ﰡ
و «الحكيم» : يجوز أن يكونَ بمعنى فاعِل، أي: الحاكم، وأن يكونَ بمعنى مفعول، أي: مُحْكَم، قال الأعشى:
وقرأ رؤبة «رَجْل» بسكون الجيم، وهي لغة تميم، يُسَكِّنون فَعُلاً
٢٥٥٨ - وغريبةٍ تأتي الملوكَ حكيمةً | قد قلتُها لِيُقالَ مَنْ ذا قالها |
٢٥٥٩ -..................... | يكونُ مزاجَها عَسَلٌ وماءُ |
قوله: ﴿أَنْ أَنذِرِ﴾ يجوز أن تكونَ المصدرية، وأن تكونَ التفسيريةَ. ثم لك في المصدرية اعتباران، أحدهما: أن تجعلَها المخففةَ مِن الثقيلة، واسمها ضمير الأمر والشأن محذوف. كذا قال الشيخ، وفيه نظر من حيث إن أخبارَ هذه الأحرف لا تكون جملةً طلبية، حتى لو ورد ما يُوهم ذلك يُؤوَّل على إضمار القول كقوله:
٢٥٦٠ - ولو أصابَتْ لقالَتْ وَهْي صادقةٌ | إنَّ الرياضةَ لا تُنْصِبْكَ للشِّيبِ |
٢٥٦١ - إنَّ الذين قتلتُمْ أمسِ سَيِّدَهُمْ | لا تحسَبوا ليلَهم عن ليلِكم ناما |
قوله: ﴿أَنَّ لَهُمْ قَدَمَ﴾ «أنَّ» وما في حَيِّزها هي المبشَّرُ بها، أي: بَشِّرهم باستقرارِ قَدَمِ صِدْق، فَحُذفت الباء، فجرى في محلِّها المذهبان. والمرادُ بقدَمِ صِدْقٍ السابقةُ والفضلُ والمنزلةُ الرفيعة. وإليه ذهب الزجاج والزمخشري ومنه قولُ ذي الرمة:
٢٥٦٢ - لهمْ قَدَمٌ لا يُنْكِرُ الناسُ أنها... مع الحَسَبِ العاديِّ طَمَّتْ على البحر... لمَّا كان السعي والسَّبْقُ بالقدم سُمِّي السَّعْيُ المحمود قَدَماً، كما سُمِّيت اليدُ نِعْمة لمَّا كانت صادرةً عنها، وأُضيف إلى الصدق دلالةً على فضلِه، وهو من باب رجلُ صدقٍ ورجلُ سوءٍ. وقيل: هو سابقةُ الخير التي قَدَّموها، ومنه قول وضَّاح اليمني:
٢٥٦٣ - مالك وضَّاحُ دائمَ الغَزَلِ | أَلَسْتَ تخشى تقارُبَ الأَجَلِ |
صَلِّ لذي العرشِ واتَّخِذْ قَدَماً | تُنْجيك يوم العِثارِ والزَّلَلِ |
٢٥٦٤ - ذَلَّ بنو العَوَّامِ مِنْ آل الحَكَمْ | وتركوا المُلْكَ لمَلْكٍ ذي قَدَمْ |
٢٥٦٥ - فلا تَلْحَني فيها فإنَّ بحبِّها | أخاك مصابُ القلب جَمٌّ بَلابلُهْ |
وقرأ نافعٌ وأبو عمرو وابن عامر «لَسِحْرٌ» والباقون «لَساحر»، ف «هذا» يجوزُ أن يكونَ إشارةً للقرآن، وأن يكونَ إشارة للرسول على القراءة الأولى، ولكن لا بد من تأويل على قولنا: إن المشار إليه هو النبي عليه السلام، أي: ذو سحر أو جعلوه إياه مبالغةً. وأمَّا على القراءةِ الثانيةِ فالإِشارةُ للرسولِ عليه السلام فقط.
وقوله: ﴿حَقّاً﴾ مصدرٌ آخرُ مؤكِّدٌ لمعنى هذا الوعد، وناصبُه مضمر، أي: أَحُقُّ ذلك حقاً. وقيل: انتصب «حقاً» ب «وَعْدَ» على تقدير «في»، أي: وَعْدَ الله في حق، يعني على التشبيه بالظرف. وقال الأخفش الصغير: «التقدير: وقتَ حق» وأنشد:
٢٥٦٦ - أحقاً عبادَ الله أنْ لَسْتُ ذاهباً | ولا والِجاً إلا عليَّ رقيبُ |
٢٥٦٧ - أحقاً عبادَ الله أَنْ لستُ جائِياً | ............................ |
وقرأ ابن أبي عبلة:» حَقٌّ أنه «برفع [حق] وفتح» أنَّ «على الابتداء والخبر. قال الشيخ:» وكونُ «حق» خبرَ مبتدأ، و «أنه» هو المبتدأ هو الوجه في الإِعراب، كما تقول: «صحيحٌ أنك تخرج» لأن [اسم] «أنَّ» / معرفة، والذي تقدَّمها في هذا المثال نكرة «. قلت: فظاهرُ هذه العبارةِ يُشعر بجواز العكس، وهذا قد ورد في باب» إنَّ «كقوله:
٢٥٦٨ - وإن حراماً أن أَسُبَّ مُجاشعاً | بآبائيَ الشُّمِّ الكرامِ الخَضَارمِ |
٢٥٦٩ - وإن شفاءً عَبْرَةٌ أَنْ سَفَحْتُها وهل عند رسمٍ دارسٍ مِنْ مُعَوَّل...
٢٥٧٠ -................... | ولا يكُ موقفٌ منكِ الوَدَاعا |
٢٥٧١ -.................... | يكون مزاجَها عَسَلٌ وماءُ |
وأجاز رفعَ «وعد» و «حق» على الابتداء والخبر، وهو حسنٌ، ولم يقرأ به أحد «. قلت: نعم لم يرفع وعد وحق معاً أحد، وأمَّا رفعُ» حق «وحده فقد تقدم أن ابن أبي عبلة قرأه، وتقدَّم توجيهُه. ولا يجوز أن يكون» وعدَ الله «عاملاً في» أنه «لأنه قد وُصِف بقوله» حقاً «قاله أبو الفتح.
وقرىء» وَعَدَ اللَّهُ «بلفظ الفعل الماضي ورفعِ الجلالة فاعلةً، وعلى هذه يكون» أنه يَبْدَأ «معمولاً له إنْ كان هذا القارىءُ يفتح» أنه «.
والجمهور على» يَبْدأُ «بفتح الياء مِنْ بدأ، وابن أبي طلحة» يُبْدِىء «مِنْ أَبْدأ، وبَدَأ وأبدأ بمعنى.
قوله: ﴿والذين كَفَرُواْ﴾ يحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون مرفوعاً بالابتداء، والجملةُ بعده [خبره]. الثاني: أن يكون منصوباً عطفاً على الموصول قبلَه، وتكونُ الجملةُ بعده مبيِّنَةً لجزائهم. و» شراب « [يجوز أَنْ] يكونَ فاعلاً، وأن يكون مبتدأ، [والأولُ أولى].
قوله: ﴿بِمَا كَانُواْ﴾ الظاهرُ تعلُّقُه بالاستقرار المضمر في الجارِّ الواقع خبراً، والتقدير: استقر لهم شراب من جهنم وعذاب أليم بما كانوا. وجَوَّز أبو البقاء فيه وجهين ولم يذكر غيرهما الأول: أن يكونَ صفةً أخرى ل» عذاب «. والثاني: أن يكونَ خبر مبتدأ محذوف، وهذا لا معنى له ولا حاجةَ إلى العُدول عن الأول.
واستُبْعِدت هذه القراءة من حيث إن اللغةَ مبنيَّة على تسهيلِ الهمزِ فكيف يَتَخَيَّلون في قَلْب الحرفِ الخفيف إلى أثقلَ منه؟ قلت: لا غَرْو في ذلك، فقد قلبوا حرف العلةِ الألف والواو والياء همزة في مواضع لا تُحصرُ إلا بعُسْرٍ، إلا أنه هنا ثقيلٌ لاجتماع همزتين. قال أبو شامة: «وهذه قراءة ضعيفةٌ، فإن قياسَ اللغة الفِرارُ من اجتماع همزتين إلى تخفيف إحداهما، فكيف يُتَخَيَّل بتقديم وتأخيرٍ يؤدي إلى اجتماع همزتين لم يكونا في الأصل؟ هذا خلافُ حكم اللغة.».
وقال أبو بكر ابن مجاهد وهو ممَّن على قنبل: «ابنُ كثير وحدَه» ضِئاء «بهمزتين في كل القرآن: الهمزة الأولى قبل الألف، والثانية بعدها، كذلك قَرَأْتُ على قنبل وهو غلط، وكان أصحاب البزي وابن فليح يُنْكرون هذا ويَقْرؤون» ضياء «مثلَ الناس». قلت: كثيراً ما يتجرأ أبو بكر على شيخه ويُغَلِّطه، وسيمُّر بك مواضعُ من ذلك، وهذا لا ينبغي أن يكون، فإنَّ قُنْبُلاً بالمكان الذي يَمنع أن يتكلَّمَ فيه أحد.
وقوله في جانب الشمس «ضياء» لأن الضوء أقوى من النور، وقد تقدَّم
و «منازل» نُصِب على ظرف المكان، وجعله الزمخشري على حذف مضاف: إمَّا من الأول أي: قَدَّره مَسيره، وإمَّا من الثاني أي: قدَّره ذا منازل، فعلى التقدير الأول يكون «منازل» ظرفاً كما مر، وعلى الثانى يكون مفعولاً ثانياً على تضمين «قَدَّر» معنى: صَيَّره ذا منازل بالتقدير. وقال الشيخ بعد أن ذكرَ التقديرين، ولم يَعْزُهما للزمخشري: «أو قدَّر له منازل، فحذفَ، وأوصل الفعل إليه فانتصب بحسب هذه التقاديرِ عل الظرف أو الحال أو المفعول كقوله: ﴿والقمر / قَدَّرْنَاهُ مَنَازِلَ﴾ [يس: ٣٩] وقد سبقَه إلى ذلك أبو البقاء أيضاً.
والضمير في» قَدَّرناه «يعود على القمر وحده؛ لأنه هو عمدةُ العربِ في تواريخهم. وقال ابن عطية:» ويُحتمل أن يريدهما معاً بحسب أنهما يتصرَّفان في معرفة عدد السنين والحساب، لكنه اجتُزِىءَ بذِكْر أحدهما كقوله تعالى: ﴿والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ﴾ [التوبة: ٦٢] وكما قال الشاعر:
وقرأ ابنُ كثير وأبو عمرو «يُفَصِّل» بياء الغيبة جَرْياً على اسم الله تعالى، والباقون بنون العظمة التفاتاً من الغَيْبة إلى التكلُّم للتعظيم.
و «تحيَّتُهم» مبتدأٌ، و «سَلامٌ» خبرُها، وهو كالذي قبله، والمصدرُ هنا يحتمل أن يكونَ مضافاً لفاعله أي: تحيتهم التي يُحَيُّون بها بعضَهم سلامٌ، ويُحتمل أن يكونَ مضافاً لمفعوله أي: تحيتهم التي تُحَيِّيهم بها الملائكةُ سلام، ويدلُّ له ﴿وَالمَلاَئِكَةُ يَدْخُلُونَ عَلَيْهِمْ مِّن كُلِّ بَابٍ سَلاَمٌ عَلَيْكُم﴾ [الرعد: ٢٣]. و «فيها» في الموضعين متعلقٌ بالمصدرِ قبله، و «قبل» يجوز أن يكون حالاً ممَّا بعده فيتعلَّقَ بمحذوف، وليس بذاك. وقال بعضُهم: «يجوز أن يكون» تحيتهم «مِمَّا أضيف فيه المصدرُ لفاعله ومفعوله معاً؛ لأنَّ المعنى: يُحَيِّي
قوله: ﴿وَآخِرُ دَعْوَاهُمْ﴾ مبتدأ، و» أَنْ «هي المخففة من الثقيلة، واسمُها ضميرُ الأمر والشأن حُذِف، والجملةُ الاسميةُ بعدَها في محلِّ الرفع خبراً لها كقول الشاعر:
٢٥٧٢ - رماني بأمرٍ كنتُ منه ووالدي | بريئاً ومِنْ أجل الطَّوِيِّ رماني |
٢٥٧٣ - في فتية كسيوفِ الهند قد علموا | أَنْ هالِكٌ كلُّ مَنْ يحفى ويَنْتَعِلُ |
وتخفيفُ» أَنْ «ورفعُ» الحمد «هو قراءةُ العامة. وقرأ عكرمة وأبو مجلز وأبو حيوة وقتادة ومجاهد وابنُ يعمر وبلال بن أبي بردة وابن محيصن
قوله: ﴿استعجالهم﴾ فيه أوجهٌ، أحدها: أنه منصوبٌ على المصدرِ التشبيهيِّ تقديرُه: استعجالاً مثلَ استعجالِهم، ثم حَذَفَ الموصوفَ وهو» استعجال «وأقامَ صفتَه مُقامه وهي» مثل «فبقي: ولو يعجل اللَّهُ مثل استعجالِهم، ثم حَذَفَ المضافَ وأقام المُضاف إليه مُقامه. قال مكي:» وهذا مذهبُ سيبويه «قلت: وقد تقدَّم غيرَ مرةٍ أن مذهبَ سيبويه في مثل هذا أنه منصوبٌ على الحالِ من ذلك المصدرِ المقدَّرِ، وإن كان مشهورُ أقوالِ المُعْرِبين غيرَه، ففي نسبةِ ما ذكرته أولاً لسيبويه نظرٌ.
الثاني: أن تقديرَه: تعجيلاً مثلَ استعجالهم، ثم فُعِل به ما تقدَّم قبلَه. وهذا تقديرُ أبي البقاء، فقدَّر المحذوف مطابقاً للفعل الذي قبلَه، فإنَّ» تعجيلاً «مصدر ل» عَجَّل «وما ذكره مكي موافقٌ للمصدر الذي بعده، والذي يظهر ما قدَّره أو البقاء لأن موافقةَ الفعلِ أولى، ويكون قد شبَّه تعجيلَه
وقال الزمخشري: أصلُه: ولو يُعَجِّل الله للناسِ الشرَّ تعجيلَه لهم الخير، فوضع» استعجالهم بالخير «موضعَ» تعجيله لهم الخيرَ «إشعاراً بسرعة إجابته لهم وإسعافِه بطلبهم، كأنَّ استعجالَهم بالخير تعجيلٌ لهم». قال الشيخ: «ومدلولُ» عَجَّل «غيرُ مدلولِ» استعجل «لأنَّ» عَجَّل «يدلُّ على الوقوع، و» استعجل «يدلُّ على طلب التعجيل، وذلك واقعٌ من الله، وهذا مضافٌ إليهم، فلا يكون التقدير على ما قاله الزمخشري، فيحتمل وجهين، أحدهما: أن يكون التقدير: تعجيلاً مثل استعجالهم بالخير، فشبَّه التعجيلَ بالاستعجال؛ لأن طلبَهم [للخير] ووقوعَ تعجيله مقدَّمٌ عندهم على كل شيء. والثاني: أن يكون ثَمَّ محذوفٌ يدلُّ عليه المصدرُ تقديرُه: ولو يعجِّل اللَّهُ للناسِ الشرَّ إذا استعجلوا به استعجالَهم بالخير، لأنهم كانوا يستعجلون بالشرِّ ووقوعِه على سبيل التهكم كما كانوا يستعجلون بالخير». الثالث: أنه منصوبٌ على إسقاط كافِ التشبيهِ، والتقدير: كاستعجالهم. قال أبو البقاء. «وهو بعيدٌ، إذ لو جاز ذلك لجاز» زيد غلامَ عمرو «أي: كغلام عمرو» وبهذا ضَعَّفه جماعةٌ وليس بتضعيفٍ صحيحٍ، إذ ليس في المثال الذي ذكر فعلٌ يتعدى بنفسه عند حذف الجار، وفي الآيةِ فعلٌ يَصِحُّ فيه ذلك وهو قوله «يُعَجِّل».
وقال مكي: «وَيَلْزَمُ مَنْ يُجَوِّز حَذْفَ حرفِ الجر منه أن يجيز» زيدُ الأسدُ «أي: كالأسدِ» قلت: قوله «ويلزم إلى آخره» لا ردَّ فيه على هذا القائل
قوله: ﴿لَقُضِي﴾ / قرأ ابن عامر «لقضى» بفتح الفاء والعين مبنياً للفاعل وهو الله تعالى، «أجلهم» نصباً. والباقون «لقُضِيَ» بالضم والكسر مبنياً للمفعول، «أَجَلُهم» رفعاً لقيامِه مقامَ الفاعل. وقرأ الأعمش «لقَضَيْنا» مسنداً لضمير المعظِّم نفسَه، وهي مؤيدةٌ لقراءةِ ابن عامر.
قوله: ﴿فَنَذَرُ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدها: أنه معطوفٌ على قوله ﴿وَلَوْ يُعَجِّلُ الله﴾ على معنى أنه في قوة النفي، وقد تقدَّم تحقيقُ ذلك في سؤال الزمخشري وجوابِه فيه. إلا أن أبا البقاء ردَّ عطفه على «يُعَجِّل» فقال: «ولا يجوزُ أن يكونَ معطوفاً على» يُعَجِّل «إذ لو كان كذلك لدَخَلَ في الامتناع الذي تقتضيه» لو «وليس كذلك، لأنَّ التعجيلَ لم يقع، وتَرْكَهم في طغيانهم وقع». قلت: إنما يَتمُّ هذا الردُّ لو كان معطوفاً على «يُعَجِّل» فقط باقياً على معناه، وقد تقدَّم أن الكلامَ صار في قوةِ ﴿لا نعجِّل لهم الشرَّ فَنَذَرُهم﴾ فيكون «فَنَذَرُهم» معطوفاً على جملة النفي لا على الفعلِ الممتنع وحدَه حتى يلزمَ ما قال. والثاني: أنه معطوفٌ على جملةٍ مقدرة: «ولكن نُمْهِلُهم فَنَذَرُ» قاله أبو البقاء. والثالث: أن تكون جملةً مستأنفةً، أي: فنحن نَذَرُ الذين. قاله الحوفي.
قال الشيخ: «وهذا الثاني يلزم فيه مِنْ مَسِّه الضرُّ في هذه الأحوالِ دعاؤه في هذه الأحوال، لأنه جوابُ ما ذُكِرت فيه هذه الأحوال [فالقيد في الشرط قيدٌ في الجواب كما تقول:» إذا جاءنا زيدٌ فقيراً فقد أَحْسَنَّا إليه «فالمعنى:] أَحْسَنَّا إليه في حال فقرِه».
وقيل: صاحبُ الحال هو الضمير الفاعل في «دعانا» وهو واضحٌ، أي: دعانا في جميع أحواله لأن هذه الأحوال الثلاثة لا يخلو الإِنسان عن واحدة منها. ثم قيل: المراد بالإِنسان الجنسُ، وهذه الأحوالُ بالنسبة إلى المجموع،
قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يَدْعُنَآ﴾ قد تقدَّم الكلامُ على مثل هذا عند قوله: ﴿كَأَنْ لَّمْ تَكُنْ بَيْنَكُمْ﴾ قال الزمخشري: «فَحَذفَ ضميرَ الشأن كقوله:
٢٥٧٤ -.................. | كأنْ ثَدْياه حُقَّانِ» |
وصَدْرٍ مُشْرقِ النَّحْرِ | .......................... |
والكافُ مِنْ» كذلك زُيِّن «في موضع نصب على المصدر، أي: مثلَ ذلك التزيين والإِعراض عن الابتهال. وفاعل» زُيِّن «المحذوف: إمَّا الله تعالى وإمَّا الشيطان. و ﴿مَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ في محل رفع لقيامه مقام الفاعل. و» ما «يجوزُ أن تكون مصدريةً، وأن تكونَ بمعنى الذي.
قوله: ﴿وَجَآءَتْهُمْ رُسُلُهُم﴾ يجوز أن يكون معطوفاً على «ظلموا» فلا محلَّ له عند سيبويه، ومحله الجر عند غيره، لأنه عطف على ما هو في محلِّ جرٍ بإضافة الظرف إليه، ويجوز أن يكونَ في محلِّ نصبٍ على الحال، أي: ظلموا بالتكذيب وقد جاءتهم رسلُهم بالحُجَجِ والشواهد على صدقهم و «بالبينات» يجوزُ أن يتعلَّق ب «جاءتهم»، ويجوز أن يتعلَّق بمحذوفٍ على أنه حالٌ من «رسلهم» [أي:] جاؤوا ملتبسين بالبينات مصاحبين لها.
قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ﴾ الظاهرُ عَطْفه على «ظلموا». وجَوَّز الزمخشري أن يكونَ/ اعتراضاً قال: «واللامُ لتأكيد فني إيمانهم، ويعني بالاعتراض كونَه وقع بين الفعل ومصدرهِ التشبيهي في قوله» كذلك نَجزي «. والضميرُ في» كانوا «عائد على» القرون «. وجَوَّز مقاتل أن يكونَ ضميرَ أهل مكة، وعلى هذا يكونُ التفاتاً إذ فيه خروجٌ من ضمير الخطاب في قوله» قبلكم «إلى الغَيْبة، والمعنى: وما كنتم لتؤمنوا، و» كذلك «نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي مثلَ ذلك الجزاء نجزي. وقُرِىء» يَجْزي «بياء الغيبة، وهو التفاتٌ من التكلم في قوله» أَهْلكنا «إلى الغَيْبة.
وقوله: ﴿كَيْفَ﴾ منصوبٌ ب» تعملون «على المصدر، أي: أيَّ عملٍ تعملون، وهي معلِّقة للنظر.
و «تِلْقاء» مصدرٌ على تِفْعال، ولم يجيء مصدر بكسر التاء إلا هذا والتِّبْيان. وقرىء شاذاً بفتح التاء، وهو قياسُ المصادر الدالة على التكرار
وقرأ ابنُ كثير بخلاف عن البزي «ولأَدْراكم» بلام داخلة على «أَدْراكم» مثبتاً. والمعنى: ولأُعْلِمَكم به من غير وساطتي: إمَّا بوساطة مَلَكٍ أو رسولٍ غيري من البشر، ولكنه خَصَّني بهذه الفضيلة. وقراءةُ الجمهور «لا» فيها مؤكدةٌ؛ لأنَّ المعطوفَ على المنفيّ منفيّ، وليست «لا» هذه هي التي يُنْفَى بها الفعل، لأنه لا يَصِحُّ نفيُ الفعل بها إذا وقع جواباً، والمعطوفُ على الجواب جواب، ولو قلت: «لو كان كذا لا كان كذا» لم يَجُزْ، بل تقول: «ما كان كذا». وقرأ ابن عباس والحسن وابن سيرين وأبو رجاء: ﴿ولا أَدْرَأْتُكم به﴾ بهمزةٍ ساكنةٍ بعد الراء. وفي هذه القراءةِ تخريجان، أحدهما: أنها مُبْدَلةٌ من ألف، والألف منقلبةٌ عن ياءٍ لانفتاحِ ما قبلها وهي لغةٌ لعُقَيْلٍ حكاها قطرب، يقولون في أعطيتك: أعطأتك. وقال أبو حاتم: «قَلَبَ الحسنُ الياءَ ألفاً، كما في لغة بني الحرث يقولون: عَلاَك وإلاك، ثم هَمَزَ على لغة من قال في العالم: العَأْلَم، وقيل: بل أُبْدلت الهمزة من نفس الياء نحو:» لَبَأْتُ بالحج «و» رثَأْت فلاناً «، أي: لبَّيْتُ ورَثَيْتُ. والثاني: أن الهمزة أصلية وأن اشتقاقه مِنَ الدَّرْء وهو الدّفْع كقوله: ﴿وَيَدْرَؤُاْ عَنْهَا العذاب﴾ [النور: ٨]، ويقال: أَدْرأته،
وقرأ شهر بن حوشب والأعمش: «ولا أَنْذَرْتُكم» من الإِنذار، وكذلك/ هي في حرف عبد الله.
والضمير في «قبله» عائد على القرآن. وقيل: على النزول. وقيل: على وقت النزول. و «عُمُراً» مشبهٌ بظرف الزمان فانتصبَ انتصابَه، أي: مدة متطاولة. وقيل: هو على حَذْف مضاف، أي: مقدار عُمُر. وقرأ الأعمش «عُمْراً» بسكون الميم كقولهم: «عَضْد» في «عَضُد».
قوله: ﴿أَتُنَبِّئُونَ﴾ قرأ بعضهم: «أتُنْبِئون» مخففاً مِنْ أنبأ، يقال: أنبأ ونبَّأ كأخبرَ وخبَّر. وقوله: ﴿بِمَا لاَ يَعْلَمُ﴾ «ما» موصولةٌ بمعنى الذي أو نكرة موصوفة كالتي تقدمت. وعلى كلا التقديرين فالعائد محذوف، أي: يعلمه. والفاعل هو ضمير الباري تعالى، والمعنى: أتنبِّئوون الله بالذي لا يعلمه الله، وإذا لم يعلم الله شيئاً استحال وجودُ ذلك الشيء، لأنه تعالى لا يَعْزُب عن علمه شيء، وذلك الشيء هو الشفاعة، ف «ما» عبارة عن الشفاعة.
وقرأ الأخَوان هنا «عَمَّا يُشْركون»، وفي النحل موضعين، الأول: ﴿سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ يُنَزِّلُ الملائكة﴾ [الآية: ١]، والثاني: ﴿بالحق تعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الآية: ٣]. وفي الروم: ﴿هَلْ مِن شُرَكَآئِكُمْ مَّن يَفْعَلُ مِن ذَلِكُمْ مِّن شَيْءٍ سُبْحَانَهُ وتعالى عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الآية: ٤٠] بالخطاب. والباقون بالغَيْبة في الجميع. والخطاب والغيبة واضحتان.
وأتى هنا ب «يُشْركون» مضارعاً دون الماضي تنبيهاً على استمرار حالِهم كما جاؤوا يعبدون، وتنبيهاً أيضاً على أنَّهم على الشرك في المستقبل، كما كانوا عليه في الماضي.
وقوله: ﴿في آيَاتِنَا﴾ متعلقٌ ب» مَكْر «جعل الآيات مَحَلاًّ للمكر والمبالغة، ويَضْعف أن يكون الجارُّ صفةً ل» مكر «. وقوله:» مكراً «نصبٌ على التمييز. وهو واجبُ النصبِ، لأنك لو صُغْتَ مِنْ» أَفْعل «فعلاً وأَسْنَدْتَه إلى تمييزِه فاعلاً لصَحَّ أن يُقال:» سَرُع مَكْرُه «وأيضاً فإنَّ شرطَ جوازِ الخفضِ صِدْقُ التمييز على موصوفِ أفعل التفضيل نحو:» زيدٌ أحسنُ فقيه «. و» أَسْرَعُ «مأخوذٌ مِنْ سَرُع ثلاثياً، حكاه الفارسي. وقيل: بل مِنْ أسرع، وفي بناء أفعل وفعلي التعجب مِنْ أفعل ثلاثةُ مذاهب: الجوازُ مطلقاً، المنعُ مطلقاً، التفضيلُ: بين أن تكونَ الهمزةُ للتعدية فيمتنعَ، أو لا فيجوزَ، وتحريرُها في كتب النحاة. وقال بعضُهم:» أَسْرع هنا ليست للتفضيل «وهذا ليس بشيءٍ إذ السياق يردُّه. وجعله ابن عطية: أعني كونَ أسرع للتفضيل نظيرَ قوله:» لهي أسودُ مِنَ القار «. قال الشيخ:» وأما تنظيره «أسود من القار» ب «أسرع» ففاسد/ لأن «أسود» ليس فعلُه على وزِن أَفْعَل، وإنما هو على وزن فَعِل
وقرأ الحسنُ وقتادة ومجاهد والأعرج ونافعٌ في روايةٍ:» يَمْكرون «بياء الغيبة جَرْياً على ما سَبَق. والباقون بالخطابِ مبالغةً في الإِعلام بمكرهم والتفاتاً لقوله:» قل الله «، إذ التقديرُ: قل لهم، فناسَبَ الخطابَ. وفي قوله:» إنْ رسلَنا «التفاتٌ أيضاً، إذ لو جرى على قوله:» قل الله «، لقيل: إنَّ رسله.
٢٥٧٥ - فلا تجزعَنْ مِنْ سُنَّةٍ أنت سِرْتها | فأولُ راضٍ سنةٍ مَنْ يَسِيْرُها |
قوله: ﴿حتى إِذَا﴾ «حتى» متعلقةٌ ب «يُسَيِّركم». وقد تقدَّم الكلامُ على «حتى» هذه الداخلةِ على «إذا» وما قيل فيها. قال الزمخشري: «كيف جَعَلَ الكونَ في الفلك غايةَ التسييرِ في البحر، والتسيُير في البحر إنما هو بالكون في الفُلْك؟ قلت: لم يجعلِ الكونَ في الفلك غايةَ التسيير، ولكنَّ مضمونَ
وقرأ أبو الدَّرْدَاء وأمُّ الدرداء «في الفُلْكيّ» بياء النسب. وتخريجُها يَحْتمل وجهين، أحدهما: أن يُراد به الماءُ الغَمْرُ الكثيرُ الذي لا يَجْْري الفُلْكُ إلا فيه، كأنه قيل: كنتم في اللُّلجِّ الفُلْكِيِّ، ويكونُ الضمير في «جَرَيْنَ» عائداً على الفلك لدلالةِ «الفلكي» عليه لفظاً ولزوماً. والثاني: أن يكونَ من باب النسبةِ إلى الصفة لقولهم: «أَحْمَريّ» كقوله:
٢٥٧٦ - أَطَرَباً وأنت قِنَّسْرِيُّ | والدهرُ بالإِنسان دوَّارِيُّ |
٢٥٧٧ - أَنَا الصَّلَتَانِيُّ الذي قد عَلِمْتُمُ | ..................... |
قوله: ﴿وَجَرَيْنَ﴾ يجوز أن يكونَ نسقاً على «كنتم»، وأن يكونَ حالاً على إضمار «قد». والضميرُ عائدٌ على «الفلك»، والمرادُ به هنا الجُمع، وقد تقدَّم
وقوله: ﴿بِهِم﴾ فيه التفاتٌ من الخطابِ إلى الغَيْبة. قال الزمخشري: / «فإن قلت: ما فائدةُ صَرْفِ الكلامِ عن الخطابِ إلى الغَيْبة؟ قلت: المبالغةُ كأنه يَذْكُرُ لغيرهم حالَه ليُعْجِبَهم منها ويَسْتدعي منهم الإِنكارَ والتقبيح». وقال ابن عطية: «بهم» خروجٌ من الخطاب إلى الغَيْبة وحَسُنَ ذلك لأن قوله: ﴿كُنتُمْ فِي الفلك﴾ هو بالمعنى المعقول، حتى إذا حَصَلَ بعضُكم في السفن «انتهى. فقدَّر اسماً غائباً وهو ذلك المضافُ المحذوف، فالضميرُ الغائب يعود عليه. ومثلُه ﴿أَوْ كَظُلُمَاتٍ فِي بَحْرٍ لُّجِّيٍّ يَغْشَاهُ مَوْجٌ﴾ [النور: ٤٠] تقديره: أو كذي ظلمات» وعلى هذا فليس من الالتفات في شيءٍ. وقال الشيخ: «والذي يَظْهر أنَّ حكمةَ الالتفاتِ هنا هي أن قولَه ﴿هُوَ الذي يُسَيِّرُكُمْ﴾ خطابٌ فيه امتنانٌ وإظهارُ نعمةٍ للمخاطبين، والمسيَّرون في البر والبحر مؤمنون وكفَّار، والخطابُ شاملٌ، فَحَسُن خطابُهم بذلك ليستديمَ الصالحُ الشكرَ، ولعلَّ الطالحَ يتذكر هذه النعمةَ، ولمَّا كان في آخر الآية ما يقتضي أنهم إذا نَجَوا بَغَوا في الأرضِ عَدَلَ عن خطابهم بذلك إلى الغَيْبة لئلا يخاطب المؤمنين بما لا يليق صُدورُه منهم وهو البغيُ بغير الحق»
قوله: ﴿وَفَرِحُواْ بِهَا﴾، يجوز أن تكون هذه الجملةُ نَسَقاً على «جَرَيْنَ»، وأن تكونَ حالاً، و «قد» معها مضمرةٌ عند بعضهم، أي: وقد فَرِحوا، وصاحبُ الحال الضمير في «بهم».
قوله: ﴿جَآءَتْهَا﴾ الظاهرُ أن هذه الجملةَ الفعلية جواب «إذا»، وأن الضميرَ في «جاءَتْها» ضميرُ الريح الطيبة، أي: جاءَتِ الريحَ الطيبةَ ريحٌ عاصفٌ، أي: خَلَفَتْها. وبهذا بدأ الزمخشري، وسبقه إليه الفراء وجَوَّز أن يكونَ الضميرُ للفلك، ورجَّح هذا بأن الفُلْكَ هو المُحَدَّث عنه.
قوله: ﴿وظنوا﴾ يجوز أن يكونَ معطوفاً على «جاءتها» الذي هو جوابُ «إذا»، ويجوز أن يكونَ معطوفاً على «كنتم» وهو قولُ الطبريّ ولذلك قال: «وظنُّوا» جوابُه «دَعَوا الله».
قال الشيخ: «ظاهره العطف على جواب» إذا «لا أنَّه معطوفٌ على» كنتم «لكنه محتمل كما تقول:» إذا زارك فلانٌ فأكرمه، وجاءك خالد فأحسِنْ إليه «وأنَّ أداةَ الشرط مذكورة». وقرأ زيد ابن عليّ «حِيط» ثلاثياً.
قوله: ﴿لَئِنْ أَنْجَيْتَنَا﴾ اللامُ موطِّئةٌ للقسم المحذوف، و» لنكونَنَّ «جوابه، والقسمُ وجوابهُ في محل نصب بقول مقدر، وذلك القولُ المقدرُ في محلِّ نصبٍ على الحال، والتقدير: دَعَوا قائلين: لئن أَنْجَيْتنا من هذه لنكوننَّ. ويجوزُ أن يجرى» دَعَوا «مجرى» قالوا «، لأن الدعاء بمعنى القول، إذ هو نوعٌ مِنْ أنواعه، وهو مذهب كوفي.
قوله: ﴿مَّتَاعَ الحياة﴾ قرأ حفص «متاعَ» نصباً، ونصبُه على خمسة أوجه، أحدُها: أنه منصوب على الظرف الزماني نحو «مَقْدَم الحاج»، أي: زَمَن متاع الحياة. والثاني: أنه منصوبٌ على المصدر الواقع موقع الحال، أي: مُتَمتعين. والعاملُ في هذا الظرف وهذه الحالِ الاستقرار الذي في الخبر، وهو «عليكم». ولا يجوزُ أن يكونا منصوبين بالمصدر لأنه يلزم منه الفصلُ بين المصدرِ ومعمولِه بالخبر، وقد تقدَّم أنه لا يُخْبَرُ عن الموصول إلا بعد تمامِ صلته. والثالث: نصبُه على المصدرِ المؤكِّد بفعلٍ مقدر، أي: يتمتعون متاع الحياة. الرابع: أنه منصوبٌ على المفعول به بفعلٍ مقدر يدلُّ عليه المصدر، أي: يبغون متاعَ الحياة. ولا جائزٌ أن ينتصِبَ بالمصدر لِما تقدم. الخامس: أن ينتصب على المفعولِ مِنْ أجله، أي: لأجلِ متاع والعامل فيه: إمَّا الاستقرارُ المقدَّرُ في «عليكم»، وإمَّا فعلٌ مقدر. ويجوز أن يكونَ الناصبُ له حالَ جعله ظرفاً أو حالاً او مفعولاً من أجله نفسَ البغي
وقرأ باقي السبعة «متاعُ» بالرفع. وفيه أوجه، أحدُها: وهو الأظهر أنه خبرُ «بَغْيكم» و «على أنفسِكم» متعلقٌ بالبغي.
ويجوز أن [يكونَ] «عليكم» خبراً، و «متاع» خبراً ثانياً، ويجوزُ أن يكونَ خبرَ مبتدأ محذوفٍ، أي: هو متاع. ومعنى «على أنفسكم»، أي: على بعضِكم وجنسِكم كقوله ﴿وَلاَ تقتلوا أَنْفُسَكُمْ﴾ [النساء: ٢٩] ﴿وَلاَ تلمزوا أَنفُسَكُمْ﴾ [الحجرات: ١١]، أو يكونُ المعنى: إنَّ وبالَ البغي راجعٌ عليكم لا يتعدَّاكم كقولِه: ﴿وَإِنْ أَسَأْتُمْ فَلَهَا﴾ [الإسراء: ٧] ﴿وَمَنْ أَسَآءَ فَعَلَيْهَا﴾ [فصلت: ٤٦].
وقرأ ابنُ أبي إسحاق «متاعاً الحياة» بنصب «متاعاً» و «الحياةَ». ف «متاعاً» على ما تقدَّم. وأما «الحياة» فيجوز أن تكونَ مفعولاً بها، والناصب لها المصدر، ولا يجوز والحالةُ هذه أن يكونَ «متاعاً» مصدراً مؤكداً لأنَّ المؤكِّد لا يعمل. ويجوزُ أَنْ تنتصبَ «الحياة» على البدل من «متاعاً» لأنها مشتملةٌ عليه.
وقُرىء أيضاً «متاعِ الحياة» بجرِّ «متاع»، وخُرِّجت على النعت لأنفسكم، ولا بُدَّ مِنْ حَذْفِ مضافٍ حينئذ تقديرُه: على أنفسكم ذواتِ متاع الحياة، كذا خرَّجه بعضهم. ويجوز أن يكونَ ممَّا حُذِف منه حرفُ الجر
وقرىء «فيُنَبِّئَكُم» بياءِ الغَيْبة، والفاعلُ ضميرُ الباري تعالى.
٢٥٧٨ - كان مُثَارَ النَّقْعِ فوقَ رؤوسنا | وأسيافَنا ليلٌ تهاوى كواكبُهْ |
وقوله: ﴿كَمَآءٍ﴾ هو خبرُ المبتدأ، و «أنزلناه» صفةٌ ل «ماء»، و «من السماء» متعلقٌ ب «أَنْزلناه» ويَضْعُفُ جَعْلُه حالاً من الضمير المنصوب. وقوله: «فاختلطَ به» في هذه الباءِ وجهان، أحدهما: أنها سببيَّةٌ. قال الزمخشري: «فاشتبك بسببه حتى خالط بعضُه بعضاً»، وقال ابن عطية: «وَصَلَتْ فِرْقَةٌ» النباتَ «بقوله:» فاختلط «، أي: اختلط النباتُ بعضُه ببعض بسبب الماء». والثاني: أنها للمصاحبة بمعنى أنَّ الماءَ يجري مجرى الغذاء له فهو مصاحبه. وزعم بعضُهم أن الوقفَ على قولِه: «فاختلط» على أن الفعلَ ضميرٌ عائد على الماء، وتَبْتَدىء ﴿بِهِ نَبَاتُ الأرض﴾ على الابتداء والخبر. والضمير في «به» على هذا يجوز عَوْدُه على الماء، وأن يعود على الاختلاط الذي تضمنَّه الفعل، قاله ابن عطية. قال الشيخ: «الوقف على قوله:» فاختلط «لا يجوزُ، وخاصةً في القرآن لأنه تفكيكٌ للكلام المتصلِ الصحيح والمعنى الفصيحِ، وذهابٌ إلى اللُّغْز والتعقيد».
قوله: ﴿مِمَّا يَأْكُلُ﴾ فيه وجهان، أحدهما: أنه متعلقٌ ب «اختلط» وبه قال الحوفي. والثاني: أنه حالٌ من «النبات» وبه قال أبو البقاء، وهو الظاهرُ، والعاملُ فيه محذوفٌ على القاعدة المستقرة، أي: كائناً أو مستقراً ممَّا يأكل. ولو قيل «مِنْ» لبيان الجنس لجاز. وقوله: «حتى» غايةٌ فلا بد لها من شيءٍ مُغَيَّا، والفعلُ الذي قبلها وهو «اختلط» لا يصلح أن يكون مُغَيَّا لقصرِ زمنهِ.
قوله: ﴿وازينت﴾ قرأ الجمهور «ازَّيَّنَتْ» بوصل الهمزة وتشديد الزاي والياء، والأصلُ «وتَزَيَّنت» فلمَّا أريد إدغامُ التاء في الزاي بعدها قُلبت زاياً وسَكَنَتْ فاجتلبت همزة الوصل لتعذُّر الابتداء بالساكن فصار «ازَّيَّنت» كما ترى، وقد تقدَّم تحريرُ هذا عند قولِه تعالى: ﴿فادارأتم فِيهَا﴾ [البقرة: ٧٢]. وقرأ أُبَيّ بن كعب وعبد الله وزيدٌ بن علي والأعمش «وتَزَيَّنَتْ» على تَفَعَّلَتْ، وهو الأصلُ المشار إليه. وقرأ سعد ابن أبي وقاص والسلمي وابن يعمر والحسن والشعبي وأبو العالية ونصر بن عاصم وابن هرمز وعيسى الثقفي: «وأَزْيَنَتْ على وزن أَفْعلَتْ وأفْعَل هنا بمعنى صار ذا كذا كأَحُصَدَ الزرعُ وأَغَدَّ البعيرُ، والمعنى: صارت ذا زينة، أي: حَضَرت زينتها وحانَتْ وكان مِنْ حَقِّ الياءِ على هذه القراءة أن تُقْلَبَ ألفاً فيقال: أَزَانَتْ، كأَنَابت فَتُعَلُّ بنقلِ حركتِها إلى الساكن قبلها فتتحرك حينئذ، وينفتح ما قبلَها فتقلب ألفاً كما تقدَّم ذلك في نحو: أقام وأناب، إلا أنها صَحَّتْ شذوذاً كقولِه:» أَغْيَمت السماء، وأَغْيَلَت المرأة «، وقد وَرَدَ ذلك في القرآن نحو: ﴿استحوذ﴾ [المجادلة: ١٩] وقياسُه استحاذَ كاستقام.
وقرأ أبو عثمان النهدي وعزاه ابن عطية لفرقةٍ غيرِ معينة»
٢٥٧٩ -..................... | إذا ما الهَواديْ بالعَبيطِ احمأرَّتِ |
وقوله: ﴿أَهْلُهَآ﴾، أي: أهل نباتها. و» أتاها «هو جوابُ» إذا «فهو العاملُ فيها. وقيل: الضميرُ عائد على الزينة. وقيل: على الغَلَّة، أي: القُوت فلا حَذْفَ حينئذ.
و» ليلاً ونهاراً «ظرفان للإِتيان أو للأمر. والجَعْل هنا تصيير. وحصيد: فعيل بمعنى مفعول؛ ولذلك لم يؤنَّثْ بالتاء وإن كان عبارة عن مؤنث كقولهم: امرأة جريح.
٢٥٨٠ -..................... | طويلَ الثَّواءِ طويلَ التَّغَنّ |
و» بالأمس «المرادُ به الزمن الماضي لا اليوم الذي قبل يومك، فهو كقول زهير:
٢٥٨١ - وأعلمُ علمَ اليومِ والأمسِ قبلَه | ولكنني عن عِلْمِ ما في غدٍ عَمِ |
وقوله: ﴿كذلك نُفَصِّلُ﴾ نعت مصدر محذوف، أي: مثل هذا التفصيل الذي فَصَّلْناه في الماضي نُفَصِّل في المستقبل.
٢٥٨٢ - ألا أيُّهذا الزاجري أحضرُ الوَغَى | .................................. |
والرَّهَق: الغِشْيان. يقال: رَهِقَه يَرْهَقُه رَهَقا، أي: غَشِيَهُ بسرعة، ومنه ﴿وَلاَ تُرْهِقْنِي مِنْ أَمْرِي﴾ [الكهف: ٣٧] ﴿فَلاَ يَخَافُ بَخْساً وَلاَ رَهَقاً﴾ [الجن: ١٣] / يقال: رَهِقْتُه وأَرْهَقْتُه نحو: رَدِفْتُه وأَرْدَفْتُه، فَفَعَل وأَفْعل بمعنىً، ومنه: «أَرْهَقْت الصلاةَ» إذا أخَّرْتَها حتى غَشِي وقتُ الأخرى، ورجلٌ مُرْهَق، أي: يغشاه الأضياف. وقال الأزهري: «الرَّهَق» اسمٌ من الإِرهاق، وهو أن يَحْمِلَ الإِنسانُ على نفسه ما لا يُطيق، ويقال: «أَرْهَقْتُه عن الصلاة»، أي: أَعْجَلْتُه عنها. وقال بعضهم. أصلُ الرَّهَق: المقاربة، ومنه غلامٌ مراهِق، أي: قارب الحُلُم، وفي الحديث: «ارهَقُوا القِبلة»، أي: اقرُبوا منها، ومنه «رَهِقَتِ الكلابُ الصيدَ»، أي: لحقته.
والقَتَر والقَتَرة: الغبار معه سوادٌ وأنشدوا للفرزدق:
٢٥٨٣ - مُتَوَّجٌ برِداء المُلك يَتْبَعُه | موجٌ ترى فوقه الراياتِ والقترا |
٢٥٨٤ - رُبَّ رامٍ من بني ثُعَلٍ | مُتْلِجٍ كَفَّيْهِ في قُتَرِهْ |
٢٥٨٥ - أكلَّ امرىءٍ تحسبين امرأً | ونارٍ توقَّدُ بالليل نارا |
٢٥٨٦ - أَوْصَيْتَ مَنْ تَوَّه قلباً حُرَّاً | بالكلبِ خيراً والحماةِ شَرَّا |
٢٥٨٧ - فلا تطمعْ أبيت اللعنَ - فيها | ومَنْعُكها بشيءٍ يُسْتطاع |
الخامس: أن يكونَ الخبرُ الجملةَ المنفية من قوله: ﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾، ويكون» مِنْ عاصم «إمَّا فاعلاً بالجارِّ قبله لاعتماده على النفي، وإمَّا مبتدأً، وخبرُه الجارُّ مقدماً عليه، و» مِنْ «مزيدة فيه على كلا القولين.
و «من الله» متعلقٌ ب «عاصم». وعلى كون هذه الجملة خبر الموصول يكون قد فَصَلَ بين المبتدأ وخبره بجملتي اعتراضٍ. وفي ذلك خلافٌ عن الفارسي تقدَّم التنبيهُ عليه وما استدلَّ به عليه.
السادس: أن الخبرَ هو الجملةُ التشبيهية من قوله: {كَأَنَّمَا أُغْشِيَتْ
السابع: أن الخبر هو الجملة من قوله: ﴿أولئك أَصْحَابُ النار﴾، وعلى هذا القولِ فيكونُ قد فصل بأربعِ جمل معترضة وهي: ﴿جَزَآءُ سَيِّئَةٍ بِمِثْلِهَا﴾، والثانية: «وتَرْهَقُهم ذلة»، والثالث: ﴿مَّا لَهُمْ مِّنَ الله مِنْ عَاصِمٍ﴾، الرابع: «كأنما أُغْشيت». وينبغي أن لا يجوز الفصل بثلاثِ جملٍ فضلاً عن أربع.
وقوله: ﴿وَتَرْهَقُهُمْ﴾ فيها وجهان أحدهما: أنها في محل نصب على الحال. ولم يُبَيِّنْ أبو البقاء صاحبَها، وصاحبُها هو الموصولُ أو ضميرُه. وفيه ضعفٌ لمباشرته الواو، إلا أن يُجْعَلَ خبرَ مبتدأ محذوف. الثاني: أنها معطوفة على «كسبوا». قال أبو البقاء: «وهو ضعيف لأن المستقبلَ لا يُعْطَفُ على الماضي. فإن قيل: هو بمعنى الماضي فضعيفٌ جداً». وقرىء: «ويَرْهقهم» بالياء من تحت، لأنَّ تأنيثَها مجازي.
قوله: ﴿قِطَعاً﴾ قرأ ابن كثير والكسائي «قِطْعاً» بسكون الطاء، والباقون بفتحها. فأما القراءة الأولى فاختلفت عبارات الناس فيها، فقال أهل اللغة: «القِطْع» ظلمة آخر الليل. وقال الأخفش في قوله: «بقِطْع من الليل» بسواد من الليل. وقال بعضهم: «طائف من الليل»، وأنشد الأخفش:
٢٥٨٨ - فإن تَنْأَ عنها حقبةً لا تلاقِها | فإنَّك ممَّا أَحْدَثْتَ بالمجرِّب |
٢٥٨٩ - افتحي الباب فانظري في النجومِ | كم علينا من قِطْعِ ليلٍ بَهيم |
قال الزمخشري: «فإن قلت: إذا جعلت» مظلماً «حالاً من» الليل «فما العاملُ فيه؟ قلت: لا يخلو: إما أن يكونَ» أُغْشِيَتْ «من قِبل أنَّ» من الليل «صفةٌ لقوله:» قِطْعاً «، وكان إفضاؤه إلى الموصوفِ كإفضائه إلى الصفة، وإما أن يكونَ معنى الفعل في» من الليل «.
قال الشيخ: «أمَّا الوجه الأول فهو بعيدٌ لأنَّ الأصلَ أن يكون العاملُ في الحال هو العاملَ في ذي الحال، والعاملُ في» من الليل «هو الاستقرار، و» أُغْشِيَتْ «عاملٌ في قوله:» قطعاً «الموصوف بقوله:» من الليل «فاختلفا، فلذلك كان الوجهُ الأخير أَوْلى، أي: قطعاً مستقرةً من الليل، أو كائنةً من الليل في حال إظلامه». قلت: ولا يَعْني الزمخشري بقوله: «إنَّ العامل أُغْشِيَتْ» إلا أنَّ الموصوفَ وهو «قِطْعاً» معمول لأُِغْشِيَتْ والعامل في الموصوف هو عاملٌ في الصفة، والصفة هي «من الليل» فهي معمولةٌ ل «أُغْشِيَتْ»، وهي صاحبةُ الحال، والعاملُ في الحال هو العاملُ في ذي الحال، فجاء من ذلك أنَّ العاملَ في الحال هو العاملُ في صاحبها بهذه الطريقةِ. ويجوز أن يكونَ «قِطْعاً» جمع قطعة، أي: اسم جنس، فيجوز حينئذٍ وصفُه بالتذكير نحو: «نَخْلٌ مُنْقَعِر» والتأنيث نحو: «نخل خاوية».
وقرأ أُبَي/ ﴿تغشى وجوهَهم قِطْعٌ﴾ بالرفع، «مظلمٌ». وقرأ ابن أبي عبلة كذلك، إلا أنه فتح الطاء. وإذا جَعَلْتَ «مُظْلماً نعتاً ل» قطعاً «، فتكون قد قَدَّمْتَ النعتَ غير الصريح على الصريح. قال ابن عطية:» فإذا كان نعتاً يعني مظلماً نعتاً لقطع فكان حقه أن يكون قبلَ الجملة، ولكن قد يجيءُ بعد هذا، وتقدير الجملة: قطعاً استقرَّ من الليل مظلماً على نحو قوله: ﴿وهذا كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ مُبَارَكٌ﴾ [الأنعام: ١٥٥]. قال الشيخ: «ولا يتعيَّنُ تقديرُ العاملِ في المجرور بالفعل فيكونُ جملة، بل الظاهرُ تقديره باسم الفاعل فيكون من قبيل الوصف بالمفرد، والتقدير: قطعاً كائناً من الليل مظلماً». قلت: المحذورُ تقديمُ غيرِ الصريحِ على الصريح ولو كان مقدَّراً بمفرد.
و «قطعاً» منصوبٌ ب «أُغْشِيَتْ» مفعولاً ثانياً.
قوله: ﴿مَكَانَكُمْ﴾، «مكانكم» اسمُ فعل، ففسَّره النحويون ب «اثبتوا» فيحمل ضميراً، ولذلك أُكِّد بقوله: «أنتم» وعُطِف عليه «شركاؤكم»، ومثله قول الشاعر:
٢٥٩٠ - وقَوْلِي كلما جَشَأَتْ وجاشَتْ | مكانَكِ تُحْمَدي أو تَسْتريحي |
وهذا الذي ذكره مِنْ كونه مبنياً فيه خلاف للنحويين: منهم مَنْ ذهب إلى ما ذَكَر، ومنهم مَنْ ذهب إلى أنها حركةُ إعراب، وهذان الوجهان مبنيَّان على خلافٍ في أسماء الأفعال: هل لها محلٌّ من الإِعراب أو لا؟، فإن قلنا
وقوله: ﴿أَنتُمْ﴾ فيه وجهان أحدهما: أنه تأكيدٌ للضمير المستتر في الظرفِ لقيامِه مقامَ الفاعلِ كما تقدَّم التنبيه عليه. والثاني: أجازه ابن عطية، وهو أن يكونَ مبتدأً، و «شركاؤكم» معطوف عليه، وخبرُه محذوفٌ قال: «تقديرُه: أنتم وشركاؤكم مُهاون أو مُعَذَّبون»، وعلى هذا فيُوقَفُ على قوله: «مكانكم» ثم يُبتدأ بقوله: «أنتم»، وهذا لا يَنْبغي أن يقال، لأن فيه تفكيكاً لأفصحِ كلام وتبتيراً لنظمه من غير داعيةٍ إلى ذلك، ولأن قراءةَ مَنْ قرأ «وشركاءَكم» نصباً تدل على ضعفه، إذ لا تكونُ إلا من الوجه الأول، ولقولِه: «فزيَّلْنا بينهم»، فهذا يدلُّ على أنهم أُمِروا هم وشركاؤهم بالثبات في مكانٍ واحدٍ حتى يحصلَ التَّزْيِِيْلُ بينهم.
وقال ابن عطية أيضاً: «ويجوزُ أن يكون» أنتم «تأكيداً للضمير الذي في الفعل المقدر الذي هو» قفوا «ونحوه».
قال الشيخ «وهذا ليس بجيدٍ، إذ لو كان تأكيداً لذلك الضمير المتصل بالفعل لجاز تقديمُه على الظرف، إذ الظرفُ لم يتحمَّلْ ضميراً على هذا القول فيلزمُ تأخيرُه [عنه] وهو غير جائز، لا تقول:» أنت مكانَك «ولا يُحْفظ من كلامهم. والأصحُّ أنه لا يجوز حَذْفُ المؤكَّد في التأكيد المعنوي، فكذلك هذا لأن التأكيدَ ينافي الحذف، وليس من كلامهم:» أنت زيداً «لمَنْ رأيته قد شَهَرَ سَيْفاً، وأنت تريد:» اضرب
وقرأ فرقةُ «وشكركاءَكم» نصباً على المعية. والناصبُ له اسم الفعل.
قوله: ﴿فَزَيَّلْنَا﴾، أي: فرَّقْنا وميَّزْنا كقوله تعالى: ﴿لَوْ تَزَيَّلُواْ لَعَذَّبْنَا﴾ [الفتح: ٢٥]. واختلفوا في «زيَّل» هل وزنُه فَعَّل أو فَيْعَل؟ والظاهرُ الأول، والتضعيفُ فيه للتكثيرِ لا للتعديةِ لأنَّ ثلاثيَّه متعدٍّ بنفسِه. حكى الفراء «زِلْتُ الضَّأن من المَعِز فلم تَزِل»، ويقال: زِلْت الشيء مِنْ مكانه أَزيله، وهو على هذا من ذواتِ الياء. والثاني: أنه فَيْعَل كبَيْطَر وبَيْقَر وهو مِنْ زال يَزُول، والأصل: زَيْوَلْنا فاجتمعت الياء والواو وسَبَقَت إحداهما بالسكون فأُعِلَّت الإِعلالَ المشهورَ وهو قَلْبُ الواوِ ياءً وإدغامُ الياء فيها كميِّت وسَيّد في مَيْوِت وسَيْودِ، وعلى هذا فهو من مادة الواو. وإلى هذا ذهبَ ابن قتيبة، وتبعه أبو البقاء.
وقال مكي: «ولا يجوز أن يكون فَعَّلْنا مِنْ زال يزول لأنه [يلزم] فيه الواوُ فيكون زَوَّلنا»، قلت: هذا صحيحٌ، وقد تقدم تحريرُ ذلك في قوله: ﴿أَوْ مُتَحَيِّزاً إلى فِئَةٍ﴾ [الأنفال: ١٦]. وقد ردَّ الشيخ كونَه فيْعَل بأنَّ فعَّل أكثر من فَيْعَل،
٢٥٩١ - وقال العذارى إنَّما أنت عَمُّنا | وكان الشبابُ كالخليطِ نُزايِلُهْ |
٢٥٩٢ - لعَمْري لَمَوْتٌ لا عقوبةَ بعده | لِذي البَثِّ أَشْفَى مِنْ هوىً لا يُزايلُهْ |
٢٥٩٣ - وإذا الأمورُ تعاظَمَتْ وتشاكَلَتْ | فهناك يَعْترفون أينَ المَفْزَعُ |
وقرأ الأخَوان «تَتْلو» بتاءَيْن منقوطتين من فوق، أي: تطلُب وتتبَع ما أسلفَتْه مِنْ أعمالها، ومن هذا قوله:
٢٥٩٤ - إنَّ المُريبَ يَتْبَع المُريبا | كما رأيت الذِّيبَ يتلو الذِّيبا |
وقرأ الباقون: «تَبْلو» مِن البَلاء وهو الاختبار، أي: يَعْرف عملَها: أخيرٌ هو أم شر. وقرأ عاصم في روايةٍ «نبلو» بالنون والباءِ الموحدة، أي: نختبر نحن. و «كل» منصوب على المفعول به. وقوله: «وما أَسْلَفَتْ» على هذه القراءةِ
٢٥٩٥ - تمرُّون الديار ولم تعوجوا | كلامُكمُ عليَّ إذنْ حَرامُ |
و «ما» يجوز أن تكونَ موصولةً اسميةً أو حرفيةً أو نكرةً موصوفة، والعائدُ محذوفٌ على التقدير/ الأول والآخِر دون الثاني على المشهور.
وقرأ ابن وثاب «ورِدُّوا» بكسر الراء تشبيهاً للعين المضعفة بالمعتلَّة، نحو: «قيل» و «بيع»، ومثله:
٢٥٩٦ - وما حِلَّ مِنْ جَهْلٍ حُبا حُلَمائِنا | ........................ |
وقوله: ﴿إِلَى الله﴾ لا بدَّ من مضاف، أي: إلى جزاء الله، أو موقفِ جزائه. والجمهور على «الحق» جَرَّاً. وقرىء منصوباً على أحد وجهين: إمَّا القطعِ، وأصلُه أنه تابعٌ فقُطع بإضمارِ «أمدح» كقولهم: الحمدُ للَّهِ أهلِ الحمد «، وإمَّا أنه مصدر مؤكد لمضمونِ الجملةِ المتقدمةِ وهو ﴿وردوا إِلَى الله﴾ وإليه نحا الزمخشري، قال:» كقولك: «هذا عبد الله الحق لا الباطل» على
وقوله: ﴿مَّا كَانُواْ يَفْتَرُونَ﴾ «ما» تحتمل الأوجه الثلاثة.
قوله: ﴿أَمْ﴾ هذه «أم» المنقطعة لأنه لم تتقدَّمْها همزةُ استفهام ولا تسوية، ولكن إنما تُقَدَّر هنا ب «بل» وحدها دونَ الهمزة. وقد تقرَّر أن المنقطعةَ عند الجمهور تُقَدَّر بهما، وإنما لم تتقدَّرْ هنا ب «بل» والهمزةِ، لأنَّها وقع بعدها اسم استفهام صريح وهو «مَنْ»، فهو كقوله تعالى: ﴿أَمَّا ذَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ﴾ [النمل: ٨٤]. والإِضرابُ هنا على القاعدةِ المقررة في القرآن أنه إضرابُ انتقالٍ لا إضرابُ إبطالٍ
قوله: ﴿أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾، فيه أربعةُ أوجه، أحدها: أنَّها في محلِّ رفعِ بدلاً من «كلمةُ»، أي: حَقَّ عليهم انتفاء الإِيمان. الثاني: أنها في محلِّ رفعٍ خبراً لمبتدأ محذوف، أي: الأمر عدمُ إيمانِهم. الثالث: أنها في محلِّ نصبٍ بعد إسقاط الحرف الجارّ. الرابع: أنها في محلِّ جرٍّ على إعمالِه محذوفاً إذا الأصل: لأنهم لا يُؤْمنون. قال الزمخشري: «أو أراد بالكلمة العِدَة بالعذاب، و ﴿أَنَّهُمْ لاَ يُؤْمِنُونَ﴾ تعليل، أي: لأنهم».
وقرأ أبو عمرو وابنُ كثير والكوفيون «كلمة» بالإِفراد، وكذا في آخر السورة. وقد تقدَّم ذلك في الأنعام. وقرأ ابن أبي عبلة ﴿أَنهم لا يُؤْمنون﴾ بكسر «إنَّ» على الاستئناف وفيها معنى التعليل، وهذه مقويِّةُ للوجه الصائر إلى التعليل.
قوله: ﴿أَحَقُّ أَن يُتَّبَعَ﴾ خبرٌ لقوله: «أَفَمَنْ يَهْدي» و «أَنْ» في موضعِ نصبٍ أو جرٍّ بعد حذف الخافض، والمفضَّلُ عليه محذوفٌ، وتقديرُ هذا كله: «أَفَمَنْ يهْدي إلى الحقّ أَحَقُّ بأن يُتَّبَع ممَّن لا يَهْدي». ذكر ذلك مكي ابن أبي طالب، فجعل «أحقّ» هنا على بابها من كونها للتفضيل. وقد منع الشيخ كونَها هنا للتفضيل فقال: «وأحق» ليست للتفضيل، بل المعنى: حقيقٌ بأن يُتَّبع «. وجوَّز مكي أيضاً في المسألة وجهين آخرين أحدهما: أن تكون» مَنْ «مبتدأ أيضاً، و» أنْ «في محلِّ رفع بدلاً منها بدلَ اشتمال، و» أحقُّ «خبرٌ على ما كان. والثاني: أن يكون» أن يُتَّبع «في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و» أحقُّ «خبرُه مقدَّم عليه. وهذه الجملةُ خبر ل» مَنْ يَهْدي «، فَتَحَصَّل في المسألة ثلاثة أوجه.
قوله: ﴿أَمَّن لاَّ يهدي﴾ نسقٌ على» أفمن «، وجاء هنا على الأفصحِ مِنْ حيث إنَّه قد فُصِل بين» أم «وما عُطِفَتْ عليه بالخبر كقولك:» زيدٌ قائم أم عمرو «ومثله:
﴿أذلك خَيْرٌ أَمْ جَنَّةُ الخلد﴾ [الفرقان: ١٥]. وهذا بخلاف قوله تعالى: ﴿أَقَرِيبٌ أَم بَعِيدٌ مَّا تُوعَدُونَ﴾ [الأنبياء: ١٠٩] وسيأتي هذا في موضعه.
وقرأ أبو عمرو وقالون عن نافع بفتح الياء واختلاس فتحة الهاء وتَشْديد الدال، وذلك أنهما لَمَّا ثقَّلا الفتحة لإِدغام اختلسا الفتحة تنبيهاً على أن الهاءَ ليس أصلُها الحركةَ بل السكون. وقرأ ابن كثير وابن عامر وورش بإكمال فتحة الهاء على أصل النقل. وقد رُوي عن أبي عمرو وقالون اختلاسُ كسرةِ الهاءِ على أصل التقاء الساكين، والاختلاس للتنبيه على أنَّ أصلَ الهاءِ السكون كما تقدم.
وقرأ أهلُ المدينة خلاورشاً بفتح الياء وسكون الهاء وتشديدِ الدال. وهذه القراءةُ استشكلها جماعةٌ من حيث الجمعُ بين الساكنين. قال المبرد: «مَنْ رام هذا لا بد أن يُحَرِّكَ حركةً خفيَّة». وقال أبو جعفر النحاس: «
وقرأ الأخَوان «يَهْدي» بفتح الياء وسكون الهاء وتخفيفِ الدال مِنْ هدى يَهْدي وفيه قولان، أحدهما: أنَّ «هدى» بمعنى اهتدى. والثاني: أنه متعدٍّ، ومفعولُه محذوف كما تقدَّم تحريره. وقد تقدم قول الكسائي والفراء في ذلك ورَدَّ المبرد عليهما. وقال ابن عطية: «والذي أقوال: قراءةُ حمزة والكسائي تحتمل أن يكون المعنى: أَمْ مَنْ لا يهدي أحداً إلا أن يهدى ذلك الأحدُ بهداية الله، وأمَّا على غيرِها مِنَ القراءات التي مقتضاها» أم لا يَهْتدي إلا أن يهدى «فيتجه المعنى على ما تقدَّم» ثم قال: «وقيل: تمَّ الكلامُ عند قوله:» أم مَنْ لا يَهِدِّي، أي: لا يَهِدِّي غيره «.
ثم قال: ﴿إِلاَّ أَن يهدى﴾ استثناءٌ منقطع، أي: لكنه يحتاج إلى أن يهدى كما تقول: فلان لا يسمع غيره إلا أَنْ يُسْمع، أي: لكنه يحتاج إلى أن يَسمع «. انتهى. ويجوز
وقوله: ﴿فَمَا لَكُمْ﴾ مبتدأ وخبر. ومعنى الاستفهام هنا الإِنكارُ والتعجبُ، أي: أيُّ شيءٍ لكم في اتخاذ هؤلاء إذ كانوا عاجزين عن هدايةِ أنفسهم فكيف يمكن أن يَهْدُوا غيرَهم؟ وقد تقدَّم أن بعضَ النحويين نصَّ على أن مثل هذا التركيبِ لا يتمُّ إلا بحالٍ بعده، نحو: ﴿فَمَا لَهُمْ عَنِ التذكرة مُعْرِضِينَ﴾ [المدثر: ٤٩] ﴿وَمَا لَنَا لاَ نُؤْمِنُ﴾ [المائدة: ٨٤] إلى غير ذلك، وهنا لا يمكن أن تُقَدَّر الجملةُ بعد هذا التركيب حالاً لأنها استفهامية، والاستفهامية لا تقع حالاً. وقوله:» كيف تحكمون «استفهامٌ آخرُ، أي: كيف تحكمون بالباطل وتجعلون لله أنداداً وشركاء؟.
قوله ﴿ولكن تَصْدِيقَ﴾ «تَصْديق» عطف على خبر كان، ووقعت «لكن» أحسنَ موقع إذ هي بين نقيضين: وهما التكذيبُ والتصديقُ المتضمِّن للصدق. وقرأ الجمهور «تصديق» و «تفصيلَ» بالنصب وفيه أوجهٌ، أحدُها: العطف على خبر «كان» وقد تقدَّم ذلك، ومثله: ﴿مَّا كَانَ مُحَمَّدٌ أَبَآ أَحَدٍ مِّن رِّجَالِكُمْ ولكن رَّسُولَ الله﴾ [الأحزاب: ٤٠]. والثاني: أنه خبر «كان» مضمرة تقديره: ولكن كان تصديقَ، وإليه ذهب الكسائي والفراء وابن سعدان والزجاج. وهذا كالذي قبله في المعنى. والثالث: أنه منصوبٌ على المفعول من أجله لفعل مقدر، أي: وما كان هذا القرآنُ أن يفترى، ولكن أُنزل للتصديق. والرابع: أنه منصوبٌ على المصدر بفعل مقدر أيضاً. والتقدير: ولكن يُصَدِّق تصديقَ الذي بين يديه من الكتب.
وقرأ عيسى بن عمر: «تَصْديقُ» بالرفع، وكذلك التي في يوسف. ووجهُه الرفعُ على خبر مبتدأ محذوف، أي: ولكن هو تصديق، ومثله قوله الشاعر:
٢٥٩٧ - ولستُ الشاعرَ السَّفْسَافَ فيهمْ | ولكن مِدْرَهُ الحربِ العَوانِ |
وزعم الفراء وجماعةٌ أن العرب إذا قالت: «ولكن» بالواو آثَرَتْ تشديد النون، وإذا لم تكن الواو آثرت التخفيفَ. وقد وَرَدَ في قراءات السبعة التخفيفُ. وقد وَرَدَ في قراءات السبعة التخفيف والتشديد نحو ﴿ولكن الشياطين﴾ [البقرة: ١٠٢] ﴿ولكن الله رمى﴾ [الأنفال: ١٧].
قوله: ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ﴾ فيه أوجه أحدها: أن يكون حالاً من «الكتاب» وجاز مجيءُ الحال من المضاف إليه لأنه مفعولٌ في المعنى. والمعنى: وتفصيل الكتاب منتفياً عنه الرَّيْب. والثاني: أنه مستأنفٌ فلا محلَّ له من الإِعراب. والثالث: أنه معترضٌ بين «تصديق» وبين ﴿مِن رَّبِّ العالمين﴾ إذ التقديرُ: ولكن تصديق الذين بين يديه مِنْ رب العالمين.
قال الزمخشري: فإن قلت: بم اتَّصَلَ قولُه ﴿لاَ رَيْبَ فِيهِ مِن رَّبِّ العالمين﴾ ؟ قلت: هو داخلٌ في حَيِّز الاستدراك كأنه قيل: ولكن كان تصديقاً وتفصيلاً منتفياً عنه الريبُ كائناً من رب العالمين. ويجوز أن يراد به «ولكن كان تصديقاً من رب العالمين [وتفصيلاً منه لا ريب في ذلك، فيكون من رب العالمين] متعلقاً
قوله: ﴿مِن رَّبِّ﴾ يجوز فيه أوجهٌ أحدُها: أن يكونَ متعلقاً ب «تصديق» أو ب «تفصيل»، وتكون المسألة من باب التنازع؛ إذ يَصِحُّ أَنْ يتعلَّقَ بكلٍ من العاملين من جهة المعنى. وهذا هو الذي أراد الزمخشري بقوله: «فيكون» مِنْ رب «متعلِّقاً ب» تصديق «و» تفصيل «يعني أنه متعلقٌ بكلٍ منهما من حيث المعنى. وأمَّا من حيث الإِعرابُ فلا يتعلَّق إلا بأحدهما، وأمَّا الآخرُ فيعمل في ضميره كما تقدَّم تحريره غيرَ مرة، والإِعمالُ هنا حينئذ إنما هو للثاني بدليلِ الحَذْفِ من الأول. والوجه الثاني: أنَّ» مِنْ رب «حال ثانية. والثالث: إنه متعلقٌ بذلك الفعلِ المقدرِ، أي: أُنْزِل للتصديق من ربَّ العالمين.
قوله: ﴿قُلْ فَأْتُواْ﴾ جوابُ شرطٍ مقدر قال الزمخشري: «قل: إن كان الأمرُ كما تَزْعمون فَأْتوا أنتم على وجه الافتراءِ بسورةِ مثلِه في العربية
و «كذلك» نعتٌ لمصدرٍ محذوف، أي: مثل ذلك التكذيب كَذَّب الذين من قبلهم، أي: قبل النظر والتدبُّر.
وقوله: ﴿فانظر كَيْفَ كَانَ﴾ «كيف» خبر ل «كان»، والاستفهامُ معلِّقٌ للنظر. قال ابن عطية: «قال الزجاج:» كيف «في موضع نصب على خبر كان، ولا يجوز أن يعمل فيها» انظر «لأنَّ ما قبل الاستفهام لا يَعْمل فيه، هذا
قال [الشيخ] :» وقولُ ابن عطية: هذا قانون النحويين إلى آخره ليس كما ذكر بل ل «كيف» معنيان، أحدُهما: الاستفهامُ المحض، وهو سؤال عن الهيئة إلا أن يُعَلَّق عنها العامل، فمعناها معنى الأسماء التي يُستفهم بها إذا عُلِّق عنها العاملُ. والثاني: الشرط كقول العرب: «كيف تكونُ أكونُ». وقوله: «ول» كيف «تصرفات إلى آخره ليس» كيف «تحلُّ محلَّ المصدر، ولا لفظ» كيفية «هو مصدرٌ، إنما ذلك نسبةٌ إلى» كيف «، وقوله:» ويحتمل أن يكونَ هذا الموضعُ منها، ومِنْ تصرفاتها قولهم: «كن كيف شئت» لا يَحْتمل أن يكون منها؛ لأنه لم يثبتْ لها المعنى الذي ذكر مِنْ كونِ «كيف» بمعنى كيفية وادِّعاءُ مصدرية «كيفية».
وأمَّا «كن كيف شئت» ف «كيف» ليست بمعنى كيفية، وإنما هي شرطيةٌ وهو المعنى الثاني الذي لها، وجوابها محذوف، التقدير: كيف شئت فكن، كما تقول: «قم متى شئت» ف «متى» اسمُ شرطٍ ظرفٌ لا يعمل فيه «قم» والجواب محذوف تقديره: متى شئت فقم، وحُذِفَ الجوابُ لدلالة ما قبله عليه كقولِهم: «اضربْ زيداً إن أساء إليك»، التقدير: إن أساءَ إليك فاضرِبْه، وحُذِف «فاضربه» لدلالة «اضرِبْ» المتقدِّم عليه. وأمَّا قولُ
وقوله: ﴿الظالمين﴾ مِنْ وَضْعِ الظاهر موضعَ المضمر، ويجوز أن يرادَ به ضميرُ مَنْ عاد عليه ضمير» بل كَذَّبوا «، وأن يُرادَ به ﴿الذين مِن قَبْلِهِمْ﴾.
﴿وَمِنهُمْ مَّن يَنظُرُ إِلَيْكَ﴾
قوله: ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ قد تقدَّم الكلامُ على «كأنْ» هذه. ولكن اختلفوا في محلِّ هذه الجملة على أوجهٍ، أحدها: أنها في محلِّ نصبٍ صفةً للظرف وهو «يوم» قاله ابن عطية. قال الشيخ: «لا يَصِحُّ لأنَّ» يومَ يحشرُهم «معرفةٌ والجملَ نكرات، ولا تُنْعَتُ المعرفةُ بالنكرة، لا يقال: إن الجملَ التي يُضاف إليها أسماءُ الزمانِ نكرةٌ على الإِطلاق لأنها إن كانَتْ في التقدير تَنْحَلُّ إلى معرفة فإن ما أُضيف إليها يتعرَّفُ، وإن كانت تَنْحَلُّ إلى نكرة كان ما أُضيف إليها نكرةً، تقول» مررت في يوم قَدِم زيدٌ الماضي «فتصِفُ» يوم «بالمعرفة، و» جئت ليلةَ قَدِم زيدٌ المباركة علينا «وأيضاً فكأنَّ لم يلبثوا لا يمكن أن يكون صفة لليوم من جهةِ المعنى؛ لأنَّ ذلك من وصف المحشورين لا مِنْ وصف يوم حشرهم. وقد تكلَّفَ بعضُهم تقديرَ رابطٍ يَرْبطه
والوجه الثاني: أن تكونَ الجملةُ في محلِّ نصبٍ على الحال من مفعول «يَحْشُرهم»، أي: يَحْشُرهم مُشْبهين بمَنْ لم يلبث إلا ساعةً، هذا تقديرُ الزمخشري. وممَّنْ جَوَّز الحالية أيضاً ابنُ عطية ومكي وأبو البقاء، وجعله بعضُهم هو الظاهر.
الوجه الثالث: أن تكونَ الجملةُ نعتاً لمصدر محذوف، والتقدير: يَحْشُرهم حَشْراتً كأنْ لم يَلْبَثُوا «ذكر ذلك ابن عطية وأبو البقاء ومكي. وقدّر مكي وأبو البقاء العائد محذوفاً كما قَدَّراه حالَ جَعْلِهما الجملةَ صفةً لليوم، وقد تقدَّم ما في ذلك.
الرابع: قال ابن عطية:» ويَصِحُّ أن يكونَ قوله ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ كلاماً
قال الشيخ: «ولعلَّه أرادَ ما قاله الحوفي مِنْ أنَّ الكاف في موضعِ نصبٍ بما تضمَّنَتْه من معنى الكلام وهو السرعة» انتهى. قال: «فيكونُ التقدير: ويوم يحشرهم يُسْرعون كأنْ لم يَلْبثوا» قلت: فيكونُ «يسرعون» حالاً من مفعول «يَحْشرهم» ويكون ﴿كَأَن لَّمْ يلبثوا﴾ حالاً من فاعل «يُسْرعون»، ويجوز أن تكونَ «كأنْ لم» مفسرةً ل «يُسْرعون» المقدرة.
قوله: ﴿يَتَعَارَفُونَ﴾ فيه أوجهٌ، أحدُها: أن الجملةَ في محل نصبٍ على الحال من فاعل «يَلْبثوا». قال الحوفي: «يتعارفون» فعل مستقبلٌ في موضع الحال من الضمير في «يلبثوا» وهو العامل، كأنه قال: متعارفين، والمعنى اجتمعوا متعارفين «. والثاني: أنها حالٌ من مفعول» يَحْشُرهم «أي: يَحْشُرهم متعارفين والعاملُ فعلُ الحشر، وعلى هذا فَمَنْ جوَّز تعدُّدَ الحال جوَّز أن تكونَ» كأَنْ لم «حالاً أولى، وهذه حالٌ ثانية، ومَنْ مَنَعَ ذلك جَعَلَ» كأَنْ لم «على ما تقدم من غيرِ الحالية. قال أبو البقاء:» وهي حالٌ مقدرة لأنَّ التعارفَ لا يكونُ حالَ الحشر «. والثالث: مستأنفةٌ، أخبر تعالى عنهم بذلك قال الزمخشري:» فإن قلت: كأن لم يَلْبثوا ويتعارفون كيف موقعهما؟ قلت: أمَّا الأولى فحالٌ منهم أي: يَحْشُرهم مُشْبهين بمَنْ لم يَلْبث إلا ساعةً، وأمَّا الثانية: فإمَّا أن تتعلق بالظرف يعني فتكون حالاً وإما أن تكونَ مبينةً لقوله: كأن لم يَلْبثوا إلا ساعةً؛ لأن التعارف لا يبقى مع طول العهد وينقلب تناكراً «.
قوله: ﴿وَمَا كَانُواْ مُهْتَدِينَ﴾ يجوزُ فيها وجهان، أحدهما: أن تكونَ معطوفةً على قولِه «قد خَسِر» فيكونُ حكمُه حكمَه. والثاني: أن تكونَ معطوفةً على صلةِ الذين، وهي كالتوكيد للجملة التي وقعتْ صلةً؛ لأنَّ مَنْ كذَّب بلقاء الله غيرُ مهتدٍ.
٢٥٩٨ - مَنْ نثقفَنْ منهم فليس بآيبٍ | أبداً وقَتْل بني قتيبةَ شافي |
قوله: ﴿فَإِلَيْنَا مَرْجِعُهُمْ﴾ مبتدأ وخبر، وفيه وجهان أظهرهما: أنه جوابٌ للشرط وما عُطف عليه، إذ معناه صالحٌ لذلك. وإلى هذا ذهب الحوفي وابن عطية. والثاني: أنه جوابٌ لقوله» أو نتوفَيَنَّك «، وجواب الأول محذوف قال الزمخشري:» كأنه قيل: وإمَّا نُرِيَنَّك بعضَ الذي نَعِدُهم فذاك، أو نتوفينَّك قبل أن نريك فنحن نُريك في الآخرة «. قال الشيخ:» فجعل الزمخشري في الكلام شرطين لهما جوابان، ولا حاجةَ إلى [تقدير] جواب محذوف لأنَّ قولهَ «فإلينا مَرْجعهم» صالحٌ لأن يكونَ جواباً للشرط والمعطوفِ عليه، وأيضاً فقولُ الزمخشري «فذاك» هو اسمٌ مفردٌ لا يَنْعقد منه جوابُ شرطٍ فكان ينبغي أن يأتي بجملةٍ يَصِحُّ منها جوابُ الشرط إذ لا يُفْهَمُ مِنْ قوله «فذاك» الجزء الذي حُذِف، المتحصَّل به فائدةُ الإِسناد «. قلت: قد تقررَّ أنَّ اسمَ الإِشارة قد يُشار به إلى شيئين فأكثر وهو بلفظِ الإِفراد، فكأنَّ ذاك واقعٌ موقعَ الجملة الواقعة جواباً، ويجوزُ أن يكونَ قد حُذِفَ الخبر لدلالة المعنى عليه إذ التقديرُ: فذاك المراد أو المتمنَّى أو نحوه. وقوله:» إذ لا يُفْهم الجزء الذي حُذِف «إلى آخره ممنوعٌ بل هو مفهومٌ كما رأيت، وهي شيءٌ يَتبارد إليه الذهن.
وقرأ إبرهيم ابن أبي عبلة» ثَمَّ «بفتح الثاء جعله ظرفاً لشهادة الله، فيكون» ثَمَّ «منصوباً ب» شهيد «أي: اللَّهُ شهيدٌ عليهم في ذلك المكان، وهو مكانُ حَشْرِهم. ويجوز أن يكونَ ظرفاً لمَرْجِعهم أي: فإلينا مَرْجِعُهم يعني رجوعهم في ذلك المكانِ الذي يُثاب فيه المُحْسِن ويُعاقَبُ فيه المسيءُ.
وقال الزمخشري أيضاً:» ويجوزُ أن يكونَ «ماذا يَسْتعجل منه المجرمون» جواباً للشرط كقولك: إنْ أَتَيْتك ما تُطْعمني؟ ثم تتعلَّق الجملةُ ب «أرأيتم»، وأن يكونَ «أثُمَّ إذا ما وقع آمنتم به». جواباً للشرط، و «ماذا يَسْتعجل منه المجرمون» اعتراضاً، والمعنى: إنْ أتاكم عذابه آمنتم به بعد وقوعِه حينَ لا ينفعكم الإِيمان «. قال الشيخ:» أمَّا تجويزُه أن يكون «ماذا»
وأمَّا تجويزُه أن يكون «أثم إذا ما وقع آمنتم به» جواباً للشرط و «ماذا يستعجل منه المجرمون» اعتراضاً فلا يَصِحُّ أيضاً لِما ذكرناه مِنْ أنَّ جملةَ الاستفهام لا تقع جواباً للشرط إلا ومعها فاءُ الجواب، وأيضاً ف «ثم» هنا هي حرف عطفٍ تَعْطِفُ الجملةَ التي بعدها على التي قبلها، فالجملةُ الاستفهامية معطوفةٌ، وإذا كانت معطوفة لم يَصِحَّ أن تقعَ جوابَ الشرط، وأيضاً ف «أرأيتم» بمعنى «أخبروني» تحتاج إلى مفعول، ولا تقعُ جملةُ شرط موقعَه «.
وكونُ» أرأيتم «بمعنى» أخبروني «هو الظاهر المشهور. وقال الحوفي:» الرؤيةُ مِنْ رؤية القلب التي بمعنى العلم لأنها داخلةٌ على الجملة من الاستفهام التي معناها التقرير، وجوابُ الشرط محذوفٌ، وتقديرُ الكلام: أرأيتم ما يستعجل من العذاب المجرمون إنْ أتاكم عذابه «. انتهى، فهذا ظاهرٌ في أنَّ» أرأيتم «غيرُ مضمنةٍ معنى الإِخبار، وأن الجملةَ الاستفهامية سَدَّت مَسَدَّ المفعولين، ولكن المشهور الأول. /
قوله: ﴿مَّاذَا يَسْتَعْجِلُ﴾ قد تقدَّم الكلام على هذه الكلمة ومذاهبِ الناس فيها. وجَوَّز بعضُهم هنا أن تكون» ما «مبتدأً و» ذا «خبره، وهو موصولٌ
قوله: ﴿الآنَ﴾ قد تقدَّم الكلام في «الآن». وقرأ الجمهور «ألآن» بهمزة استفهام داخلة على «الآن» وقد تقدم مذاهب القراء في ذلك. و «الآن» نصبٌ بمضمر تقديره: الآن آمنتم. ودلَّ على هذا الفعلِ المقدرِ الفعلُ الذي تقدَّمه وهو قولُه: ﴿أَثُمَّ إِذَا مَا وَقَعَ آمَنْتُمْ بِهِ﴾. ولا يجوز أن يعملَ فيه «آمنتم» الظاهرُ؛ لأنَّ ما قبلَ الاستفهام لا يَعْمل فيما بعده، كما أنَّ ما بعدَه لا يعملُ فيما قبله لأنَّ له صدرَ الكلام، وهذا الفعلُ المقدرُ ومعمولُه على إضمار قول أي: قِيل لهم إذ آمنوا بعد وقوعِ العذابِ: آمنتم الآن به.
والقراءةُ بالاستفهامِ هي قراءةُ العامة، وقد عَرَفْتَ تخريجَها. وقرأ عيسى وطلحة «آمنتم به الآن» بوصل الهمزة من غيرِ استفهامٍ، وعلى هذه القراءةِ ف «الآن» منصوبٌ ب «آمنتم» هذا الظاهر.
قولُه: ﴿وَقَدْ كُنتُم﴾ جملةٌ حاليةٌ. قال الزمخشري: {وَقَدْ كُنتُم بِهِ
واختلف في «يَسْتَنْبِئُونك» هذه هل هي متعديةٌ إلى واحد أو إلى اثنين أو إلى ثلاثة؟ فقال الزمخشري: «ويَسْتَنْبِئونك فيقول: أحقٌّ هو» فظاهرُ هذه العبارةِ أنها متعديةٌ لواحد، وأن الجملةَ الاستفهاميةَ في محلِّ نصبٍ بذلك القولِ المضمرِ المعطوفِ على «يَسْتَنْبِئُونك» وكذا فَهِم عنه الشيخ أعني تعدِّيَها لواحدٍ. وقال مكي: «أحقٌّ هو ابتداءٌ وخبرٌ في موضعِ المفعولِ الثاني إذا جَعَلْتَ» يستنبؤنك «بمعنى يَسْتَخْبِرونك، فإذا جَعَلْتَ» يستنبئونك «
قلت: قد سَبَقَ أبا محمد إلى هذا مكي بن أبي طالب كما قدَّمْتُ حكايته عنه، والظاهرُ جوازُ ذلك، ويكون التعدي إلى ثالث قد حَصَلَ بالسين، لأنهم نَصُّوا على أن السين تُعَدّي، فيكونُ الأصلُ: «علم زيدٌ عمراً قائماً» ثم تقول: «استعلمْتُ زيداً عمراً قائماً»، إلا أنَّ النحويين نَصُّوا على أنه لا يتعدَّى إلى ثلاثةٍ إلا «عَلِم» و «رأى» المنقولَيْن بخصوصيةِ همزةِ التعدِّي إلى ثالثٍ، وأنبأ ونَبَّأ وأخبر وخبَّر وحدَّث.
قوله: ﴿إي﴾ حرفُ جوابٍ بمعنى نعم ولكنها تختصُّ بالقسم أي: لا تُسْتعمل إلا في القسم بخلافِ نعم. قال الزمخشري: «وإي بمعنى نعم في القسم خاصةً كما كان» هل «بمعنى» قد «في الاستفهامِ خاصةً، وسَمِعْتهم يقولون في التصديق» إيْوَ «فَيَصِلُونه بواو القسم ولا يَنْطِقون به وحده». قال الشيخ: «لا حجَّةَ فيما سمعه لعدمِ الحُجة في كلامِ مَنْ سمعه لفسادِ كلامه وكلامِ مَنْ قبله بأزمانٍ كثيرة». وقال ابن عطية: «وهي لفظةٌ تتقدَّم القسمَ بمعنى نعم، ويجيءُ بعدها حرفُ القسم وقد لا يجيءُ تقول: إي وربي، إي ربي».
قوله: ﴿وَمَآ أَنتُمْ بِمُعْجِزِينَ﴾ يجوزُ أن تكونَ الحجازيةَ، وأن تكونَ التميميةَ، لخفاءِ النصبِ أو الرفع في الخبر. وهذا عند غيرِ الفارسي وأتباعِه، عني جوازَ زيادةِ الباء في خبر التميمية. وهذه الجملةُ تحتملُ وجهين، أحدهما: أن تكون معطوفةً على جوابِ القسم، فيكونَ قد أجاب القسم بجملتين إحداهما مثبتةٌ مؤكَّدةٌ ب «إنَّ» واللام، والأخرى منفيةٌ مؤكَّدةٌ بزيادة الباء. والثاني: أنها مستأنفةٌ سِيْقَتْ للإِخبار بعَجْزهم عن التعجيز. و «مُعْجز» مِنْ أعجز فهو متعدٍّ لواحدٍ كقوله تعالى: ﴿وَلَن نُّعْجِزَهُ هَرَباً﴾ [الجن: ١٢] فالمفعول هنا محذوفٌ أي:
وقوله: ﴿وَأَسَرُّواْ﴾ / قيل: «أسرَّ» مِنَ الأضداد، يُسْتعمل بمعنى أظهر، كقوله الفرزدق:
٢٥٩٩ - ولمَّا رأى الحجَّاجَ جرَّد سيفَه | أسَرَّ الحَرُوريُّ الذي كانوا أضمرا |
٢٦٠٠ - فأسرَرْتُ الندامةَ يوم نادى | بِرَدِّ جِمالِ غاضِرةَ المُنادي |
و ﴿لَمَّا رَأَوُاْ﴾ يجوز أن تكونَ حرفاً، وجوابُها محذوف لدلالة ما تقدَّم
وقوله: ﴿وَقُضِيَ﴾ يجوزُ أن يكونَ مستأنفاً، وهوالظاهر، ويجوز أن يكونَ معطوفاً على «رأوا» فيكونَ داخلاً في حَيِّز «لَمَّا» والضميرُ في «بينهم» يعودُ على «كل نفس» في المعنى. وقال الزمخشري: «بين الظالمين والمظلومين، دلَّ على ذلك ذِكْرُ الظلم» وقال بعضُهم: إنه يعود على الرؤساء والأتباع. و «بالقسط» يجوز أن تكونَ الباءُ للمصاحبةِ، وأن تكونَ للآلة.
و «شِفاء» في الأصلِ مصدرٌ جُعِل وَصْفاً مبالغة، أو هو اسمٌ لما يُشْفَى به أي: يداوى، فهو كالدواءِ لما يداوى. و ﴿لِّمَا فِي الصدور﴾ يجوزُ أن يكونَ
الثاني: أن الجارَّ الأولَ متعلقٌ أيضاً بمحذوفٍ دلَّ عليه السياقُ والمعنى، لا نفس الفعلِ الملفوظِ به والتقديرُ: بفضل الله وبرحمتِه فَلْيَعْتَنوا فبذلك فليفرحوا قاله الزمخشري.
الثالث: أن يتعلق الجارُّ الأول ب» جاءتكم «قال الزمخشري:» ويجوز أن يُراد «قد جاءَتْكم موعظةٌ بفضلِ الله وبرحمته فبذلك فليفرحوا، أي فبمجيئِها فَلْيفرحوا». قال الشيخ: «أما إضمار» فليعتنوا «فلا دليلَ عليه» قلت: الدلالةُ عليه من السياق واضحةٌ، وليس شرطُ الدلالةِ أن تكونَ لفظية.
وقال الشيخ: «وأمَّا تعلُّقه بقوله:» قد جاءتكم «فينبغي أن يقدَّرَ
الرابع: قال الحوفي:» الباءُ متعلقةٌ بما دَلَّ عليه المعنى أي: قد جاءتكم الموعظةُ بفضل الله «.
الخامس: أنَّ الفاءَ الأولى زائدةٌ، وأن قولَه» بذلك «بدلٌ مِمَّا قبله وهو ﴿بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ﴾ وأُشير بذلك إلى اثنين وهما الفضلُ والرحمةُ كقوله: / ﴿لاَّ فَارِضٌ وَلاَ بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلك﴾ [البقرة: ٦٨]، وكقوله:
٢٦٠١ - إنَّ للخيرِ وللشرِ مَدَى | وكِلا ذلك وَجْهٌ وقَبَلْ |
والجمهورُ على «فَلْيفرحوا» بياء الغيبة. وقرأ عثمان بن عفان وأبيّ وأنس والحسن وأبو رَجاء وابن هرمز وابن سيرين بتاء الخطاب، وهي قراءةُ رسول الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ. قال الزمخشري: «وهو الأصلُ والقياسُ».
ومثالُ الثاني: لنقمْ أي: نحن وكذلك النهي، ومنه قول الشاعر:
٢٦٠٢ - إذا ما خَرَجْنا مِنْ دمشقَ فلا نَعُدْ | بها أبداً ما دام فيها الجُراضِمُ |
قوله: ﴿هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ﴾ «هو» عائدٌ على الفضل والرحمة، وإن
قوله: ﴿أَمْ عَلَى الله تَفْتَرُونَ﴾ في «أم» هذه وجهان أحدهما: أنها متصلةٌ عاطفةٌ/ تقديرُه: أخبروني: آللَّهُ أَذِنَ لكم في التحليلِ والتحريم، فإنهم يفعلون ذلك بإذنه أم يَكْذِبون على الله في نسبة ذلك إليه. والثاني: أن تكونَ منقطعةً. قال الزمخشري: «ويجوز أن تكونَ الهمزةُ للإِنكار و» أم «منقطعةٌ بمعنى: بل أَتَفْترون على الله، تقريراً للافتراء». والظاهر هو الأول إذ المعادلةُ بين هاتين الجملتين اللتين بمعنى المفردين واضحةٌ، إذ التقدير: أيُّ الأمرينِ وَقَعَ: إذْنُ اللَّهِ لكم في ذلك أم افتراؤكم عليه؟
وقرأ عيسى بن عمر: «وما ظَنَّ الذين» جَعَلَه فعلاً ماضياً والموصولُ فاعلُه، و «ما» على هذه القراءة استفهاميةٌ أيضاً في محلِّ نصبٍ على المصدرِ، وقُدّمَتْ لأنَّ الاستفهامَ له صدرُ الكلام والتقدير: أيَّ ظنٍ ظنَّ المفترون، و «ما» الاستفهاميةُ قد تَنُوب عن المصدر، ومنه قول الشاعر:
٢٦٠٣ -
ماذا يَغيرُ ابنَتْي رَبْعٍ عويلُهما | لا تَرْقُدان ولا بؤسى لمَنْ رَقَدا |
والشَّأْنُ مصدرُ شَأنَ يَشْأَنُ شَأَنَه، أي: قَصَد يَقْصِدُ قَصْدَه، وأصلُه الهمز، ويجوز تخفيفه. والشأن أيضاً الأمرُ، ويُجْمع على شُؤُون.
وقوله: «إذ» هذا الظرفُ معمولٌ ل «شُهودا» ولمَّا كانت الأفعالُ السابقةُ المرادُ بها الحالةُ الدائمةُ وتنسحب على الأفعالِ الماضيةِ كان الظرفُ ماضياً، وكان المعنى: وما كنت، وما تكون، ولا عَمِلْتم، إلا كنا عليكم شهوداً، إلا أفضتم فيه. و «إذ» تُخَلِّصُ المضارعَ لمعنى الماضي.
قوله: ﴿وَمَا يَعْزُبُ﴾ قرأ الكسائي هنا وفي سبأ «يَعْزِب» بكسرِ العين، والباقون بضمها، وهما لغتان في مضارع عَزَبَ، يقال: عَزَب يَعْزِب العين، ويَعْزُب، أي: غابَ حتى خفي، ومنه الروضُ العازِبُ. قال أبو تمام:
٢٦٠٤ - وقَلْقَلَ نَأْيٌ مِنْ خراسانَ جَأْشَها | فقلتُ اطمئنِّي أَنْضَرُ الروضِ عزِبُه |
والحائلُ: التي ضَرَبَها
«أصبحنا بأرضٍ عَزيبةٍ صحراءَ»، أي: بعيدةِ المرعى. ويقال للمال الغائب: عازِب، وللحاضرِ عاهِن. والمعنى في الآية: وما يَبْعُد أو ما يخفى أو ما يَغيب عن ربك.
و «مِنْ مِثْقال» فاعل، و «مِنْ» مزيدةٌ فيه، أي: ما يبعد عنه مثقالُ. والمثْقال هنا: اسمٌ لا صفةٌ، والمعنيُّ به الوزنُ، أي: وزن ذرة.
قوله: ﴿وَلاَ أَصْغَرَ مِن ذلك ولا أَكْبَرَ﴾ قرأ حمزة برفع راء «أَصْغر» و «أكبر»، والباقون بفتحها. فأما الفتحُ ففيه وجهان، أحدهما: وعليه أكثر المُعْربين أنه جَرٌّ، وإنما كان بالفتحةِ لأنه لا يَنْصَرف للوزن والوصف، والجرُّ لأجلِ عطفِه على المجرور وهو: إمَّا «مثقال»، وإمَّا «ذرة». وأمَّا الوجهُ الثاني فهو أنَّ «لا» نافيةٌ للجنس، و «أصغر» و «أكبر» اسمُها، فهما مَبْنيان على الفتح. وأمَّا الرفعُ فمن وجهين أيضاً، أشهرهُما عند المُعْربين: العطفُ على محل «مثقال» إذ هو مرفوعٌ بالفاعلية و «مِنْ» مزيدة فيه كقولك: «ما قام مِنْ رجل ولا امرأة» بجرِّ «امرأة» ورَفِعْها. والثاني: أنه مبتدأ، قال الزمخشري: «والوجهُ النصبُ على نفي الجنس، والرفع على الابتداء ليكون كلاماً برأسِه، وفي العطفِ على محل» مثقال ذرة «، أو على لفظ» مثقال ذرة «فتحاً في موضع الجرِّ لامتناع الصرف إشكالٌ؛ لأنَّ قولَك:» لا يَعْزُب عنه شيءٌ إلا في كتاب مشكل «انتهى. وهذان الوجهان اختيار الزجاج، وإنما كان هذا مُشْكلاً عنده لأنه يصير التقدير: إلا في كتاب مبين فيعزبُ، وهو كلامٌ لا يصحُّ. وقد يزول هذا الإِشكالُ بما ذكره أبو البقاء: وهو أن يكون ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ مُّبِينٍ﴾ استثناءٌ منقطعاً، قال: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾، أي: إلا هو في كتاب، والاستثناءُ منقطع».
قلت: فقد آل الأمرُ إلى أنه جَعَله استثناءً مفرغاً، وهو حال من «أصغر» و «أكبر»، وهو في قوة الاستثناءِ المتصل، ولا يُقال في هذا: إنه متصل ولا منقطع، إذ المفرَّغُ لا يُقال فيه ذلك.
وقال الجرجاني: «إلا» بمعنى الواو، أي: وهو في كتاب مبين، والعربُ تضعُ «إلا» موضعَ واو النسق كقوله: ﴿إِلاَّ مَن ظُلِمَ﴾ [النساء: ١٤٨] ﴿إِلاَّ الذين ظَلَمُواْ مِنْهُمْ﴾ [البقرة: ١٥٠]. وهذا الذي قاله الجرجانيُّ ضعيفٌ جداً، وقد تقدَّم الكلامُ في هذه المسألة في البقرة، وأنه شيءٌ قال به الأخفش، ولم يَثْبُت ذلك بدليل صحيح. وقال الشيخ أبو شامةَ: «ويُزيل الإِشكالَ أن تُقَدِّر قبلَ قوله: ﴿إِلاَّ فِي كِتَابٍ﴾ » ليس شيء من ذلك إلا في كتاب «وكذا تقدِّر في آية الأنعام.
ولم يُقرأ في سبأ إلا بالرفع، وهو يُقَوِّي قولَ مَنْ يقول إنه معطوف
والوقفُ على قولِه: ﴿قَوْلُهُمْ﴾ ينبغي أن يُعْتمد ويُقْصَدَ ثم يُبتدأ بقوله: «إن العزَّة» وإن كان من المستحيلِ أن يتوهَّم أحد أن هذا مِنْ مقولهم، إلا مَنْ لا يُعْتَبَرُ بفهمه.
وقرأ أبو حيوة: «أنَّ العزة» بفتح «أنَّ». وفيها تخريجان، أحدهما: أنها على حَذْفِ لام العلة، أي: لا يَحْزنك قولهم لأجل أن العزة لله جميعاً. والثاني: أنَّ «أنَّ» وما في حيِّزها بدل من «قولهم» كأنه قيل: ولا يَحْزُنك أن العَّزة لله، وكيف يَظْهَرُ هذا التوجيهُ أو يجوز القول به، وكيف ينهى رسولَ الله صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عن ذلك في المعنى وهو لم يَتَعاطَ شيئاً من تلك الأسباب، وأيضاً فمِنْ أيِّ قبيلٍ الإِبدالُ هذا؟ قال الزمخشري: «ومَنْ جعله بدلاً من» قولهم «ثم أنكره فالمُنْكَر هو تخريجُه لا ما أنكره من القراءة به»،
وقد أنكر جماعةٌ هذه القراءةَ ونَسَبُوها للغلَط ولأكثر منه. قال القاضي: «فَتْحُها شاذٌّ يُقارِبُ الكفر، وإذا كُسِرت كان استئنافاً وهذا يدلُّ على فضيلة علم الإِعراب». وقال ابن قتيبة: «لا يجوز فتحُ» إنَّ «في هذا الموضعِ وهو كفرٌ وغلوٌّ»، وقال الشيخ: «وإنما قالا ذلك بناءً منهما على أن» أنَّ «معمولةٌ ل» قولهم «. قلت: كيف تكون معمولةً ل» قولهم «وهي واجبةُ الكسرِ بعد القول إذا حُكِيَتْ به، كيف يُتَوَهَّم ذلك؟ وكما لا يُتَوَهَّم هذا المعنى مع كسرِها لا يُتَوَهَّم أيضاً مع فتحها ما دام له وجهٌ صحيح.
و» جميعاً «حال من» العِزَّة «ويجوز أن يكون توكيداً ولم يؤنَّثْ بالتاءِ، لأنَّ فعيلاً يستوي فيه المذكر والمؤنث لشبهه بالمصادرِ، وقد تقدَّم تحريرُه في قوله: ﴿إِنَّ رَحْمَتَ الله قَرِيبٌ﴾ [الأعراف: ٥٦].
وقوله: ﴿قَوْلُهُمْ﴾، قيل: حُذِفَتْ صفتُه لِفَهْم المعنى، إذ التقديرُ: ولا يَحْزنك قولُهم الدالُّ على تكذيبك، وحَذْفُ الصفةِ وإبقاءُ الموصوفِ قليلٌ بخلافِ عكسِه. وقيل: بل هو عامٌّ أُريد به الخاص.
وهذا الذي/ ذكره الزمخشري قد رَدَّه مكي ابن أبي طالب وأبو البقاء. أمَّا مكيٌّن فقال: «انتصَبَ شركاء ب» يَدْعون «ومفعول» يَتَّبع «قام مقامَه» إنْ يتبعون إلا الظنَّ لأنه هو، ولا ينتصِبُ الشركاء ب «يَتَّبع» لأنك تَنْفي عنهم ذلك، والله قد أَخْبر به عنهم «. وقال أبو البقاء:» وشركاء مفعولٌ «يَدْعون» ولا يجوزُ أن يكونَ مفعول «يتبعون» ؛ لأنَّ المعنى يَصير إلى أنَّهم لم يَتَّبعوا شركاء، وليس كذلك.
قلت: معنى كلامِهما أنه يَؤُول المعنى إلى نفي اتِّباعهم الشركاءَ، والواقعُ أنهم قد اتَّبعوا الشركاء. وجوابه ما تقدَّم من أنَّ المعنى أنهم وإن اتَّبعوا شركاءَ فليسوا بشركاءَ في الحقيقة؛ بل في تسميتهم هم لهم بذلك، فكأنهم لم يَتَّخذوا شركاءَ ولا اتَّبعوهم لسلب الصفة الحقيقية عنهم، ومثلُه قولُك: «ما رأيتُ رجلاً»، أي: مَنْ يستحقُّ أن يُسَمَّى رجلاً، وإن كنت قد
ويجوزُ أنَ تكونَ» ما «موصولةً بمعنى الذي نسقاً على» مَنْ «في قوله: ﴿ألا إِنَّ للَّهِ مَن فِي السماوات﴾، قال الزمخشري:» ويجوز أن تكونَ «ما» موصولةً معطوفةً على «مَنْ»، كأنه قيل: وللَّهِ ما يتَّبعه الذين يَدْعون من دونَ الله شركاء، أي: وله شركاؤكم «.
ويجوز أن تكون «ما» هذه الموصولةَ في محل رفع بالابتداء، والخبرُ محذوفٌ تقديرُه: والذي يَتَّبعه المشركون باطلٌ. فهذه أربعةُ أوجهٍ.
وقرأ السلمي «تَدْعُون» بالخطاب، وعزاها الزمخشري لعليّ ابن أبي طالب. قال ابن عطية: «وهي قراءةٌ غيرُ متَّجهة» قلت: قد ذكرِ توجيهَها أبو القاسم، فقال: «ووجهُه أن يُحْمل» وما يتَّبع «على الاستفهام، أي: وأيُّ شيء يتَّبع الذين تَدْعونهم شركاءَ من الملائكة والنبيين، يعني أنهم يتَّبعون الله تعالى ويطيعونه، فما لكم لا تَفْعلون مثلَ فعلِهم كقوله تعالى: ﴿أولئك الذين يَدْعُونَ يَبْتَغُونَ إلى رَبِّهِمُ الوسيلة أَيُّهُمْ أَقْرَبُ﴾ [الإسراء: ٥٧].
قوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ﴾ » إنْ «نافية، و» الظن «مفعولٌ به، فهو استثناءٌ مفرَّغ،
وقوله: ﴿إِن يَتَّبِعُونَ﴾ مَنْ قرأ «يَدْعُون» بياء الغيبة فقد جاء ب «يَتَّبعون» مطابقاً له، ومَنْ قرأ «تدعون» بالخطاب فيكون «يتبعون» التفاتاً، إذ هو خروج من خطاب إلى غَيْبة.
وقوله: ﴿مُبْصِراً﴾ أسند الإِبصارَ إلى الظرف مجازاً كقولِهم «نهارُه صائم وليله قائم ونائم» قال:
٢٦٠٥ -.................. | ونِمْتِ وما ليلُ المَطِيِّ بنائمِ |
وقوله: ﴿بِمَا كَانُواْ﴾ الباءُ للسببية، و «ما» مصدريةٌ، أي: بسببِ كونهم كافرين.
وقوله: ﴿كَبُرَ عَلَيْكُمْ مَّقَامِي﴾ من باب الإِسناد المجازي كقولهم: «ثَقُل عليَّ ظلُّه».
وقرأ أبو رجاء وأبو مجلز وأبو الجوزاء «مُقامي» بضم الميم، و «المقام» بالفتح مكان القيام، وبالضم مكان الإِقامة أو الإِقامة نفسها. وقال ابن عطية: «ولم يُقرأ هنا بضم الميم» كأنه لم يَطَّلع على قراءةِ هؤلاء الآباء.
قوله: ﴿فَعَلَى الله﴾ جواب الشرط.
وقوله: ﴿فأجمعوا﴾ عطف على الجواب، ولم يذكر أبو البقاء غيرَه. واستُشْكِل عليه أنه متوكلٌ على الله دائماً كَبُر عليهم مقامُه أو لم يكبر. وقيل: جوابُ الشرط قوله «فأجمعوا» وقوله ﴿فَعَلَى الله تَوَكَّلْتُ﴾ جملةٌ اعتراضية بين الشرط وجوابه، وهو كقول الشاعر:
وقرأ العامة: «فَأَجْمعوا» أمراً مِنْ «أَجْمع» بهمزة القطع يقال: أَجْمع في المعاني، وجَمَع في الأعيان، فيقال: أجمعت أمري وجمعت الجيش، هذا هو الأكثر. قال الحارث بن حلزة:
٢٦٠٦ - إمَّا تَرَيْني قد نَحَلْتُ ومَنْ يكنْ | غَرَضاً لأطراف الأَسِنَّة يَنْحَلِ |
فلرُبَّ أبْلَجَ مثلِ ثِقْلِكِ بادِنٍ | ضخمٍ على ظهر الجَوادِ مُهَبَّلِ |
٢٦٠٧ - أَجْمَعُوا أمرهم بليلٍ فلمَّا | أصبحوا أصبحت لهم ضَوْضَاءُ |
٢٦٠٨ - يا ليت شعري والمُنَى لا تَنْفَعُ | هل أَغْدُوَنْ يوماً وأَمْري مُجْمَعُ |
وقرأ العامَّةُ:» وشركاءَكم «نصباً وفيه أوجه، أحدها: أنه معطوفٌ على» أَمْرَكم «بتقدير حذف مضاف، أي: وأمر شركاءكم كقوله:
﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢]، ودلَّ على ذلك ما قدَّمْتُه من أن «أَجْمع» للمعاني. والثاني: أنه
٢٦٠٩ - فَعَلَفْتُها تِبْناً وماءً بارداً | حتى شَتَتْ هَمَّالةً عيناها |
٢٦١٠ - يا ليت زوجَك قد غدا | مُتَقَلِّداً سَيْفاً ورُمْحاً |
٢٦١١ - إذا ما الغانياتُ بَرَزْنَ يوماً | وزَجَّجْنَ الحواجبَ والعيونا |
وقرأ الزهري والأعمش والأعرج والجحدري وأبو رجاء ويعقوب والأصمعي عن نافع «فأجْمَعُوا» بوصل الألف وفتح الميم من جَمَع يَجْمَع، و «شركاءَكم» على هذه القراءةِ يتضح نصبه نسقاً على ما قبله، ويجوز فيه ما تقدم في القراءة الأولى من الأوجه. قال صاحب «اللوامح» :«أَجْمَعْتُ الأمر: أي: جَعَلْتُه جميعاً، وجَمَعْتُ الأموال جمعاً، فكان الإِجماعُ في الأحداث والجمع في الأعيان، وقد يُسْتعمل كلُّ واحد مكان الآخر، وفي التنزيل: ﴿فَجَمَعَ كَيْدَهُ﴾ [طه: ٦٠]. قلت: وقد اختلف القراء في قوله تعالى: ﴿فَأَجْمِعُواْ كَيْدَكُمْ﴾ [طه: ٦٤]، فقرأ الستة بقطع الهمزة، جعلوه مِنْ أجمع وهو موافقٌ لِما قيل:» إنَّ «أجمع» في المعاني. وقرأ أبو عمرو وحدَه «فاجمعوا» بوصل الألفِ، وقد اتفقوا على قولِه «فَجَمع كيدَه ثم أتى» فإنه مِن الثلاثي، مع أنه متسلِّطٌ على معنى لا عَيْنٍ. ومنهم مَنْ جَعَل للثلاثي معنىً غيرَ معنى الرباعي فقال في قراءة أبي عمرو مِنْ جَمَع يَجْمع ضد فرَّق يُفَرِّق، وجَعَلَ قراءةَ الباقين مِنْ «أجمع أمرَه» إذا أحكمه وعزم عليه، ومنه قول الشاعر:
٢٦١٢ - يا ليت شعري والمنى لا تَنْفَعُ | هل أَغْدُوَنْ يوماً وأَمْري مُجْمَعُ |
وقرأ الحسن والسلمي وعيسى بن عمر وابن أبي إسحاق وسلام ويعقوب «وشركاؤكم» رفعاً. وفيه تخريجان، أحدهما: أنه نسقٌ على الضمير المرفوع بأَجْمِعُوا قبله، وجاز ذلك إذ الفصلُ بالمفعولِ سَوَّغ العطف، والثاني: أنه مبتدأ محذوف الخبر، تقديرُه: وشركاؤكم فَلْيُجْمِعوا أمرهم.
وشَذَّتْ فرقةٌ فقرأت: «وشركائكم» بالخفض ووُجِّهَتْ على حذف المضاف وإبقاء المضاف إليه مجروراً على حاله كقوله:
٢٦١٣ - أكلَّ امرِىءٍ تحسبين أمرَأً | ونارٍ تَوَقَّدُ بالليل نارا |
قوله: ﴿غُمَّةً﴾ يقال: غَمٌّ وغُمَّة نحو كَرْبٌ وكُرْبَةٌ. قال أبو الهيثم: «هو مِنْ قولهم:» غَمَّ علينا الهلالُ فهو مغموم إذا التُمِس فلم يُر. قال طرفة ابن العبد.
٢٦١٤ - لعَمْرك ما أمري عليَّ بغُمَّةٍ | نهاري ولا ليلي عليَّ بسَرْمَدِ |
٢٦١٥ - أبى الضيمَ والنعمانُ يَحْرِقُ نابَه | عليه فأفضى والسيوفُ مَعاقِلُهْ |
وقوله: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ﴾، أي: صَيَّرناهم، وجُمع الضميرُ في «جَعَلْناهم» حَمْلا على معنى «مِنْ»، و «خلائف» جمع خَلِيفة، أي: يَخْلُفون الغارقين.
وقال ابن عطية:» ويحتمل اللفظُ عندي معنى آخر، وهو أن تكونَ «ما» مصدرية، والمعنى: فكذَّبوا رسلَهم فكان عقابهم من الله أَنْ لم يكونوا ليؤمنوا بتكذيبهم مِنْ قبل، أي: من سببه ومن جزائه، ويؤيِّد هذا التأويلَ «كذلك نطبع»، وهو كلامٌ يحتاج لتأمُّل «. قال الشيخ:» والظاهرُ أنَّ «ما» موصولةٌ، ولذلك عاد الضمير عليها في قوله: ﴿بِمَا كَذَّبُواْ بِهِ﴾ ولو كانت مصدريةً بقي الضميرُ غيرَ عائدٍ على مذكور، فتحتاج أن يتُكلَّفَ ما يعود عليه الضمير «. قلت: الشيخ بناه على قولِ جمهورِ النحاة في عدمِ كونِ» ما «
وقرأ العامَّةُ» نَطْبع «بالنون الدالة على تعظيم المتكلم. وقرأ العباس بن الفضل بياء الغيبة وهو الله تعالى، ولذلك صرَّح به في موضعٍ آخرَ ﴿كَذَلِكَ يَطْبَعُ الله﴾ [الأعراف: ١٠١]. والكافُ نعتٌ لمصدر محذوف، أو حالٌ من ضمير ذلك المصدرِ على حسبِ ما عرفته من الخلاف، أي: مثلَ ذلك الطَّبْع المُحْكمِ الممتنعِ زوالُه نطبع على قلوب المُعْتدين على خَلْق الله.
٢٦١٦ - لَنحن الأُلى قُلْتُمْ فأنَّى مُلِئْتُمُ | برؤيتنا قبلَ اهتمامٍ بكمْ رُعْبا |
والكِبْرياء مصدرٌ على وزنِ فِعْلِياء، ومعناها العظمة. قال عديّ ابن الرِّقاع:
٢٦١٧ - سُؤْدُدٌ غيرُ فاحِشٍ لا يُدا | نِيه تَجْبارَةٌ ولا كِبْرِيا |
٢٦١٨ - مُلْكُه مُلْكُ رأفةٍ ليس فيه | جَبَروتٌ منهُ ولا كِبْرِياءُ |
والجمهورُ على «تكون» بالتأنيث مراعاةً لتأنيث اللفظ. وقرأ ابن مسعود والحسن وإسماعيل وأبو عمرو وعاصم في روايةٍ: «ويكون» بالياء من تحتُ، لأنه تأنيثٌ مجازي.
الخامس: أن تكونَ «ما» استفهاميةً في محلِّ نصب بفعل مقدرٍ بعدها لأنَّ لها صدرَ الكلام، و «جئتم به» مفسِّر لذلك الفعل المقدر، وتكون المسألةُ حينئذٍ من باب الاشتغال، والتقدير: أيُّ شيءٍ أَتَيْتُمْ جئتم به، و «السحر» على ما تقدم، ولو قرىء بنصب «السحر» على أنه بدلٌ مِنْ «ما» بهذا التقديرِ لكان له وجه، لكنه لم يُقرأ به فيما عَلِمْت، وسيأتي ما حكاه مكي عن الفراء مِنْ جواز نصبِه لمَدْرَكٍ آخرَ على أنها قراءةٌ منقولة [عن الفرَّاء].
وأمَّا قراءةُ الباقين ففيها أوجهٌ أيضاً، أحدها: أن تكون «ما» بمعنى الذي في محلِّ رفعٍ بالابتداء، و «جئتم به» صلةٌ وعائدُه، و «السحرُ» خبرهُ، والتقدير: الذي جئتم به السحرُ، ويؤيِّد هذا التقديرَ قراءةُ أُبَيّ وما في مصحفه: ﴿ما أتيتم به سحرٌ﴾ وقراءةُ عبد الله والأعمش ﴿مَا جِئْتُمْ بِهِ السحر﴾.
الثاني: أن تكونَ «ما» استفهاميةً في محلِّ نصبٍ بإضمارِ فعل على ما تقرَّر، و «السحر» خبر ابتداء مضمر أو مبتدأٌ مضمرُ الخبر. الثالث: أن تكونَ «ما»
قلت: ظاهرُ عبارتِه أنه لم يَرَه غيرُه، حيث قال «عندي»، وهذا قد جوَّزه أبو البقاء ومكي. قال أبو البقاء: لمَّا ذكر قراءة غير أبي عمرو «ويُقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان»، ثم قال: «ويجوزُ أن تكونَ» ما «استفهاماً، و» السحر «خبر مبتدأ محذوف». وقال مكي في قراءةِ غيرِ أبي عمرو بعد ذِكره كونَ «ما» بمعنى الذي: «ويجوز أن تكونَ» ما «رفعاً بالابتداء وهي استفهامُ، و» جئتم به «الخبر، و» السحر «خبرُ مبتدأ محذوف، أي: هو السحر، ويجوز أن تكونَ» ما «في موضعِ نصبٍ على إضمارِ فعلٍ بعد» ما «تقديرُه: أيُّ شيء جئتم [به]، و» السحرُ «خبر ابتداء محذوف».
الرابع: أن تكونَ هذه القراءةُ كقراءة أبي عمرو في المعنى، أي: إنها على نيةِ الاستفهام، ولكن حُذِفَتْ أداتُه للعلم بها، قال أبو البقاء: «ويُقرأ بلفظِ الخبر، وفيه وجهان، أحدُهما: أنه استفهامٌ في المعنى أيضاً: وحُذِفَتْ الهمزةُ للعِلْم بها»، وعلى هذا الذي ذكره يكونُ الإِعرابُ على ما تقدم. واعلم أنَّك إذا جَعَلْتَ «ما» موصولةً بمعنى الذي امتنع نصبُها بفعلٍ مقدرٍ على الاشتغال. قال مكي: «ولا يجوز أن تكونَ» ما «بمعنى الذي في
وقال مكي: «وأجاز الفراءُ نصبَ» السحر «، تجعل» ما «شرطاً، وتنصِبُ» السحرَ «على المصدر، وتضمرُ الفاء مع» إن الله سيُبْطِله «، وتجعلُ الألفَ واللامَ في» السحر «زائدتين، وذلك كلُّه بعيدٌ، وقد أجاز علي ابن سليمان حَذْفَ الفاءِ من جواب الشرط في الكلام، واستدلَّ على جوازه بقوله تعالى: / ﴿وَمَآ أَصَابَكُمْ مِّن مُّصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أَيْدِيكُمْ﴾ [الشورى: ٣٠]، ولم يُجِزْه غيره إلا في ضرورة شعر». قلت: وإذا مَشَيْنا مع الفراء فتكون «ما» شرطاً يُراد بها المصدرُ، تقديره: أيَّ سحر جئتم به فإن الله سيبطله، ويُبَيِّن أن «ما» يراد بها السحر قولُه: «السحر»، ولكن يَقْلَقُ قولُه: «إن نصب» السحر «على المصدرية»، فيكون تأويله أنه منصوبٌ على المصدرِ الواقعِ موقعَ الحال، ولذلك قدَّره بالنكرة، وجَعَلَ أل مزيدةً منه.
وقد نُقِلَ عن الفراء أن هذه الألف واللام للتعريف، وهو تعريف العهد، قال الفراء: «وإنما قال» السحر «بالألف واللام لأنَّ النكرةَ إذا أُعيدت أعيدَتْ بالألِفِ واللام»، يعني أن النكرةَ قد تَقَدَّمَتْ في قوله: ﴿إِنَّ هذا لَسِحْرٌ مُّبِينٌ﴾، وبهذا شَرَحَه ابنُ عطية. قال ابن عطية: «والتعريفُ هنا في»
قلت: والجوابُ أن الفراء وابن عطية إنما أراد السحر المتقدمَ الذِّكر في اللفظ، وإن كان الثاني هو غيرَ عينِ الأول في المعنى، ولكن لمَّا أُطْلِق عليهما لفظ «السحر» جاز أن يُقال ذلك، ويدلُّ على هذا أنهم قالوا في قوله تعالى: ﴿والسلام عَلَيَّ﴾ [مريم: ٣٣] : إن الألفَ واللام للعهد لتقدُّم ذكر السلام في قوله تعالى: ﴿وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ﴾ [مريم: ١٥]، وإن كان السلامُ الواقعُ على عيسى هو غيرَ السلام الواقع على يحيى، لاختصاص كلِّ سلام بصاحبه من حيث اختصاصُه به، وهذا النقل المذكورُ عن الفراء في الألف واللام ينافي ما نَقَله عنه مكيٌّ فيهما،
وقوله: ﴿المفسدين﴾ مِنْ وقوع الظاهرِ موقعَ ضمير المخاطب إذ الأصلُ: لا يُصلح عملَكم، فأبرزهم في هذه الصفةِ الذَّميمةِ شهادةً عليهم بها.
والثاني: أنه يعود على فرعون، ويُروى عن ابن عباس أيضاً، ورَجَّح ابنُ عطية هذا، وضَعَّف الأول فقال: «ومما يُضَعِّف عودَ الضمير على موسى أن المعروفَ من أخبارِ بني إسرائيل أنهم كانوا قد فَشَتْ فيهم النبواتُ، وكانوا قد نالهم ذلٌّ مُفْرِط، وكانوا يَرْجُوْن كَشْفَه بظهورِ مولود، فلمَّا جاءهم موسى أَصْفقوا عليه وتابعوه، ولم يُحْفَظ أن طائفةً من بني إسرائيل كفرت بموسى، فكيف تعطي هذه الآيةُ أنَّ الأقلَ منهم كان الذي آمن؟، فالذين يَتَرَجَّح عَوْدُه على فرعون، ويؤيِّده أيضاً ما تقدَّم مِنْ محاورة/ موسى ورَدِّه عليهم وتوبيخهم».
الثاني: أنه يعودُ على قومِه بوجهيه، أي: سواءٌ جَعَلْنا الضمير في «قومه» لموسى أو لفرعون، أي: وملأ قوم موسى أو ملأ قوم فرعون.
الثالث: أن يعودَ على فرعون، واعتُرِضَ على هذا بأنه كيف يعودُ ضميرُ جمعٍ على مفرد؟ وقد اعتذر أبو البقاء عن ذلك بوجهين، أحدُهما: أنَّ فرعونَ لمَّا كان عظيماً عندهم عاد الضمير عليه جميعاً، كما يقول العظيم، نحن نأمرُ، وهذا فيه نظرٌ، لأنه لو وَرَدَ ذلك مِنْ كلامهم مَحْكيَّاً عنهم لاحتمل ذلك. والثاني: أنَّ فرعونَ صار اسماً لأتباعه، كما أن ثمودَ اسمٌ للقبيلة كلها «. وقال مكي وجهين آخرين قريبين من هذين، ولكنهما أخلصُ منهما، قال:» إنما جُمع الضميرُ في «مَلَئهم» لأنه إبخار عن جبّار، والجبَّار يُخْبَر عنه بلفظِ الجمع، وقيل: لَمَّا ذُكِرَ فرعونُ عُلِمَ أنَّ معه غيرَه، فَرَجَع الضميرُ عليه وعلى مَنْ معه «. قلت: وقد تقدَّم نحوٌ مِنْ هذا عند قوله: ﴿الذين قَالَ لَهُمُ الناس إِنَّ الناس﴾ [آل عمران: ١٧٣]، والمرادُ بالقائل نعيم بن مسعود، لأنه لا يَخْلو من مُساعدٍ له على ذلك القول.
الرابع: أنْ يعودَ على مضافٍ محذوف وهو آل، تقديره: على خوفٍ مِنْ آل فرعون ومَلَئهم، قاله الفراء، كما حُذِف في قوله
﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢].
وقال الشيخ بعد أن حكى كلامَ الفراء» ورُدَّ عليه بأن الخوفَ يُمكن مِنْ فرعون، ولا يمكن سؤالُ القرية، فلا يُحْذَفُ إلا ما دلَّ عليه الدليل، وقد يقال: ويَدُلُّ على هذا المحذوفِ جَمْعُ الضمير في «ومَلَئهم». قلت: يعني أنهم رَدُّوا على الفراء بالفرق بين ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ وبين هذه الآيةِ بأنَّ سؤالَ القرية غيرُ ممكنٍ فاضْطُرِرْنا إلى تقدير المضاف بخلاف الآية، فإن الخوف تَمَكَّن مِنْ فرعونَ فلا اضطرارَ بنا يَدُلُّنا على مضاف محذوف. وجوابُ هذا أنَّ الحَذْفَ قد يكون لدليلٍ عقلي أو لفظي، على أنه قيل في «واسأل القرية» إنه حقيقةٌ، إذ يمكنُ النبيُّ أن يسألَ القريةَ فتجيبَه.
الخامس: أن ثمَّ معطوفاً محذوفاً حُذِف للدلالة عليه، والدليلُ كونُ المَلِك لا يكونُ وحدَه، بل له حاشية وعساكر وجندٌ، فكان التقدير: على خَوْفٍ مِنْ فرعون وقومه ومَلَئهم، أي: ملأ فرعون وقومه، وهو منقولٌ عن الفراء أيضاً. قلت: حَذْفُ المعطوفِ قليلٌ في كلامهم، ومنه عند بعضهم
٢٦١٩ - كأن الحصى مِنْ خلفها وأمامِها | إذا حَذَفَتْه رِجْلُها حَذْفُ أَعْسَرا |
قوله: ﴿أَن يَفْتِنَهُمْ﴾ فيه ثلاثةُ أوجهٍ، أحدُها: أنه في محلِّ جرٍ على البدل مِنْ «فرعون»، وهو بدلُ اشتمالٍ تقديره: على خوفٍ من فرعون فِتْنَتِه كقولك: «أعجبني زيد علْمُه». الثاني: أنه في موضعِ نصبٍ على المفعول به بالمصدر أي: خوفٍ فتنتَه، وإعمالُ المصدرِ المنوَّنِ كثيرٌ كقوله: ﴿أَوْ إِطْعَامٌ فِي يَوْمٍ ذِي مَسْغَبَةٍ يَتِيماً﴾ [البلد: ١٤-١٥]. وقولِ الآخر:
٢٦٢٠ - فلولا رجاءُ النصرِ منك ورَهْبَةٌ | عقابَك قد كانوا لنا بالمَوارد |
وقرأ الحسن ونبيح «يُفْتِنَهم» بضمِّ الياء وقد تقدَّم ذلك.
و «في الأرض» متعلقٌ ب «عالٍ» أي: قاهر فيها أو ظالم كقوله:
٢٦٢١ - فاعمِدْ لِما تَعْلُوا فمالك بالذي | لا تَسْتطيع من الأمور يَدانِ |
والجمهورُ على الهمزة في «تبوَّآ». وقرأ حفص «تَبَوَّيا» بياءٍ خالصة، وهي بدلٌ عن الهمزة، وهو تخفيفٌ غيرُ قياسي، إذ قياسُ تخفيفِ مثلِ هذه الهمزة أن تكونَ بين الهمزة والألف، وقد أنكر هذه الروايةَ عن حفص جماعةٌ من القراء، وقد خَصَّها بعضُهم بحالةِ الوقف، وهو الذي لم يَحْكِ أبو عمرو الداني والشاطبي غيرَه. وبعضُهم يُطْلق إبدالَها عنه ياءً وصلاً ووقفاً، وعلى الجملةِ فهي قراءةٌ ضعيفة في العربية وفي الرواية، وتركتُ نصوصَ أهل القراءة خوفَ السآمة، واستغناءً بما وضَعْتُه في «شرح القصيد».
والتبوُّءُ: النزولُ والرجوعُ، وقد تقدَّم تحقيق المادة في قوله ﴿تُبَوِّىءُ المؤمنين﴾ [آل عمران: ١٢١].
قوله: ﴿لِقَوْمِكُمَا﴾ يجوزُ أن تكونَ اللامُ زائدةً في المفعول الأول، و «بيوتاً» مفعولٌ ثان بمعنى بَوِّآ قومكما بيوتاً، أي: أنْزِلوهم، وفَعَّل وتفعَّل بمعنىً مثل «عَلَّقَها» و «تَعَلَّقها» قاله أبو البقاء. وفيه ضعفٌ من حيث إنه
قوله: ﴿بِمِصْرَ﴾ جَوَّز فيه أبو البقاء أوجهاً، أحدها: أنه متعلِّق ب «تَبَوَّآ»، وهو الظاهرُ. الثاني: أنه حالٌ من ضمير «تبوَّآء»، واستضعفه، ولم يبيِّن وجهَ ضعفهِ لوضوحه. الثالث: أنه حالٌ من «البيوت». الرابع: أنه حالٌ من «لِقومكما»، وقد ثنى الضميرَ في «تبوَّآ» وجمع في قوله «واجعلوا» و «أقيموا»، وأفرد في قوله: «وبشِّر» ؛ لأن الأولَ أمرٌ لهما، والثاني لهما ولقومهما، والثالث لموسى فقط؛ لأن أخاه تَبَعٌ له، ولمَّا كان فِعْلُ البِشارة شريفاً خَصَّ به موسى لأنه هو الأصل.
٢٦٢٢ - لِدُوا للموت وابنُوا للخراب | ................. |
٢٦٢٣ - فللموتِ تَغْذو الوالداتُ سِخالَها | كما لخرابِ الدُّوْرِ تُبْنَى المساكنُ |
٢٦٢٤ - وللمنايا تُرَبِّى كلُّ مُرْضِعَةٍ | وللخرابِ يَجِدُّ الناسُ عِمْرانا |
قوله: ﴿فَلاَ يُؤْمِنُواْ﴾ يحتمل النصبَ والجزم، فالنصب من وجهين، أحدُهما: عطفُه على» ليضلُّوا «. والثاني: نصبه على جواب الدعاء في قوله» اطمِسْ «. والجزم على أنَّ» لا «للدعاء كقولك:» لا تعذِّبْني يا رب «وهو قريبٌ من معنى» ليُضلوا «في كونِه دعاءً، هذا في جانب شبه النهي، وذلك في جانب شبه الأمر، و» حتى يَرَوا «غايةٌ لنفي إيمانهم، والأول قول الأخفش،
٢٦٢٥ - فلا يَنْبَسِطْ من بين عينِك ما انزوى | ولا تَلْقَني إلا وأنفُكَ راغِمُ |
قوله: ﴿وَلاَ تَتَّبِعَآنِّ﴾ قرأ العامة بتشديد التاء والنون، وقرأ حفص بتخفيف النونِ مكسورةً مع تشديد التاء وتخفيفها، وللقُرَّاء في ذلك كلامٌ مضطربٌ بالنسبة للنقل عنه. فأمَّا قراءةُ العامَّة ف «لا» فيها للنهي ولذلك أَكَّد الفعلَ بعدها، ويَضْعُف أن تكونَ نافيةً لأنَّ تأكيدَ المنفيِّ ضعيفٌ، ولا ضرورة
وأمَّا قراءة حفص ف «لا» تحتمل أن تكون للنفي وأن تكونَ للنهي. فإن كانت للنفي كانت النونُ نونَ رفعٍ، والجملةُ حينئذٍ فيها أوجه، أحدُها: أنها في موضع الحال أي: فاستقيما غيرَ مُتَّبِعَيْنِ، إلا أنَّ هذا معترَض بما قَدَّمْتُه غيرَ مرة مِنْ أنَّ المضارع المنفي ب «لا» كالمثبت في كونِه لا تباشره واوُ الحال، إلا أنْ يُقَدَّر قبلَه مبتدأ فتكونَ الجملةُ اسميةً أي: وأنتما لا تَتَّبعان. والثاني: أنه نفيٌ في معنى النهي كقولِه تعالى: ﴿لاَ تَعْبُدُونَ إِلاَّ الله﴾ [البقرة: ٨٣]. الثالث: أنه خبرٌ محضٌ مستأنف لا تَعَلُّقَ له بما قبله، والمعنى: أنهما أُخْبِرا بأنهما لا يتَّبعانِ سبيل الذين لا يعلمون، وإن كانت للنهي كانت النونُ للتوكيد، وهي الخفيفة، وهذا لا يَراه سيبويه والكسائي، أعني وقوعَ النونِ الخفيفة بعد الألف، سواءً كانت الألفُ ألفَ تثنية أو ألفَ فصلٍ بين نونِ الإِناث ونونِ التوكيد نحو: «هل تَضْرِبْنان يا نسوة». وقد أجاز يونس والفراء وقوعَ الخفيفةِ بعد الألف وعلى قولِهما تتخرَّج القراءةُ. وقيل: أصلُها التشديد وإنما خُفِّفت للثقل فيها كقولهم: «رُبَ» في «رُبَّ». وأمَّا تشديدُ التاء وتخفيفُها فلغتان مِن اتَّبع يَتَّبع وتَبع يَتْبَع، وقد تقدم هل هما بمعنى واحد أو مختلفان في المعنى؟ وملخصُه أنَّ تَبِعه بشيءٍ: خَلَفه، واتَّبَعَه كذلك، إلا أنه حاذاه في المَشْي، وأَتْبعه: لحقه.
٢٦٢٦ - وإذا تُجَوِّزُها حبالُ قبيلة | أَخَذْتَ من الأخرى إليك حبالَها |
٢٦٢٧ -................... | كما جَوَّز السَّكَّيَّ في الباب فَيْتَقُ |
وقرأ الحسن» فاتَّبَعَهُم «بالتشديد، وقد تقدم الفرق.
قوله: ﴿بَغْياً وَعَدْواً﴾ يجوز أن يكونا مفعولين مِنْ أجلهما أي: لأجلِ البَغْي والعَدْوِ، وشروطُ النصب متوفرةٌ، ويجوزُ أن يكونا مصدرين في موضع الحال أي: باغين متعدِّين. وقرأ الحسن» وعُدُوَّاً «بضم العين والدال المشددة، وقد تقدَّم ذلك في سورة الأنعام.
قوله: ﴿آمَنتُ أَنَّهُ﴾ قرأ الأخَوان بكسر إنَّ وفيها أوجه، أحدها: أنها استئنافُ إخبار، فلذلك كُسِرت لوقوعِها ابتداءَ كلام. والثاني: أنه على إضمار القول أي: فقال إنه، ويكون هذا القولُ مفسراً لقوله آمنت. والثالث: أن تكون هذه الجملةُ بدلاً من قوله:» آمنت «، وإبدالُ الجملةِ الاسمية من الفعلية جائزٌ لأنها في معناها، وحينئذ تكون مكسورةً لأنها محكيَّة ب» قال «هذا الظاهر. والرابع: أن» آمنتُ «ضُمِّن معنى القول لأنه قولٌ. وقال الزمخشري:» كَرَّر المخذولُ المعنى الواحدَ ثلاثَ مرات في ثلاث عبارات حِرْصاً على القبول «يعني أنه قال:» آمنتُ «، فهذه مرة، وقال: ﴿أَنَّهُ لا إله إِلاَّ الذي آمَنَتْ بِهِ بنوا إِسْرَائِيلَ﴾ فهذه ثانيةٌ، وقال: ﴿وَأَنَاْ مِنَ المسلمين﴾ فهذه ثالثةٌ، والمعنى واحد» وهذا جنوحٌ منه إلى الاستئنافِ في «إنه».
وقرأ الباقون بفتحِها وفيها أوجهٌ أيضاً، أحدُها: أنها في محلِّ نصب على المفعولِ به أي: آمَنْتُ توحيدَ، لأنه بمعنى صدَّقْتُ. الثاني: أنها في موضع نصبٍ بعد إسقاط الجارِّ أي: لأنه. الثالث: أنها في محل جر بذلك الجارِّ وقد عَرَفْتَ ما فيه من الخلاف.
قوله: ﴿بِبَدَنِكَ﴾ فيه وجهان، أحدُهما: أنها باءُ المصاحبةِ بمعنى مصاحباً لبدنك وهي الدِّرْع، وفي التفسير: لم يُصَدِّقوا بغرقه، وكانت له دِرْعُ تُعْرَفُ
٢٦٢٨ - أعاذِلُ شِكَّتي بدني وسيفي | وكلّ مُقَلَّصٍ سَلِس القِيادِ |
٢٦٢٩ - ترى الأبْدانَ فيها مُسْبَغَاتٍ | على الأبطالِ واليَلَبَ الحصينا |
والثاني: أن تكونَ سببيةً على سبيل المجاز؛ لأنَّ بدنه سبب في تنجيته، وذلك على قراءةِ ابن مسعود وابن السَّمَيْفَع «بندائك» من النداء وهو الدعاءِ أي: بما نادى به في قومه من كفرانه في قولِه ﴿ونادى فِرْعَوْنُ فِي قَوْمِهِ﴾ [الزخرف: ٥١] ﴿فَحَشَرَ فنادى فَقَالَ أَنَاْ رَبُّكُمُ الأعلى﴾ [النازعات: ٢٣-٢٤] ﴿ياأيها الملأ مَا عَلِمْتُ لَكُمْ مِّنْ إله غَيْرِي﴾ [القصص: ٣٨].
وقرأ يعقوب «نُنْجِيْك» مخففاً مِنْ أنجاه. وقرأ أبو حنيفة «بأبدانك» جمعاً: إمَّا على إرادة الأدْراع لأنه كان يلبس كثيراً منها خوفاً على نفسِه، أو جعل
٢٦٣٠ -......................... | شابَ المَفارِقُ واكتَسَيْنَ قَتِيرا |
و «لتكون» متعلِّقٌ ب «نُنَجِّيك» و «آية» أي: علامة، و «لمَنْ خلفك» في محلِّ نصبٍ على الحال مِنْ «آية» لأنه في الأصلِ صفةٌ لها.
الوجه الثاني مِنْ وجهي «إنْ» أنها نافية. قال الزمخشري: «أي: فما كنت في شك فاسأل، يعني لا نأمرك بالسؤال لكونِك شاكَّاً ولكن لتزداد يقيناً كما ازدادَ إبراهيم عليه السلام بمعاينة إحياء الموتى. وهذا القولُ سبقه إليه الحسنُ البصري والحسين بن الفضل وكأنه فرارٌ من الإِشكال المتقدِّم في جَعْلها شرطيةً، وقد تقدَّم جوابُه مِنْ وجوهٍ.
وقرأ يحيى وإبراهيم:» يَقْرؤون الكتب «بالجمع، وهي مبينة أن المرادَ بالكتاب الجنسُ لا كتابٌ واحد.
٢٦٣١ - تَعُدُّون عقر النيبِ أفضلَ مَجْدِكُمْ | بني ضَوْطَرى لولا الكَمِيَّ المقنَّعا |
وقال ابن عطية: «هو بحسب اللفظ استثناءٌ منقطع، وكذلك رسمه النحويون، وهو بحسبِ المعنى متصلٌ لأن تقديره: ما آمنَ أهل قريةٍ إلا قومَ يونس». قلت: وتقديرُ هذا المضافِ هو الذي صَحَّح كونَه استثناء متصلاً، وكذلك قال أبو البقاء ومكي وابن عطية وغيرهُم. وأمَّا الزمخشري فإن ظاهرَ عبارتِه أنَّ المصحِّحَ لكونه متصلاً كونُ الكلام في معنى النفي، وليس كذلك بل المسوِّغ كونُ القرى يراد بها أهاليها من بابِ إطلاق المحلِّ على الحالِّ، وهو أحد الأوجهِ المذكورة في قوله: ﴿وَسْئَلِ القرية﴾ [يوسف: ٨٢].
وقرأت فرقة: «إلا قومُ» بالرفع. قال الزمخشري «وقُرىء بالرفعِ
قوله: ﴿وَيَجْعَلُ﴾ قرأ أبو بكر عن عاصم بنون العظمة. والباقون بياء الغيبة وهو الله تعالى. وقرأ الأعمش فصرَّح به ﴿ويجعل اللَّهُ الرِّجْزَ﴾ بالزاي دون السين، وقد تقدَّم هل هما بمعنى أو بينهما فرقٌ؟
قوله: ﴿وَمَا تُغْنِي﴾، يجوز في «ما» أن تكون استفهامية، وهي واقعةٌ موقعَ المصدر أي: أيَّ غَناءٍ تُغْني الآيات؟ ويجوز أن تكونَ نافيةً، وهذا هو الظاهر. وقال ابن عطية: ويحتمل أن تكونَ «ما» في قوله: «وما تغني» مفعولةً بقوله: «انظروا»، معطوفةً على قوله: «ماذا» أي: تأمَّلوا قَدْر غَناء الآيات والنُّذُر عن الكفار «. قال الشيخ:» وفيه ضعفٌ، وفي قوله: «معطوفة على» ماذا «تجُّوزٌ، يعني أن الجملةَ الاستفهامية التي هي ﴿مَاذَا فِي السماوات﴾ في موضع
و «النُّذُرُ» يجوز أن يكونَ جمعَ نذير، والمراد به المصدر فيكونَ التقدير: وما تُغْني الآيات والإِنذارات، وأن يكونَ جمعَ «نذير» مراداً به اسمَ الفاعل بمعنى مُنْذِر فيكون التقدير: والمنذرون وهم الرسل.
قوله: ﴿كَذَلِكَ﴾ في هذه الكاف وجهان، أظهرهُما: أنه في محلِّ نصب تقديرُه: مثلَ ذلك الإِنجاء الذي نَجَّينا الرسلَ ومؤمنيهم ننجي مَنْ آمن بك يا محمد. والثاني: أنها في/ محل رفع على خبر ابتداء مضمر، وقدَّره ابن عطية وأبو البقاء بقولك: الأمر كذلك.
قوله: ﴿حَقّاً﴾ فيه أوجه، أحدها: أن يكون منصوباً بفعل مقدر أي: حَقَّ ذلك حقاً. والثاني: أن يكون بدلاً من المحذوف النائب عنه الكافُ تقديره: إنجاءً مثل ذلك حقاً والثالث: أن يكونَ» كذلك «و» حقاً «منصوبين ب» نُنْجِ «الذي بعدهما. والرابع: أن يكونَ» كذلك «منصوباً ب» نُنَجِّي «
وقرأ الكسائي وحفص» نُنْجي المؤمنين «مخففاً مِنْ أنجى يقال: أنجى ونجى كأَبْدَلَ وبَدَّل، وجمهورُ القراء لم ينقلوا الخلافَ إلا في هذا دون قوله: ﴿فاليوم نُنَجِّيكَ بِبَدَنِكَ﴾ [يونس: ٩٢] ودونَ قوله: ﴿ثُمَّ نُنَجِّي رُسُلَنَا﴾. وقد نقل أبو علي الأهوازي الخلافَ فيهما أيضاً، ورُسِم في المصاحف» نُنْجِ «بجيمٍ دون ياء.
قوله: ﴿وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ﴾، قال الزمخشري: «أصله بأن أكونَ»، فحُذِفَ الجارُّ، وهذا الحذفُ يحتمل أن يكونَ مِنَ الحذف المطَّرد الذي هو حَذْفُ الحروفِ الجارَّةِ مع أَنْ [وأنَّ]، وأن يكونَ مِن الحذفِ غيرِ المطرد وهو قوله:
٢٦٣٢ - أَمَرْتُكَ الخيرَ............. | .......................... |
أَمَرْتُك الخيرَ فافعلْ ما أُمِرْت به | ........................ |
وقال الزمخشري: «فإن قلت: عَطْفُ قولِه:» وأَنْ أقم «على» أن أكونَ «فيه إشكالٌ؛ لأن» أنْ «لا تخلو: إمَّا أَنْ تكونَ التي للعبارة، أو التي تكونُ مع الفعل في تأويل المصدر، فلا يَصِحُّ أن تكونَ التي للعبارة وإن كان الأمر ممَّا يتضمَّن معنى القول؛ لأن عطفَها على الموصولة يأبى ذلك، والقولُ بكونِها موصولةً مثلَ الأولى لا يساعدُ عليه لفظُ الأمر وهو» أَقِمْ «؛ لأنَ الصلة
ورجَّح الشيخُ كونَها مصدريةً على إضمار فعل كما تقدم تقريره قال: «ليزولَ قَلَقُ العطفِ لوجود الكاف، إذ لو كان» وأنْ أَقِمْ «عطفاً على» أن أكون «لكان التركيب» وجهي «بياء المتكلم، ومراعاةُ المعنى فيه ضَعْفٌ، وإضمارُ الفعل أكثر».
قوله: ﴿حَنِيفاً﴾ يجوز أن يكونَ حالاً من «الذين»، وأن يكون حالاً من فاعل «أَقِمْ» أو مفعوله.
قوله: ﴿فَإِنَّكَ﴾ هو جواب الشرط و «إذن» حرفُ جوابٍ توسَّطت بين الاسمِ والخبر، ورُتْبَتُها التأخيرُ عن الخبر، وإنما وُسِّطَتْ رَعْياً للفواصل. وقال الزمخشري: «إذن» جواب الشرط وجوابٌ لسؤال مقدر، كأن سائلاً سأل عن تَبِعة عبادة الأوثان «. وفي جَعْله» إذن «جزاءً للشرط نظرٌ، إذ جوابُ الشرط محصورٌ في أشياءَ ليس هذا منها.
قوله: ﴿فَمَنُ اهتدى﴾ «ومَنْ ضَلَّ» يجوز أن تكون «مَنْ» شرطاً، فالفاءُ واجبةُ الدخول، وأن تكونَ موصولةً فالفاءُ جائزتُه.
قوله: ﴿وَمَآ أَنَاْ﴾، يجوزُ أن تكون الحجازية أو التميميةَّ؛ لخفاء النصب في الخبر. وباقيها واضح.