تفسير سورة سورة غافر

حسنين مخلوف

صفوة البيان لمعاني القرآن

حسنين مخلوف (ت 1410 هـ)

مقدمة التفسير
سورة غافر
وتسمى سورة المؤمن
آية رقم ١
حم من المتشابه الذي استأثر الله بعلمه. وقيل : اسم من أسمائه تعالى، أو من أسماء القرآن. والسور المبتدأة بها سبع متواليات، كلها مكية إلا آيات. وتسمى آل حم، أو ذوات حم ؛ أي السور المضحوبة بهذا اللفظ. كما تسمى الحواميم.
غافر الذنب... هو وما بعده صفات للاسم الجليل. وكلها للترغيب إلا الثالثة فإنها للترهيب. ومجموعها للحث على ما هو مقصود من إنزال الكتاب، وهو المذكور بعد : من التوحيد والإيمان البعث المستلزم للإيمان سواهما، الإقبال على الله تعالى. و " غافر " أي ساتر ؛ من الغفر وهو الستر والتغطية. يقال : غفر الله ذنبه يغفره غفرا ومغفرة وغفرانا وغفيرا، غطى عليه وعفا عنه. والذنب : كل فعل تستوخم عقباه ؛ أخذا من ذنب الشيء. وجمعه ذنوب. والله تعالى غافر وغفار وغفور وذو مغفرة
للذنوب. وقابل التوب أي الرجوع عن الذنب والتوبة منه. مصدر كالأوب بمعنى الرجوع. أو اسم جمع لتوبة. ذي الطول ذي الفضل بالثواب والإنعام. أو بهما وبترك العقاب. والطول : السعة والغنى. أو القدرة أو الإنعام.
فلا يغررك تقلبهم في البلاد أي تصرفهم فيها بالتجارات الرابحة، وسلامتهم فيها مع كفرهم ؛ فإنه استدراج، وعما قريب يؤخذون بكفرهم أخذ من سبقهم من الأمم المكذبة. وهو تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم، ووعيد لهم بسوء العاقبة. والتقلب : الخروج من أرض إلى أخرى.
وكذلك حقت كلمة ربك... أي كما وجب حكمه تعالى بالإهلاك على الأمم الماضية المكذبة، وجب على الذين كفروا من قومك فلا تحزن. وهو وعيد لهم.
الذين يحملون العرش... أي الملائكة الحاملون للعرش والحافون به يسبحون بحمد ربهم أي ينزهونه تعالى عن كل مالا يليق بجلاله، متلبسين بالثناء عليه ويؤمنون به إيمانا كاملا ويستغفرون للذين آمنوا مثلهم، فهم مثابرون على ولاية المؤمنين ونصرتهم. وفي هذا تسلية للرسول صلى الله عليه وسلم وتعزيز للمؤمنين. ويقال لهؤلاء الملائكة : الكروبيون – أي الأقربون – جمع كروبي ؛ من كرب بمعنى قرب. ربنا وسعت.. أي يقولون في استغفارهم ذلك. فاغفر
بمقتضى سعة رحمتك وعلمك للذين تابوا أي علمت منهم التوبة من الذنوب، واتباع سبيل الهدى الذي دعوت إليه وقهم عذاب الجحيم احفظهم منه.
جنات عدن أي إقامة ؛ من عدن بالمكان يعدن ويعدن عدنا، إذا لزمه فلم يبرح منه. ومنه المعدن المعروف لاستقراره في الأرض.
ومن صلح من آبائهم... أي وأدخل معهم في جنات عدن هؤلاء ؛ ليكمل سرورهم، ويتضاعف ابتهاجهم
وقهم أي هؤلاء الأتباع السيئات أي جزاءها وهو عذاب النار.
ومن تق السيئات يومئذ أي في يوم القيامة فقد رحمته برحمتك الواسعة وذلك أي وقايتهم من جزائها هو الفوز العظيم الذي لا مطمع وراءه لطامع.
لمقت الله أكبر من مقتكم أنفسكم... أي يقال للكفار وهم في النار، وقد مقتوا أنفسهم الأمارة بالسوء التي أوقعتهم في هذا العذاب الأليم :- لمقت الله إياكم أعظم وأشد من مقتكم أنفسكم اليوم ؛ لأنكم قد دعيتم إلى الأيمان به مرارا فأبيتم وكفرتم. والمقت : أشد البغض. يقال مقته مقتا ومقته ؛ فهو مقيت وممقوت.
أمتنا اثنتين أرادوا بالأولى : خلقهم مادة لا روح فيها وهم في الأرحام. وبالثانية : قبض أرواحهم عند انقضاء آجالهم. والإماتة : جعل الشيء عادم الحياة، سبق بحياة أم لا. وأحييتنا اثنتين أرادوا بالأولى : نفخ أرواحهم في أبدانهم وهي في الأرحام. وبالثانية : نفخ الأرواح فيها يوم البعث والنشور. وهو نظيره قوله تعالى :" كيف تكفرون بالله وكنتم أمواتا فأحياكم ثم يميتكم ثم يحييكم " ١.
١ آية ٢٨ البقرة..
آية رقم ١٤
فادعوا الله مخلصين له الدين خطاب للمنيبين. أي إذا كان الأمر كما ذكر من اختصاص التذكير بمن ينيب ؛ فاعبدوه أيها المؤمنون مخلصين له دينكم. ولو كره الكافرون وإن غاظهم ذلك منكم. رفيع الدرجات أي هو تعالى المرتفع بعظمته في صفات جلاله وكماله ووحدانيته عن كل ما سواه.
ذو العرش أي خالقه ومالكه.
يلقى الروح من أمره أي هو ينزل الوحي أو الكتب المنزلة بقضائه. أو ينزل جبريل عليه السلام من أجل تبليغ أمره تعالى. يوم التلاق يوم القيامة الذي يلتقي فيه الأولون والآخرون.
وأنذرهم هم الآزفة يوم القيامة. وأصل معنى الآزفة : القريبة ؛ من أزف الرحيل – كفرح – أزفا وأزوفا : دنا وقرب ؛ ثم جعلت اسما للقيامة لقربها بالإضافة إلى ما مضى من عمر الدنيا أو لما بقي.
إذ القلوب لدى الحناجر إذ قلوبهم مرتفعة عن مواضعها من صدورهم، متشبثة بحلوقهم. والحناجر : جمع حنجور أو حنجرة، وهي الحلقوم. كاظمين ممسكين عليها لا تخرج مع أنفاسهم ؛ كما يمسك صاحب القربة فمها لئلا يهراق الماء [ آية ١٣٤ آل عمران ص ١٢٥ ]. وهو كناية عن شدة الفزع وفرط الغم. وما للظالمين من حميم قريب مشفق. يقال : احتم فلان لفلان، أي احتد ؛ فكأنه الذي يحتد حماية لذويه. ومنه قيل لخاصة الرجل : حامته ؛ ولذا فسر الحميم بالصديق.
آية رقم ١٩
يعلم خائنة الأعين أي هو تعالى يعلم النظرة الخائنة ؛ كمسارقة النظر إلى ما نهى الله عنه.
وما تخفي الصدور أي والذي تخفيه الصدور من المكنونات ؛ فيجزي كل نفس بما كسبت.
قالوا اقتلوا أبناء الذين آمنوا معه أي قال فرعون ومن معه : أعيدوا على بني إسرائيل ما كنتم تفعلونه بهم أولا من قتل الذكور من أولادهم كي تصدوهم عن مظاهرة موسى ؛ فالقتل وقع مرتين.
واستحيوا نساءهم أي استبقوا الإناث من أولادهم للخدمة كما فعلتم من قبل. ضلال ضياع وخسران.
إني عذت بربي وربكم.. لجأت إليه واستجرت به من شر كل مستكبر عن الإذعان للحق، كافر بالبعث والجزاء. يقال : عاذ به واستعاذ، لجأ إليه واستجار به.
ظاهرين في الأرض غالبين عالين على بني إسرائيل في أرض مصر، لا يقاومكم أحد في هذا الوقت. فمن ينصرنا من بأس الله أي عذابه إن جاءنا فلا تتعرضوا بقتله لعذاب الله ونقمته.
ما أريكم... ما أشير عليكم برأي إلا بما أرى من قتله.
آية رقم ٣٢
يوم التناد يوم القيامة الذي يكثر فيه نداء أهل الجنة أهل النار وبالعكس. والنداء بالسعادة لأهلها، وبالشقاوة لآخرين. ونداء الكفار بعضهم بعضا للاستغاثة وللتخاصم.
ما لكم من الله من عاصم مانع يمنعكم من عذابه. يقال : عصمه الطعام، منعه من الجوع. واعتصم بالله : امتنع بلطفه من المعصية.
الذين يجادلون.. مبتدأ خبره " كبر "، والفاعل ضمير راجع إلى الجدال المفهوم من " يجادلون "، أي كبر جدالهم. و " مقتا " تمييز محول عن الفاعل ؛ أي عظم بغضا جدالهم عند الله وعند المؤمنين.
أسباب السموات أي طرقها وأبوابها ؛ جمع سبب وهو كل ما يتوصل به إلى الشيء. فأطلع إلى إله موسى فأنظر إليه. وإني لأظنه كاذبا في إثبات إله غيري. والمراد بالظن : اليقين ؛ لقوله في آية القصص :" ما علمت لكم من إله غيري " مريدا به نفى وجود إله غيره. وقد أسلفنا في تفسيرها : أن أمره ببناء الصرح ورجاءه الاطلاع على إله موسى من ضروب التهكم والسخرية بموسى عليه السلام.
وما كيد فرعون إلا في تباب وما مكره واحتياله في إبطال آيات موسى إلا في خسران وهلاك. يقال : تب الله فلانا، أي أهلكه. وتبت يداه : خسرتا. وتب الشيء : قطعه.
النار يعرضون عليها غدوا وعشيا أي تعرض أرواحهم عليها في الغدوة والعشي. والمراد : دوام عذابهما في البرزخ إلى قيام الساعة. وفي الآية إثبات لعذاب القبر.
إنا لننصر رسلنا... أي شأننا دائما أن ننصر رسلنا وأتباعهم في الدنيا بالحجة والظفر، والانتقام لهم من المكذبين بالعقوبات القاسية. وفي الآخرة كما قال تعالى : ويوم يقوم الأشهاد الحفظة والأنبياء والمؤمنون. جمع شهيد أو شاهد ؛ يشهدون للرسل بالتبليغ وعلى الكفار بالتكذيب.
وسبح بحمد ربك أي دم على التسبيح والتحميد لربك. أوصل لربك بالعشي ، وهو من بعد الزوال إلى الليل والإبكار وهو من طلوع الفجر الثاني إلى طلوع الشمس. والمراد الدوام عليه. وقيل : هو أمر بالصلوات الخمس.
إن في صدورهم إلا كبر أي ما في قلوبهم إلا تكبر عن الحق، وتعاظم عن التعلم وأنفة عن الطاعة ؛ وهو الذي حملهم على التكذيب. ما هم ببالغيه أي ببالغي مقتضى ذلك الكبر وموجبه، وهو الرياسة أو النبوة.
لخلق السموات والأرض... أي بخلقها أعظم من خلقه تعالى الإنسان ؛ فمن قدر على الأعظم فهو على خلق ما لا يعد شيئا بالنسبة إليه بدأ وإعادة أقدر وأقدر !
وما يستوي الأعمى... فلا بد أن يكون لهم حال أخرى يظهر فيها ما بين الفريقين من التفاوت، وهي فيما بعد البعث.
والسماء بناء كالقبة المضروبة على الأرض من غير عمد ولا حامل. ويطلق البناء على ما يقيمه العرب من القباب للسكنى ؛ وإطلاقه على السماء على سبيل التشبيه البليغ.
فتبارك الله تعالى بذاته وتعظم. أو كثر خيره وإحسانه.
أنى يصرفون كيف يصرفون عن آيات الله الواضحة، الموجبة للإيمان بها ؛ إلى الجحود والتكذيب، والجدال الباطل فيها.
آية رقم ٧١
إذ الأغلال في أعناقهم... أي فسوف يعلمون عقوبة تكذيبهم ؛ إذ الأغلال والسلاسل في أعناقهم يجرون بها في الحميم، ثم في النار يحرقون فيكونون وقودها. و " الأغلال " : جمع غل، وهو القيد يوضع في اليد والعنق فيجمعهما ؛ ولذا يسمى الجامع. " والسلاسل " : جمع سلسلة ؛ من تسلسل السيء : اضطرب ؛ كأنه يصور منه تسلل متردد فردد لفظه تنبيها على تردد معناه. ومنه ماء سلسل : أي تردد في مقره حتى صفاء و " الحميم " الماء البالغ غاية الحرارة. و " يسجرون " من شجر التنور : إذا ملأه وقودا.
آية رقم ٧٦
فبئس مثوى المتكبرين فبئس مقامهم جهنم لتكبرهم عن الحق ؛ من ثوى بالمكان : إذا أقام به.
فإما نرينك بعض الذي نعدهم... أي فإن نرك بعض الذي نعدهم به من القتل والأسر فذاك. أو نتوفينك قبل ذلك فإلينا يرجعون يوم القيامة فنجازيهم بأعمالهم.
وما كان لرسول أن يأتي بآية فالمعجزات على تشعب فنونها عطايا من الله، قسما بين
رسله ؛ حسبما اقتضته مشيئته تعالى المبنية على الحكم البالغة، ليس لهم فيها اختيار. فليس لي أن آتي بآية مما اقترحتم إلا أن يأذن الله بها.
آية رقم ٨١
ويريكم آياته الدالة على كمال قدرته ؛ بحيث تشاهدونها في كل شيء إذا استعملتم عقولكم، وتجردتم من أهوائكم. فأي آيات الله تنكرون أي ليس شيء من هذه الآيات يستطيع عاقل إنكاره لوضوحها !. والاستفهام للتوبيخ.
فرحوا بما عندهم من العلم أي فرح الكفار بما لديهم من العلوم بأمور الدنيا ومعرفتهم بتدبيرها، واستهزءوا بعلوم الدين لما فيها من قمع الأهواء والحد من الشهوات، واعتقدوا أنه لا علم أنفع من علومها ففرحوا بها. وحاق بهم أحاط، أو نزل بهم جزاء ما كانوا به يستهزئون ،
فلما رأوا بأسنا عاينوا في الدنيا شدة عذابنا. وأصل البأس : الشدة والمكروه. والله أعلم.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

52 مقطع من التفسير