تفسير سورة سورة الملك

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي

تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
لطائف الإشارات
القشيري
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب

زاد المسير في علم التفسير

جمال الدين أبو الفرج عبد الرحمن بن علي بن محمد الجوزي (ت 597 هـ)

الناشر

دار الكتاب العربي - بيروت

الطبعة

الأولى

المحقق

عبد الرزاق المهدي

مقدمة التفسير
سورة الملك وهي مكية بإجماعهم
قال ابن مسعود : هي المانعة من عذاب القبر.
سورة الملك
وهي مكيّة كلّها بإجماعهم (١٤٧٨) قال ابن مسعود: هي المانعة من عذاب القبر.

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١ الى ١١]

بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ

تَبارَكَ الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (١) الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلاً وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ (٢) الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً ما تَرى فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ فَارْجِعِ الْبَصَرَ هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ (٣) ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً وَهُوَ حَسِيرٌ (٤)
وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ وَأَعْتَدْنا لَهُمْ عَذابَ السَّعِيرِ (٥) وَلِلَّذِينَ كَفَرُوا بِرَبِّهِمْ عَذابُ جَهَنَّمَ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (٦) إِذا أُلْقُوا فِيها سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَهِيَ تَفُورُ (٧) تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ (٨) قالُوا بَلى قَدْ جاءَنا نَذِيرٌ فَكَذَّبْنا وَقُلْنا ما نَزَّلَ اللَّهُ مِنْ شَيْءٍ إِنْ أَنْتُمْ إِلاَّ فِي ضَلالٍ كَبِيرٍ (٩)
وَقالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أَوْ نَعْقِلُ ما كُنَّا فِي أَصْحابِ السَّعِيرِ (١٠) فَاعْتَرَفُوا بِذَنْبِهِمْ فَسُحْقاً لِأَصْحابِ السَّعِيرِ (١١)
قوله عزّ وجلّ: تَبارَكَ قد شرحناه في الأعراف «١».
قوله عزّ وجلّ: الَّذِي بِيَدِهِ الْمُلْكُ قال ابن عباس: يعني: السّلطان يعزّ ويذلّ.
قوله عزّ وجلّ: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قال الحسن: خلق الموت المزيل للحياة، والحياة التي
أخرجه الطبراني ١٠٢٥٤ عن ابن مسعود قال: «كنا نسميها على عهد رسول الله صلّى الله عليه وسلم المانعة» وقال الهيثمي ٧/ ١٢٧- ١٢٨: رجاله ثقات اه وصححه الحاكم ٢/ ٤٦٨ ووافقه الذهبي. وأخرجه النسائي في «اليوم والليلة» ٧١٦. وورد من حديث ابن عباس مرفوعا: أخرجه الترمذي ٢٨٩٠ والبيهقي في «الدلائل» ٧/ ٤١ من حديث ابن عباس، وضعفه الترمذي بقوله: غريب من هذا الوجه، وكذا ضعفه البيهقي فقال: تفرد به يحيى بن عمرو النكري، وهو ضعيف. وأخرجه ابن مردويه عن ابن مسعود مرفوعا وتفرد ابن مردويه به يدل على وهنه.
وانظر «تفسير الشوكاني» ٢٥٥٩ و ٢٥٦٠ بتخريجنا.
__________
(١) الأعراف: ٥٤.
— 313 —
هي ضدّ الموت «١» قوله: لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا قد شرحناه في هود «٢»، قال الزجاج: والمعلَّق ب أَيُّكُمْ مضمر تقديره: ليبلوكم، فيعلم أيُّكم أحسن عملاً وهذا علم وقوع. وارتفعت «أي» بالابتداء، ولا يعمل فيها ما قبلها، لأنها على أصل الاستفهام، ومثله أَيُّ الْحِزْبَيْنِ أَحْصى «٣». والمعنى:
خلق الحياة ليختبركم فيها. وخلق الموت ليبعثَكم ويجازيَكم. وقال غيره: اللام في «ليبلوَكم» متعلق بخلق الحياة دون خلق الموت، لأن الابتلاء بالحياة. قوله: الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَماواتٍ طِباقاً أي: خلقهنَّ مطابقات، أي: بعضها فوق بعض ما تَرى يا ابن آدم فِي خَلْقِ الرَّحْمنِ مِنْ تَفاوُتٍ قرأ حمزة والكسائي: «من تفوُّت» بتشديد الواو من غير ألف. وقرأ الباقون بألف. قال الفراء: وهما بمنزلة واحدة، كما تقول: تعاهدت الشيء وتعهَّدته والتفاوت: الاختلاف. وقال ابن قتيبة: التفاوت:
الاضطراب والاختلاف وأصله من الفوت وهو أن يفوت شيء شيئاً، فيقع الخلل، ولكنه متصل بعضه ببعض.
قوله عزّ وجلّ: فَارْجِعِ الْبَصَرَ كرِّر البصر هَلْ تَرى مِنْ فُطُورٍ وقرأ أبو عمرو، وحمزة والكسائي «هل ترى» بإدغام اللام في التاء، أي: هل ترى فيها فروجا وصدوعا.
قوله عزّ وجلّ: ثُمَّ ارْجِعِ الْبَصَرَ كَرَّتَيْنِ أي: مرَّةً بعد مرَّة يَنْقَلِبْ إِلَيْكَ الْبَصَرُ خاسِئاً قال ابن قتيبة:
أي: مبعداً، من قولك: خسأتُ الكلب: إذا باعدتَه وَهُوَ حَسِيرٌ أي: كليل منقطع عن أن يلحق ما نظر إليه. وقال الزجاج: قد أعيا من قبل أن يرى في السماء خللا.
قوله عزّ وجلّ: وَلَقَدْ زَيَّنَّا السَّماءَ الدُّنْيا بِمَصابِيحَ قد شرحناه في حم السّجدة «٤». قوله: وَجَعَلْناها رُجُوماً لِلشَّياطِينِ أي: يرجم بها مسترقو السّمع. وقد سبق بيان هذا المعنى «٥» وَأَعْتَدْنا لَهُمْ: في الآخرة عَذابَ السَّعِيرِ وهذا وما بعده قد سبق بيانه إلى قوله: سَمِعُوا لَها شَهِيقاً أي: صوتاً مثل صوت الحمار. وقد بينا معنى الشهيق في هود «٦» وَهِيَ تَفُورُ أي: تغلي بهم كغلي المِرْجَل تَكادُ تَمَيَّزُ أي: تتقطَّع من تَغَيُّظها عليهم كُلَّما أُلْقِيَ فِيها فَوْجٌ أي: جماعة منهم سَأَلَهُمْ خَزَنَتُها أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَذِيرٌ وهذا سؤال توبيخ.
قوله عزّ وجلّ: إِنْ أَنْتُمْ أي: قلنا للرسل: إِنْ أَنْتُمْ إِلَّا فِي ضَلالٍ أي: في ذهاب عن الحق بعيد. قال الزجاج: ثم اعترفوا بجهلهم فقالوا: لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أي: سماع من يعي ويفكّر أَوْ نَعْقِلُ
(١) قال القرطبي في «الجامع لأحكام القرآن» ١٨/ ١٨١: قوله تعالى: الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَياةَ قيل: المعنى خلقكم للموت والحياة، يعني للموت في الدنيا والحياة في الآخرة وقدّم الموت على الحياة، لأن أقوى الناس داعيا إلى العمل من نصب موته بين عينيه فقدم لأنه فيما يرجع إلى الغرض المسوق له الآية أهم. قال العلماء:
الموت ليس بعدم محض ولا فناء صرف، وإنما هو انقطاع تعلق الروح بالبدن ومفارقته، وحيلولة بينهما وتبدل حال وانتقال من دار إلى دار، والحياة عكس ذلك. قلت: وفي التنزيل قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ السجدة: ١١ وقال: وَلَوْ تَرى إِذْ يَتَوَفَّى الَّذِينَ كَفَرُوا الْمَلائِكَةُ [الأنفال: ٥٠] وقال: اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِها [الزمر: ٤٢] فالوسائط ملائكة مكرمون صلوات الله عليهم. وهو سبحانه المميت على الحقيقة.
(٢) هود: ٧.
(٣) الكهف: ١٢.
(٤) فصلت: ١٢.
(٥) الحجر: ١٨.
(٦) هود: ١٠٦.
— 314 —
عقل من يُميِّز وينظر ما كُنَّا من أهل النار فَسُحْقاً. وهو منصوب على المصدر، المعنى: أسحقهم الله سحقاً، أي: باعدهم الله من رحمته مباعدة، والسحيق: البعيد. وكذلك روى ابن أبي طلحة عن ابن عباس «فسحقاً» أي: بُعْدَاً. وقال سعيد بن جبير، وأبو صالح: السُّحق: وادٍ في جهنّم يقال له:
سحق.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٢ الى ١٥]
إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ كَبِيرٌ (١٢) وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ إِنَّهُ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (١٣) أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ (١٤) هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولاً فَامْشُوا فِي مَناكِبِها وَكُلُوا مِنْ رِزْقِهِ وَإِلَيْهِ النُّشُورُ (١٥)
قوله عزّ وجلّ: إِنَّ الَّذِينَ يَخْشَوْنَ رَبَّهُمْ بِالْغَيْبِ قد شرحناه في سورة الأنبياء «١» لَهُمْ مَغْفِرَةٌ لذنوبهم وَأَجْرٌ كَبِيرٌ وهو: الجنة. ثم عاد إلى خطاب الكفّار، فقال عزّ وجلّ: وَأَسِرُّوا قَوْلَكُمْ أَوِ اجْهَرُوا بِهِ قال ابن عباس: نزلت في المشركين كانوا ينالون من رسول الله صلّى الله عليه وسلم، فيخبره جبريل بما قالوا، فيقول بعضهم: أسروا قولكم حتى لا يسمع إله محمّد «٢».
قوله عزّ وجلّ: أَلا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ أي: ألا يعلم ما في الصدور خالقها؟! واللَّطِيفُ مشروح في الأنعام «٣» والْخَبِيرُ في سورة البقرة «٤».
قوله عزّ وجلّ: هُوَ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ ذَلُولًا أي: مُذَلَّلةً سَهْلَةَ لم يجعلها ممتنعة بالحُزُونَة والغِلَظ.
قوله عزّ وجلّ: فَامْشُوا فِي مَناكِبِها فيه ثلاثة أقوال: أحدها: طرقاتها، رواه العوفي عن ابن عباس، وبه قال مجاهد. والثاني: جبالها، رواه ابن أبي طلحة عن ابن عباس، وبه قال قتادة، واختاره الزجاج، قال: لأن المعنى: سهل لكم السلوك فيها، فإذا أمكنكم السلوك في جبالها، فهو أبلغ في التذليل. والثالث: في جوانبها، قاله مقاتل، والفراء، وأبو عبيدة، واختاره ابن قتيبة، قال: ومنكبا الرّجل: جانباه.
قوله عزّ وجلّ: وَإِلَيْهِ النُّشُورُ أي: إليه تُبْعَثُون من قبوركم.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ١٦ الى ١٩]
أَأَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يَخْسِفَ بِكُمُ الْأَرْضَ فَإِذا هِيَ تَمُورُ (١٦) أَمْ أَمِنْتُمْ مَنْ فِي السَّماءِ أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ (١٧) وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ (١٨) أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ وَيَقْبِضْنَ ما يُمْسِكُهُنَّ إِلاَّ الرَّحْمنُ إِنَّهُ بِكُلِّ شَيْءٍ بَصِيرٌ (١٩)
ثم خوف الكفار فقال: أَأَمِنْتُمْ قرأ ابن كثير: «وإليه النشور أأمنتم» وقرأ نافع، وأبو عمرو:
(١) الأنبياء: ٤٩.
(٢) عزاه المصنف لابن عباس، وكذا الواحدي في «الأسباب» ٨٣٥. ساقه بدون إسناد، وهو باطل، فإن سباق الآيات وسياقها يدل على أن المراد بالآية المؤمنون. [.....]
(٣) الأنعام: ١٠٣.
(٤) البقرة: ٢٣٤.
«النشور آمنتم» بهمزة ممدودة. وقرأ عاصم، وابن عامر، وحمزة، والكسائي: «أأمنتم» بهمزتين، مَنْ فِي السَّماءِ قال ابن عباس: أمنتم عذاب مَنْ في السماء، وهو الله عزّ وجلّ؟! وتَمُورُ بمعنى: تدور.
قال مقاتل: والمعنى: تدور بكم إلى الأرض السّفلى.
قوله عزّ وجلّ: أَنْ يُرْسِلَ عَلَيْكُمْ حاصِباً وهي: الحجارة، كما أرسل على قوم لوط فَسَتَعْلَمُونَ كَيْفَ نَذِيرِ أي: كيف كانت عاقبة إِنذاري لكم في الدنيا إذا نزل بكم العذاب وَلَقَدْ كَذَّبَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ يعني: كفار الأمم فَكَيْفَ كانَ نَكِيرِ أي: إنكاري عليهم بالعذاب.
أَوَلَمْ يَرَوْا إِلَى الطَّيْرِ فَوْقَهُمْ صافَّاتٍ أي: تصفُّ أجنحتها في الهواء، وتقبض أجنحتها بعد البسط، وهذا معنى الطيران، وهو بسط الجناح وقبضه بعد البسط ما يُمْسِكُهُنَّ أن يقعن إِلَّا الرَّحْمنُ.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٠ الى ٢٧]
أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ يَنْصُرُكُمْ مِنْ دُونِ الرَّحْمنِ إِنِ الْكافِرُونَ إِلاَّ فِي غُرُورٍ (٢٠) أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ إِنْ أَمْسَكَ رِزْقَهُ بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ وَنُفُورٍ (٢١) أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ أَهْدى أَمَّنْ يَمْشِي سَوِيًّا عَلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ (٢٢) قُلْ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلاً ما تَشْكُرُونَ (٢٣) قُلْ هُوَ الَّذِي ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَإِلَيْهِ تُحْشَرُونَ (٢٤)
وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ إِنْ كُنْتُمْ صادِقِينَ (٢٥) قُلْ إِنَّمَا الْعِلْمُ عِنْدَ اللَّهِ وَإِنَّما أَنَا نَذِيرٌ مُبِينٌ (٢٦) فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ (٢٧)
قوله عزّ وجلّ: أَمَّنْ هذَا الَّذِي هُوَ جُنْدٌ لَكُمْ هذا استفهام إنكار. ولفظ «الجُنْدِ» مُوحَّد، فلذلك قال عزّ وجلّ: «هذا الذي هو» والمعنى: لا جُنْدَ لكم يَنْصُرُكُمْ أي: يمنعكم من عذاب الله إن أراده بكم، إِنِ الْكافِرُونَ إِلَّا فِي غُرُورٍ وذلك أن الشيطان يغرُّهم، فيقول: إن العذاب لا ينزل بكم، أَمَّنْ هذَا الَّذِي يَرْزُقُكُمْ المطر وغيرَه إِنْ أَمْسَكَ الله ذلك عنكم بَلْ لَجُّوا فِي عُتُوٍّ أي: تمادٍ في كفر وَنُفُورٍ عن الإيمان.
ثم ضرب مثلاً، فقال عزّ وجلّ: أَفَمَنْ يَمْشِي مُكِبًّا عَلى وَجْهِهِ قال ابن قتيبة: أي لا يبصر يميناً، ولا شمالاً ولا من بين يديه. يقال: أكبّ الله فلانا على وجهه، بالألف، وكبَّه الله لوجهه، وأراد:
الأعمى. قال المفسرون: هذا مثل للمؤمن، والكافر، و «السويُّ» : المعتدل، أي: الذي يبصر الطريق.
وقال قتادة: هذا في الآخرة يحشر الله الكافر مُكِبّاً على وجهه، والمؤمن يمشي سوياً.
قوله عزّ وجلّ: قَلِيلًا ما تَشْكُرُونَ فيه قولان: أحدهما: أنهم لا يشكرون، قاله مقاتل: والثاني:
أنهم يشكرون قليلا، قاله أبو عبيدة.
قوله عزّ وجلّ: ذَرَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ أي: خلقكم وَيَقُولُونَ مَتى هذَا الْوَعْدُ يعنون الوعد: بالعذاب فَلَمَّا رَأَوْهُ زُلْفَةً أي: رأوا العذاب قريباً منهم سِيئَتْ وُجُوهُ الَّذِينَ كَفَرُوا قال الزجاج: أي: تبين فيها السُّوءُ. وقال غيره: قُبِّحْت بالسواد وَقِيلَ هذَا الَّذِي كُنْتُمْ بِهِ تَدَّعُونَ فيه قولان: أحدهما: أنَّ «تدَّعون» بالتشديد، بمعنى تدعون بالتخفيف، وهو «تفتعلون» من الدعاء. يقال: دعوت، وادَّعيت، كما يقال:
خَبَرْتُ وَاخْتَبَرْتُ، ومثله: يدّكرون، ويذكرون، هذا قول الفراء، وابن قتيبة. والثاني: أن المعنى: هذا الذي كنتم من أجله تَدَّعون الأباطيلَ والأكاذيبَ، تَدَّعون أنكم إِذا مُتُّم لا تُبْعَثُون؟! وهذا اختيار الزجاج.
وقرأ أبو رزين، والحسن، وعكرمة، وقتادة والضحاك، وابن أبي عبلة، ويعقوب: «تَدْعون» بتخفيف الدال، وسكونها، بمعنى تَفْعَلون من الدعاء. وقال قتادة: كانوا يدعون بالعذاب.
[سورة الملك (٦٧) : الآيات ٢٨ الى ٣٠]
قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ (٢٨) قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا فَسَتَعْلَمُونَ مَنْ هُوَ فِي ضَلالٍ مُبِينٍ (٢٩) قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ (٣٠)
قوله عزّ وجلّ: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ بعذاب وَمَنْ مَعِيَ من المؤمنين «١». قرأ ابن كثير، ونافع، وأبو عمرو، وابن عامر، وحفص عن عاصم: «معيَ» بفتح الياء. وقرأ أبو بكر عن عاصم، والكسائي: «معي» بالإسكان أَوْ رَحِمَنا فلم يعذِّبْنَا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ أي يمنعهم ويؤمِّنُهم مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ ومعنى الآية: إنا مع إيماننا، بين الخوف والرّجاء: فمن يجيرُكم مع كفركم من العذاب؟! أي: لأنه لا رجاء لكم كرجاء المؤمنين قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ الذي نعبُدُ فَسَتَعْلَمُونَ وقرأ الكسائي:
«فسيعلمون» بالياء عند معاينة العذاب مَن الضالُّ نحن أم أنتم.
قوله عزّ وجلّ: إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً قد بيَّنَّاه في الكهف «٢» فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ أي: بماءٍ ظاهر تراه العيون، وتناله الأرشية.
(١) قال ابن كثير رحمه الله في «تفسيره» ٤/ ٤٧١: يقول الله تعالى: قُلْ يا محمد لهؤلاء المشركين بالله الجاحدين لنعمه: أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَهْلَكَنِيَ اللَّهُ وَمَنْ مَعِيَ أَوْ رَحِمَنا فَمَنْ يُجِيرُ الْكافِرِينَ مِنْ عَذابٍ أَلِيمٍ أي: خلّصوا أنفسكم، فإنه لا منقذ لكم من الله إلا التوبة والإنابة والرجوع إلى دينه، ولا ينفعكم وقوع ما تتمنون لنا من العذاب والنّكال، فسواء عذّبنا الله أو رحمنا، فلا مناص لكم من نكاله وعذابه الأليم الواقع بكم. ثم قال:
قُلْ هُوَ الرَّحْمنُ آمَنَّا بِهِ وَعَلَيْهِ تَوَكَّلْنا كما قال: فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ ثم قال: قُلْ أَرَأَيْتُمْ إِنْ أَصْبَحَ ماؤُكُمْ غَوْراً أي: ذاهبا في الأرض إلى أسفل، فلا ينال بالفؤوس الحداد، ولا السواعد الشداد، والغائر عكس النابع. ولهذا قال: فَمَنْ يَأْتِيكُمْ بِماءٍ مَعِينٍ أي: نابع وسائح جار على وجه الأرض، أي: لا يقدر على ذلك إلا الله عز وجل. فمن فضله وكرمه أنبع لكم المياه وأجراها في سائر أقطار الأرض، بحسب ما يحتاج العباد إليه، من القلة والكثرة، فله الحمد والمنّة.
(٢) الكهف: ٤١.
تقدم القراءة

تم عرض جميع الآيات

4 مقطع من التفسير