تفسير سورة سورة الإسراء
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي
الإيضاح لناسخ القرآن ومنسوخه
أبو محمد مكي بن أبي طالب حَمّوش بن محمد بن مختار القيسي القيرواني ثم الأندلسي القرطبي المالكي (ت 437 هـ)
الناشر
دار المنارة
الطبعة
1
المحقق
أحمد حسن فرحات
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وَقُلْ رَبِّ ارْحَمْهُمَا كَمَا رَبَّيَانِي صَغِيراً﴾:
(مَنْ جعل) هذا الأمر عامّاً (في جميع) الآباء الأحياء والأموا تمن المؤمنين والمشركين، قال: هو منسوخٌ منه بعضُه بقوله: ﴿مَا كانَ للنبي والذين آمَنُوا أَن يَسْتَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِين﴾ [التوبة: ١١٣] - الآية - وبقوله: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أنه عدو لِلَّهِ تَبَرَّأَ مِنه﴾ [التوبة: ١١٤] - وهو قول ابن عباس - قال: لما مات (- يعني: أبا إبراهيم - على كفره) أمسكَ إِبراهيمُ عن الاستغفار له.
قال أبو محمد: ويجوز أن تكون هذه الآيةُ مخصوصةً في الآباء الأموات المؤمنين، خَصَّصها وبيَّنها قولُه: ﴿فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ أَنَّهُ عَدُوٌّ لِلَّهِ تبرأ منه﴾ [التوبة: ١١٤] أي: لما مات على كُفْرِه تَرَكَ الاستغفارَ له، فخَصَّصَه بترك الاستغفار لمن مات من الآباء على كُفْرِه، وبقي الأمر بالاستغفار لمن ما تمن الآباء مؤمناً.
ثم خصّصها (أيضاً) تخصيصاً آخر قولُه: ﴿مَا كَانَ للنبيِّ والذين آمنوا أن يَستَغْفِرُوا لِلمُشْرِكِين﴾[التوبة: ١١٣]، فَبَيَّن أن المؤمن ليس له أن يستغفر لأبويه المشركَيْنِ وإن كانا حيَّيْنِ فَخَصَّصَ الآيتان آيةَ "سبحان"، فصارت في الآباء المؤمنين الأحياء والأموات خاصة، وهذا على قول من جعل آية"سبحان" غيرَ عامة مخصوصةً فيما ذكرنا من الآيتين، فهي محكمة على هذا غير منسوخة، إنما دخل فيها بيانان وتخصيصان.
فالآيتان محكمتان: آية "سبحان" في الآباء المؤمنين الأحياء والأموات، والآيتان في "براءة" في جواز الاستغفار للآباء الأحياء من المشركين، ومنع الاستغفار لهم إذا ماتوا على كفرهم، ووقعت الأولى عامّة في منع الاستغفار لأحيائهم وأمواتهم، لكن بَيَّنَها الثانية أنها في الأموات منهم خاصّة.
وقيل: إن ذلك كُلَّه منسوخٌ بقوله: ﴿سَواءٌ عَلَيْهِمْ أَسْتَغْفَرْتَ لَهُمْ أَمْلَمْ تَسْتَغْفِر لَهُمْ﴾ [المنافقون: ٦]. (وهذا وإن) نزل في المنافقين والمشركين إخوانهم فالحكمُ فيهم واحد، وقد ذكرنا هذه الآية عند قوله: ﴿إِن تستغفر لهم سَبْعِينَ مَرَّةً فَلَن يَغْفِرَ اللهُ لَهُمْ﴾ [التوبة: ٨٠].
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَقْرَبُوا مَالَ اليَتِيمِ إِلاَّ بِالّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يبلغ أشده﴾.
قال مجاهد: كانوا من هذه في مشقة وجهد حتى نزل: ﴿وإن تخالطوهم فَإِخْوانُكُمْ﴾ [البقرة: ٢٢٠]، يريد أنه نُسخ بذلك، وقيل: بل نسخه قوله: ﴿فَلْيَأْكُل بِالمَعْرُوف﴾ [النساء: ٦].
والذي يوجبه النظر وعليه جماعة من العلماء أَنه غيرُ منسوخ، لأنه (قال تعالى): ﴿إِلاَّ بالّتِي هِيَ أَحْسَن﴾ [الإِسراء: ٣٤]، ففي هذا جوازُ مخالَطَتِهِم بالتي هي أحسن، وهو قولُه: ﴿والله يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِح﴾ [البقرة: ٢٢٠]، فكلا الآيتين يجوز مخالطةَ اليتيم، فلا يجوز أن تنسخ إحداهما الأخرى لأنهما بمعنى واحد.
وقوله: ﴿فَليأكُلْ بِالمَعْرُوف﴾ [النساء: ٦]، معناه: يستقرض ويَرُدّ، وقيل: هو أمر لليتيم يكون ماله قليلاً - وقد مضى شرح ذلك كله -.
وإنما يجوز أن يكون: "وإن تخالطوهم"، ناسخاً لقوله: ﴿وَلاَ تقربوا مال اليَتِيم﴾ [الإِسراء: ٣٤] لو كان نهياً حتماً، ولم يقل: ﴿إِلاَّ بالّتِي هِيَ أَحْسَن﴾، فقوله: ﴿إلاّ بالّتي هِيَ أحْسَن﴾، هو إجازة مخالطتهم، وجواز مخالطتهم لا يكون إلا بالتي هي أحسن لقوله: ﴿واللهُ يَعْلَمُ المُفْسِدَ مِنَ المُصْلِحِ﴾، أي يعلم من يخالطُهم بالتي هي أحسن من غيرِه، فلا نسخ يصح في هذا.
قولُه تعالى: ﴿وأَوْفُوا بِالعَهْدِ إِنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْؤولاً﴾ [الإِسراء: ٣٤]:
رُوِيَ عن السُّدِّي أنه قال: هذا منسوخٌ بقوله: ﴿إنَّ الّذِينَ يشترون بعهد اللهِ وأيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ [آل عمران: ٧٧] - الآية - وقال: كان هذا الحكمُ يوم نزل: ﴿إنَّ العَهْدَ كَانَ مَسْؤُولاً﴾ أن يُسأل الرجل عن العهد ثم يدخل الجنة حتى نزل: ﴿إنَّ الّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَناً قَلِيلاً﴾ - الآية -.
والذي (عليه الجماعة ويوجبُه النظر) أن هذا غيرُ منسوخٍ لأنه خبرٌ لا يجوز نسخُه، ولو نُسِخَ هذا لصار المعنى: إن الله لا يسأل عن العهد، لأن نسخ الشيء: رفعُ حُكْمِه، وهذا الحكمُ لا يجوز أَن يُرفع. فالآيتان محكمتان يسأل اللهُ عبادَه عن الوفاء بالعهد، ثم يعاقبُ مَنْ باعه ولم يفِ به بما شاءو (يعفو) عمَّن شاء من أهل الإِيمان.
والعهد: قد يكون التوحيد، ويكون ما عهد به إلى أهل الكتاب(ليبينوا) ما فيها للناس من أمر محمدٍ - صلى الله عليه وسلم - ومن غير ذلك من الدِّين.
قولُه تعالى: ﴿ذَلِكَ خَيْرٌ وأَحْسَنُ تأوِيلاً﴾ [الإِسراء: ٣٥] - يعني وفاء الكيل والوزن -:
قال السُّدِّي: كان يوم نزل هذا من فعل النقص في الكيل والوزن مؤمناً حتى نزل: ﴿وَيْلٌ لِلمُطَفِّفِين﴾ [المطففين: ١] - الآية - فأوجب لمن ينقص الناس في الكيل والوزن الوَيْلَ.
والذي عليه الجماعة: أن هذا غيرُ منسوخٍ لأنه خبر، ولا يُنْسَخُ الخبرُ، فالآيتان محكمتان، ومعناهما:
إن الله - جلّ ذكره - أخبر في "سبحان" أن الوفاءَ للكيل والوزن خير لمن فعلَه وأَحسنُ عاقبةً، والتأويل: بمعنى: العاقبة.
وأخبرنا في المطففين، (بما) يجازى به من نقصَ الكيلَ الوزنَ إن جازى. فالآيتان محكمتان. ولا شيء في الكهف.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وَمِنَ اللَّيْلِ فَتَهَجَّدْ بِهِ نَافِلَةً لَك﴾:
ذكر بعض العلماء أنه ناسخ لِفَرْضِ قيام الليل في سورة المزمل.
وأكثر الناس على أن الناسخ لفرض قيام الليل في سورة المزمل قوله: ﴿فَتَابَ عَلَيْكُمْ فاقْرَءُوا مَا تَيَسَّرَ مِنَ القُرآنِ﴾ [المزمل: ٢٠] مع ما قبل ذلك وما بعده.
وقد قال ابنُ عباس: نافلة لك، معناه: فرضٌ عليك خاصة.
لا يوجد تفسير لهذه الآيات في هذا الكتاب.
قوله تعالى: ﴿وَلاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ وَلاَ تَخَافِتْ بِهَا﴾:
روي عن ابن عباس أنه قال: هي منسوخةٌ بقوله في الأعراف: ﴿واذكر ربك فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعاً وخيفَةً وَدُونَ الجَهْرِ مِنَ القَوْلِ﴾ [الأعراف: ٢٠٥]، يريد أيضا أنه - صلى الله عليه وسلم - أُمر في "سبحان" أن لا يخافِتَ بصَلاته، وأُمر في "الأعراف" أن يخافت بها. فقال: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرّعاً﴾، وكلا الآيتين مكّي.
وقد كان لقائل أن يقول: إن آيةَ "سبحان" نَسَخَت آيةَ الأعراف، وأنه صلى الله عليه وسلم أُمر في الأعراف أن يَذكُرَ ربَّه في نفسه، ثم نسخ ذلك (بالآية) في سبحان، فأمر ألاّ يخافت، (لولا ما) روي أن النبي - صلى الله عليه وسلم - كان يجهر بالقراءة فيسمعُه المشركون فيسبّوا القرآن ومَن جاء به، فخفض النبي - صلى الله عليه وسلم - صوته حتى لا يسمعوا، فأمر أن يَبْتَغِي بين ذلك سبيلاً، لا مُخافَتَةً ولا جهراً.
وقد يجوز أن يكون هذا منسوخاً بزوال العِلَّة التي من أجلها أمر أنلا يجهر بصَلاتِه، لأن ذلك إنما كان لأَجل أَذى المشركين له وللقرآن إذا سمعوه يقرأ (فلما زال) ذلك بالهجرة من بين ظهراني المشركين رجعت الصَّلاة إلى الجهر بالقراءة فيها، وبيَّنَت السُّنَّةُ أن ذلك في صلاة الليل خاصة والنافلة، فتكونُ الآيةُ كآياتِ آخر سورة الممتحنة - وقد مضى ذكرها - وسيأتي ذكر ذلك في موضعه.
وقد رُوِيَ عن أبي هريرة وأبي موسى وعائشة رضي الله عنهم أن معنى"الصلاة" - في هذا الموضع -: الدعاء، فتكون محكمةً غيرَ منسوخة.
وقد رُوِيَ (النَّهْيُ عن) النبي - عليه السلام - في رفع الصوت بالدعاء، (فهو) مثل الآية في التأويل، وقد قال - جلّ ذكره -: ﴿ادعوا ربكم تَضَرّعاً وخفيةً﴾ [الأعراف: ٥٥].
ورُوِيَ عن الحسن أنه قال: معنى ﴿ولاَ تَجْهَرْ بِصَلاَتِكَ ولاَ تخافت بها﴾: (لا تُرائي بها) في العلانية، وتخونها في السر، فالمعنى على قوله: لا يجتمع منك الجهرُ بالصلاة في العلانية وتركُ فِعْلِهَا في السر، ولا يجوز أن يُنْسَخَ هذا المعنى.
لا يوجد تفسير لهذه الآية في هذا الكتاب.
تم عرض جميع الآيات
10 مقطع من التفسير