراتب: الطفولة، وبلوغ الأشُدّ في الشباب والكهولة، والشيخوخة. ومن الناس من يُتوفى قبل سن الشباب، او الشيخوخة. والله يفعل ذلك لتبلغوا الأجل المسمى وهو يوم القيامة، ولتعقِلوا ما في التنقل في هذه الأطوار المختلفة من فنون العبر والحكم.
ثم بعد هذه الأدلة على وجود الاله القادر، يعقب عليها بعرض حقيقة الإحياء والإماتة، وحقيقة الخلق والانشاء جميعا:
﴿هُوَ الذي يُحْيِي وَيُمِيتُ فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾
وتكثر الاشارة في القرآن الكريم الى آيتي الحياة والموت، لأنهما تلمسان قلب الانسان بشدّة وعمق، فالحياة ألوان، والموت ألوان، منها رؤية الأرض الميتة ثم رؤيتها مخضرة بألوان النبات والزهور، وكذلك رؤية الاشجار وهي جافة ثم رؤيتها والحياة تنبثق منها في كل موضع، وتخضر وتورق وتزهر، وغيرها وغيرها. وعكس هذه الرحلة من الحياة الى الموت، كالرحلة من الموت الى الحياة، الى حقيقة الانشاء وأداة الابداع، وهو في ذلك كله كما يقول:
﴿فَإِذَا قضى أَمْراً فَإِنَّمَا يَقُولُ لَهُ كُن فيَكُونُ﴾ بلا معاناة، ولا توقف ﴿فَتَبَارَكَ الله أَحْسَنُ الخالقين﴾ [المؤمنون: ١٤].
بالكتاب: بالقرآن. يُسحبون: يجرون. في الحميم: في الماء الحار. يُسْجَرون: يحرقون. ضلوا عنا: غابوا عنا. تفرحون: تبطرون وتسرّون. تمرحون: تختالون من شدة الفرح. المثوى: مكان الاقامة.
الم تنظر أيها الرسول الى هؤلاء الجاحدين كيف يجادلون في آيات الله الواضحة، ويحاولون أن يبطلوها، وكيف يُصرفون عن النظر فيها، ويصرّون على ضلالهم. لقد كذّبوا بالقرآن، وبما ارسلنا به رسُلَنا دميعا، فسوف يرون جزاء تكذيبهم حين تكون الأغلال في رقابهم يُجرون بها في الماء الحار، ثم يُحرقون في نار جهنم، ثم يقال لهم: اين ما كنتم تعبدون من دون الله؟ فيقولون: لقد غابوا عنا ﴿بَل لَّمْ نَكُنْ نَّدْعُواْ مِن قَبْلُ شَيْئاً﴾ بل تبيَّن لنا أننا لم نكن نعبد في الدنيا شيئا يُعتد به. وكما أضل الله تعالى هؤلاء، كذلك يضلُّ الكافرين.
وهذا الذي فعلنا بكم اليوم من شديد العذاب انما هو جزاء بسبب ما كنتم تفرحون وتبطرون وتتكبرون في الارض بغير الحق، وما كنتم تتمتعون به وتمرحون. ادخلوا ابواب جهنم خالدين فيها فبئس منزل المتكبرين.
ثم امر رسوله بالصبر على أذاهم وتكذيبهم، وأكَّدَ ان وعد الله له بهلاك الكافرين حق، وسيأتيهم هذا العذاب إما في حياتك يا محمد او حين يرجعون الينا، او نتوفينك قبل ان تراه، ﴿فَإِلَيْنَا يُرْجَعُونَ﴾ جميعا فنجازيهم بما كانوا يعملون.
ثم يسلي الرسولَ الكريم ومن معه بقوله تعالى:
﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلاً مِّن قَبْلِكَ مِنْهُم مَّن قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَّن لَّمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ﴾
وتقدّم مثل هذا النص في سورة النساء: ١٦٤.
﴿وَمَا كَانَ لِرَسُولٍ أَن يَأْتِيَ بِآيَةٍ إِلاَّ بِإِذْنِ الله﴾
يبين الله تعالى ان الرسلَ بشرٌ مكلفون بالتبشير والانذار وتعليم الناس، أما لمعجزات فهي بأمر الله وحسب مقتضى حكمته. ولا يمكن لرسول ان يأتي بمعجزة الا بأمر الله ومشيئته. فاذا جاء أمر الله بالعذاب في الدنيا او الآخرة قضى بين الناس بالعدل.
﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ المبطلون﴾
ولم يعد هنا كمجال للتوبة ولا للرجعة إلى الدنيا.
الأنعام: الابل والبقر والغنم. الفُلك: السفن. بالبينات: الآيات الواضحة. وحاق بهم: احاط بهم. بأسنا: شدة عذابنا. سنّة الله: طريقته.
يبين الله تعالى في هذه الآيات بعضَ هذه المعجزات التي يطلبها الجاحدون، ولكنهم لا يحسّون بها لأنهم ألِفوها، ثم يذكّرهم بما في هذه الآيات من نعم كبار.
ان الله تعالى خلق هذه الأنعام من الإبل والغنم والبقر، وذلّلها للانسان، منها ما يركبه ويستعمله في قضاء حاجاته، ومنها ما يأكله. فقد كانت وسائط السفر من هذه الانعام ولا يزال هناك حاجة لها في التنقّل بين الاماكن الوعرة في الجبال رغم وجود الوسائط الحديثة. ومنها ما يأكلونه ويشربون لبنه، كما يستعملون جلودها.
﴿وَعَلَيْهَا وَعَلَى الفلك تُحْمَلُونَ﴾
وقد تقدم في سورة النحل في الآيات ٥ و ٦ و ٧ و ٨ بأوسع من ذلك.
ثم بين انه يريكم آياته الباهرة التي لا مجال لانكارها بقوله:
﴿وَيُرِيكُمْ آيَاتِهِ فَأَيَّ آيَاتِ الله تُنكِرُونَ!﴾.
والله تعالى يريكم دلائلَ قدرته، لا تقدِرون على إنكار شيء منها لأنها واضحة لا يُنكرها من له ادنى عقل.
﴿أَفَلَمْ يَسِيرُواْ فِي الأرض فَيَنظُرُواْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الذين مِن قَبْلِهِمْ....﴾
تقدم هذا المعنى في اكثر من آية في سورة يوسف والحج والروم. فلو انهم اعتبروا بما رأوا من آثار الأمم السابقة واتّعظوا بها لأغناهم ذلك عن جحودهم وكفرهم.
وتلك المم السابقة حين جاءتهم رسُلهم بالشرائع والمعجزات الواضحة، فرحوا بما عندهم من علوم الدنيا، واستهزأوا بالمرسَلين، فنزل بهم العذابُ وأحاط بهم. فلما رأوا العذاب آمنوا بالله وحده وكفروا بآلهتهم التي عبدوها، ولكن ذلك لم يُفِدْهم شيئاً. لقد فات الأوان، فلا يفيد الندم. ﴿فَلَمْ يَكُ يَنفَعُهُمْ إِيمَانُهُمْ لَمَّا رَأَوْاْ بَأْسَنَا﴾ وتلك سنَّةُ الله قد سبقت في عباده ان لا يقبل الايمان حين نزول العذاب، ﴿وَخَسِرَ هُنَالِكَ الكافرون﴾ وسنة الله ثابتة لا تختلف ولا تحيد عن الطريق.
اللهم اقبل توبتنا، وأحسن ختامنا، واسترنا واغفر لنا يا رب العالمين ويا أرحم الراحمين.
Icon