تفسير سورة سورة الحديد
محمد الطاهر بن عاشور
تيسير الكريم الرحمن
السعدي
جامع البيان في تأويل آي القرآن
الطبري
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
أيسر التفاسير لكلام العلي الكبير
أبو بكر الجزائري
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
حكمت بشير ياسين
تفسير القرآن العظيم
ابن كثير
تيسير العلي القدير لاختصار تفسير ابن كثير
محمد نسيب الرفاعي
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مركز تفسير للدراسات القرآنية
التفسير الميسر
مجمع الملك فهد لطباعة المصحف الشريف
أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن
الشنقيطي - أضواء البيان
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
معالم التنزيل
البغوي
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
مدارك التنزيل وحقائق التأويل
أبو البركات النسفي
التفسير الميسر
مجموعة من المؤلفين
إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم
أبو السعود
أيسر التفاسير
أسعد محمود حومد
إعراب القرآن وبيانه
محيي الدين الدرويش
التفسير الوسيط
وهبة الزحيلي
الوجيز في تفسير الكتاب العزيز
الواحدي
تفسير العز بن عبد السلام
عز الدين بن عبد السلام
تفسير السمعاني
أبو المظفر السمعاني
تفسير ابن أبي حاتم
ابن أبي حاتم الرازي
صفوة التفاسير
محمد علي الصابوني
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
السمين الحلبي
نظم الدرر في تناسب الآيات والسور
برهان الدين البقاعي
اللباب في علوم الكتاب
ابن عادل الحنبلي
المجتبى من مشكل إعراب القرآن الكريم
أحمد بن محمد الخراط
نيل المرام من تفسير آيات الأحكام
صديق حسن خان
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
ابن عاشور
معالم التنزيل
البغوي
تفسير مجاهد
مجاهد بن جبر
تفسير الجلالين
المَحَلِّي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
التفسير المظهري
محمد ثناء الله المظهري
مراح لبيد لكشف معنى القرآن المجيد
نووي الجاوي
روح المعاني
الألوسي
التفسير المنير
وهبة الزحيلي
أضواء البيان
محمد الأمين الشنقيطي
التبيان في إعراب القرآن
أبو البقاء العكبري
الكشف والبيان عن تفسير القرآن
الثعلبي
أحكام القرآن
الجصَّاص
أحكام القرآن للكيا الهراسي
الكيا الهراسي
إعراب القرآن
مجموعة من المؤلفين
إعراب القرآن
ابن النَّحَّاس
أنوار التنزيل وأسرار التأويل
البيضاوي
التفسير الواضح
محمد محمود حجازي
التفسير الوسيط
محمد سيد طنطاوي
البحر المحيط في التفسير
أبو حيان الأندلسي
إيجاز البيان عن معاني القرآن
بيان الحق النيسابوري
بحر العلوم
أبو الليث السمرقندي
بيان المعاني
ملا حويش
تفسير التستري
سهل التستري
التفسير الحديث
محمد عزة دروزة
التفسير القيم من كلام ابن القيم
ابن القيم
التفسير القرآني للقرآن
عبد الكريم يونس الخطيب
تفسير المراغي
أحمد بن مصطفى المراغي
الموسوعة القرآنية
إبراهيم الإبياري
روح البيان
إسماعيل حقي
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين القمي النيسابوري
الجواهر الحسان في تفسير القرآن
الثعالبي
زاد المسير في علم التفسير
ابن الجوزي
غريب القرآن
ابن قتيبة الدِّينَوري
فتح القدير الجامع بين فني الرواية والدراية من علم التفسير
الشوكاني
الفواتح الإلهية والمفاتح الغيبية
النخجواني
التسهيل لعلوم التنزيل
ابن جُزَيِّ
الكشاف عن حقائق التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل
الزمخشري
تفسير القشيري
القشيري
مجاز القرآن
أبو عبيدة معمر بن المثنى
محاسن التأويل
جمال الدين القاسمي
المحرر الوجيز فى تفسير الكتاب العزيز
ابن عطية
معاني القرآن للفراء
الفراء
مفاتيح الغيب
فخر الدين الرازي
تنوير المقباس من تفسير ابن عباس
الفيروزآبادي
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
الهداية الى بلوغ النهاية
مكي بن أبي طالب
أوضح التفاسير
محمد عبد اللطيف الخطيب
فتح البيان في مقاصد القرآن
صديق حسن خان
تفسير غريب القرآن - الكواري
كَامِلَة بنت محمد الكَوارِي
المحرر في أسباب نزول القرآن من خلال الكتب التسعة
خالد بن سليمان المزيني
غاية الأماني في تفسير الكلام الرباني
أحمد بن إسماعيل الكَوْرَاني
تأويلات أهل السنة
أبو منصور المَاتُرِيدي
التفسير البسيط
الواحدي
حدائق الروح والريحان في روابي علوم القرآن
محمد الأمين الهرري
المختصر في تفسير القرآن الكريم
مجموعة من المؤلفين
لباب التأويل في معاني التنزيل
الخازن
تفسير القرآن العزيز
ابن أبي زَمَنِين
مختصر تفسير ابن كثير
محمد علي الصابوني
النكت والعيون
الماوردي
معاني القرآن وإعرابه للزجاج
الزجاج
تفسير ابن عرفة
ابن عرفة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
مجير الدين العُلَيْمي
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني
الجامع لأحكام القرآن
القرطبي
النكت والعيون
الماوردي
الدر المنثور في التأويل بالمأثور
السُّيوطي
معاني الكلمات من كتاب السراج في بيان غريب القرآن
محمد الخضيري
أسباب نزول القرآن - الواحدي
تفسير مقاتل بن سليمان
مقاتل بن سليمان
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحداد اليمني
حاشية الصاوي على تفسير الجلالين
الصاوي
تفسير النسائي
النسائي
كتاب نزهة القلوب
أبى بكر السجستاني
تذكرة الاريب في تفسير الغريب
ابن الجوزي
النهر الماد من البحر المحيط
أبو حيان الأندلسي
الصراط المستقيم في تبيان القرآن الكريم
الكَازَرُوني
غريب القرآن
زيد بن علي
تفسير الإمام مالك
مالك بن أنس
تفسير الشافعي
الشافعي
معاني القرآن
الفراء
مجاز القرآن
أبو عبيدة
تفسير القرآن
الصنعاني
معاني القرآن
الأخفش
أحكام القرآن
الجصاص
جهود ابن عبد البر في التفسير
ابن عبد البر
لطائف الإشارات
القشيري
أحكام القرآن
إلكيا الهراسي
جهود الإمام الغزالي في التفسير
أبو حامد الغزالي
أحكام القرآن
ابن العربي
أحكام القرآن
ابن الفرس
جهود القرافي في التفسير
القرافي
التفسير القيم
ابن القيم
التبيان في تفسير غريب القرآن
ابن الهائم
جامع البيان في تفسير القرآن
الإيجي محيي الدين
فتح الرحمن بكشف ما يلتبس في القرآن
زكريا الأنصاري
السراج المنير في الإعانة على معرفة بعض معاني كلام ربنا الحكيم الخبير
الشربيني
التفسير المظهري
المظهري
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
ابن عجيبة
تفسير المراغي
المراغي
المصحف المفسّر
فريد وجدي
التفسير الحديث
دروزة
تيسير التفسير
إبراهيم القطان
صفوة البيان لمعاني القرآن
حسنين مخلوف
التيسير في أحاديث التفسير
المكي الناصري
تفسير الشعراوي
الشعراوي
تفسير القرآن الكريم
ابن عثيمين
تفسير القرآن الكريم
عبد الله محمود شحاتة
فتح الرحمن في تفسير القرآن
تعيلب
التفسير الشامل
أمير عبد العزيز
الصحيح المسبور من التفسير بالمأثور
بشير ياسين
التفسير الميسر
التفسير الميسر
المنتخب في تفسير القرآن الكريم
المنتخب
تحرير المعنى السديد وتنوير العقل الجديد من تفسير الكتاب المجيد
محمد الطاهر بن عاشور (ت 1393 هـ)
الناشر
الدار التونسية للنشر
نبذة عن الكتاب
للطاهر بن عاشور (ت: 1393)، واسمه الكامل: (تحرير المعنى السديد، وتنوير العقل الجديد، من تفسير الكتاب المجيد).
وهو تفسير جليل نفيس، صنَّفه مؤلِّفه في أربعين عاماً، وضبطه وأتقنه، وقدَّمه بمقدمات عشـر نافعة، وتميز تفسيره بعدة مزايا منها:
الاهتمام بوجوه البلاغة في القرآن.
بيان وجوه الإعجاز.
وهو تفسير جليل نفيس، صنَّفه مؤلِّفه في أربعين عاماً، وضبطه وأتقنه، وقدَّمه بمقدمات عشـر نافعة، وتميز تفسيره بعدة مزايا منها:
الاهتمام بوجوه البلاغة في القرآن.
بيان وجوه الإعجاز.
- الاهتمام ببيان تناسب اتصال الآي بعضها ببعض.
- إبراز الجانب التربوي في السور.
- بيان معاني المفردات بضبط وتحقيق.
- الحرص على الموازنة والترجيح.
ويؤخذ عليه ذكر بعض الإسرائيليات وإن كان ذلك قليلاً، والاستعانة أحياناً بذكر بعض النقولات من التوراة ليؤيد قوله، وهو وإن كان على عقيدة أهل السُّنَّة لكن وقع في التأويل لبعض الصفات.
يعتبر في الجملة تفسيرا بلاغيا بيانا لغويا عقلانيا لا يغفل المأثور ويهتم بالقراءات. وطريقة مؤلفه فيه أن يذكر مقطعا من السورة ثم يشرع في تفسيره مبتدئا بذكر المناسبة ثم لغويات المقطع ثم التفسير الإجمالي ويتعرض فيه للقراءات والفقهيات وغيرها. وهو يقدم عرضا تفصيليا لما في السورة ويتحدث عن ارتباط آياتها.
يعتبر في الجملة تفسيرا بلاغيا بيانا لغويا عقلانيا لا يغفل المأثور ويهتم بالقراءات. وطريقة مؤلفه فيه أن يذكر مقطعا من السورة ثم يشرع في تفسيره مبتدئا بذكر المناسبة ثم لغويات المقطع ثم التفسير الإجمالي ويتعرض فيه للقراءات والفقهيات وغيرها. وهو يقدم عرضا تفصيليا لما في السورة ويتحدث عن ارتباط آياتها.
مقدمة التفسير
هذه السورة تسمى في عهد الصحابة سورة الحديد ، فقد وقع في حديث إسلام عمر بن الخطاب عند الطبراني والبزاز أن عمر دخل على أخته قبل أن يسلم فإذا صحيفة فيها أول سورة الحديد فقرأه حتى بلغ آمنوا بالله ورسوله وأنفقوا مما جعلكم مستخلفين فيه فأسلم، وكذلك سميت في المصاحف وفي كتب السنة، لوقوع لفظ الحديد فيها في قوله تعالى وأنزلنا الحديد فيه بأس شديد .
وهذا اللفظ وإن ذكر في سورة الكهف في قوله تعالى آتوني زبر الحديد وهي سابقة في النزول على سورة الحديد على المختار، فلم تسم به لأنها سميت باسم الكهف للاعتناء بقصة أهل الكهف، ولأن الحديد الذي ذكر هنا مراد به حديد السلاح من سيوف ودروع وخوذ، تنويها به إذا هو أثر من آثار حكمة الله في خلق مادته وإلهام الناس صنعه لتحصل به منافع لتأييد الدين ودفاع المعتدين كما قال تعالى فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب .
وفي كون هذه السورة مدنية أو مكية اختلاف قوي لم يختلف مثله في غيرها، فقال الجمهور : مدنية. وحكى ابن عطية عن النقاش : أن ذلك إجماع المفسرين، وقد قيل : إن صدرها مكي لما رواه مسلم في صحيحه والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود أنه قال ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ألم يإن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله إلى قوله وكثير منهم فاسقون إلا أربع سنين. عبد الله بن مسعود أول الناس إسلاما، فتكون هذه الآية مكية.
وهذا يعارضه ما رواه ابن مردويه عن أنس وابن عباس : أن نزول هذه الآية بعد ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة من ابتداء نزول القرآن، فيصار إلى الجمع بين الروايتين أو الترجيح، ورواية مسلم وغيره عن ابن مسعود أصح سندا، وكلام ابن مسعود يرجح على ما روي عن أنس وابن عباس لأنه أقدم إسلاما وأعلم بنزول القرآن، وقد علمت آنفا أن صدر هذه السورة كان مقروءا قبل إسلام عمر بن الخطاب. قال ابن عطية يشبه صدرها أن يكون مكيا والله أعلم، ولا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا اهـ.
وروي أن نزولها كان يوم ثلاثاء استنادا إلى حديث ضعيف رواه الطبراني عن ابن عمر ورواه الديلمي عن جابر بن عبد الله.
وأقول الذي يظهر أن صدرها مكي كما توسمه ابن عطية وأن ذلك ينتهي إلى قوله وإن الله بكم لرؤوف رحيم وأن ما بعد ذلك بعضه نزل بالمدينة كما تقتضيه معانيه مثل حكاية أقوال المنافقين، وبعضه نزل بمكةمثل آية ألم يإن للذين آمنوا الآية كما في حديث مسلم. ويشبه ان يكون آخر السورة قوله إن الله قوي عزيز نزل بالمدينة ألحق بهذه السورة بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم في خلالها أو في آخرها.
قلت : وفيها آية لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح الآية، وسواء كان المراد بالفتح في تلك الآية فتح مكة أو فتح الحديبية. فإنه أطلق عليه اسم الفتح وبه سميت سورة الفتح ، فهي متهينة لأن تكون مدنية فلا ينبغي الاختلاف في أن معظم السورة مدني.
وروي أن نزولها كان يوم الثلاثاء استنادا إلى حديث ضعيف رواه الطبراني عن ابن عمر ورواه الديلمي عن جابر بن عبد الله.
وقد عدت السورة الخامسة والتسعين في ترتيب نزول السور جريا على قول الجمهور : إنها مدنية فقالوا : نزلت بعد سورة الزلزال وقبل سورة القتال، وغذا روعي قول ابن مسعود : إنها نزلت بعد البعثة بأربع سنين. وما روي من أن سبب إسلام عمر بن الخطاب أنه قرأ صحيفة لأخته فاطمة فيها صدر سورة الحديد لم يستقم هذا العد لأن العبرة بمكان نزول السورة لا نزول آخرها فيشكل موضعها في عد نزول السورة.
وعلى قول ابن مسعود يكون ابتداء نزولها آخر سنة أربع من البعثة فتكون من أقدم السور نزولا فتكون نزلت قبل سورة الحجر وبعد غافر، فالوجه أن معظم آياتها نزل بعد سورة الزلزال.
وعدت آيها في عد أهل المدينة ومكة والشام ثمانا وعشرين، وفي عد أهل البصرة والكوفة تسعا وعشرين.
وورد في فضلها مع غيرها من السور المفتتحة بالتسبيح ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالمسبحات قبل أن يرقد ويقول : إن فيهن ىية افضل من ألف آية وقال الترمذي حديث حسن غريب.
وظن ابن كثير أن الآية المشار إليها في حديث العرباض هي قوله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم لما ورد في الآثار من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها.
أغراضها
الأغراض التي اشتملت عليها هذه السورة : التذكير بجلال الله تعالى، وصفاته العظيمة، وسعة قدرته وملكوته، وعموم تصرفه، ووجوب وجوده، وسعة علمه، والأمر بالإيمان بوجوده، وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه من الآيات البينات.
والتنبيه لما في القرآن من الهدي وسبيل النجاة، والتذكير برحمة الله ورأفته بخلقه.
والتحريض على الإنفاق في سبيل الله، وأن المال عرض زائل لا يبقى منه لصاحبه إلا ثواب ما انفق منه في مرضاة الله.
والتخلص إلى ما أعد الله للمؤمنين والمؤمنات يوم القيامة من خير وضد ذلك للمنافقين والمنافقات.
وتحذير المسلمين من الوقوع في مهواة قساوة القلب التي وقع فيها أهل الكتاب من قبلهم من إهمال ما جاءهم من الهدى حتى قست قلوبهم وجر ذلك إلى الفسوق كثيرا منهم.
والتذكير بالبعث.
والدعوة إلى قلة الاكتراث بالحياة الفانية.
والأمر بالصبر على النوائب والتنويه بحكمة إرسال الرسل والكتب لإقامة أمور الناس على العدل العام.
والإيماء إلى فضل الجهاد في سبيل الله.
وتنظير رسالة محمد صلى الله عليه وسلم برسالة نوح وإبراهيم عليهما السلام على أن في ذريتهما وهتدين وفاسقين.
وأن الله أتبعهما برسل آخرين منهم عيسى عليه السلام الذي كان آخر رسول أرسل بشرع قبل الإسلام، وأن أتباعه كانوا على سنة ن سبقهم، منهم مؤمن ومنهم كافر.
ثم أهاب بالمسلمين أن يخلصوا الإيمان تعريضا بالمنافقين ووعدهم بحسن العاقبة وأن الله فضلهم على الأمم لأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء.
وهذا اللفظ وإن ذكر في سورة الكهف في قوله تعالى آتوني زبر الحديد وهي سابقة في النزول على سورة الحديد على المختار، فلم تسم به لأنها سميت باسم الكهف للاعتناء بقصة أهل الكهف، ولأن الحديد الذي ذكر هنا مراد به حديد السلاح من سيوف ودروع وخوذ، تنويها به إذا هو أثر من آثار حكمة الله في خلق مادته وإلهام الناس صنعه لتحصل به منافع لتأييد الدين ودفاع المعتدين كما قال تعالى فيه بأس شديد ومنافع للناس وليعلم الله من ينصره ورسله بالغيب .
وفي كون هذه السورة مدنية أو مكية اختلاف قوي لم يختلف مثله في غيرها، فقال الجمهور : مدنية. وحكى ابن عطية عن النقاش : أن ذلك إجماع المفسرين، وقد قيل : إن صدرها مكي لما رواه مسلم في صحيحه والنسائي وابن ماجة عن عبد الله بن مسعود أنه قال ما كان بين إسلامنا وبين أن عاتبنا الله بهذه الآية ألم يإن للذين آمنوا أن تخشع قلوبهم لذكر الله إلى قوله وكثير منهم فاسقون إلا أربع سنين. عبد الله بن مسعود أول الناس إسلاما، فتكون هذه الآية مكية.
وهذا يعارضه ما رواه ابن مردويه عن أنس وابن عباس : أن نزول هذه الآية بعد ثلاث عشرة سنة أو أربع عشرة سنة من ابتداء نزول القرآن، فيصار إلى الجمع بين الروايتين أو الترجيح، ورواية مسلم وغيره عن ابن مسعود أصح سندا، وكلام ابن مسعود يرجح على ما روي عن أنس وابن عباس لأنه أقدم إسلاما وأعلم بنزول القرآن، وقد علمت آنفا أن صدر هذه السورة كان مقروءا قبل إسلام عمر بن الخطاب. قال ابن عطية يشبه صدرها أن يكون مكيا والله أعلم، ولا خلاف أن فيها قرآنا مدنيا اهـ.
وروي أن نزولها كان يوم ثلاثاء استنادا إلى حديث ضعيف رواه الطبراني عن ابن عمر ورواه الديلمي عن جابر بن عبد الله.
وأقول الذي يظهر أن صدرها مكي كما توسمه ابن عطية وأن ذلك ينتهي إلى قوله وإن الله بكم لرؤوف رحيم وأن ما بعد ذلك بعضه نزل بالمدينة كما تقتضيه معانيه مثل حكاية أقوال المنافقين، وبعضه نزل بمكةمثل آية ألم يإن للذين آمنوا الآية كما في حديث مسلم. ويشبه ان يكون آخر السورة قوله إن الله قوي عزيز نزل بالمدينة ألحق بهذه السورة بتوقيف من النبي صلى الله عليه وسلم في خلالها أو في آخرها.
قلت : وفيها آية لا يستوي منكم من أنفق قبل الفتح الآية، وسواء كان المراد بالفتح في تلك الآية فتح مكة أو فتح الحديبية. فإنه أطلق عليه اسم الفتح وبه سميت سورة الفتح ، فهي متهينة لأن تكون مدنية فلا ينبغي الاختلاف في أن معظم السورة مدني.
وروي أن نزولها كان يوم الثلاثاء استنادا إلى حديث ضعيف رواه الطبراني عن ابن عمر ورواه الديلمي عن جابر بن عبد الله.
وقد عدت السورة الخامسة والتسعين في ترتيب نزول السور جريا على قول الجمهور : إنها مدنية فقالوا : نزلت بعد سورة الزلزال وقبل سورة القتال، وغذا روعي قول ابن مسعود : إنها نزلت بعد البعثة بأربع سنين. وما روي من أن سبب إسلام عمر بن الخطاب أنه قرأ صحيفة لأخته فاطمة فيها صدر سورة الحديد لم يستقم هذا العد لأن العبرة بمكان نزول السورة لا نزول آخرها فيشكل موضعها في عد نزول السورة.
وعلى قول ابن مسعود يكون ابتداء نزولها آخر سنة أربع من البعثة فتكون من أقدم السور نزولا فتكون نزلت قبل سورة الحجر وبعد غافر، فالوجه أن معظم آياتها نزل بعد سورة الزلزال.
وعدت آيها في عد أهل المدينة ومكة والشام ثمانا وعشرين، وفي عد أهل البصرة والكوفة تسعا وعشرين.
وورد في فضلها مع غيرها من السور المفتتحة بالتسبيح ما رواه أبو داود والترمذي والنسائي عن العرباض بن سارية أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقرأ بالمسبحات قبل أن يرقد ويقول : إن فيهن ىية افضل من ألف آية وقال الترمذي حديث حسن غريب.
وظن ابن كثير أن الآية المشار إليها في حديث العرباض هي قوله تعالى هو الأول والآخر والظاهر والباطن وهو بكل شيء عليم لما ورد في الآثار من كثرة ذكر رسول الله صلى الله عليه وسلم إياها.
أغراضها
الأغراض التي اشتملت عليها هذه السورة : التذكير بجلال الله تعالى، وصفاته العظيمة، وسعة قدرته وملكوته، وعموم تصرفه، ووجوب وجوده، وسعة علمه، والأمر بالإيمان بوجوده، وبما جاء به رسوله صلى الله عليه وسلم، وما أنزل عليه من الآيات البينات.
والتنبيه لما في القرآن من الهدي وسبيل النجاة، والتذكير برحمة الله ورأفته بخلقه.
والتحريض على الإنفاق في سبيل الله، وأن المال عرض زائل لا يبقى منه لصاحبه إلا ثواب ما انفق منه في مرضاة الله.
والتخلص إلى ما أعد الله للمؤمنين والمؤمنات يوم القيامة من خير وضد ذلك للمنافقين والمنافقات.
وتحذير المسلمين من الوقوع في مهواة قساوة القلب التي وقع فيها أهل الكتاب من قبلهم من إهمال ما جاءهم من الهدى حتى قست قلوبهم وجر ذلك إلى الفسوق كثيرا منهم.
والتذكير بالبعث.
والدعوة إلى قلة الاكتراث بالحياة الفانية.
والأمر بالصبر على النوائب والتنويه بحكمة إرسال الرسل والكتب لإقامة أمور الناس على العدل العام.
والإيماء إلى فضل الجهاد في سبيل الله.
وتنظير رسالة محمد صلى الله عليه وسلم برسالة نوح وإبراهيم عليهما السلام على أن في ذريتهما وهتدين وفاسقين.
وأن الله أتبعهما برسل آخرين منهم عيسى عليه السلام الذي كان آخر رسول أرسل بشرع قبل الإسلام، وأن أتباعه كانوا على سنة ن سبقهم، منهم مؤمن ومنهم كافر.
ثم أهاب بالمسلمين أن يخلصوا الإيمان تعريضا بالمنافقين ووعدهم بحسن العاقبة وأن الله فضلهم على الأمم لأن الفضل بيده يؤتيه من يشاء.
ﰡ
آية رقم ١
وَتَحْذِيرُ الْمُسْلِمِينَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي مهواة فساوة الْقُلُوب الَّتِي وَقَعَ فِيهَا أَهْلُ الْكِتَابِ مِنْ قَبْلِهِمْ مِنْ إِهْمَالِ مَا جَاءَهُمْ مِنَ الْهُدَى حَتَّى قَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَجَرَّ ذَلِكَ إِلَى الْفُسُوقِ كَثِيرًا مِنْهُمْ.
وَالتَّذْكِيرُ بِالْبَعْثِ. وَالدَّعْوَةُ إِلَى قِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِالْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ.
وَالْأَمْرُ بِالصَّبْرِ عَلَى النَّوَائِبِ وَالتَّنْوِيهُ بِحِكْمَةِ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَالْكُتُبِ لِإِقَامَةِ أُمُورِ النَّاسِ عَلَى الْعَدْلِ الْعَامِّ.
وَالْإِيمَاءُ إِلَى فَضْلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَتَنْظِيرُ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِسَالَةِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَى أَنَّ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا مُهْتَدِينَ وَفَاسِقِينَ.
وَأَنَّ اللَّهَ أَتْبَعَهُمَا بِرُسُلٍ آخَرِينَ، مِنْهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي كَانَ آخِرَ رَسُولٍ أُرْسِلَ بِشَرْعٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ أَتْبَاعَهُ كَانُوا عَلَى سُنَّةِ مَنْ سَبَقَهُمْ، مِنْهُمْ مُؤْمِنٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ.
ثُمَّ أَهَابَ بِالْمُسْلِمِينَ أَنْ يُخْلِصُوا الْإِيمَانَ تَعْرِيضًا بِالْمُنَافِقِينَ وَوَعَدَهُمْ بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ وَأَنَّ اللَّهَ فَضَّلَهُمْ عَلَى الْأُمَمِ لِأَنَّ الْفضل بِيَدِهِ يوتيه من يَشَاء.
[١]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١]
افْتِتَاحُ السُّورَةِ بِذِكْرِ تَسْبِيحِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ مُؤْذِنٌ بِأَنَّ أَهَمَّ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ إِثْبَاتُ وَصْفِ اللَّهِ بِالصِّفَاتِ الْجَلِيلَةِ الْمُقْتَضِيَةِ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَمَّا ضَلَّ فِي شَأْنِهِ أَهْلُ الضَّلَالِ مِنْ وَصْفِهِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَأَوَّلُ التَّنْزِيهِ هُوَ نَفْيُ الشَّرِيكِ لَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ فَإِنَّ الْوَحْدَانِيَّةَ هِيَ أَكْبَرُ صِفَةٍ ضَلَّ فِي كُنْهِهَا الْمُشْرِكُونَ وَالْمَانَوِيَّةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّثْنِيَةِ وَأَصْحَابِ التَّثْلِيثِ وَالْبَرَاهِمَةِ، وَهِيَ الصّفة الَّتِي ينبىء عَنْهَا اسْمُهُ الْعَلَمُ أَعْنِي
وَالتَّذْكِيرُ بِالْبَعْثِ. وَالدَّعْوَةُ إِلَى قِلَّةِ الِاكْتِرَاثِ بِالْحَيَاةِ الْفَانِيَةِ.
وَالْأَمْرُ بِالصَّبْرِ عَلَى النَّوَائِبِ وَالتَّنْوِيهُ بِحِكْمَةِ إِرْسَالِ الرُّسُلِ وَالْكُتُبِ لِإِقَامَةِ أُمُورِ النَّاسِ عَلَى الْعَدْلِ الْعَامِّ.
وَالْإِيمَاءُ إِلَى فَضْلِ الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَتَنْظِيرُ رِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بِرِسَالَةِ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ عَلَيْهِمَا السَّلَامُ عَلَى أَنَّ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا مُهْتَدِينَ وَفَاسِقِينَ.
وَأَنَّ اللَّهَ أَتْبَعَهُمَا بِرُسُلٍ آخَرِينَ، مِنْهُمْ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ الَّذِي كَانَ آخِرَ رَسُولٍ أُرْسِلَ بِشَرْعٍ قَبْلَ الْإِسْلَامِ، وَأَنَّ أَتْبَاعَهُ كَانُوا عَلَى سُنَّةِ مَنْ سَبَقَهُمْ، مِنْهُمْ مُؤْمِنٌ وَمِنْهُمْ كَافِرٌ.
ثُمَّ أَهَابَ بِالْمُسْلِمِينَ أَنْ يُخْلِصُوا الْإِيمَانَ تَعْرِيضًا بِالْمُنَافِقِينَ وَوَعَدَهُمْ بِحُسْنِ الْعَاقِبَةِ وَأَنَّ اللَّهَ فَضَّلَهُمْ عَلَى الْأُمَمِ لِأَنَّ الْفضل بِيَدِهِ يوتيه من يَشَاء.
[١]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١]
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمنِ الرَّحِيمِ
سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَهُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ (١)افْتِتَاحُ السُّورَةِ بِذِكْرِ تَسْبِيحِ اللَّهِ وَتَنْزِيهِهِ مُؤْذِنٌ بِأَنَّ أَهَمَّ مَا اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ إِثْبَاتُ وَصْفِ اللَّهِ بِالصِّفَاتِ الْجَلِيلَةِ الْمُقْتَضِيَةِ أَنَّهُ مُنَزَّهٌ عَمَّا ضَلَّ فِي شَأْنِهِ أَهْلُ الضَّلَالِ مِنْ وَصْفِهِ بِمَا لَا يَلِيقُ بِجَلَالِهِ، وَأَوَّلُ التَّنْزِيهِ هُوَ نَفْيُ الشَّرِيكِ لَهُ فِي الْإِلَهِيَّةِ فَإِنَّ الْوَحْدَانِيَّةَ هِيَ أَكْبَرُ صِفَةٍ ضَلَّ فِي كُنْهِهَا الْمُشْرِكُونَ وَالْمَانَوِيَّةُ وَنَحْوُهُمْ مِنْ أَهْلِ التَّثْنِيَةِ وَأَصْحَابِ التَّثْلِيثِ وَالْبَرَاهِمَةِ، وَهِيَ الصّفة الَّتِي ينبىء عَنْهَا اسْمُهُ الْعَلَمُ أَعْنِي
— 356 —
«اللَّهَ» لِمَا عَلِمْتَ فِي تَفْسِيرِ الْفَاتِحَةِ مِنْ أَنَّ أَصْلَهُ الْإِلَهُ، أَيِ الْمُنْفَرِدُ بِالْإِلَهِيَّةِ.
وَأَتْبَعَ هَذَا الِاسْمَ بِصِفَاتٍ رَبَّانِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنَزُّهِهِ عَنِ النَّقْصِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ فَكَانَتْ هَذِهِ الْفَاتِحَةُ بَرَاعَةَ اسْتِهْلَالٍ لِهَذِهِ السُّورَةِ، وَلِذَلِكَ أَتْبَعَ اسْمَهُ الْعَلَمَ بِعَشْرِ صِفَاتٍ هِيَ جَامِعَةٌ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَهِيَ: الْعَزِيزُ، الْحَكِيمُ، لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يُحْيِي، وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، هُوَ الْأَوَّلُ، وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ، وَالْبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وَصِيغَ فِعْلُ التَّسْبِيحِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ تَنْزِيهَهُ تَعَالَى أَمْرٌ مُقَرَّرٌ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ مِنْ قَبْلُ وَأَلْهَمَهُ النَّاسَ وَأَوْدَعَ دَلَائِلَهُ فِي أَحْوَالِ مَا لَا اخْتِيَارَ لَهُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [الرَّعْد: ١٥] وَقَوْلُهُ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الْإِسْرَاء:
٤٤].
فَفِي قَوْلِهِ: سَبَّحَ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَهْمَلُوا أَهَمَّ التَّسْبِيحِ وَهُوَ تَسْبِيحُهُ عَنِ الشَّرِيكِ وَالنِّدِّ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِلَّهِ لَامُ التَّبْيِينِ. وَفَائِدَتُهَا زِيَادَةَ بَيَانِ ارْتِبَاطِ الْمَعْمُولِ بِعَامِلِهِ لِأَنَّ فِعْلَ التَّسْبِيحِ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْدِيَةِ بِحَرْفٍ، قَالَ تَعَالَى: فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ [الْإِنْسَان: ٢٦]، فَاللَّامُ هُنَا نَظِيرُهُ اللَّامُ فِي قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ لَكَ، وَنَصَحْتُ لَكَ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَنُقَدِّسُ لَكَ [الْبَقَرَة: ٣٠]، وَقَوْلِهِمْ سَقْيًا لَكَ وَرَعْيًا لَكَ، وَأَصْلُهُ: سَقْيُكَ وَرَعْيُكَ.
وَمَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَعُمُّ الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا فَإِنَّ مَا اسْمُ مَوْصُولٍ يَعُمُّ الْعُقَلَاءَ وَغَيْرَهُمْ، أَوْ هُوَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ فَجَرَى هُنَا عَلَى التَّغْلِيبِ، وَكُلُّهَا دَالٌّ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الشَّرِيكِ فَمِنْهَا دَلَالَةٌ بِالْقَوْلِ كَتَسْبِيحِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْهَا دَلَالَةٌ بِالْفِعْلِ كَتَسْبِيحِ الْمَلَائِكَةِ، وَمِنْهَا دَلَالَةٌ بِشَهَادَةِ الْحَال كَمَا تنبىء بِهِ أَحْوَالُ الْمَوْجُودَاتِ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى الصَّانِعِ الْمُنْفَرِدِ بِالتَّدْبِيرِ، فَإِنْ جُعِلَ عُمُومُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَخْصُوصًا بِمَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ النُّطْقُ بِالتَّسْبِيحِ وَهُمُ الْعُقَلَاءُ كَانَ إِطْلَاقُ التَّسْبِيحِ عَلَى تَسْبِيحِهِمْ حَقِيقَةً.
وَأَتْبَعَ هَذَا الِاسْمَ بِصِفَاتٍ رَبَّانِيَّةٍ تَدُلُّ عَلَى كَمَالِ اللَّهِ تَعَالَى وَتَنَزُّهِهِ عَنِ النَّقْصِ كَمَا يَأْتِي بَيَانُهُ فَكَانَتْ هَذِهِ الْفَاتِحَةُ بَرَاعَةَ اسْتِهْلَالٍ لِهَذِهِ السُّورَةِ، وَلِذَلِكَ أَتْبَعَ اسْمَهُ الْعَلَمَ بِعَشْرِ صِفَاتٍ هِيَ جَامِعَةٌ لِصِفَاتِ الْكَمَالِ وَهِيَ: الْعَزِيزُ، الْحَكِيمُ، لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، يُحْيِي، وَيُمِيتُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، هُوَ الْأَوَّلُ، وَالْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ، وَالْبَاطِنُ، وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
وَصِيغَ فِعْلُ التَّسْبِيحِ بِصِيغَةِ الْمَاضِي لِلدَّلَالَةِ عَلَى أَنَّ تَنْزِيهَهُ تَعَالَى أَمْرٌ مُقَرَّرٌ أَمَرَ اللَّهُ بِهِ عِبَادَهُ مِنْ قَبْلُ وَأَلْهَمَهُ النَّاسَ وَأَوْدَعَ دَلَائِلَهُ فِي أَحْوَالِ مَا لَا اخْتِيَارَ لَهُ، كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَلِلَّهِ يَسْجُدُ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ طَوْعاً وَكَرْهاً وَظِلالُهُمْ بِالْغُدُوِّ وَالْآصالِ [الرَّعْد: ١٥] وَقَوْلُهُ: وَإِنْ مِنْ شَيْءٍ إِلَّا يُسَبِّحُ بِحَمْدِهِ وَلكِنْ لَا تَفْقَهُونَ تَسْبِيحَهُمْ [الْإِسْرَاء:
٤٤].
فَفِي قَوْلِهِ: سَبَّحَ تَعْرِيضٌ بِالْمُشْرِكِينَ الَّذِينَ أَهْمَلُوا أَهَمَّ التَّسْبِيحِ وَهُوَ تَسْبِيحُهُ عَنِ الشَّرِيكِ وَالنِّدِّ.
وَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِلَّهِ لَامُ التَّبْيِينِ. وَفَائِدَتُهَا زِيَادَةَ بَيَانِ ارْتِبَاطِ الْمَعْمُولِ بِعَامِلِهِ لِأَنَّ فِعْلَ التَّسْبِيحِ مُتَعَدٍّ بِنَفْسِهِ لَا يَحْتَاجُ إِلَى التَّعْدِيَةِ بِحَرْفٍ، قَالَ تَعَالَى: فَاسْجُدْ لَهُ وَسَبِّحْهُ [الْإِنْسَان: ٢٦]، فَاللَّامُ هُنَا نَظِيرُهُ اللَّامُ فِي قَوْلِهِمْ: شَكَرْتُ لَكَ، وَنَصَحْتُ لَكَ، وَقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَنُقَدِّسُ لَكَ [الْبَقَرَة: ٣٠]، وَقَوْلِهِمْ سَقْيًا لَكَ وَرَعْيًا لَكَ، وَأَصْلُهُ: سَقْيُكَ وَرَعْيُكَ.
وَمَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يَعُمُّ الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا فَإِنَّ مَا اسْمُ مَوْصُولٍ يَعُمُّ الْعُقَلَاءَ وَغَيْرَهُمْ، أَوْ هُوَ خَاصٌّ بِغَيْرِ الْعُقَلَاءِ فَجَرَى هُنَا عَلَى التَّغْلِيبِ، وَكُلُّهَا دَالٌّ عَلَى تَنْزِيهِ اللَّهِ تَعَالَى عَنِ الشَّرِيكِ فَمِنْهَا دَلَالَةٌ بِالْقَوْلِ كَتَسْبِيحِ الْأَنْبِيَاءِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَمِنْهَا دَلَالَةٌ بِالْفِعْلِ كَتَسْبِيحِ الْمَلَائِكَةِ، وَمِنْهَا دَلَالَةٌ بِشَهَادَةِ الْحَال كَمَا تنبىء بِهِ أَحْوَالُ الْمَوْجُودَاتِ مِنَ الِافْتِقَارِ إِلَى الصَّانِعِ الْمُنْفَرِدِ بِالتَّدْبِيرِ، فَإِنْ جُعِلَ عُمُومُ مَا فِي السَّماواتِ وَالْأَرْضِ مَخْصُوصًا بِمَنْ يَتَأَتَّى مِنْهُمُ النُّطْقُ بِالتَّسْبِيحِ وَهُمُ الْعُقَلَاءُ كَانَ إِطْلَاقُ التَّسْبِيحِ عَلَى تَسْبِيحِهِمْ حَقِيقَةً.
— 357 —
آية رقم ٢
وَإِنْ حُمِلَ الْعُمُومُ عَلَى ظَاهِرِهِ لَزِمَ تَأْوِيلُ فِعْلِ سَبَّحَ بِمَا يَشْمَلُ الْحَقِيقَةَ وَالْمَجَازَ فَيَكُونُ مُسْتَعْمَلًا فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ.
وَالْعَزِيزُ: الَّذِي لَا يُغْلَبُ، وَهَذَا الْوَصْفُ يَنْفِي وُجُودَ الشَّرِيكِ فِي الْإِلَهِيَّةِ.
والْحَكِيمُ الْمَوْصُوفُ بِالْحِكْمَةِ، وَهِيَ وَضْعُ الْأَفْعَالِ حَيْثُ يَلِيقُ بِهَا، وَهِيَ أَيْضًا الْعِلْمُ الَّذِي لَا يخطىء وَلَا يَتَخَلَّفُ وَلَا يَحُولُ دُونَ تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْلُومَاتِ حَائِلٌ، وَتَقَدَّمَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَهَذَا الْوَصْفُ يُثْبِتُ أَنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى جَارِيَةٌ عَلَى تَهْيِئَةِ الْمَخْلُوقَاتِ لِمَا بِهِ إِصَابَةُ مَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ، فَلِذَلِكَ عَزَّزَهَا اللَّهُ بِإِرْشَادِهِ بِوَاسِطَة الشَّرَائِع.
[٢]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢]
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)
اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ بِذِكْرِ صِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي مُتَعَلِّقُهَا أَحْوَالُ الْكَائِنَاتِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَخَاصَّةً أَهْلُ الْإِدْرَاكِ مِنْهُمْ.
وَمَضْمُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ يُؤْذِنُ بِتَعْلِيلِ تَسْبِيحِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَنْ لَهُ مُلْكُ الْعَوَالِمِ الْعُلْيَا وَالْعَالَمِ الدُّنْيَوِيِّ حَقِيقٌ بِأَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ صِفَاتِ كَمَالِهِ.
وَأَفَادَ تَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ قَصْرَ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَهُوَ قَصْرٌ ادعائي لعدم الِاعْتِدَاد
بِمُلْكِ غَيْرِهِ فِي الْأَرْضِ إِذْ هُوَ مُلْكٌ نَاقِصٌ فَإِن الْمُلُوك مفتقرون إِلَى مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْعَوَادِي بِالْأَحْلَافِ وَالْجُنْدِ، وَإِلَى مَنْ يُدَبِّرُ لَهُمْ نِظَامَ الْمَمْلَكَةِ مِنْ وُزَرَاءَ وَقُوَّادٍ، وَإِلَى أَخْذِ الْجِبَايَةِ وَالْجِزْيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ هُوَ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ، إِذَا اعْتُبِرَتْ إِضَافَةُ مُلْكُ إِلَى مَجْمُوعِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَا مُلْكَ لِمَالِكٍ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا بَلْهَ السَّمَاوَاتُ مَعَهَا.
وَهَذَا مَعْنَى صِفَتِهِ تَعَالَى «الْمَلِكُ»، وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَجُمْلَةُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ مَضْمُونِ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
وَالْعَزِيزُ: الَّذِي لَا يُغْلَبُ، وَهَذَا الْوَصْفُ يَنْفِي وُجُودَ الشَّرِيكِ فِي الْإِلَهِيَّةِ.
والْحَكِيمُ الْمَوْصُوفُ بِالْحِكْمَةِ، وَهِيَ وَضْعُ الْأَفْعَالِ حَيْثُ يَلِيقُ بِهَا، وَهِيَ أَيْضًا الْعِلْمُ الَّذِي لَا يخطىء وَلَا يَتَخَلَّفُ وَلَا يَحُولُ دُونَ تَعَلُّقِهِ بِالْمَعْلُومَاتِ حَائِلٌ، وَتَقَدَّمَا فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ. وَهَذَا الْوَصْفُ يُثْبِتُ أَنَّ أَفْعَالَهُ تَعَالَى جَارِيَةٌ عَلَى تَهْيِئَةِ الْمَخْلُوقَاتِ لِمَا بِهِ إِصَابَةُ مَا خُلِقَتْ لِأَجْلِهِ، فَلِذَلِكَ عَزَّزَهَا اللَّهُ بِإِرْشَادِهِ بِوَاسِطَة الشَّرَائِع.
[٢]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢]
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ يُحْيِي وَيُمِيتُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ (٢)
اسْتِئْنَافٌ ابْتِدَائِيٌّ بِذِكْرِ صِفَةٍ عَظِيمَةٍ مِنْ صِفَاتِ اللَّهِ الَّتِي مُتَعَلِّقُهَا أَحْوَالُ الْكَائِنَاتِ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَخَاصَّةً أَهْلُ الْإِدْرَاكِ مِنْهُمْ.
وَمَضْمُونُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ يُؤْذِنُ بِتَعْلِيلِ تَسْبِيحِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّ مَنْ لَهُ مُلْكُ الْعَوَالِمِ الْعُلْيَا وَالْعَالَمِ الدُّنْيَوِيِّ حَقِيقٌ بِأَنْ يَعْرِفَ النَّاسُ صِفَاتِ كَمَالِهِ.
وَأَفَادَ تَعْرِيفُ الْمُسْنَدِ قَصْرَ الْمُسْنَدِ عَلَى الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَهُوَ قَصْرٌ ادعائي لعدم الِاعْتِدَاد
بِمُلْكِ غَيْرِهِ فِي الْأَرْضِ إِذْ هُوَ مُلْكٌ نَاقِصٌ فَإِن الْمُلُوك مفتقرون إِلَى مَنْ يَدْفَعُ عَنْهُمُ الْعَوَادِي بِالْأَحْلَافِ وَالْجُنْدِ، وَإِلَى مَنْ يُدَبِّرُ لَهُمْ نِظَامَ الْمَمْلَكَةِ مِنْ وُزَرَاءَ وَقُوَّادٍ، وَإِلَى أَخْذِ الْجِبَايَةِ وَالْجِزْيَةِ وَنَحْوِ ذَلِكَ، أَوْ هُوَ قَصْرٌ حَقِيقِيٌّ، إِذَا اعْتُبِرَتْ إِضَافَةُ مُلْكُ إِلَى مَجْمُوعِ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ فَإِنَّهُ لَا مُلْكَ لِمَالِكٍ عَلَى الْأَرْضِ كُلِّهَا بَلْهَ السَّمَاوَاتُ مَعَهَا.
وَهَذَا مَعْنَى صِفَتِهِ تَعَالَى «الْمَلِكُ»، وَتَقَدَّمَ فِي آخِرِ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَجُمْلَةُ يُحْيِي وَيُمِيتُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ مَضْمُونِ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ
آية رقم ٣
فَإِنَّ الْإِحْيَاء والإماتة ممّا يَشْتَمِلُ عَلَيْهِ مَعْنَى مُلْكِ السَّمَاوَات وَالْأَرْض لِأَنَّهُمَا مِنْ أَحْوَالِ مَا عَلَيْهِمَا، وَتَخْصِيصُ هَذَيْنِ بِالذِّكْرِ لِلِاهْتِمَامِ بِهِمَا لِدَلَالَتِهِمَا عَلَى دَقِيقِ الْحِكْمَةِ فِي التَّصَرُّفِ فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ولظهور أَن هاذين الْفِعْلَيْنِ لَا يَسْتَطِيعُ الْمَخْلُوقُ ادِّعَاءَ أَنَّ لَهُ عَمَلًا فِيهِمَا، وللتذكير بِدَلِيل إِمْكَان الْبَعْثِ الَّذِي جَحَدَهُ الْمُشْرِكُونَ، وَلِلتَّعْرِيضِ بِإِبْطَالِ زَعْمِهِمْ إِلَهِيَّةَ أَصْنَامِهِمْ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَلا يَمْلِكُونَ مَوْتاً وَلا حَياةً وَلا نُشُوراً [الْفرْقَان: ٣]، وَمِنْ هَذَيْنِ الْفِعْلَيْنِ جَاءَ وَصْفُهُ تَعَالَى بِصِفَةِ «الْمُحْيِي المميت».
وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٨].
وَجُمْلَةُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُفِيدُ مَفَادَ التَّذْيِيلِ لِجُمْلَةِ يُحْيِي وَيُمِيتُ لِتَعْمِيمِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يُحْيِي وَيُمِيتُ مِنْ بَيَانِ جُمْلَةِ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّمَا عُطِفَتْ بِالْوَاوِ وَكَانَ حَقُّ التَّذْيِيلِ أَنْ يَكُونَ مَفْصُولًا لِقَصْدِ إِيثَارِ الْإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِعُمُومِ الْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ مَوْجُودٍ، وَذَلِكَ لَا يفيت قَصْدَ التَّذْيِيلِ، لِأَنَّ التَّذْيِيلَ يحصل بِالْمَعْنَى.
[٣]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٣]
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ.
اسْتِئْنَافٌ فِي سِيَاقِ تَبْيِينِ أَنَّ لَهُ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بِأَنَّ مُلْكَهُ دَائِمٌ فِي عُمُومِ الْأَزْمَانِ وَتَصَرُّفٌ فِيهِمَا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، إِذْ هُوَ الْأَوَّلُ الْأَزَلِيُّ، وَأَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ مِنْ قَبْلِ وُجُودِ كُلِّ مُحْدَثٍ وَمِنْ بَعْدِ فَنَائِهِ إِذِ اللَّهُ هُوَ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ الْآثَارِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ فَإِنَّ دَلَائِلَ تَصَرُّفِهِ ظَاهِرَةً لِلْمَتَبَصِّرِ بِالْعَقْلِ وَهُوَ مَعْنَى الظَّاهِرُ كَمَا يَأْتِي، وَأَنَّ كَيْفِيَّاتِ تَصَرُّفَاتِهِ مَحْجُوبَةٌ عَنِ الْحِسِّ وَذَلِكَ مَعْنَى الْباطِنُ تَعَالَى كَمَا سَيَأْتِي.
فَضَمِيرُ هُوَ لَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ وَلَكِنَّهُ ضَمِيرٌ يُعَبِّرُ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِاعْتِبَارِنَا الْجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةً، وَلَوْ جَعَلْتَهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ لَكَانَتْ أَوْصَافُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ أَخْبَارًا عَنْ ضَمِيرِ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الْحَدِيد: ١].
وَتَقَدَّمَ ذِكْرُ الْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَكُنْتُمْ أَمْواتاً فَأَحْياكُمْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٨].
وَجُمْلَةُ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ تُفِيدُ مَفَادَ التَّذْيِيلِ لِجُمْلَةِ يُحْيِي وَيُمِيتُ لِتَعْمِيمِ مَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: يُحْيِي وَيُمِيتُ مِنْ بَيَانِ جُمْلَةِ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، وَإِنَّمَا عُطِفَتْ بِالْوَاوِ وَكَانَ حَقُّ التَّذْيِيلِ أَنْ يَكُونَ مَفْصُولًا لِقَصْدِ إِيثَارِ الْإِخْبَارِ عَنِ اللَّهِ تَعَالَى بِعُمُومِ الْقُدْرَةِ عَلَى كُلِّ مَوْجُودٍ، وَذَلِكَ لَا يفيت قَصْدَ التَّذْيِيلِ، لِأَنَّ التَّذْيِيلَ يحصل بِالْمَعْنَى.
[٣]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٣]
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ (٣)
هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ.
اسْتِئْنَافٌ فِي سِيَاقِ تَبْيِينِ أَنَّ لَهُ مُلْكَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، بِأَنَّ مُلْكَهُ دَائِمٌ فِي عُمُومِ الْأَزْمَانِ وَتَصَرُّفٌ فِيهِمَا فِي كُلِّ الْأَحْوَالِ، إِذْ هُوَ الْأَوَّلُ الْأَزَلِيُّ، وَأَنَّهُ مُسْتَمِرٌّ مِنْ قَبْلِ وُجُودِ كُلِّ مُحْدَثٍ وَمِنْ بَعْدِ فَنَائِهِ إِذِ اللَّهُ هُوَ الْبَاقِي بَعْدَ فَنَاءِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَذَلِكَ يَظْهَرُ مِنْ دَلَالَةِ الْآثَارِ عَلَى الْمُؤَثِّرِ فَإِنَّ دَلَائِلَ تَصَرُّفِهِ ظَاهِرَةً لِلْمَتَبَصِّرِ بِالْعَقْلِ وَهُوَ مَعْنَى الظَّاهِرُ كَمَا يَأْتِي، وَأَنَّ كَيْفِيَّاتِ تَصَرُّفَاتِهِ مَحْجُوبَةٌ عَنِ الْحِسِّ وَذَلِكَ مَعْنَى الْباطِنُ تَعَالَى كَمَا سَيَأْتِي.
فَضَمِيرُ هُوَ لَيْسَ ضَمِيرَ فَصْلٍ وَلَكِنَّهُ ضَمِيرٌ يُعَبِّرُ عَنِ اسْمِ الْجَلَالَةِ لِاعْتِبَارِنَا الْجُمْلَةَ مُسْتَأْنَفَةً، وَلَوْ جَعَلْتَهُ ضَمِيرَ فَصْلٍ لَكَانَتْ أَوْصَافُ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ أَخْبَارًا عَنْ ضَمِيرِ هُوَ الْعَزِيزُ الْحَكِيمُ [الْحَدِيد: ١].
— 359 —
وَقَدِ اشْتَمَلَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى أَرْبَعَةِ أَخْبَارٍ هِيَ صِفَاتٌ لِلَّهِ تَعَالَى.
فَأَمَّا وَصْفُ الْأَوَّلُ فَأَصْلُ مَعْنَاهُ الَّذِي حَصُلَ قَبْلَ غَيْرِهِ فِي حَالَةٍ تُبَيِّنُهَا إِضَافَةُ هَذَا الْوَصْفِ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَالَةِ مِنْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، فَقَدْ يَقَعُ مَعَ وَصْفٍ (أَوَّلُ) لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا السَّبْقُ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ، فَوَصْفُ الْأَوَّلُ لَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَاهُ إِلَّا بِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ وَلَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَوْصُوفٍ آخَرَ هُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمَوْصُوفِ بِ (أَوَّلُ) فِي حَالَةٍ مَا.
فَقَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
وَمُهَلْهَلُ الشُّعَرَاءِ ذَاكَ الأول يُفِيد أَنه مُهَلْهَلَ سَابِقٌ غَيْرَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ فِي الشِّعْرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ [الْأَنْعَام: ١٤] أَيْ أَوَّلَهُمْ فِي اتِّبَاعِ الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [الْبَقَرَة: ٤١]، أَيْ أَوَّلَهُمْ كُفْرًا وَقَوْلُهُ: وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ [الْأَعْرَاف: ٣٩]، أَيْ أُولَاهُمْ فِي الدُّخُولِ إِلَى النَّارِ.
وَأَشْهَرُ مَعَانِي الْأَوَّلِيَّةِ هُوَ السَّبق فِي الْوُجُود، أَيْ فِي ضِدِّ الْعَدَمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ الَّتِي يَسْبِقُ صَاحِبُهَا غَيْرَهُ فِيهَا هِيَ وَجُودَاتٌ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ، فَوَصْفُ اللَّهِ بِأَنَّهُ الْأَوَّلُ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ السَّابِقُ وُجُودُهُ عَلَى كُلِّ مَوْجُودٍ وُجِدَ أَوْ سَيُوجَدُ، دُونَ تَخْصِيصِ جِنْسٍ وَلَا نَوْعٍ وَلَا صِنْفٍ، وَلَكِنَّهُ وَصْفٌ نِسْبِيٌّ غَيْرُ ذَاتِيٍّ.
وَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرُ لهَذَا الْوَصْف هُنَا مُتَعَلِّقٌ- بِكَسْرِ اللَّامِ-، وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَى مُتَعَلِّقٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ بِدُونِ تَقْيِيدٍ.
وَيُرَادِفُ هَذَا الْوَصْفَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ صِفَةُ الْقِدَمِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَسْتَلْزِمُ صِفَةَ الْغِنَى الْمُطْلَقِ، وَهِيَ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْمُخَصَّصِ، أَيْ مُخَصَّصٌ يُخَصِّصُهُ بالوجود بَدَلا عَن الْعَدَمِ، لِأَنَّ الْأَوَّلُ هُنَا مَعْنَاهُ الْمَوْجُودُ لِذَاتِهِ دُونَ سَبْقِ عَدَمٍ، وَعَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ قِيَامَ الْعَرْضِ بِالْجَوْهَرِ.
فَأَمَّا وَصْفُ الْأَوَّلُ فَأَصْلُ مَعْنَاهُ الَّذِي حَصُلَ قَبْلَ غَيْرِهِ فِي حَالَةٍ تُبَيِّنُهَا إِضَافَةُ هَذَا الْوَصْفِ إِلَى مَا يَدُلُّ عَلَى الْحَالَةِ مِنْ زَمَانٍ أَوْ مَكَانٍ، فَقَدْ يَقَعُ مَعَ وَصْفٍ (أَوَّلُ) لَفْظٌ يَدُلُّ عَلَى الْحَالَةِ الَّتِي كَانَ فِيهَا السَّبْقُ، وَقَدْ يُسْتَدَلُّ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ مِنْ سِيَاقِ الْكَلَامِ، فَوَصْفُ الْأَوَّلُ لَا يَتَبَيَّنُ مَعْنَاهُ إِلَّا بِمَا يَتَّصِلُ بِهِ مِنَ الْكَلَامِ وَلَا يُتَصَوَّرُ إِلَّا بِالنِّسْبَةِ إِلَى مَوْصُوفٍ آخَرَ هُوَ مُتَأَخِّرٌ عَنِ الْمَوْصُوفِ بِ (أَوَّلُ) فِي حَالَةٍ مَا.
فَقَوْلُ امْرِئِ الْقَيْسِ:
وَمُهَلْهَلُ الشُّعَرَاءِ ذَاكَ الأول يُفِيد أَنه مُهَلْهَلَ سَابِقٌ غَيْرَهُ مِنَ الشُّعَرَاءِ فِي الشِّعْرِ، وَقَوْلُهُ تَعَالَى: قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَسْلَمَ [الْأَنْعَام: ١٤] أَيْ أَوَّلَهُمْ فِي اتِّبَاعِ الْإِسْلَامِ، وَقَوْلُهُ: وَلا تَكُونُوا أَوَّلَ كافِرٍ بِهِ [الْبَقَرَة: ٤١]، أَيْ أَوَّلَهُمْ كُفْرًا وَقَوْلُهُ: وَقالَتْ أُولاهُمْ لِأُخْراهُمْ [الْأَعْرَاف: ٣٩]، أَيْ أُولَاهُمْ فِي الدُّخُولِ إِلَى النَّارِ.
وَأَشْهَرُ مَعَانِي الْأَوَّلِيَّةِ هُوَ السَّبق فِي الْوُجُود، أَيْ فِي ضِدِّ الْعَدَمِ، أَلَا تَرَى أَنَّ جَمِيعَ الْأَحْوَالِ الَّتِي يَسْبِقُ صَاحِبُهَا غَيْرَهُ فِيهَا هِيَ وَجُودَاتٌ مِنَ الْكَيْفِيَّاتِ، فَوَصْفُ اللَّهِ بِأَنَّهُ الْأَوَّلُ مَعْنَاهُ: أَنَّهُ السَّابِقُ وُجُودُهُ عَلَى كُلِّ مَوْجُودٍ وُجِدَ أَوْ سَيُوجَدُ، دُونَ تَخْصِيصِ جِنْسٍ وَلَا نَوْعٍ وَلَا صِنْفٍ، وَلَكِنَّهُ وَصْفٌ نِسْبِيٌّ غَيْرُ ذَاتِيٍّ.
وَلِهَذَا لَمْ يُذْكَرُ لهَذَا الْوَصْف هُنَا مُتَعَلِّقٌ- بِكَسْرِ اللَّامِ-، وَلَا مَا يَدُلُّ عَلَى مُتَعَلِّقٍ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ أَنَّهُ الْأَوَّلُ بِدُونِ تَقْيِيدٍ.
وَيُرَادِفُ هَذَا الْوَصْفَ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ صِفَةُ الْقِدَمِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا الْوَصْفَ يَسْتَلْزِمُ صِفَةَ الْغِنَى الْمُطْلَقِ، وَهِيَ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى الْمُخَصَّصِ، أَيْ مُخَصَّصٌ يُخَصِّصُهُ بالوجود بَدَلا عَن الْعَدَمِ، لِأَنَّ الْأَوَّلُ هُنَا مَعْنَاهُ الْمَوْجُودُ لِذَاتِهِ دُونَ سَبْقِ عَدَمٍ، وَعَدَمُ الِاحْتِيَاجِ إِلَى مَحَلٍّ يَقُومُ بِهِ قِيَامَ الْعَرْضِ بِالْجَوْهَرِ.
— 360 —
وَيَسْتَلْزِمُ ذَلِكَ انْفِرَادُهُ تَعَالَى بِصِفَةِ الْوُجُودِ لِأَنَّهُ لَوْ كَانَ غَيْرُ اللَّهِ وَاجِبًا وُجُودُهُ لَمَا كَانَ اللَّهُ مَوْصُوفًا بِالْأَوَّلِيَّةِ، فَالْمَوْجُودَاتُ غَيْرُ اللَّهِ مُمْكِنَةٌ، وَالْمُمْكِنُ لَا يَتَّصِفُ بِالْأَوَّلِيَّةِ الْمُطْلَقَةِ، فَلِذَلِكَ تَثْبُتُ لَهُ الْوَحْدَانِيَّةُ، ثُمَّ هَذِهِ الْأَوَّلِيَّةُ فِي الْوُجُودِ تَقْتَضِي أَنْ تَثْبُتَ لِلَّهِ جَمِيعُ صِفَاتِ الْكَمَالِ اقْتِضَاءً عَقْلِيًّا بِطَرِيقِ الِالْتِزَامِ الْبَيِّنِ بِالْمَعْنَى الْأَعَمِّ وَهُوَ الَّذِي يَلْزَمُ مِنْ تَصَوُّرِ مَلْزُومِهِ وَتَصَوُّرِهِ الْجَزْمُ بِالْمُلَازَمَةِ بَيْنَهُمَا.
وَأَمَّا وَصْفُ الْآخِرُ فَهُوَ ضِدُّ الْأَوَّلِ، فَأَصْلُهُ: هُوَ الْمَسْبُوقُ بِمَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ مُتَحَدَّثٍ عَنْهَا فِي الْكَلَامِ أَوْ مُشَارٍ إِلَيْهَا فِيهِ بِمَا يُذْكَرُ مِنْ مُتَعَلِّقٍ بِهِ، أَوْ تَمْيِيزِهِ، عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ [الْأَعْرَاف: ٣٨] أَيْ أُخْرَاهُمْ فِي الْإِدْرَاكِ فِي النَّارِ،
وَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ... »
إِلَخْ، وَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ فِي الْمَقَامَةِ الثَّانِيَةِ «وَجَلَسَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ»، أَيِ الْجَمَاعَاتِ الْأُخْرَيَاتِ فِي الْجُلُوسِ، وَهُوَ وَصْفٌ نِسْبِيٌّ.
وَوَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ الْآخِرُ بَعْدَ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ الْأَوَّلُ مَعَ كَوْنِ الْوَصْفَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ يَقْتَضِي انفكاك جهتي الْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ، فَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ كَوْنَهُ الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِوُجُودِ الْمَوْجُودَاتِ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ وَصْفُهُ بِ الْآخِرُ مُتَعَلِّقًا بِانْتِقَاضِ ذَلِكَ الْوُجُودِ، أَيْ هُوَ الْآخِرُ بعد جَمِيع موجودات السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [مَرْيَم: ٤٠] وَقَوْلِهِ: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الْقَصَص: ٨٨].
فَتَقْدِيرُ الْمَعْنَى: وَالْآخِرُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي اسْتِمْرَارِ الْوُجُودِ الَّذِي تَقَرَّرَ بِوَصْفِهِ بِأَنَّهُ الْأَوَّلُ. وَلَيْسَ فِي هَذَا إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ زَائِلٌ يَنْتَابُهُ الْعَدَمُ، إِذْ لَا يُشْعِرُ وَصْفُ الْآخِرُ بِالزَّوَالِ لَا مُطَابَقَةً وَلَا الْتِزَامًا، وَهَذَا هُوَ صِفَةُ الْبَقَاءِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ. فَآلَ مَعْنَى الْآخِرُ إِلَى مَعْنَى «الْبَاقِي»، وَإِنَّمَا أُوثِرَ وَصْفُ الْآخِرُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْبَلَاغَةِ لِيَتِمَّ الطِّبَاقُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ، وَقَدْ عُلِمَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْبَقَاءَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِاللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْحُدُوثَ عَلَى خِلَافٍ فِي تَعْيِينِ الْحَوَادِثِ الْبَاقِيَةِ، بِخِلَافِ وصف الْقدَم فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى وَمُتَنَافٍ مَعَ الْحُدُوثِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ دَلَالَةَ قَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ تَعْرِيفِ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ.
وَأَمَّا وَصْفُ الْآخِرُ فَهُوَ ضِدُّ الْأَوَّلِ، فَأَصْلُهُ: هُوَ الْمَسْبُوقُ بِمَوْصُوفٍ بِصِفَةٍ مُتَحَدَّثٍ عَنْهَا فِي الْكَلَامِ أَوْ مُشَارٍ إِلَيْهَا فِيهِ بِمَا يُذْكَرُ مِنْ مُتَعَلِّقٍ بِهِ، أَوْ تَمْيِيزِهِ، عَلَى نَحْوِ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الْأَوَّلُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: حَتَّى إِذَا ادَّارَكُوا فِيها جَمِيعاً قالَتْ أُخْراهُمْ لِأُولاهُمْ [الْأَعْرَاف: ٣٨] أَيْ أُخْرَاهُمْ فِي الْإِدْرَاكِ فِي النَّارِ،
وَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «آخِرُ أَهْلِ الْجَنَّةِ دُخُولًا الْجَنَّةَ... »
إِلَخْ، وَقَوْلِ الْحَرِيرِيِّ فِي الْمَقَامَةِ الثَّانِيَةِ «وَجَلَسَ فِي أُخْرَيَاتِ النَّاسِ»، أَيِ الْجَمَاعَاتِ الْأُخْرَيَاتِ فِي الْجُلُوسِ، وَهُوَ وَصْفٌ نِسْبِيٌّ.
وَوَصْفُ اللَّهِ تَعَالَى بِأَنَّهُ الْآخِرُ بَعْدَ وَصْفِهِ بِأَنَّهُ الْأَوَّلُ مَعَ كَوْنِ الْوَصْفَيْنِ مُتَضَادَّيْنِ يَقْتَضِي انفكاك جهتي الْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ، فَلَمَّا تَقَرَّرَ أَنَّ كَوْنَهُ الْأَوَّلُ مُتَعَلِّقٌ بِوُجُودِ الْمَوْجُودَاتِ اقْتَضَى أَنْ يَكُونَ وَصْفُهُ بِ الْآخِرُ مُتَعَلِّقًا بِانْتِقَاضِ ذَلِكَ الْوُجُودِ، أَيْ هُوَ الْآخِرُ بعد جَمِيع موجودات السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، وَهُوَ مَعْنَى قَوْله تَعَالَى: نَرِثُ الْأَرْضَ وَمَنْ عَلَيْها [مَرْيَم: ٤٠] وَقَوْلِهِ: كُلُّ شَيْءٍ هالِكٌ إِلَّا وَجْهَهُ [الْقَصَص: ٨٨].
فَتَقْدِيرُ الْمَعْنَى: وَالْآخِرُ فِي ذَلِكَ أَيْ فِي اسْتِمْرَارِ الْوُجُودِ الَّذِي تَقَرَّرَ بِوَصْفِهِ بِأَنَّهُ الْأَوَّلُ. وَلَيْسَ فِي هَذَا إِشْعَارٌ بِأَنَّهُ زَائِلٌ يَنْتَابُهُ الْعَدَمُ، إِذْ لَا يُشْعِرُ وَصْفُ الْآخِرُ بِالزَّوَالِ لَا مُطَابَقَةً وَلَا الْتِزَامًا، وَهَذَا هُوَ صِفَةُ الْبَقَاءِ فِي اصْطِلَاحِ الْمُتَكَلِّمِينَ. فَآلَ مَعْنَى الْآخِرُ إِلَى مَعْنَى «الْبَاقِي»، وَإِنَّمَا أُوثِرَ وَصْفُ الْآخِرُ بِالذِّكْرِ لِأَنَّهُ مُقْتَضَى الْبَلَاغَةِ لِيَتِمَّ الطِّبَاقُ بَيْنَ الْوَصْفَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ، وَقَدْ عُلِمَ عِنْدَ الْمُتَكَلِّمِينَ أَنَّ الْبَقَاءَ غَيْرُ مُخْتَصٍّ بِاللَّهِ تَعَالَى وَأَنَّهُ لَا يُنَافِي الْحُدُوثَ عَلَى خِلَافٍ فِي تَعْيِينِ الْحَوَادِثِ الْبَاقِيَةِ، بِخِلَافِ وصف الْقدَم فَإِنَّهُ مُخْتَصٌّ بِاللَّهِ تَعَالَى وَمُتَنَافٍ مَعَ الْحُدُوثِ.
وَاعْلَمْ أَنَّ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ دَلَالَةَ قَصْرٍ مِنْ طَرِيقِ تَعْرِيفِ جُزْأَيِ الْجُمْلَةِ.
— 361 —
فَأَمَّا قَصْرُ الْأَوَّلِيَّةِ عَلَى اللَّهِ تَعَالَى فِي صِفَةِ الْوُجُودِ فَظَاهِرٌ، وَأَمَّا قَصْرُ الْآخِرِيَّةِ عَلَيْهِ فِي ذَلِكَ وَهُوَ مَعْنَى الْبَقَاءِ، فَإِنْ أُرِيدَ بِهِ الْبَقَاءُ فِي الْعَالَمِ الدُّنْيَوِيِّ عَرَضَ إِشْكَالُ الْمُتَعَارِضِ بِمَا
وَرَدَ مِنْ بَقَاءِ الْأَرْوَاحِ،
وَحَدِيثُ «أَنَّ عَجْبَ الذَّنَبِ لَا يَفْنَى وَأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْهُ يُعَادُ»
. وَرَفْعُ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنْ يُجْعَلَ الْقَصْرُ ادِّعَائِيًّا لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِبَقَاءِ غَيْرِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ بَقَاءٌ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ هُوَ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ وَصْفَيِ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ فِيهِ مُحَسِّنُ الطِّبَاقِ.
والظَّاهِرُ الْأَرْجَحُ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخَفَاءِ فَيَكُونُ وَصْفُهُ تَعَالَى بِهِ مَجَازًا عَقْلِيًّا، فَإِنَّ إِسْنَادَ الظُّهُورِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ ظُهُورُ أَدِلَّةِ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ لِأَهْلِ النَّظَرِ وَالْاسْتِدْلَالِ وَالتَّدَبُّرِ فِي آيَاتِ الْعَالَمِ فَيَكُونُ الْوَصْفُ جَامِعًا لِصِفَتِهِ النَّفْسِيَّةِ، وَهِيَ الْوُجُودُ، إِذْ أَدِلَّةُ وُجُودِهِ بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ وَلِصِفَاتِهِ الْأُخْرَى مِمَّا دَلَّ عَلَيْهَا فِعْلُهُ مِنْ قُدْرَةٍ وَعِلْمٍ وَحَيَاةٍ وَإِرَادَةٍ، وَصِفَاتُ الْأَفْعَالِ مِنَ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ كَمَا عَلِمْتَ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الْأَوَّلُ عَنِ النَّقْصِ أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهَا تَنْزِيهُهُ عَنِ النَّقْصِ كَصِفَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ وَالْغِنَى الْمُطْلَقِ وَمُخَالَفَةِ الْحَوَادِثِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُهُ الْمُقَابَلَةُ بِالْبَاطِنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الظُّهُورِ، أَيِ الْغَلَبَةِ كَالَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ [الْكَهْف: ٢٠]، فَمَعْنَى وَصْفِهِ تَعَالَى بِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْغَالِبُ.
وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ مُقَابَلَتَهُ بِ الْباطِنُ إِلَّا عَلَى اعْتِبَارِ مُحَسِّنِ الْإِيهَامِ، وَمَا وَقَعَ
فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ»
فَمَعْنَى فَاءِ التَّفْرِيعِ فِيهِ أَنَّ ظُهُورَهُ تَعَالَى سَبَبٌ فِي انْتِفَاءِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ فَوْقَ اللَّهِ فِي الظُّهُورِ، أَيْ فِي دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وَاتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، فَدَلَالَةُ الْفَاءِ تَفْرِيعٌ لَا تَفْسِيرٌ.
والْباطِنُ الْخَفِيُّ يُقَالُ: بَطَنَ، إِذَا خَفِيَ وَمَصْدَرُهُ بُطُونٌ.
وَمَعْنَى وَصْفِهِ تَعَالَى بِبَاطِنٍ وَصْفُ ذَاتِهِ وَكُنْهِهِ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ قَالَ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الْأَنْعَام: ١٠٣].
وَرَدَ مِنْ بَقَاءِ الْأَرْوَاحِ،
وَحَدِيثُ «أَنَّ عَجْبَ الذَّنَبِ لَا يَفْنَى وَأَنَّ الْإِنْسَانَ مِنْهُ يُعَادُ»
. وَرَفْعُ هَذَا الْإِشْكَالِ أَنْ يُجْعَلَ الْقَصْرُ ادِّعَائِيًّا لِعَدَمِ الِاعْتِدَادِ بِبَقَاءِ غَيْرِهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ بَقَاءٌ غَيْرُ وَاجِبٍ بَلْ هُوَ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ وَصْفَيِ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ فِيهِ مُحَسِّنُ الطِّبَاقِ.
والظَّاهِرُ الْأَرْجَحُ أَنَّهُ مُشْتَقٌّ مِنَ الظُّهُورِ الَّذِي هُوَ ضِدُّ الْخَفَاءِ فَيَكُونُ وَصْفُهُ تَعَالَى بِهِ مَجَازًا عَقْلِيًّا، فَإِنَّ إِسْنَادَ الظُّهُورِ فِي الْحَقِيقَةِ هُوَ ظُهُورُ أَدِلَّةِ صِفَاتِهِ الذَّاتِيَّةِ لِأَهْلِ النَّظَرِ وَالْاسْتِدْلَالِ وَالتَّدَبُّرِ فِي آيَاتِ الْعَالَمِ فَيَكُونُ الْوَصْفُ جَامِعًا لِصِفَتِهِ النَّفْسِيَّةِ، وَهِيَ الْوُجُودُ، إِذْ أَدِلَّةُ وُجُودِهِ بَيِّنَةٌ وَاضِحَةٌ وَلِصِفَاتِهِ الْأُخْرَى مِمَّا دَلَّ عَلَيْهَا فِعْلُهُ مِنْ قُدْرَةٍ وَعِلْمٍ وَحَيَاةٍ وَإِرَادَةٍ، وَصِفَاتُ الْأَفْعَالِ مِنَ الْخَلْقِ وَالرِّزْقِ وَالْإِحْيَاءِ وَالْإِمَاتَةِ كَمَا عَلِمْتَ فِي قَوْلِهِ: هُوَ الْأَوَّلُ عَنِ النَّقْصِ أَوْ مَا دَلَّ عَلَيْهَا تَنْزِيهُهُ عَنِ النَّقْصِ كَصِفَةِ الْوَحْدَانِيَّةِ وَالْقِدَمِ وَالْبَقَاءِ وَالْغِنَى الْمُطْلَقِ وَمُخَالَفَةِ الْحَوَادِثِ، وَهَذَا الْمَعْنَى هُوَ الَّذِي يُنَاسِبُهُ الْمُقَابَلَةُ بِالْبَاطِنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُشْتَقًّا مِنَ الظُّهُورِ، أَيِ الْغَلَبَةِ كَالَّذِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ [الْكَهْف: ٢٠]، فَمَعْنَى وَصْفِهِ تَعَالَى بِ الظَّاهِرُ أَنَّهُ الْغَالِبُ.
وَهَذَا لَا يُنَاسِبُ مُقَابَلَتَهُ بِ الْباطِنُ إِلَّا عَلَى اعْتِبَارِ مُحَسِّنِ الْإِيهَامِ، وَمَا وَقَعَ
فِي حَدِيثِ أَبِي هُرَيْرَةَ فِي «صَحِيحِ مُسْلِمٍ» مِنْ قَوْلِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ «وَأَنْتَ الظَّاهِرُ فَلَيْسَ فَوْقَكَ شَيْءٌ»
فَمَعْنَى فَاءِ التَّفْرِيعِ فِيهِ أَنَّ ظُهُورَهُ تَعَالَى سَبَبٌ فِي انْتِفَاءِ أَنْ يَكُونَ شَيْءٌ فَوْقَ اللَّهِ فِي الظُّهُورِ، أَيْ فِي دَلَالَةِ الْأَدِلَّةِ عَلَى وُجُودِهِ وَاتِّصَافِهِ بِصِفَاتِ الْكَمَالِ، فَدَلَالَةُ الْفَاءِ تَفْرِيعٌ لَا تَفْسِيرٌ.
والْباطِنُ الْخَفِيُّ يُقَالُ: بَطَنَ، إِذَا خَفِيَ وَمَصْدَرُهُ بُطُونٌ.
وَمَعْنَى وَصْفِهِ تَعَالَى بِبَاطِنٍ وَصْفُ ذَاتِهِ وَكُنْهِهِ لِأَنَّهُ مَحْجُوبٌ عَنْ إِدْرَاكِ الْحَوَاسِّ الظَّاهِرَةِ قَالَ تَعَالَى: لَا تُدْرِكُهُ الْأَبْصارُ [الْأَنْعَام: ١٠٣].
— 362 —
آية رقم ٤
وَالْقَصْرُ فِي قَوْلِهِ: وَالظَّاهِرُ وَالْباطِنُ قَصْرٌ ادِّعَائِيٌّ لِأَنَّ ظُهُورَ اللَّهِ تَعَالَى بِالْمَعْنَيَيْنِ ظُهُورٌ لَا يُدَانِيهِ ظُهُورُ غَيْرِهِ، وَبُطُونَهُ تَعَالَى لَا يُشْبِهُهُ بُطُونُ الْأَشْيَاءِ الْخَفِيَّةِ إِذْ لَا مَطْمَعَ لِأَحَدٍ فِي إِدْرَاكِ ذَاتِهِ وَلَا فِي مَعْرِفَةِ تَفَاصِيلِ تَصَرُّفَاتِهِ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ وَصْفِهِ بِ الظَّاهِرُ بِالْمَعْنَى الرَّاجِحِ والْباطِنُ كَالْجَمْعِ بَيْنَ وَصَفِهِ بِ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ كَمَا عَلِمْتَهُ آنِفًا. وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مُحَسِّنُ الْمُطَابَقَةِ.
وَفَائِدَةُ إِجْرَاءِ الْوَصْفَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ اللَّهِ تَعَالَى لِيَتَدَبَّرَ الْعَالِمُونَ فِي مَوَاقِعِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاوَاتِ الثَّلَاثَةَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعِ مُتَّحِدَةُ الْمَعْنَى تَقْتَضِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَطْفَ صِفَةٍ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «الْوَاوُ الْأُولَى مَعْنَاهَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ الْجَامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ. وَالثَّالِثَةُ عَلَى أَنَّهُ الْجَامِعُ بَيْنَ الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ، وَأَمَّا الْوُسْطَى فَعَلَى أَنَّهُ الْجَامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَمَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ» اه. وَهُوَ تَشَبُّثٌ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقَالَ: هُوَ الْأَوَّلُ الْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ الْبَاطِنُ، بِحَذْفِ وَاوَيْنِ. وَالْمَعْنَى الَّذِي حَاوَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْتَضِيهُ مَعَانِي هَاتِهِ الصِّفَاتِ بِدُونِ اخْتِلَافِ مَعَانِي الْوَاوَاتِ.
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
عَطَفَ عَلَى جُمْلَةِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ إِلَخْ عُطِفَتْ صِفَةُ عِلْمِهِ عَلَى صِفَةِ ذَاتِهِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي أَوَائِلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
[٤]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٤]
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ.
مَوْقِعُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ اسْتِئْنَافٌ كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ [الْحَدِيد: ٣] الْآيَةَ، فَهَذَا اسْتِئْنَافٌ ثَانٍ مُفِيدٌ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى انْفِرَادِهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ لِيُقْلِعُوا عَنِ الْإِشْرَاكِ بِهِ.
وَالْجَمْعُ بَيْنَ وَصْفِهِ بِ الظَّاهِرُ بِالْمَعْنَى الرَّاجِحِ والْباطِنُ كَالْجَمْعِ بَيْنَ وَصَفِهِ بِ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ كَمَا عَلِمْتَهُ آنِفًا. وَفِي الْجَمْعِ بَيْنَهُمَا مُحَسِّنُ الْمُطَابَقَةِ.
وَفَائِدَةُ إِجْرَاءِ الْوَصْفَيْنِ الْمُتَضَادَّيْنِ عَلَى اسْمِ اللَّهِ تَعَالَى هُنَا التَّنْبِيهُ عَلَى عِظَمِ شَأْنِ اللَّهِ تَعَالَى لِيَتَدَبَّرَ الْعَالِمُونَ فِي مَوَاقِعِهَا.
وَاعْلَمْ أَنَّ الْوَاوَاتِ الثَّلَاثَةَ الْوَاقِعَةَ بَيْنَ هَذِهِ الصِّفَاتِ الْأَرْبَعِ مُتَّحِدَةُ الْمَعْنَى تَقْتَضِي كُلُّ وَاحِدَةٍ مِنْهَا عَطْفَ صِفَةٍ.
وَقَالَ الزَّمَخْشَرِيُّ: «الْوَاوُ الْأُولَى مَعْنَاهَا الدَّلَالَةُ عَلَى أَنَّهُ الْجَامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الْأَوَّلِيَّةِ وَالْآخِرِيَّةِ. وَالثَّالِثَةُ عَلَى أَنَّهُ الْجَامِعُ بَيْنَ الظُّهُورِ وَالْخَفَاءِ، وَأَمَّا الْوُسْطَى فَعَلَى أَنَّهُ الْجَامِعُ بَيْنَ مَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الْأُولَيَيْنِ وَمَجْمُوعِ الصِّفَتَيْنِ الْأُخْرَيَيْنِ» اه. وَهُوَ تَشَبُّثٌ لَا دَاعِيَ إِلَيْهِ وَلَا دَلِيلَ عَلَيْهِ وَلَوْ أُرِيدَ ذَلِكَ لَقَالَ: هُوَ الْأَوَّلُ الْآخِرُ، وَالظَّاهِرُ الْبَاطِنُ، بِحَذْفِ وَاوَيْنِ. وَالْمَعْنَى الَّذِي حَاوَلَهُ الزَّمَخْشَرِيُّ: تَقْتَضِيهُ مَعَانِي هَاتِهِ الصِّفَاتِ بِدُونِ اخْتِلَافِ مَعَانِي الْوَاوَاتِ.
وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ.
عَطَفَ عَلَى جُمْلَةِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ إِلَخْ عُطِفَتْ صِفَةُ عِلْمِهِ عَلَى صِفَةِ ذَاتِهِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ فِي أَوَائِلِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ.
[٤]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٤]
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ (٤)
هُوَ الَّذِي خَلَقَ السَّماواتِ وَالْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوى عَلَى الْعَرْشِ.
مَوْقِعُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ اسْتِئْنَافٌ كَمَوْقِعِ جُمْلَةِ هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ [الْحَدِيد: ٣] الْآيَةَ، فَهَذَا اسْتِئْنَافٌ ثَانٍ مُفِيدٌ الِاسْتِدْلَالَ عَلَى انْفِرَادِهِ تَعَالَى بِالْإِلَهِيَّةِ لِيُقْلِعُوا عَنِ الْإِشْرَاكِ بِهِ.
— 363 —
وَيُفِيدُ أَيْضًا بَيَانًا لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْحَدِيد: ٥] وَجُمْلَةِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الْحَدِيد: ٢]، فَإِنَّ الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ قَادِرٌ عَلَى عَظِيمِ الْإِبْدَاعِ.
وَالْاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ تَمْثِيلٌ لِلْمُلْكِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْحَدِيد: ٢] وَهَذَا مَعْنَى اسْمِهِ تَعَالَى: «الْخَالِقُ»، وَتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَائِلِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١١].
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها.
اسْتِئْنَافٌ لِتَقْرِيرِ عُمُومِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ فَكَانَ بَيَانَ جُمْلَةِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الْحَدِيد: ٢] وَجُمْلَةِ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الْحَدِيد: ٣] جَارِيًا عَلَى طَرِيقَةِ النَّشْرِ لِلَّفِّ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ سَبَأٍ. فَانْظُرْ ذَلِكَ.
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
عَطْفُ مَعْنًى خَاصٍّ عَلَى مَعْنًى شَمِلَهُ وَغَيْرَهُ لِقَصْدِ الِاهْتِمَامِ بِالْمَعْطُوفِ.
وَالْمَعِيَّةُ تَمْثِيلٌ كِنَائِيٌّ عَنِ الْعلم بِجَمِيعِ أَحْوَالهم.
وأَيْنَ مَا ظَرْفٌ مُرَكَّبٌ مِنْ (أَيْنَ) وَهِيَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ، وَ (مَا) الزَّائِدَةُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَعْمِيمِ الْأَمْكِنَةِ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تَكْمِلَةٌ لِمَضْمُونِ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ، وَكَانَ حَقُّهَا أَنْ لَا تُعْطَفَ وَإِنَّمَا عُطِفَتْ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ.
وَالْاسْتِوَاءُ عَلَى الْعَرْشِ تَمْثِيلٌ لِلْمُلْكِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْحَدِيد: ٢] وَهَذَا مَعْنَى اسْمِهِ تَعَالَى: «الْخَالِقُ»، وَتَقَدَّمَ قَرِيبٌ مِنْ هَذِهِ الْآيَةِ فِي أَوَائِلِ سُورَةِ الْأَعْرَافِ [١١].
يَعْلَمُ مَا يَلِجُ فِي الْأَرْضِ وَما يَخْرُجُ مِنْها وَما يَنْزِلُ مِنَ السَّماءِ وَما يَعْرُجُ فِيها.
اسْتِئْنَافٌ لِتَقْرِيرِ عُمُومِ عِلْمِهِ تَعَالَى بِكُلِّ شَيْءٍ فَكَانَ بَيَانَ جُمْلَةِ وَهُوَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ [الْحَدِيد: ٢] وَجُمْلَةِ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ [الْحَدِيد: ٣] جَارِيًا عَلَى طَرِيقَةِ النَّشْرِ لِلَّفِّ عَلَى التَّرْتِيبِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ سَبَأٍ. فَانْظُرْ ذَلِكَ.
وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ.
عَطْفُ مَعْنًى خَاصٍّ عَلَى مَعْنًى شَمِلَهُ وَغَيْرَهُ لِقَصْدِ الِاهْتِمَامِ بِالْمَعْطُوفِ.
وَالْمَعِيَّةُ تَمْثِيلٌ كِنَائِيٌّ عَنِ الْعلم بِجَمِيعِ أَحْوَالهم.
وأَيْنَ مَا ظَرْفٌ مُرَكَّبٌ مِنْ (أَيْنَ) وَهِيَ اسْمٌ لِلْمَكَانِ، وَ (مَا) الزَّائِدَةُ لِلدَّلَالَةِ عَلَى تَعْمِيمِ الْأَمْكِنَةِ.
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ تَكْمِلَةٌ لِمَضْمُونِ وَهُوَ مَعَكُمْ أَيْنَ مَا كُنْتُمْ، وَكَانَ حَقُّهَا أَنْ لَا تُعْطَفَ وَإِنَّمَا عُطِفَتْ تَرْجِيحًا لِجَانِبِ مَا تَحْتَوِي عَلَيْهِ مِنَ الْخَبَرِ عَنْ هَذِهِ الصِّفَةِ.
— 364 —
آية رقم ٥
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٥]
لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ (٥)لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
هَذَا تَأْكِيدٌ لِنَظِيرِهِ الَّذِي فِي أَوَّلِ هَذِهِ السُّورَةِ كَرَّرَ لِيُبْنَى عَلَيْهِ قَوْلُهُ: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ، فَكَانَ ذِكْرُهُ فِي أَوَّلِ السُّورَةِ مَبْنِيًّا عَلَيْهِ التَّصَرُّفُ فِي الْمَوْجُودَاتِ الْقَابِلَةِ لِلْحَيَاةِ وَالْمَوْتِ فِي الدُّنْيَا، وَكَانَ ذِكْرُهُ هُنَا مَبْنِيًّا عَلَيْهِ أَنَّ أُمُورَ الْمَوْجُودَاتِ كُلِّهَا تَرْجِعُ إِلَى تَصَرُّفِهِ.
وَتَقْدِيمُ الْمُسْنَدِ لِقَصْرِ الْإِلَهِيَّةِ عَلَيْهِ تَعَالَى فيفيذ صِفَةَ الْوَاحِدِ.
وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ.
عَطَفَ عَلَى لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ عَطْفَ الْخَاصِّ مِنْ وَجْهٍ عَلَى الْعَامِّ مِنْهُ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الْجَارِيَةِ فِي الدُّنْيَا، وَعَطْفَ الْمُغَايِرِ فِيمَا يَتَعَلَّقُ بِالْأُمُورِ الَّتِي تَجْرِي يَوْمَ الْقِيَامَةِ عَلَى مَا سَيَتَّضِحُ فِي تَفْسِيرِ مَعْنَى الْأُمُورُ.
فَالْأُمُورُ: جَمْعُ أَمْرٍ، وَاشْتُهِرَ فِي اللُّغَةِ أَنَّ الْأَمْرَ اسْمٌ لِلشَّأْنِ وَالْحَادِثِ فَيَعُمُّ الْأَفْعَالَ وَالْأَقْوَالَ.
وَقَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: الْأُمُورُ هُنَا: جَمِيعُ الْمَوْجُودَاتِ لِأَنَّ الْأَمْرَ وَالشَّيْءَ وَالْمَوْجُودَ
أَسْمَاءٌ شَائِعَةٌ فِي جَمِيعِ الْمَوْجُودَاتِ: أَعْرَاضِهَا وَجَوَاهِرِهَا» اه. وَلَمْ أَرَهُ لِغَيْرِهِ. وَفِي «الْمَحْصُول» و «شَرحه» فِي أُصُولِ الْفِقْهِ، وَمَنْ تَبِعَهُ مِنْ كُتُبِ أُصُولِ الْفِقْهِ أَنَّ كَلِمَةَ (أَمْرٌ) مُشْتَرِكَةٌ بَيْنَ الْفِعْلِ وَالْقَوْلِ وَالشَّأْنِ وَالشَّيْءِ وَلَمْ أَرَ عَزْوَ ذَلِكَ إِلَى مَعْرُوفٍ وَلَا أَتَوْا لَهُ بِمِثَالٍ سَالِمٍ عَنِ النَّظَرِ وَلَا أَحْسَبُ أَنَّ ذَلِكَ مِنَ اللُّغَةِ.
فَإِنْ أَخَذْنَا بِالْمَشْهُورِ فِي اللُّغَةِ كَانَ الْمَعْنَى تَرْجِعُ أَفْعَالُ النَّاسِ إِلَى اللَّهِ، أَيْ تَرْجِعُ فِي الْحَشْرِ، وَالْمُرَادُ: رُجُوعُ أَهْلِهَا لِلْجَزَاءِ عَلَى أَعْمَالِهِمْ إِذْ لَا يَتَعَلَّقُ الرُّجُوعُ بِحَقَائِقِهَا، فَعَطْفُ قَوْلِهِ: وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ تَتْمِيمٌ لِجُمْلَةِ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ، أَيْ لَهُ مُلْكُ الْعَوَالِمِ فِي الدُّنْيَا وَلَهُ التَّصَرُّفُ فِي أَعْمَالِ الْعُقَلَاءِ مِنْ أَهْلِهَا فِي الْآخِرَةِ.
وَإِنْ أَخَذْنَا بِشِمُولِ اسْمِ الْأُمُورِ لِلذَّوَاتِ كَانَ مُفِيدًا لِإِثْبَاتِ الْبَعْثِ، أَيِ
آية رقم ٦
الذَّوَاتُ الَّتِي كَانَتْ فِي الدُّنْيَا تَصِيرُ إِلَى اللَّهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيُجَازِيهَا عَلَى أَعْمَالِهَا.
وَعَلَى كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ فَمَفَادُهُ مَفَادُ اسْمِهِ (الْمُهَيْمِنُ).
وَتَعْرِيفُ الْجَمْعِ فِي الْأُمُورُ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمَامِ لَا لِلْقَصْرِ إِذْ لَا مُقْتَضَى لِلْقَصْرِ الْحَقِيقِيِّ وَلَا دَاعِيَ لِلْقَصْرِ الْإِضَافِيِّ إِذْ لَا يُوجَدُ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ يُثْبِتُ الْبَعْثَ وَلَا مَنْ زَعَمُوا أَنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ فِي تَصَرُّفِ غَيْرِ اللَّهِ.
وَالرُّجُوعُ: مُسْتَعَارٌ لِلْكَوْنِ فِي مَكَانٍ غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ دُونَ سَبْقِ مُغَادَرَةٍ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ.
وَإِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ دُونَ أَنْ يَقُولَ: وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ الْأُمُورُ، لِتَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ فَتَكُونُ كَالْمَثَلِ صَالِحَةً لِلتَّسْيِيرِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ تُرْجَعُ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى مَعْنَى يُرْجِعُهَا مُرْجِعٌ وَهُوَ اللَّهُ قَسْرًا. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ وَخَلَفٍ تُرْجَعُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ تَرْجِعُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهَا لِأَنَّهَا مُسَخَّرَةٌ لِذَلِكَ فِي آجالها.
[٦]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٦]
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ.
مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَنَّ تَقْدِيرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَتَعَاقُبَهُمَا مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُشَاهَدَةِ فِي أَحْوَالِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمُلَابَسَاتِ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْحَدِيد: ٥] وَهُوَ أَيْضًا مُنَاسِبٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [الْحَدِيد: ٥] تَذْكِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ الْمُتَصَرِّفَ فِي سَبَبِ الْفَنَاءِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ هُمَا اللَّذَانِ يُفْنِيَانِ النَّاسَ، قَالَ الْأَعْشَى:
مَوْقِعُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ وَالْبَيَانِ لِجُمْلَةِ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [الْحَدِيد:
١٠].
وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ مَنْ يُقْرِضُ اللَّهَ وَمَثَلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَزَائِهِ كَمَثَلِ الْمُسْتَسْلِفِ مَعَ مَنْ أَحْسَنَ قَرْضَهُ وَأَحْسَنَ فِي دَفْعِهِ إِلَيْهِ.
ومَنْ اسْتِفْهَامِيَّةٌ كَمَا هُوَ شَأْنُهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ وَالْمَوْصُولِ، والَّذِي يُقْرِضُ خَبَرُهَا، وذَا مُعْتَرِضَةٌ لْاسْتِحْضَارِ حَالِ الْمُقْتَرِضِ بِمَنْزِلَةِ الشَّخْصِ الْحَاضِرِ الْقَرِيبِ.
وَعَنِ الْفَرَّاءِ: (ذَا) صِلَةٌ، أَيْ زَائِدَةٌ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ مِثْلَ مَا قَالَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحَاةِ: إِنَّ (ذَا) فِي (مَاذَا) مُلْغَاةٌ، قَالَ الْفَرَّاءُ: رَأَيْتُهَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ مَنْذَا الَّذِي وَالنُّونُ مَوْصُولَةٌ بِالذَّالِ اه.
وَالْاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى التَّحْرِيضِ مَجَازًا لِأَنَّ شَأْنَ الْمُحَرِّضِ عَلَى الْفِعْلِ أَنْ يَبْحَثَ عَمَّنْ يَفْعَلُهُ وَيَتَطَلَّبُ تَعْيِينَهُ لِيَنُوطَهُ بِهِ أَوْ يُجَازِيهِ عَلَيْهِ.
وَالْقَرْضُ الْحَسَنُ: هُوَ الْقَرْضُ الْمُسْتَكْمِلُ مَحَاسِنَ نَوْعِهِ مِنْ كَوْنِهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَبَشَاشَةٍ فِي وَجْهِ الْمُسْتَقْرِضِ، وَخُلُوٍّ عَنْ كُلِّ مَا يُعَرِّضُ بِالْمِنَّةِ أَوْ بِتَضْيِيقِ أَجَلِ الْقَضَاءِ.
وَالْمُشَبَّهُ هُنَا بِالْقَرْضِ الْحَسَنِ هُوَ الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمَنْهِيُّ عَنْ تَرْكِهِ فِي قَوْلِهِ: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الْحَدِيد: ١٠].
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَيُضاعِفَهُ بِأَلِفٍ بَعْدَ الضَّادِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوب فَيُضاعِفَهُ بِدُونِ أَلِفٍ وَبِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ.
وَالْفَاءُ فِي جُمْلَةِ فَيُضاعِفَهُ لَهُ فَاءُ السَّبَبِيَّةِ لِأَنَّ الْمُضَاعَفَةَ مُسَبَّبَةٌ عَلَى الْقَرْضِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فِعْلَ يُضَاعِفُهُ مَرْفُوعًا عَلَى اعْتِبَارِهِ مَعْطُوفًا عَلَى يُقْرِضُ. وَالْمَعْنَى:
التَّحْرِيضُ عَلَى الْإِقْرَاضِ وَتَحْصِيلُ الْمُضَاعَفَةِ لِأَنَّ الْإِقْرَاضَ سَبَبُ
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ تَتِمَّةِ خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمُنَافِقِينَ اسْتِمْرَارًا فِي التَّوْبِيخِ وَالتَّنْدِيمِ. وَهَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ، فَمَوْقِعُ فَاءِ التَّفْرِيعِ بَيِّنٌ وَالْعِلْمُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ لَا تُؤْخَذَ فِدْيَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا حَاصِلٌ مِمَّا يَسْمَعُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْأَقْضِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ بَيْنَ الْخَلْقِ بِحَيْثُ صَارَ مَعْلُومًا لِأَهْلِ الْمَحْشَرِ، أَوْ هُوَ عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ فِي نُفُوسِهِمْ مِمَّا عَلِمُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَخْبَارِ الْقُرْآنِ وَكَلَامِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ مُوجِبُ عَطْفَ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا تَعْبِيرًا عَمَّا عَلِمُوهُ بِأَسْرِهِ وَهُوَ عَطْفٌ مُعْتَرِضٌ جَرَّتْهُ الْمُنَاسَبَةُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا صَادِرًا مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُنَافِقِينَ تَأْيِيسًا لَهُمْ مِنَ الطَّمَعِ فِي نَوَالِ حَظٍّ مِنْ نُورِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ الْفَاءُ مِنْ عَطْفِ التَّلْقِينِ عَاطِفَةً كَلَامَ أَحَدٍ عَلَى كَلَامِ غَيْرِهِ لِأَجْلِ اتِّحَادِ مَكَانِ الْمُخَاطَبَةِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى قَالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إِبْرَاهِيم: ٤٠].
وَيَكُونُ عَطْفُ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا جَمْعًا لِلْفَرِيقَيْنِ فِي تَوْبِيخٍ وَتَنْدِيمٍ وَاحِدٍ لِاتِّحَادِهِمَا فِي الْكُفْرِ.
وَإِقْحَامُ كَلِمَةِ فَالْيَوْمَ لِتَذْكِيرِهِمْ بِمَا كَانُوا يُضْمِرُونَهُ فِي الدُّنْيَا حِينَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ رِيَاءً وَتَقِيَّةً. وَهُوَ مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ [التَّوْبَة: ٩٨].
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ لَا يُؤْخَذُ بِيَاءِ الْغَائِبِ الْمُذَكَّرِ لِأَنَّ تَأْنِيثَ فِدْيَةٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَقَدْ فَصَلَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَفَاعِلِهِ بِالظَّرْفِ فَحَصَلَ مُسَوِّغَانِ لِتَرْكِ اقْتِرَانِ الْفِعْلِ بِعَلَامَةِ الْمُؤَنَّثِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ جَرْيًا عَلَى تَأْنِيثِ الْفَاعِلِ فِي اللَّفْظِ، وَالْقِرَاءَتَانِ سَوَاءٌ.
وَكَنَّى بِنَفْيِ أَخْذِ الْفِدْيَةِ عَنْ تَحَقُّقِ جَزَائِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُمْ لَمْ يَبْذُلُوا فِدْيَةً، وَلَا كَانَ النِّفَاقُ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِدْيَةِ وَلَكِنَّ الْكَلَامَ جَرَى عَلَى الْكِنَايَةِ لِمَا هُوَ
مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ [الْحَدِيد: ٢٥] عَطَفَ الْخَاصَّ عَلَى الْعَامِّ لَمَّا أُرِيدَ تَفْصِيلٌ لِإِجْمَالِهِ تَفْصِيلًا يُسَجِّلُ بِهِ انْحِرَافَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَالضَّالِّينَ مِنَ الْيَهُودِ عَنْ مَنَاهِجِ أَبَوَيْهِمَا: نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ، قَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [الْإِسْرَاء: ٣]، وَالْعَرَبُ لَا يَنْسَوْنَ أَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ يَمْدَحُ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ:
وَالنُّبُوءَةُ فِي ذُرِّيَّتِهِمَا كَنُبُوءَةِ هُودٍ وَصَالِحٍ وَتُبَّعٍ وَنُبُوءَةِ إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ وَشُعَيْبٍ وَيَعْقُوبَ.
وَالْمُرَادُ بِ الْكِتابَ مَا كَانَ بِيَدِ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا أُصُولُ دِيَانَتِهِمْ مِنْ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمَا حَفِظُوهُ مِنْ وَصَايَاهُ وَوَصَايَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ.
وَالْفِسْقُ: الْخُرُوجُ عَنِ الِاهْتِدَاءِ، وَمِنَ الْفَاسِقِينَ: الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَالْيَمَنِ وَالْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، وَمِنْ مَدْيَنَ وَالْحِجَازِ وَتِهَامَةَ وَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ.
وَالْمُرَادُ: مَنْ أَشْرَكُوا قَبْلَ مَجِيءِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الْحَدِيد: ٢٧].
ثُمَّ للتراخي الترتبي لِأَنَّ بَعْثَةَ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمَنْ سَبَقَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أَعْظَمُ مِمَّا كَانَ لَدَى ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ الَّذِينَ قَفَّى اللَّهُ بِهِمْ، إِذْ أُرْسِلُوا إِلَى أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ عَادٍ وَثَمُودَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ وَفِيهِمْ شَرِيعَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ.
وَالتَّقْفِيَةُ: إِتْبَاعُ الرَّسُولِ بِرَسُولٍ آخَرَ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْقَفَا لِأَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُ يَمْشِي عَنْ جِهَةِ قَفَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٨٧].
وَالْآثَارُ: جَمْعُ الْأَثَرِ، وَهُوَ مَا يَتْرُكُهُ السَّائِرُ مِنْ مَوَاقِعِ رِجْلَيْهِ فِي الْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى:
فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً [الْكَهْف: ٦٤].
وَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: عَلى آثارِهِمْ عَائِدٌ إِلَى نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتِهِمَا الَّذِينَ كَانَت فيهم النبوءة وَالْكِتَابُ، فَأَمَّا الَّذِينَ كَانَت فيهم النبوءة فَكَثِيرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَانَ فِيهِمِ الْكِتَابُ فَمِثْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَ (عَلَى) لِلِاسْتِعْلَاءِ. وَأَصْلُ (قَفَّى عَلَى أَثَرِهِ) يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ مَا بَيْنَ الْمَاشِيَيْنِ، أَيْ حَضَرَ الْمَاشِي الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَزُولَ أَثَرُ الْمَاشِي الْأَوَّلِ، وَشَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ قَوْلُهُمْ: عَلَى أَثَرِهِ، بِمَعْنَى بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ مُتَّصِلًا شَأْنُهُ بِشَأْنِ سَابِقِهِ، وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلْأُمَّةِ بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رُسُلًا كَثِيرِينَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَهُوَ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْ ذِكْرِ الرَّسُولِ الْأَخِيرِ الَّذِي جَاءَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَفِي إِعَادَة فعل قَفَّيْنا وَعَدَمِ إِعَادَةِ عَلى آثارِهِمْ إِشَارَةٌ إِلَى بُعْدِ الْمُدَّةِ بَيْنَ
سُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَفِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ «سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ» بِكَسْرِ الدَّالِ أَوْ بِفَتْحِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَتُسَمَّى «سُورَةَ قَدْ سَمِعَ» وَهَذَا الِاسْمُ مُشْتَهِرٌ فِي الْكَتَاتِيبِ فِي تُونُسَ، وَسُمِّيَتْ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «سُورَةَ الظِّهَارِ».
وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا «سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ» لِأَنَّهَا افْتُتِحَتْ بِقَضِيَّةِ مُجَادَلَةِ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ لَدَى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ مُظَاهَرَةِ زَوْجِهَا.
وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُفَسِّرُونَ وَلَا شَارِحُو كُتُبِ السُّنَّةِ ضَبْطَهُ بِكَسْرِ الدَّالِ أَوْ فَتْحِهَا. وَذَكَرَ الْخَفَاجِيُّ فِي «حَاشِيَةِ الْبَيْضَاوِيِّ» عَنِ «الْكَشْفِ» أَنَّ كَسْرَ الدَّالِ هُوَ الْمَعْرُوفُ (وَلَمْ أَدْرِ مَا أَرَادَ الْخَفَاجِيُّ بِالْكَشْفِ الَّذِي عَزَا إِلَيْهِ هَذَا)، فَكَشْفُ الْقَزْوِينِيِّ عَلَى «الْكَشَّافِ» لَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ، وَلَا فِي التَّفْسِيرِ الْمُسَمَّى «الْكَشْفَ وَالْبَيَانَ» لِلثَّعْلَبِيِّ. فَلَعَلَّ الْخَفَاجِيَّ رَأَى ذَلِكَ فِي «الْكَشْفِ» الَّذِي يَنْقُلُ عَنْهُ الطِّيبِيُّ فِي مَوَاضِعِ تَقْرِيرَاتٍ لِكَلَامِ «الْكَشَّافِ» وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي عِدَادِ شُرُوحِ «الْكَشَّافِ»، وَكَسْرُ الدَّالِ أَظْهَرُ لِأَنَّ السُّورَةَ افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ الَّتِي تُجَادِلُ فِي زَوْجِهَا فَحَقِيقَةٌ أَنْ تُضَافَ إِلَى صَاحِبَةِ الْجِدَالِ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ: الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [المجادلة: ١]. وَرَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ مِنْ حَاشِيَة مُحَمَّد الْهَمدَانِي عَلَى «الْكَشَّافِ» الْمُسَمَّاةِ «تَوْضِيحَ الْمُشْكِلَاتِ»، بِخَطِّ مُؤَلِّفِهَا جَعَلَ عَلَامَةَ كَسْرَةٍ تَحْتَ دَالِ الْمُجَادِلَةِ. وَأَمَّا فَتْحُ الدَّالِ فَهُوَ مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِنْ فِعْلِ تُجادِلُكَ كَمَا عَبَّرَ عَنْهَا بِالتَّحَاوُرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما [المجادلة: ١].
وَهَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِالْإِجْمَاعِ. وَفِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ» عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْهَا مَدَنِيٌّ وَبَاقِيهِا مَكِّيٌّ. وَفِيهِ عَنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى:
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [المجادلة: ٧] الْآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
وَعَلَى كِلَا الِاحْتِمَالَيْنِ فَمَفَادُهُ مَفَادُ اسْمِهِ (الْمُهَيْمِنُ).
وَتَعْرِيفُ الْجَمْعِ فِي الْأُمُورُ مِنْ صِيَغِ الْعُمُومِ.
وَتَقْدِيمُ الْمَجْرُورِ عَلَى مُتَعَلِّقِهِ لِلِاهْتِمَامِ لَا لِلْقَصْرِ إِذْ لَا مُقْتَضَى لِلْقَصْرِ الْحَقِيقِيِّ وَلَا دَاعِيَ لِلْقَصْرِ الْإِضَافِيِّ إِذْ لَا يُوجَدُ مِنَ الْكُفَّارِ مَنْ يُثْبِتُ الْبَعْثَ وَلَا مَنْ زَعَمُوا أَنَّ النَّاسَ يَصِيرُونَ فِي تَصَرُّفِ غَيْرِ اللَّهِ.
وَالرُّجُوعُ: مُسْتَعَارٌ لِلْكَوْنِ فِي مَكَانٍ غَيْرِ الْمَكَانِ الَّذِي كَانَ فِيهِ دُونَ سَبْقِ مُغَادَرَةٍ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ.
وَإِظْهَارُ اسْمِ الْجَلَالَةِ دُونَ أَنْ يَقُولَ: وَإِلَيْهِ تَرْجِعُ الْأُمُورُ، لِتَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ فَتَكُونُ كَالْمَثَلِ صَالِحَةً لِلتَّسْيِيرِ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو عَمْرٍو وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ تُرْجَعُ بِضَمِّ التَّاءِ وَفَتْحِ الْجِيمِ عَلَى مَعْنَى يُرْجِعُهَا مُرْجِعٌ وَهُوَ اللَّهُ قَسْرًا. وَقَرَأَ ابْنُ عَامِرٍ وَحَمْزَةُ وَالْكِسَائِيُّ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ وَيَعْقُوبَ وَخَلَفٍ تُرْجَعُ بِفَتْحِ التَّاءِ وَكَسْرِ الْجِيمِ، أَيْ تَرْجِعُ مِنْ تِلْقَاءِ أَنْفُسِهَا لِأَنَّهَا مُسَخَّرَةٌ لِذَلِكَ فِي آجالها.
[٦]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٦]
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ وَهُوَ عَلِيمٌ بِذاتِ الصُّدُورِ (٦)
يُولِجُ اللَّيْلَ فِي النَّهارِ وَيُولِجُ النَّهارَ فِي اللَّيْلِ.
مُنَاسَبَةُ ذِكْرِهِ هَذِهِ الْجُمْلَةَ أَنَّ تَقْدِيرَ اللَّيْلِ وَالنَّهَارِ وَتَعَاقُبَهُمَا مِنَ التَّصَرُّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ الْمُشَاهَدَةِ فِي أَحْوَالِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمُلَابَسَاتِ أَحْوَالِ الْإِنْسَانِ، فَهَذِهِ الْجُمْلَةُ بَدَلُ اشْتِمَالٍ مِنْ جُمْلَةِ لَهُ مُلْكُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ [الْحَدِيد: ٥] وَهُوَ أَيْضًا مُنَاسِبٌ لِمَضْمُونِ جُمْلَةِ وَإِلَى اللَّهِ تُرْجَعُ الْأُمُورُ [الْحَدِيد: ٥] تَذْكِيرٌ لِلْمُشْرِكِينَ بِأَنَّ الْمُتَصَرِّفَ فِي سَبَبِ الْفَنَاءِ هُوَ اللَّهُ تَعَالَى فَإِنَّهُمْ يَعْتَقِدُونَ أَنَّ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ هُمَا اللَّذَانِ يُفْنِيَانِ النَّاسَ، قَالَ الْأَعْشَى:
| أَلَمْ تَرَوْا إِرَمًا وَعَادًا | أَفْنَاهُمَا اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ |
| يَرَى لِلْمُسْلِمِينَ عَلَيْهِ حَقًّا | كَفعل الْوَالِد الرّؤوف الرَّحِيمِ |
أَهذَا الَّذِي بَعَثَ اللَّهُ رَسُولًا إِنْ كادَ لَيُضِلُّنا عَنْ آلِهَتِنا لَوْلا أَنْ صَبَرْنا عَلَيْها [الْفرْقَان: ٤١، ٤٢]. وَهَذَا يُرَجِّحُ أَنَّ قَوْلَهُ تَعَالَى: آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ [الْحَدِيد: ٧] إِلَى هُنَا مَكِّيٌّ. فَإِنْ كَانَتِ الْآيَةُ مَدَنِيَّةً فَلِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ.
[١٠]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٠]
وَما لَكُمْ أَلاَّ تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلاًّ وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ (١٠)
وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ.
الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِمَعْنَاهُ الْمَشْهُورُ وَهُوَ الْإِنْفَاقُ فِي عَتَادِ الْجِهَادِ لَمْ يَكُنْ إِلَّا بَعْدَ الْهِجْرَةِ فَإِنَّ سَبِيلَ اللَّهِ غَلَبَ فِي الْقُرْآنِ إِطْلَاقُهُ عَلَى الْجِهَادِ وَيُؤَيِّدُهُ قَوْلُهُ عَقِبَهُ: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ، لِأَنَّ الْأَصْلَ أَنْ يَكُونَ ذَلِكَ مُتَّصِلًا نُزُولُهُ مَعَ هَذَا وَلَوْ حُمِلَ الْإِنْفَاقُ عَلَى مَعْنَى الصَّدَقَاتِ لَكَانَ مُقْتَضِيًا أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ لِأَنَّ الْإِنْفَاقَ بِهَذَا الْمَعْنَى لَا يُطْلَقُ إِلَّا عَلَى الصَّدَقَةِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فَلَا يُلَامُ الْمُشْرِكُونَ عَلَى تَرْكِهِ.
وَعَلَيْهِ فَالْخِطَابُ مُوَجَّهٌ لِلْمُؤْمِنِينَ، فَقَدْ أُعِيدَ الْخِطَابُ بِلَوْنٍ غَيْرِ الَّذِي ابْتُدِئَ بِهِ.
وَمِنْ لَطَائِفِهِ أَنَّهُ مُوَجَّهٌ إِلَى الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ ظَاهِرُهُمْ أَنَّهُمْ مُسْلِمُونَ وَهُمْ فِي الْبَاطِنِ مُشْرِكُونَ فَهُمُ الَّذِينَ شَحُّوا بِالْإِنْفَاقِ.
وَوَجْهُ إِلْحَاقِ هَذِهِ الْآيَةِ وَهِيَ مَدَنِيَّةٌ بِالْمَكِّيِّ مِنَ السُّورَةِ مُنَاسَبَةُ اسْتِيعَابِ أَحْوَالِ الْمُمْسِكِينَ عَنِ الْإِنْفَاقِ مِنَ الْكُفَّارِ وَالْمُؤْمِنِينَ تَعْرِيضًا بِالتَّحْذِيرِ مِنْ خِصَالِ أَهْلِ الْكُفْرِ إِذْ قَدْ سَبَقَهَا قَوْلُهُ: وَأَنْفِقُوا مِمَّا جَعَلَكُمْ مُسْتَخْلَفِينَ فِيهِ [الْحَدِيد: ٧].
— 372 —
وَمَا اسْتِفْهَامِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي اللَّوْمِ وَالتَّوْبِيخِ عَلَى عَدَمِ إِنْفَاقِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَ (أَنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْهَا وَالْفِعْلُ الْمَنْصُوبُ بِهَا فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِاللَّامِ، أَوْ بِ (فِي) مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: مَا حَصَلَ لَكُمْ فِي عَدَمِ إِنْفَاقِكُمْ، أَيْ ذَلِكَ الْحَاصِلُ أَمْرٌ مُنْكَرٌ.
وَعَنِ الْأَخْفَشِ أَنَّ (أَنْ) زَائِدَةٌ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَما لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الْحَدِيد:
٨]. وَلَيْسَ نَصْبُهَا الْفِعْلَ الَّذِي بَعْدَهَا بِمَانِعٍ مِنِ اعْتِبَارِهَا زَائِدَةً لِأَنَّ الْحَرْفَ الزَّائِدَ قَدْ يَعْمَلُ مِثْلَ حَرْفِ الْجَرِّ الزَّائِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٤٦].
وَالْوَاوُ فِي وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاوُ الْحَالِ وَهُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ تُنْفِقُوا بِاعْتِبَارِ أَنَّ عُمُومَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَشْمَلُ مَا فِيهِمَا فَيَشْمَلُ الْمُخَاطَبِينَ فَذَلِكَ الْعُمُومُ هُوَ الرَّابِطُ. وَالتَّقْدِيرُ: لِلَّهِ مِيرَاثُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَشْمَلُ مِيرَاثُهُ إِيَّاكُمْ.
وَالْمَعْنَى: إِنْكَارُ عَدَمِ إِنْفَاقِ أَمْوَالِهِمْ فِيمَا دَعَاهُمُ اللَّهُ إِلَى الْإِنْفَاقِ فِيهِ وَهُمْ سَيَهْلَكُونَ
وَيَتْرُكُونَ أَمْوَالَهُمْ لِمَنْ قَدَّرَ اللَّهُ مَصِيرَهَا إِلَيْهِ فَلَوْ أَنْفَقُوا بَعْضَ أَمْوَالِهِمْ فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ لَنَالُوا رِضَى اللَّهِ وَانْتَفَعُوا بِمَالٍ هُوَ صَائِرٌ إِلَى مَنْ يَرِثُهُمْ.
وَإِضَافَةُ مِيرَاثٍ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ عَلَى حَذْفٍ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ: أَهْلِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِيرَاثَ ذَاتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ انْقِرَاضِ النَّاسِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ حَثِّهِمْ عَلَى الْإِنْفَاقِ.
وَ (أَنْ) مَصْدَرِيَّةٌ، وَالْمَصْدَرُ الْمُنْسَبِكُ مِنْهَا وَالْفِعْلُ الْمَنْصُوبُ بِهَا فِي مَحَلِّ جَرٍّ بِاللَّامِ، أَوْ بِ (فِي) مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: مَا حَصَلَ لَكُمْ فِي عَدَمِ إِنْفَاقِكُمْ، أَيْ ذَلِكَ الْحَاصِلُ أَمْرٌ مُنْكَرٌ.
وَعَنِ الْأَخْفَشِ أَنَّ (أَنْ) زَائِدَةٌ فَيَكُونُ بِمَنْزِلَةِ قَوْلِهِ: وَما لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ [الْحَدِيد:
٨]. وَلَيْسَ نَصْبُهَا الْفِعْلَ الَّذِي بَعْدَهَا بِمَانِعٍ مِنِ اعْتِبَارِهَا زَائِدَةً لِأَنَّ الْحَرْفَ الزَّائِدَ قَدْ يَعْمَلُ مِثْلَ حَرْفِ الْجَرِّ الزَّائِدِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: قالُوا وَما لَنا أَلَّا نُقاتِلَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٤٦].
وَالْوَاوُ فِي وَلِلَّهِ مِيراثُ السَّماواتِ وَالْأَرْضِ وَاوُ الْحَالِ وَهُوَ حَالٌ مِنْ ضَمِيرِ تُنْفِقُوا بِاعْتِبَارِ أَنَّ عُمُومَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ يَشْمَلُ مَا فِيهِمَا فَيَشْمَلُ الْمُخَاطَبِينَ فَذَلِكَ الْعُمُومُ هُوَ الرَّابِطُ. وَالتَّقْدِيرُ: لِلَّهِ مِيرَاثُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ، وَيَشْمَلُ مِيرَاثُهُ إِيَّاكُمْ.
وَالْمَعْنَى: إِنْكَارُ عَدَمِ إِنْفَاقِ أَمْوَالِهِمْ فِيمَا دَعَاهُمُ اللَّهُ إِلَى الْإِنْفَاقِ فِيهِ وَهُمْ سَيَهْلَكُونَ
وَيَتْرُكُونَ أَمْوَالَهُمْ لِمَنْ قَدَّرَ اللَّهُ مَصِيرَهَا إِلَيْهِ فَلَوْ أَنْفَقُوا بَعْضَ أَمْوَالِهِمْ فِيمَا أَمَرَهُمُ اللَّهُ لَنَالُوا رِضَى اللَّهِ وَانْتَفَعُوا بِمَالٍ هُوَ صَائِرٌ إِلَى مَنْ يَرِثُهُمْ.
وَإِضَافَةُ مِيرَاثٍ إِلَى السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مِنْ إِضَافَةِ الْمَصْدَرِ إِلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ عَلَى حَذْفٍ مُضَافٍ، تَقْدِيرُهُ: أَهْلِهَا، وَلَيْسَ الْمُرَادُ مِيرَاثَ ذَاتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لِأَنَّ ذَلِكَ إِنَّمَا يَحْصُلُ بَعْدَ انْقِرَاضِ النَّاسِ فَلَا يُؤَثِّرُ فِي الْمَقْصُودِ مِنْ حَثِّهِمْ عَلَى الْإِنْفَاقِ.
— 373 —
لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ.
اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَمَّا يَجُولُ فِي خَوَاطِرِ كَثِيرٍ مِنَ السَّامِعِينَ مِنْ أَنَّهُمْ تَأَخَّرُوا عَنِ الْإِنْفَاقِ غَيْرَ نَاوِينَ تَرْكَهُ وَلَكِنَّهُمْ سَيَتَدَارَكُونَهُ.
وَأُدْمِجَ فِيهِ تَفْضِيلُ جِهَادِ بَعْضِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى بَعْضٍ لِمُنَاسَبَةِ كَوْنِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَشْمَلُ إِنْفَاقَ الْمُجَاهِدِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْعُدَّةِ وَالزَّادِ وَإِنْفَاقَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ عُدَّتَهُ وَلَا زَادَهُ، وَلِأَنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ وَلَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْفَاقَ، فَأُرِيدَ أَنْ لَا يُغْفِلَ ذِكْرَهُ فِي عِدَادِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ إِذِ الْإِنْفَاقُ فِيهَا وَسِيلَةٌ لَهَا.
وَظَاهِرُ لَفْظِ الْفَتْحِ أَنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ فَإِنَّ هَذَا الْجِنْسَ الْمُعَرَّفَ صَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ.
وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنْفِقُونَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَالْمُجَاهِدُونَ قَبْلَهُ أَعْظَمَ دَرَجَةً فِي إِنْفَاقِهِمْ وَجِهَادِهِمْ لِأَنَّ الزَّمَانَ الَّذِي قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كَانَ زَمَانَ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ كَانُوا أَكْثَرَ الْعَرَبِ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ دَخَلَتْ سَائِرُ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ فِي الْإِسْلَامِ فَكَانَ الْإِنْفَاقُ وَالْجِهَادُ فِيمَا قَبْلَ الْفَتْحِ أَشَقَّ عَلَى نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ لِقِلَّةِ ذَاتِ أَيْدِيهِمْ وَقِلَّةِ جَمْعِهِمْ قُبَالَةَ جَمْعِ الْعَدُوِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا أَمَامَ الْعَدُوِّ إِذَا كَانَ عَدَدُ الْعَدُوِّ عَشْرَةَ أَضْعَافِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ قَالَ تَعَالَى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الْأَنْفَال: ٦٥].
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْفَتْحِ: صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ. وَيُؤَيِّدهُ مَا
رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ»
وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِكَوْنِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضُهَا مَكِّيٌّ وَبَعْضُهَا مَدَنِيٌّ فَيَقْتَضِي أَنَّ مَدَنِيَّهَا قَرِيبُ عَهْدٍ مِنْ مُدَّةِ إِقَامَتِهِمْ بِمَكَّةَ، وَإِطْلَاقُ الْفَتْحِ عَلَى صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَارِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
[الْفَتْح: ١].
اسْتِئْنَاف بياني ناشىء عَمَّا يَجُولُ فِي خَوَاطِرِ كَثِيرٍ مِنَ السَّامِعِينَ مِنْ أَنَّهُمْ تَأَخَّرُوا عَنِ الْإِنْفَاقِ غَيْرَ نَاوِينَ تَرْكَهُ وَلَكِنَّهُمْ سَيَتَدَارَكُونَهُ.
وَأُدْمِجَ فِيهِ تَفْضِيلُ جِهَادِ بَعْضِ الْمُجَاهِدِينَ عَلَى بَعْضٍ لِمُنَاسَبَةِ كَوْنِ الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يَشْمَلُ إِنْفَاقَ الْمُجَاهِدِ عَلَى نَفْسِهِ فِي الْعُدَّةِ وَالزَّادِ وَإِنْفَاقَهُ عَلَى غَيْرِهِ مِمَّنْ لَمْ يَسْتَكْمِلْ عُدَّتَهُ وَلَا زَادَهُ، وَلِأَنَّ مِنَ الْمُسْلِمِينَ مَنْ يَسْتَطِيعُ الْجِهَادَ وَلَا يَسْتَطِيعُ الْإِنْفَاقَ، فَأُرِيدَ أَنْ لَا يُغْفِلَ ذِكْرَهُ فِي عِدَادِ هَذِهِ الْفَضِيلَةِ إِذِ الْإِنْفَاقُ فِيهَا وَسِيلَةٌ لَهَا.
وَظَاهِرُ لَفْظِ الْفَتْحِ أَنَّهُ فَتْحُ مَكَّةَ فَإِنَّ هَذَا الْجِنْسَ الْمُعَرَّفَ صَارَ عَلَمًا بِالْغَلَبَةِ عَلَى فَتْحِ مَكَّةَ، وَهَذَا قَوْلُ جُمْهُورِ الْمُفَسِّرِينَ.
وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنْفِقُونَ قَبْلَ الْفَتْحِ وَالْمُجَاهِدُونَ قَبْلَهُ أَعْظَمَ دَرَجَةً فِي إِنْفَاقِهِمْ وَجِهَادِهِمْ لِأَنَّ الزَّمَانَ الَّذِي قَبْلَ فَتْحِ مَكَّةَ كَانَ زَمَانَ ضَعْفِ الْمُسْلِمِينَ لِأَنَّ أَهْلَ الْكُفْرِ كَانُوا أَكْثَرَ الْعَرَبِ فَلَمَّا فُتِحَتْ مَكَّةُ دَخَلَتْ سَائِرُ قُرَيْشٍ وَالْعَرَبِ فِي الْإِسْلَامِ فَكَانَ الْإِنْفَاقُ وَالْجِهَادُ فِيمَا قَبْلَ الْفَتْحِ أَشَقَّ عَلَى نُفُوسِ الْمُسْلِمِينَ لِقِلَّةِ ذَاتِ أَيْدِيهِمْ وَقِلَّةِ جَمْعِهِمْ قُبَالَةَ جَمْعِ الْعَدُوِّ، أَلَا تَرَى أَنَّهُ كَانَ عَلَيْهِمْ أَنْ يَثْبُتُوا أَمَامَ الْعَدُوِّ إِذَا كَانَ عَدَدُ الْعَدُوِّ عَشْرَةَ أَضْعَافِ عَدَدِ الْمُسْلِمِينَ فِي الْقِتَالِ قَالَ تَعَالَى: إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صابِرُونَ يَغْلِبُوا مِائَتَيْنِ [الْأَنْفَال: ٦٥].
وَقِيلَ الْمُرَادُ بِالْفَتْحِ: صُلْحُ الْحُدَيْبِيَةِ، وَهَذَا قَوْلُ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَالزُّهْرِيُّ، وَالشَّعْبِيُّ، وَعَامِرُ بْنُ سَعْدِ بْنِ أَبِي وَقَّاصٍ، وَاخْتَارَهُ الطَّبَرِيّ. وَيُؤَيِّدهُ مَا
رَوَاهُ الطَّبَرِيُّ عَنْ أَبِي سَعِيدٍ الْخُدْرِيِّ «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ تَلَا هَذِهِ الْآيَةَ عَامَ الْحُدَيْبِيَةِ»
وَهُوَ الْمُلَائِمُ لِكَوْنِ هَذِهِ السُّورَةِ بَعْضُهَا مَكِّيٌّ وَبَعْضُهَا مَدَنِيٌّ فَيَقْتَضِي أَنَّ مَدَنِيَّهَا قَرِيبُ عَهْدٍ مِنْ مُدَّةِ إِقَامَتِهِمْ بِمَكَّةَ، وَإِطْلَاقُ الْفَتْحِ عَلَى صُلْحِ الْحُدَيْبِيَةِ وَارِدٌ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا فَتَحْنا لَكَ فَتْحاً مُبِيناً
[الْفَتْح: ١].
— 374 —
وَ (مَنْ أَنْفَقَ) عَامٌّ يَشْمَلُ كُلَّ مَنْ أَنْفَقَ. وَقِيلَ: أُرِيدَ بِهِ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فَإِنَّهُ أَنْفَقَ مَالَهُ كُلَّهُ مِنْ أَوَّلِ ظُهُورِ الْإِسْلَامِ.
وَنَفْيُ التَّسْوِيَةِ مُرَادٌ بِهِ نَفْيُهَا فِي الْفَضِيلَةِ وَالثَّوَابِ فَإِنَّ نَفْيَ التَّسْوِيَةِ فِي وَصْفٍ يَقْتَضِي ثُبُوتَ أَصْلِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِجَمِيعِ مَنْ نُفِيَتْ عَنْهُمُ التَّسْوِيَةُ، فَنَفْيُ التَّسْوِيَةِ كِنَايَةٌ عَنْ تَفْضِيل أحد جانبين وَتَنْقِيصِ الْجَانِبِ الْآخَرِ نَقْصًا مُتَفَاوِتًا.
وَيُعْرَفُ الْجَانِبُ الْفَاضِلُ وَالْجَانِبُ الْمَفْضُولُ بِالْقَرِينَةِ أَوِ التَّصْرِيحِ فِي الْكَلَامِ، وَلَيْسَ تَقْدِيمُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فِي الذِّكْرِ بَعْدَ نَفْيِ التَّسْوِيَةِ بُمَقْتَضٍ أَنَّهُ هُوَ الْمُفَضَّلُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [النِّسَاء: ٩٥] وَقَدَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ الْجَانِبَ الْمُفَضَّلَ، وَكَذَا الَّذِي فِي قَوْلِ السَّمَوْأَلِ:
فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ وَقَدْ أَكَّدَ هَذَا الِاقْتِضَاءَ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا، أَيْ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدِ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا مِنْ بَعْدِ الْفَتْحِ، فَإِنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ يَدُلُّ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِيمَا اشْتُقَّ مِنْهُ اسْمُ التَّفْضِيلِ وَزِيَادَةِ مَنْ أُخْبِرَ عَنْهُ بِاسْمِ التَّفْضِيلِ فِي الْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، أَيْ فَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ لَهُ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ.
وَحُذِفَ قِسْمُ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ إِيجَازًا لِدَلَالَةِ فِعْلِ التَّسْوِيَةِ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ.
وَالتَّقْدِيرُ: لَا يَسْتَوِي مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَمَنْ أَنْفَقَ بَعْدَهُ.
وَالدَّرَجَةُ: مُسْتَعَارَةٌ لِلْفَضْلِ لِأَنَّ الدَّرَجَةَ تَسْتَلْزِمُ الِارْتِقَاءَ، فَوَصْفُ الِارْتِقَاءِ مُلَاحَظٌ فِيهَا، ثُمَّ يُشَبَّهُ الْفَضْلُ وَالشَّرَفُ بِالِارْتِقَاءِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّرَجَةِ، فَالدَّرَجَةُ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ الَّتِي لُوحِظَتْ فِيهَا صِفَاتُ أَوْصَافٍ مِثْلَ اسْمِ الْأَسَدِ بِصِفَةِ الشَّجَاعَةِ فِي قَوْلِ الْخَارِجِيِّ:
أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ وَقَوْلُهُ: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى احْتِرَاسٌ مِنْ أَنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ اسْمَ
وَنَفْيُ التَّسْوِيَةِ مُرَادٌ بِهِ نَفْيُهَا فِي الْفَضِيلَةِ وَالثَّوَابِ فَإِنَّ نَفْيَ التَّسْوِيَةِ فِي وَصْفٍ يَقْتَضِي ثُبُوتَ أَصْلِ ذَلِكَ الْوَصْفِ لِجَمِيعِ مَنْ نُفِيَتْ عَنْهُمُ التَّسْوِيَةُ، فَنَفْيُ التَّسْوِيَةِ كِنَايَةٌ عَنْ تَفْضِيل أحد جانبين وَتَنْقِيصِ الْجَانِبِ الْآخَرِ نَقْصًا مُتَفَاوِتًا.
وَيُعْرَفُ الْجَانِبُ الْفَاضِلُ وَالْجَانِبُ الْمَفْضُولُ بِالْقَرِينَةِ أَوِ التَّصْرِيحِ فِي الْكَلَامِ، وَلَيْسَ تَقْدِيمُ أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ فِي الذِّكْرِ بَعْدَ نَفْيِ التَّسْوِيَةِ بُمَقْتَضٍ أَنَّهُ هُوَ الْمُفَضَّلُ فَقَدْ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى:
لَا يَسْتَوِي الْقاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ [النِّسَاء: ٩٥] وَقَدَّمَ هَذِهِ الْآيَةَ الْجَانِبَ الْمُفَضَّلَ، وَكَذَا الَّذِي فِي قَوْلِ السَّمَوْأَلِ:
فَلَيْسَ سَوَاءً عَالِمٌ وَجَهُولُ وَقَدْ أَكَّدَ هَذَا الِاقْتِضَاءَ بِقَوْلِهِ: أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِنَ الَّذِينَ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدُ وَقاتَلُوا، أَيْ أَنْفَقُوا مِنْ بَعْدِ الْفَتْحِ وَقَاتَلُوا مِنْ بَعْدِ الْفَتْحِ، فَإِنَّ اسْمَ التَّفْضِيلِ يَدُلُّ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِيمَا اشْتُقَّ مِنْهُ اسْمُ التَّفْضِيلِ وَزِيَادَةِ مَنْ أُخْبِرَ عَنْهُ بِاسْمِ التَّفْضِيلِ فِي الْوَصْفِ الْمُشْتَقِّ مِنْهُ، أَيْ فَكِلَا الْفَرِيقَيْنِ لَهُ دَرَجَةٌ عَظِيمَةٌ.
وَحُذِفَ قِسْمُ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ إِيجَازًا لِدَلَالَةِ فِعْلِ التَّسْوِيَةِ عَلَيْهِ لَا مَحَالَةَ.
وَالتَّقْدِيرُ: لَا يَسْتَوِي مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَمَنْ أَنْفَقَ بَعْدَهُ.
وَالدَّرَجَةُ: مُسْتَعَارَةٌ لِلْفَضْلِ لِأَنَّ الدَّرَجَةَ تَسْتَلْزِمُ الِارْتِقَاءَ، فَوَصْفُ الِارْتِقَاءِ مُلَاحَظٌ فِيهَا، ثُمَّ يُشَبَّهُ الْفَضْلُ وَالشَّرَفُ بِالِارْتِقَاءِ فَعَبَّرَ عَنْهُ بِالدَّرَجَةِ، فَالدَّرَجَةُ مِنْ أَسْمَاءِ الْأَجْنَاسِ الَّتِي لُوحِظَتْ فِيهَا صِفَاتُ أَوْصَافٍ مِثْلَ اسْمِ الْأَسَدِ بِصِفَةِ الشَّجَاعَةِ فِي قَوْلِ الْخَارِجِيِّ:
أَسَدٌ عَلَيَّ وَفِي الْحُرُوبِ نَعَامَةٌ وَقَوْلُهُ: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى احْتِرَاسٌ مِنْ أَنْ يَتَوَهَّمَ مُتَوَهِّمٌ أَنَّ اسْمَ
— 375 —
التَّفْضِيلِ مَسْلُوبُ الْمُفَاضَلَةِ لِلْمُبَالَغَةِ مِثْلَ مَا فِي قَول: قالَ رَبِّ السِّجْنُ أَحَبُّ إِلَيَّ مِمَّا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ [يُوسُف: ٣٣]، أَيْ حَبِيبٌ إِلَيَّ دُونَ مَا يَدْعُونَنِي إِلَيْهِ مِنَ الْمَعْصِيَةِ.
وَعَبَّرَ بِ الْحُسْنى لِبَيَانِ أَنَّ الدَّرَجَةَ هِيَ دَرَجَةُ الْحُسْنَى لِيَكُونَ لِلِاحْتِرَاسِ مَعْنًى زَائِدٌ
عَلَى التَّأْكِيدِ وَهُوَ مَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ.
وَالْحُسْنَى: لَقَبٌ قُرْآنِيٌّ إِسْلَامِيٌّ يَدُلُّ عَلَى خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يُونُس: ٢٦].
وَقَوْلُهُ: مِنْكُمْ حَالٌ مِنْ مَنْ أَنْفَقَ أَصْلُهُ نَعْتٌ قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ تَعْجِيلًا بِهَذَا الْوَصْفِ.
وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً دُونَ الضَّمِيرِ لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ الْإِشَارَةُ مِنَ التَّنْوِيهِ وَالتَّعْظِيمِ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِمَا يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ، لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الْإِخْبَارِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة:
٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [الْبَقَرَة: ٣] إِلَخْ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى بِنَصْبِ كُلًّا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ أَوَّلٌ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاشْتِغَالِ بِالضَّمِيرِ الْمَحْذُوف اختصارا. وقرأه ابْنُ عَامِرٍ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَهُمَا وَجْهَانِ فِي الِاشْتِغَالِ مُتَسَاوِيَانِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي تَفَاضُلِ أَهْلِ الْفَضْلِ فِيمَا فُضِّلُوا فِيهِ، وَأَنَّ الْفَضْلَ ثَابِتٌ لِلَّذِينَ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ. وَبِئْسَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ مِنْ عِبَارَاتٍ تُؤْذِنُ بِتَنْقِيصِ مَنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ قُرَيْشٍ مِثْلِ كَلِمَةِ «الطُّلَقَاءِ» وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ حَزَازَاتٍ فِي النُّفُوسِ قَبَلِيَّةٍ أَوْ حِزْبِيَّةٍ، وَاللَّهُ يَقُولُ: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١].
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ تَذْيِيلٌ، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَسْبَابَ الْإِنْفَاقِ وَأَوْقَاتِهِ وَأَعْذَارِهِ، وَيَعْلَمُ أَحْوَالَ الْجِهَادِ وَنَوَايَا الْمُجَاهِدِينَ فَيُعْطِي كُلَّ عَامِلٍ عَلَى نِيَّة عمله.
وَعَبَّرَ بِ الْحُسْنى لِبَيَانِ أَنَّ الدَّرَجَةَ هِيَ دَرَجَةُ الْحُسْنَى لِيَكُونَ لِلِاحْتِرَاسِ مَعْنًى زَائِدٌ
عَلَى التَّأْكِيدِ وَهُوَ مَا فِيهِ مِنَ الْبَيَانِ.
وَالْحُسْنَى: لَقَبٌ قُرْآنِيٌّ إِسْلَامِيٌّ يَدُلُّ عَلَى خَيْرَاتِ الْآخِرَةِ، قَالَ تَعَالَى: لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنى وَزِيادَةٌ [يُونُس: ٢٦].
وَقَوْلُهُ: مِنْكُمْ حَالٌ مِنْ مَنْ أَنْفَقَ أَصْلُهُ نَعْتٌ قُدِّمَ لِلِاهْتِمَامِ تَعْجِيلًا بِهَذَا الْوَصْفِ.
وَجِيءَ بِاسْمِ الْإِشَارَةِ فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً دُونَ الضَّمِيرِ لِمَا تُؤْذِنُ بِهِ الْإِشَارَةُ مِنَ التَّنْوِيهِ وَالتَّعْظِيمِ، وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمْ جَدِيرُونَ بِمَا يُذْكَرُ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ، لِأَجْلِ مَا ذُكِرَ قَبْلَهُ مِنَ الْإِخْبَارِ وَمِثْلُهُ قَوْلُهُ: أُولئِكَ عَلى هُدىً مِنْ رَبِّهِمْ [الْبَقَرَة:
٤] بَعْدَ قَوْلِهِ: هُدىً لِلْمُتَّقِينَ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ [الْبَقَرَة: ٣] إِلَخْ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى بِنَصْبِ كُلًّا عَلَى أَنَّهُ مَفْعُولٌ أَوَّلٌ مُقَدَّمٌ عَلَى فِعْلِهِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاشْتِغَالِ بِالضَّمِيرِ الْمَحْذُوف اختصارا. وقرأه ابْنُ عَامِرٍ بِالرَّفْعِ عَلَى الِابْتِدَاءِ وَهُمَا وَجْهَانِ فِي الِاشْتِغَالِ مُتَسَاوِيَانِ.
وَهَذِهِ الْآيَةُ أَصْلٌ فِي تَفَاضُلِ أَهْلِ الْفَضْلِ فِيمَا فُضِّلُوا فِيهِ، وَأَنَّ الْفَضْلَ ثَابِتٌ لِلَّذِينَ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ أَهْلِ مَكَّةَ وَغَيْرِهِمْ. وَبِئْسَ مَا يَقُولُهُ بَعْضُ الْمُؤَرِّخِينَ مِنْ عِبَارَاتٍ تُؤْذِنُ بِتَنْقِيصِ مَنْ أَسْلَمُوا بَعْدَ الْفَتْحِ مِنْ قُرَيْشٍ مِثْلِ كَلِمَةِ «الطُّلَقَاءِ» وَإِنَّمَا ذَلِكَ مِنْ أَجْلِ حَزَازَاتٍ فِي النُّفُوسِ قَبَلِيَّةٍ أَوْ حِزْبِيَّةٍ، وَاللَّهُ يَقُولُ: وَلا تَلْمِزُوا أَنْفُسَكُمْ وَلا تَنابَزُوا بِالْأَلْقابِ بِئْسَ الِاسْمُ الْفُسُوقُ بَعْدَ الْإِيمانِ وَمَنْ لَمْ يَتُبْ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ [الحجرات: ١١].
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ تَذْيِيلٌ، وَالْوَاوُ اعْتِرَاضِيَّةٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ أَسْبَابَ الْإِنْفَاقِ وَأَوْقَاتِهِ وَأَعْذَارِهِ، وَيَعْلَمُ أَحْوَالَ الْجِهَادِ وَنَوَايَا الْمُجَاهِدِينَ فَيُعْطِي كُلَّ عَامِلٍ عَلَى نِيَّة عمله.
— 376 —
آية رقم ١١
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١١]
مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١١)مَوْقِعُ هَذِهِ الْجُمْلَةِ مَوْقِعُ التَّعْلِيلِ وَالْبَيَانِ لِجُمْلَةِ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [الْحَدِيد:
١٠].
وَمَا بَيْنَهُمَا اعْتِرَاضٌ، وَالْمَعْنَى: أَنَّ مَثَلَ الْمُنْفِقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ مَنْ يُقْرِضُ اللَّهَ وَمَثَلُ اللَّهِ تَعَالَى فِي جَزَائِهِ كَمَثَلِ الْمُسْتَسْلِفِ مَعَ مَنْ أَحْسَنَ قَرْضَهُ وَأَحْسَنَ فِي دَفْعِهِ إِلَيْهِ.
ومَنْ اسْتِفْهَامِيَّةٌ كَمَا هُوَ شَأْنُهَا إِذَا دَخَلَتْ عَلَى اسْمِ الْإِشَارَةِ وَالْمَوْصُولِ، والَّذِي يُقْرِضُ خَبَرُهَا، وذَا مُعْتَرِضَةٌ لْاسْتِحْضَارِ حَالِ الْمُقْتَرِضِ بِمَنْزِلَةِ الشَّخْصِ الْحَاضِرِ الْقَرِيبِ.
وَعَنِ الْفَرَّاءِ: (ذَا) صِلَةٌ، أَيْ زَائِدَةٌ لِمُجَرَّدِ التَّأْكِيدِ مِثْلَ مَا قَالَ كَثِيرٌ مِنَ النُّحَاةِ: إِنَّ (ذَا) فِي (مَاذَا) مُلْغَاةٌ، قَالَ الْفَرَّاءُ: رَأَيْتُهَا فِي مُصْحَفِ عَبْدِ اللَّهِ مَنْذَا الَّذِي وَالنُّونُ مَوْصُولَةٌ بِالذَّالِ اه.
وَالْاسْتِفْهَامُ مُسْتَعْمَلٌ فِي مَعْنَى التَّحْرِيضِ مَجَازًا لِأَنَّ شَأْنَ الْمُحَرِّضِ عَلَى الْفِعْلِ أَنْ يَبْحَثَ عَمَّنْ يَفْعَلُهُ وَيَتَطَلَّبُ تَعْيِينَهُ لِيَنُوطَهُ بِهِ أَوْ يُجَازِيهِ عَلَيْهِ.
وَالْقَرْضُ الْحَسَنُ: هُوَ الْقَرْضُ الْمُسْتَكْمِلُ مَحَاسِنَ نَوْعِهِ مِنْ كَوْنِهِ عَنْ طِيبِ نَفْسٍ وَبَشَاشَةٍ فِي وَجْهِ الْمُسْتَقْرِضِ، وَخُلُوٍّ عَنْ كُلِّ مَا يُعَرِّضُ بِالْمِنَّةِ أَوْ بِتَضْيِيقِ أَجَلِ الْقَضَاءِ.
وَالْمُشَبَّهُ هُنَا بِالْقَرْضِ الْحَسَنِ هُوَ الْإِنْفَاقُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الْمَنْهِيُّ عَنْ تَرْكِهِ فِي قَوْلِهِ: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الْحَدِيد: ١٠].
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فَيُضاعِفَهُ بِأَلِفٍ بَعْدَ الضَّادِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوب فَيُضاعِفَهُ بِدُونِ أَلِفٍ وَبِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ.
وَالْفَاءُ فِي جُمْلَةِ فَيُضاعِفَهُ لَهُ فَاءُ السَّبَبِيَّةِ لِأَنَّ الْمُضَاعَفَةَ مُسَبَّبَةٌ عَلَى الْقَرْضِ. وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ فِعْلَ يُضَاعِفُهُ مَرْفُوعًا عَلَى اعْتِبَارِهِ مَعْطُوفًا عَلَى يُقْرِضُ. وَالْمَعْنَى:
التَّحْرِيضُ عَلَى الْإِقْرَاضِ وَتَحْصِيلُ الْمُضَاعَفَةِ لِأَنَّ الْإِقْرَاضَ سَبَبُ
— 377 —
الْمُضَاعَفَةِ فَالْعَمَلُ لِحُصُولِ الْإِقْرَاضِ كَأَنَّهُ عَمَلٌ لِحُصُولِ الْمُضَاعَفَةِ.
أَوْ عَلَى اعْتِبَارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لِتَكُونَ الْجُمْلَةُ اسْمِيَّةً فِي التَّقْدِيرِ فَيَقَعُ الْخَبَرُ الْفِعْلِيُّ بَعْدَ الْمُبْتَدَأِ مُفِيدًا تَقْوِيَةَ الْخَبَرِ وَتَأْكِيدَ حُصُولِهِ، وَاعْتِبَارِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ جَوَابًا، لِ (مَنِ) الْمَوْصُولَةِ بِإِشْرَابِ الْمَوْصُولِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَهُوَ إِشْرَابٌ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَقَرَأَهُ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ- كُلٌّ عَلَى قِرَاءَتِهِ- بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ.
وَمَعْنَى وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ: أَنَّ لَهُ أَنْفَسَ جِنْسِ الْأُجُورِ لِأَنَّ الْكَرِيمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ هُوَ النَّفِيسُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٢٩].
وَجُعِلَ الْأَجْرُ الْكَرِيمُ مُقَابِلَ الْقَرْضِ الْحَسَنِ فَقُوبِلَ بِهَذَا مَوْصُوف وَصفته بمثلهما.
والمضاعفة: مماثلة الْمِقْدَار، فَالْمَعْنَى: يُعْطِيهِ مِثْلَيْ قَرْضِهِ.
وَالْمُرَادُ هُنَا مُضَاعَفَتُهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً كَمَا قَالَ: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦١].
وَقَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [الْبَقَرَة: ٢٤٥].
وَضَمِيرُ النصب فِي فَيُضاعِفَهُ عَائِدٌ إِلَى الْقَرْضِ الْحَسَنِ، وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: فَيُضَاعِفُ جَزَاءَهُ لَهُ. لِأَنَّ الْقَرْضَ هُنَا تَمْثِيلٌ بِحَالِ السَّلَفِ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ فَيَكُونُ تَضْعِيفُهُ مِثْلَ تَضْعِيفِ مَالِ السَّلَفِ وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا.
وَالْأَجْرُ: مَا زَادَ عَلَى قَضَاءِ الْقَرْضِ مِنْ عَطِيَّةٍ يُسْدِيهَا الْمُسْتَسْلِفُ إِلَى من سلفه عِنْد مَا يَجِدُ سَعَةً، وَهُوَ الَّذِي
قَالَ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً»
، وَقَالَ تَعَالَى:
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النِّسَاء: ٤٠].
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَجْرَ هُوَ الْمَغْفِرَةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ [١٧]. وَهَذَا يَشْمَلُ الْإِنْفَاقَ فِي الصَّدَقَاتِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الْحَدِيد: ١٨]،
أَوْ عَلَى اعْتِبَارِ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ لِتَكُونَ الْجُمْلَةُ اسْمِيَّةً فِي التَّقْدِيرِ فَيَقَعُ الْخَبَرُ الْفِعْلِيُّ بَعْدَ الْمُبْتَدَأِ مُفِيدًا تَقْوِيَةَ الْخَبَرِ وَتَأْكِيدَ حُصُولِهِ، وَاعْتِبَارِ هَذِهِ الْجُمْلَةِ جَوَابًا، لِ (مَنِ) الْمَوْصُولَةِ بِإِشْرَابِ الْمَوْصُولِ مَعْنَى الشَّرْطِ وَهُوَ إِشْرَابٌ كَثِيرٌ فِي الْقُرْآنِ.
وَقَرَأَهُ حَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَيَعْقُوبُ- كُلٌّ عَلَى قِرَاءَتِهِ- بِالنَّصْبِ عَلَى جَوَابِ الِاسْتِفْهَامِ.
وَمَعْنَى وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ: أَنَّ لَهُ أَنْفَسَ جِنْسِ الْأُجُورِ لِأَنَّ الْكَرِيمَ فِي كُلِّ شَيْءٍ هُوَ النَّفِيسُ، كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنِّي أُلْقِيَ إِلَيَّ كِتابٌ كَرِيمٌ فِي سُورَةِ النَّمْلِ [٢٩].
وَجُعِلَ الْأَجْرُ الْكَرِيمُ مُقَابِلَ الْقَرْضِ الْحَسَنِ فَقُوبِلَ بِهَذَا مَوْصُوف وَصفته بمثلهما.
والمضاعفة: مماثلة الْمِقْدَار، فَالْمَعْنَى: يُعْطِيهِ مِثْلَيْ قَرْضِهِ.
وَالْمُرَادُ هُنَا مُضَاعَفَتُهُ أَضْعَافًا كَثِيرَةً كَمَا قَالَ: مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٦١].
وَقَالَ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ أَضْعافاً كَثِيرَةً [الْبَقَرَة: ٢٤٥].
وَضَمِيرُ النصب فِي فَيُضاعِفَهُ عَائِدٌ إِلَى الْقَرْضِ الْحَسَنِ، وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافٍ تَقْدِيرُهُ: فَيُضَاعِفُ جَزَاءَهُ لَهُ. لِأَنَّ الْقَرْضَ هُنَا تَمْثِيلٌ بِحَالِ السَّلَفِ الْمُتَعَارَفِ بَيْنَ النَّاسِ فَيَكُونُ تَضْعِيفُهُ مِثْلَ تَضْعِيفِ مَالِ السَّلَفِ وَذَلِكَ قَبْلَ تَحْرِيمِ الرِّبَا.
وَالْأَجْرُ: مَا زَادَ عَلَى قَضَاءِ الْقَرْضِ مِنْ عَطِيَّةٍ يُسْدِيهَا الْمُسْتَسْلِفُ إِلَى من سلفه عِنْد مَا يَجِدُ سَعَةً، وَهُوَ الَّذِي
قَالَ فِيهِ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «خَيْرُكُمْ أَحْسَنُكُمْ قَضَاءً»
، وَقَالَ تَعَالَى:
وَإِنْ تَكُ حَسَنَةً يُضاعِفْها وَيُؤْتِ مِنْ لَدُنْهُ أَجْراً عَظِيماً [النِّسَاء: ٤٠].
وَالظَّاهِرُ أَنَّ هَذَا الْأَجْرَ هُوَ الْمَغْفِرَةُ كَمَا فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ فِي سُورَةِ التَّغَابُنِ [١٧]. وَهَذَا يَشْمَلُ الْإِنْفَاقَ فِي الصَّدَقَاتِ قَالَ تَعَالَى: إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الْحَدِيد: ١٨]،
— 378 —
آية رقم ١٢
وَهُوَ مَا فَسَّرَهُ
قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطَايَا كَمَا يطفىء الْمَاءُ النَّارَ»
، أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى مُضَاعَفَتِهَا مِثْلُ الْحَسَنَات كلهَا.
[١٢]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٢]
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)
لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ وَإِعْطَاءَ الْأَجْرِ يَكُونُ فِي يَوْمِ الْجَزَاءِ، تَرَجَّحَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ تَنْوِيهًا بِمَا يَحْصُلُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ ثَوَابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَمِنْ حِرْمَانٍ لِلْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ يَوْمَ لِيَخْتَصَّ كُلُّ فَرِيقٍ بِذِكْرِ مَا هُوَ من شؤونه فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَعَلَى هَذَا فَالْجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِالَّتِي قَبْلَهَا بِسَبَبِ هَذَا التَّعَلُّقِ، عَلَى أَنَّهُ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ يَصِحُّ جَعْلُهُ ظَرْفًا مُتَعَلقا ب فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الْحَدِيد: ١١] عَلَى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ لِذِكْرِ مَا يَجْرِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْخَيْرَاتِ لِأَهْلِهَا وَمِنَ الشَّرِّ لِأَهْلِهِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ أَجْرِ الْمُنْفِقِينَ فَعَقَّبَ
بِبَيَانِ بَعْضِ مَزَايَا الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالَّتِي قَبْلَهَا بِسَبَبِ التَّعَلُّقِ.
وَالْخِطَابُ فِي تَرَى لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَكُونَ عَلَى مِنْوَالِ الْمُخَاطَبَاتِ الَّتِي قَبْلَهُ، أَيْ يَوْمُ يَرَى الرَّائِي، وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، ويَوْمَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وَيَجُوزُ كَوْنُهَا فَتْحَةَ إِعْرَابٍ الْمُضَافَ إِلَى الْمُضَارِعِ يَجُوزُ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَوَجْهُ عَطْفِ الْمُؤْمِناتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ هُنَا، وَفِي نَظَائِرِهِ مِنَ الْقُرْآنِ الْمَدَنِيِّ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ حُظُوظَ النِّسَاءِ فِي هَذَا الدِّينِ مُسَاوِيَةٌ حُظُوظَ الرِّجَالِ إِلَّا فِيمَا خُصِّصْنَ
قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «وَالصَّدَقَةُ تُطْفِئُ الْخَطَايَا كَمَا يطفىء الْمَاءُ النَّارَ»
، أَيْ زِيَادَةٌ عَلَى مُضَاعَفَتِهَا مِثْلُ الْحَسَنَات كلهَا.
[١٢]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٢]
يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمانِهِمْ بُشْراكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهارُ خالِدِينَ فِيها ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ (١٢)
لَمَّا كَانَ مَعْلُومًا أَنَّ مُضَاعَفَةَ الثَّوَابِ وَإِعْطَاءَ الْأَجْرِ يَكُونُ فِي يَوْمِ الْجَزَاءِ، تَرَجَّحَ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ مَنْصُوبًا بِفِعْلٍ مَحْذُوفٍ تَقْدِيرُهُ: اذْكُرْ تَنْوِيهًا بِمَا يَحْصُلُ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنْ ثَوَابٍ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ وَمِنْ حِرْمَانٍ لِلْمُنَافِقِينَ وَالْمُنَافِقَاتِ، وَلِذَلِكَ كَرَّرَ يَوْمَ لِيَخْتَصَّ كُلُّ فَرِيقٍ بِذِكْرِ مَا هُوَ من شؤونه فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ.
وَعَلَى هَذَا فَالْجُمْلَةُ مُتَّصِلَةٌ بِالَّتِي قَبْلَهَا بِسَبَبِ هَذَا التَّعَلُّقِ، عَلَى أَنَّهُ فِي نَظْمِ الْكَلَامِ يَصِحُّ جَعْلُهُ ظَرْفًا مُتَعَلقا ب فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الْحَدِيد: ١١] عَلَى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ لِذِكْرِ مَا يَجْرِي فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْخَيْرَاتِ لِأَهْلِهَا وَمِنَ الشَّرِّ لِأَهْلِهِ.
وَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ فَالْجُمْلَةُ مُسْتَأْنَفَةٌ اسْتِئْنَافًا ابْتِدَائِيًّا لِمُنَاسَبَةِ ذِكْرِ أَجْرِ الْمُنْفِقِينَ فَعَقَّبَ
بِبَيَانِ بَعْضِ مَزَايَا الْمُؤْمِنِينَ، وَعَلَى الْوَجْهِ الثَّانِي فَهِيَ مُتَّصِلَةٌ بِالَّتِي قَبْلَهَا بِسَبَبِ التَّعَلُّقِ.
وَالْخِطَابُ فِي تَرَى لِغَيْرِ مُعَيَّنٍ لِيَكُونَ عَلَى مِنْوَالِ الْمُخَاطَبَاتِ الَّتِي قَبْلَهُ، أَيْ يَوْمُ يَرَى الرَّائِي، وَالرُّؤْيَةُ بَصَرِيَّةٌ، ويَوْمَ مَبْنِيٌّ عَلَى الْفَتْحِ لِأَنَّهُ أُضِيفَ إِلَى جُمْلَةٍ فِعْلِيَّةٍ، وَيَجُوزُ كَوْنُهَا فَتْحَةَ إِعْرَابٍ الْمُضَافَ إِلَى الْمُضَارِعِ يَجُوزُ فِيهِ الْوَجْهَانِ.
وَوَجْهُ عَطْفِ الْمُؤْمِناتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ هُنَا، وَفِي نَظَائِرِهِ مِنَ الْقُرْآنِ الْمَدَنِيِّ التَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ حُظُوظَ النِّسَاءِ فِي هَذَا الدِّينِ مُسَاوِيَةٌ حُظُوظَ الرِّجَالِ إِلَّا فِيمَا خُصِّصْنَ
— 379 —
بِهِ مِنْ أَحْكَامٍ قَلِيلَةٍ لَهَا أَدِلَّتُهَا الْخَاصَّةِ وَذَلِكَ لِإِبْطَالِ مَا عِنْدَ الْيَهُودِ مِنْ وَضْعِ النِّسَاءِ فِي حَالَةِ مَلْعُونَاتٍ وَمَحْرُومَاتٍ مِنْ مُعْظَمِ الطَّاعَاتِ.
وَقَدْ بَيَّنَّا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٧٨].
وَالنُّورُ الْمَذْكُورُ هُنَا نُورٌ حَقِيقِيٌّ يَجعله الله للْمُؤْمِنين فِي مَسِيرِهِمْ مِنْ مَكَانِ الْحَشْرِ إِكْرَامًا لَهُمْ وَتَنْوِيهًا بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَحْشَرِ.
وَالْمَعْنَى: يَسْعَى نُورُهُمْ حِينَ يَسْعَوْنَ، فَحَذَفَ ذَلِكَ لِأَنَّ النُّورَ إِنَّمَا يَسْعَى إِذَا سَعَى صَاحبه وَإِلَّا لَا نفصل عَنْهُ وَتَرَكَهُ.
وَإِضَافَةُ (نُورٍ) إِلَى ضَمِيرِهِمْ وَجَعْلُ مَكَانِهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يُبَيِّنُ أَنَّهُ نُورٌ لِذَوَاتِهِمْ أُكْرِمُوا بِهِ.
وَانْظُرْ مَعْنَى هَذِهِ الْإِضَافَةِ لِضَمِيرِهِمْ، وَمَا فِي قَوْلِهِ: يَسْعى مِنَ الِاسْتِعَارَةِ، وَوَجْهَ تَخْصِيصِ النُّورِ بِالْجِهَةِ الْأَمَامِ وَبِالْأَيْمَانِ كُلَّ ذَلِكَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ.
وَالْبَاءُ فِي وَبِأَيْمانِهِمْ بِمَعْنَى (عَنْ) وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْأَيْمَانِ تَشْرِيفًا لَهَا وَهُوَ مِنَ الِاكْتِفَاءِ، أَيْ وَبِجَانِبَيْهِمْ.
وَيجوز أَن تكون الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ، وَيَكُونُ النُّورُ الْمُلَابِسُ لِلْيَمِينِ نُورَ كِتَابِ الْحَسَنَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً [الانشقاق: ٧، ٨] فَإِنَّ كِتَابَ الْحَسَنَاتِ هُدًى فَيَكُونُ لَفْظُ «النُّورِ» قَدِ اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَيَيْهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ وَهُوَ الْهُدَى وَالْبَرَكَةُ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ انْتُزِعَ حَمْلُ الْمُعْتَقِ لِلشَّمْعَةِ» اه. (لَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى عَادَةٍ كَانَتْ مَأْلُوفَةً عِنْدَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا بِيَدِ الْعَبْدِ الَّذِي يَعْتِقُونَهُ شَمْعَةً مُشْتَعِلَةً يَحْمِلُهَا سَاعَةَ
عِتْقِهِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ).
وَالْبُشْرَى: اسْمُ مَصْدَرِ بَشَّرَ وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِخَبَرٍ يَسُرُّ الْمُخْبَرَ، وَأَطْلَقَ الْمَصْدَرَ عَلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ إِطْلَاقٌ كَثِيرٌ مِثْلُ الْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، أَيِ الَّذِي تُبَشَّرُونَ بِهِ
وَقَدْ بَيَّنَّا شَيْئًا مِنْ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْأُنْثى بِالْأُنْثى فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٧٨].
وَالنُّورُ الْمَذْكُورُ هُنَا نُورٌ حَقِيقِيٌّ يَجعله الله للْمُؤْمِنين فِي مَسِيرِهِمْ مِنْ مَكَانِ الْحَشْرِ إِكْرَامًا لَهُمْ وَتَنْوِيهًا بِهِمْ فِي ذَلِكَ الْمَحْشَرِ.
وَالْمَعْنَى: يَسْعَى نُورُهُمْ حِينَ يَسْعَوْنَ، فَحَذَفَ ذَلِكَ لِأَنَّ النُّورَ إِنَّمَا يَسْعَى إِذَا سَعَى صَاحبه وَإِلَّا لَا نفصل عَنْهُ وَتَرَكَهُ.
وَإِضَافَةُ (نُورٍ) إِلَى ضَمِيرِهِمْ وَجَعْلُ مَكَانِهِ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يُبَيِّنُ أَنَّهُ نُورٌ لِذَوَاتِهِمْ أُكْرِمُوا بِهِ.
وَانْظُرْ مَعْنَى هَذِهِ الْإِضَافَةِ لِضَمِيرِهِمْ، وَمَا فِي قَوْلِهِ: يَسْعى مِنَ الِاسْتِعَارَةِ، وَوَجْهَ تَخْصِيصِ النُّورِ بِالْجِهَةِ الْأَمَامِ وَبِالْأَيْمَانِ كُلَّ ذَلِكَ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ.
وَالْبَاءُ فِي وَبِأَيْمانِهِمْ بِمَعْنَى (عَنْ) وَاقْتَصَرَ عَلَى ذِكْرِ الْأَيْمَانِ تَشْرِيفًا لَهَا وَهُوَ مِنَ الِاكْتِفَاءِ، أَيْ وَبِجَانِبَيْهِمْ.
وَيجوز أَن تكون الْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ، وَيَكُونُ النُّورُ الْمُلَابِسُ لِلْيَمِينِ نُورَ كِتَابِ الْحَسَنَاتِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: فَأَمَّا مَنْ أُوتِيَ كِتابَهُ بِيَمِينِهِ فَسَوْفَ يُحاسَبُ حِساباً يَسِيراً [الانشقاق: ٧، ٨] فَإِنَّ كِتَابَ الْحَسَنَاتِ هُدًى فَيَكُونُ لَفْظُ «النُّورِ» قَدِ اسْتُعْمِلَ فِي مَعْنَيَيْهِ الْحَقِيقِيِّ وَالْمَجَازِيِّ وَهُوَ الْهُدَى وَالْبَرَكَةُ.
قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: «وَمِنْ هَذِهِ الْآيَةِ انْتُزِعَ حَمْلُ الْمُعْتَقِ لِلشَّمْعَةِ» اه. (لَعَلَّهُ يُشِيرُ إِلَى عَادَةٍ كَانَتْ مَأْلُوفَةً عِنْدَهُمْ أَنْ يَجْعَلُوا بِيَدِ الْعَبْدِ الَّذِي يَعْتِقُونَهُ شَمْعَةً مُشْتَعِلَةً يَحْمِلُهَا سَاعَةَ
عِتْقِهِ وَلَمْ أَقِفْ عَلَى هَذَا فِي كَلَامِ غَيْرِهِ).
وَالْبُشْرَى: اسْمُ مَصْدَرِ بَشَّرَ وَهِيَ الْإِخْبَارُ بِخَبَرٍ يَسُرُّ الْمُخْبَرَ، وَأَطْلَقَ الْمَصْدَرَ عَلَى الْمَفْعُولِ وَهُوَ إِطْلَاقٌ كَثِيرٌ مِثْلُ الْخَلْقِ بِمَعْنَى الْمَخْلُوقِ، أَيِ الَّذِي تُبَشَّرُونَ بِهِ
— 380 —
الآيات من ١٣ إلى ١٤
جَنَّاتٌ، وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَافَيْنِ تَقْدِيرُهُمَا: إِعْلَامٌ بِدُخُولِ جَنَّاتٍ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: خالِدِينَ فِيها.
وَجُمْلَةُ بُشْراكُمُ إِلَى آخِرِهَا مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: يُقَالُ لَهُمْ، أَيْ يُقَالُ مِنْ جَانِبِ الْقُدْسِ، تَقُولُهُ الْمَلَائِكَةُ، أَوْ يَسْمَعُونَ كَلَامًا يَخْلُقُهُ اللَّهُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ جَانِبِ الْقُدْسِ.
وَجُمْلَةُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ الْمَحْكِيِّ بِالْقَوْلِ الْمُبَشَّرِ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحِكَايَةِ الَّتِي حُكِيَتْ فِي الْقُرْآنِ، وعَلى الِاحْتِمَالَيْنِ فَالْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ تَدُلُّ عَلَى مَجْمُوعِ مَحَاسِنِ مَا وَقَعَتْ بِهِ الْبُشْرَى. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّنْبِيهِ، وَضَمِيرُ الْفَصْلِ لتقوية الْخَبَر.
[١٣، ١٤]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : الْآيَات ١٣ إِلَى ١٤]
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)
يَوْمَ يَقُولُ بَدَلٌ مِنْ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ [الْحَدِيد: ١٢] بَدَلا مطابقا إِذا الْيَوْمُ هُوَ عَيْنُ الْيَوْمِ الْمُعَرّف فِي قَوْله: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ [الْحَدِيد: ١٢].
وَالْقَوْلُ فِي فَتْحَةِ يَوْمَ تَقَدَّمَ فِي نَظَرِهِ قَرِيبًا.
وَعَطْفُ الْمُنافِقاتُ عَلَى الْمُنافِقُونَ كَعَطْفِ الْمُؤْمِناتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآيَةِ [١٢] قَبْلَ هَذِهِ.
وَالَّذِينَ آمَنُوا تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ هُمْ أَصْحَابُ النُّورِ وَهُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
وَجُمْلَةُ بُشْراكُمُ إِلَى آخِرِهَا مَقُولُ قَوْلٍ مَحْذُوفٍ، وَالتَّقْدِيرُ: يُقَالُ لَهُمْ، أَيْ يُقَالُ مِنْ جَانِبِ الْقُدْسِ، تَقُولُهُ الْمَلَائِكَةُ، أَوْ يَسْمَعُونَ كَلَامًا يَخْلُقُهُ اللَّهُ يَعْلَمُونَ أَنَّهُ مِنْ جَانِبِ الْقُدْسِ.
وَجُمْلَةُ ذلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ يَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنْ بَقِيَّةِ الْكَلَامِ الْمَحْكِيِّ بِالْقَوْلِ الْمُبَشَّرِ بِهِ، وَيَحْتَمِلُ أَنْ يَكُونَ مِنَ الْحِكَايَةِ الَّتِي حُكِيَتْ فِي الْقُرْآنِ، وعَلى الِاحْتِمَالَيْنِ فَالْجُمْلَةُ تَذْيِيلٌ تَدُلُّ عَلَى مَجْمُوعِ مَحَاسِنِ مَا وَقَعَتْ بِهِ الْبُشْرَى. وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِلتَّعْظِيمِ وَالتَّنْبِيهِ، وَضَمِيرُ الْفَصْلِ لتقوية الْخَبَر.
[١٣، ١٤]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : الْآيَات ١٣ إِلَى ١٤]
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ لِلَّذِينَ آمَنُوا انْظُرُونا نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ قِيلَ ارْجِعُوا وَراءَكُمْ فَالْتَمِسُوا نُوراً فَضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ لَهُ بابٌ باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ وَظاهِرُهُ مِنْ قِبَلِهِ الْعَذابُ (١٣) يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى وَلكِنَّكُمْ فَتَنْتُمْ أَنْفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ (١٤)
يَوْمَ يَقُولُ بَدَلٌ مِنْ يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ [الْحَدِيد: ١٢] بَدَلا مطابقا إِذا الْيَوْمُ هُوَ عَيْنُ الْيَوْمِ الْمُعَرّف فِي قَوْله: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ [الْحَدِيد: ١٢].
وَالْقَوْلُ فِي فَتْحَةِ يَوْمَ تَقَدَّمَ فِي نَظَرِهِ قَرِيبًا.
وَعَطْفُ الْمُنافِقاتُ عَلَى الْمُنافِقُونَ كَعَطْفِ الْمُؤْمِناتِ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ فِي الْآيَةِ [١٢] قَبْلَ هَذِهِ.
وَالَّذِينَ آمَنُوا تَغْلِيبٌ لِلذُّكُورِ لِأَنَّ الْمُخَاطَبِينَ هُمْ أَصْحَابُ النُّورِ وَهُوَ لِلْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ.
— 381 —
وَ (انْظُرُونا) بِهَمْزَةِ وَصْلٍ مَضْمُومًا، مِنْ نَظَرَهُ، إِذَا انْتَظَرَهُ مِثْلَ نَظَرَ، إِذَا أَبْصَرَ، إِلَّا أَنَّ نَظَرَ بِمَعْنَى الِانْتِظَارِ يَتَعَدَّى إِلَى الْمَفْعُولِ، وَنَظَرَ بِمَعْنَى أَبْصَرَ يَتَعَدَّى بِحَرْفِ (إِلَى) قَالَ
تَعَالَى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [الْبَقَرَة: ٢٥٩].
والانتظار: التَّرَيُّثُ بِفِعْلٍ مَا، أَيْ تَرَيَّثُوا فِي سَيْرِكُمْ حَتَّى نَلْحَقَ بِكُمْ فَنَسْتَضِيءَ بِالَّنُورِ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَبِجَانِبِكُمْ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ يَأْذَنُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْأَوَّلِينَ بِالسَّيْرِ إِلَى الْجَنَّةِ فَوْجًا، وَيَجْعَلُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ سَائِرِينَ وَرَاءَهُمْ كَمَا
وَرَدَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ «وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا»
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَسِيرُونَ فِي ظُلُمَاتٍ فَيَسْأَلُ الْمُنَافِقُونَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْتَظِرُوهُمْ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ انْظُرُونا بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَضَمِّ الظَّاءِ، وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ الظَّاءِ، مِنْ أَنْظَرَهُ، إِذَا أَمْهَلَهُ، أَيْ أَمْهِلُونَا حَتَّى نَلْحَقَ بِكُمْ وَلَا تُعَجِّلُوا السَّيْرَ فَيَنْأَى نُورُكُمْ عَنَّا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ بُعْدَهُمْ عَنْهُمْ مِنْ جَرَّاءِ السُّرْعَةِ.
وَالْاقْتِبَاسُ حَقِيقَتُهُ: أَخْذُ الْقَبَسِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الجذوة من الْحمر. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: وَمَجِيءُ فَعَلْتُ وَافْتَعَلْتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِمْ: شَوَيْتُ وَاشْتَوَيْتُ، وَحَقَرْتُ وَاحْتَقَرْتُ. قُلْتَ: وَكَذَلِكَ حَفَرْتُ وَاحْتَفَرْتُ، فَيَجُوزُ أَنْ يكون إِطْلَاق تقتبس هُنَا حَقِيقَةً بِأَنْ يَكُونُوا ظَنُّوا أَنَّ النُّورَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ نُورُ شُعْلَةٍ وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَأْخُذُوا قَبَسًا مِنْهُ يُلْقَى ذَلِكَ فِي ظَنِّهِمْ لِتَكُونَ خَيْبَتُهُمْ أَشَدَّ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ الِاقْتِبَاسُ لِانْتِفَاعِ أَحَدٍ بِضَوْءِ آخَرَ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاقْتِبَاسَ فِي الِانْتِفَاعِ بِالضَّوْءِ بِدُونِ عِلَاجٍ فَمَعْنَى نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ نُصِبْ مِنْهُ ونلتحق بِهِ فنستبر بِهِ.
وَيَظْهَرُ مِنْ إِسْنَادِ قِيلَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَنَّ قَائِلَهُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخَاطَبِينَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ السَّائِقِينَ لِلْمُنَافِقِينَ.
وَتَكُونُ مَقَالَةُ الْمَلَائِكَةُ لِلْمُنَافِقِينَ تَهَكُّمًا إِذْ لَا نُورَ وَرَاءَهُمْ وَإِنَّمَا أَرَادُوا إِطْمَاعَهُمْ
تَعَالَى: وَانْظُرْ إِلَى الْعِظامِ كَيْفَ نُنْشِزُها [الْبَقَرَة: ٢٥٩].
والانتظار: التَّرَيُّثُ بِفِعْلٍ مَا، أَيْ تَرَيَّثُوا فِي سَيْرِكُمْ حَتَّى نَلْحَقَ بِكُمْ فَنَسْتَضِيءَ بِالَّنُورِ الَّذِي بَيْنَ أَيْدِيكُمْ وَبِجَانِبِكُمْ وَذَلِكَ يَقْتَضِي أَنَّ اللَّهَ يَأْذَنُ لِلْمُؤْمِنِينَ الْأَوَّلِينَ بِالسَّيْرِ إِلَى الْجَنَّةِ فَوْجًا، وَيَجْعَلُ الْمُنَافِقِينَ الَّذِينَ كَانُوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَدِينَةِ سَائِرِينَ وَرَاءَهُمْ كَمَا
وَرَدَ فِي حَدِيثِ الشَّفَاعَةِ «وَتَبْقَى هَذِهِ الْأُمَّةُ فِيهَا مُنَافِقُوهَا»
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ يَسِيرُونَ فِي ظُلُمَاتٍ فَيَسْأَلُ الْمُنَافِقُونَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْ يَنْتَظِرُوهُمْ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ انْظُرُونا بِهَمْزَةِ وَصْلٍ وَضَمِّ الظَّاءِ، وَقَرَأَهُ حَمْزَةُ وَحْدَهُ بِهَمْزَةِ قَطْعٍ وَكَسْرِ الظَّاءِ، مِنْ أَنْظَرَهُ، إِذَا أَمْهَلَهُ، أَيْ أَمْهِلُونَا حَتَّى نَلْحَقَ بِكُمْ وَلَا تُعَجِّلُوا السَّيْرَ فَيَنْأَى نُورُكُمْ عَنَّا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّ بُعْدَهُمْ عَنْهُمْ مِنْ جَرَّاءِ السُّرْعَةِ.
وَالْاقْتِبَاسُ حَقِيقَتُهُ: أَخْذُ الْقَبَسِ بِفَتْحَتَيْنِ وَهُوَ الجذوة من الْحمر. قَالَ أَبُو عَلِيٍّ الْفَارِسِيُّ: وَمَجِيءُ فَعَلْتُ وَافْتَعَلْتُ بِمَعْنًى وَاحِدٍ كَثِيرٌ كَقَوْلِهِمْ: شَوَيْتُ وَاشْتَوَيْتُ، وَحَقَرْتُ وَاحْتَقَرْتُ. قُلْتَ: وَكَذَلِكَ حَفَرْتُ وَاحْتَفَرْتُ، فَيَجُوزُ أَنْ يكون إِطْلَاق تقتبس هُنَا حَقِيقَةً بِأَنْ يَكُونُوا ظَنُّوا أَنَّ النُّورَ الَّذِي كَانَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ نُورُ شُعْلَةٍ وَحَسِبُوا أَنَّهُمْ يَسْتَطِيعُونَ أَنْ يَأْخُذُوا قَبَسًا مِنْهُ يُلْقَى ذَلِكَ فِي ظَنِّهِمْ لِتَكُونَ خَيْبَتُهُمْ أَشَدَّ حَسْرَةً عَلَيْهِمْ.
وَيَجُوزُ أَنْ يُسْتَعَارَ الِاقْتِبَاسُ لِانْتِفَاعِ أَحَدٍ بِضَوْءِ آخَرَ لِأَنَّهُ يُشْبِهُ الِاقْتِبَاسَ فِي الِانْتِفَاعِ بِالضَّوْءِ بِدُونِ عِلَاجٍ فَمَعْنَى نَقْتَبِسْ مِنْ نُورِكُمْ نُصِبْ مِنْهُ ونلتحق بِهِ فنستبر بِهِ.
وَيَظْهَرُ مِنْ إِسْنَادِ قِيلَ بِصِيغَةِ الْمَجْهُولِ أَنَّ قَائِلَهُ غَيْرُ الْمُؤْمِنِينَ الْمُخَاطَبِينَ وَإِنَّمَا هُوَ مِنْ كَلَامِ الْمَلَائِكَةِ السَّائِقِينَ لِلْمُنَافِقِينَ.
وَتَكُونُ مَقَالَةُ الْمَلَائِكَةُ لِلْمُنَافِقِينَ تَهَكُّمًا إِذْ لَا نُورَ وَرَاءَهُمْ وَإِنَّمَا أَرَادُوا إِطْمَاعَهُمْ
— 382 —
ثُمَّ تَخْيِيبَهُمْ بِضَرِبِ السُّورِ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْمُؤْمِنِينَ، لِأَنَّ الْخَيْبَةَ بَعْدَ الطَّمَعِ أَشَدُّ حَسْرَةً. وَهَذَا اسْتِهْزَاءٌ كَانَ جَزَاءً عَلَى اسْتِهْزَائِهِمْ بِالْمُؤْمِنِينَ وَاسْتِسْخَارِهِمْ بِهِمْ، فَهُوَ مِنْ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى:
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التَّوْبَة: ٧٩].
ووَراءَكُمْ: تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى ارْجِعُوا إِذِ الرُّجُوعُ يَسْتَلْزِمُ الْوَرَاءَ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ:
رَجَعَ الْقَهْقَرَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظرفا لفعل فَالْتَمِسُوا نُوراً، أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي خَلْفَكُمْ.
وَتَقْدِيمُهُ عَلَى عَامِلِهِ لِلِاهْتِمَامِ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الْإِغْرَاءِ بِالْتِمَاسِ النُّورِ هُنَاكَ وَهُوَ أَشَدُّ فِي الْإِطْمَاعِ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ النُّورَ يُتَنَاوَلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَبِذَلِكَ الْإِيهَامِ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ كَذِبًا لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعَارِيضِ لَا سِيَّمَا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَراءَكُمْ تَأْكِيدًا لِمَعْنَى ارْجِعُوا.
وَضَمِيرُ بَيْنَهُمْ عَائِدٌ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَضَرْبُ السُّورِ: وَضْعُهُ، يُقَالُ: ضَرَبَ خَيْمَةً، قَالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّيِّبِ:
وَضمن فَضُرِبَ فِي الْآيَةِ مَعْنَى الْحَجْزِ فَعُدِّيَ بِالْبَاءِ، أَيْ ضُرِبَ بَيْنَهُمْ سُورٌ لِلْحَجْزِ بِهِ بَيْنَ الْمُنَافِقِينَ وَالْمُؤْمِنِينَ، خَلَقَهُ اللَّهُ سَاعَتَئِذٍ قَطْعًا لِأَطْمَاعِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُمَاتٍ لَا يُبْصِرُونَ، فَحَقَّ بِذَلِكَ التَّمْثِيلُ الَّذِي مَثَّلَ اللَّهُ بِهِ حَالَهُمْ فِي الدُّنْيَا بِقَوْلِهِ: مَثَلُهُمْ كَمَثَلِ الَّذِي اسْتَوْقَدَ نَارًا فَلَمَّا أَضاءَتْ مَا حَوْلَهُ ذَهَبَ اللَّهُ بِنُورِهِمْ وَتَرَكَهُمْ فِي ظُلُماتٍ لَا يُبْصِرُونَ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٧]. وَأَنَّ الْحَيْرَةَ وَعَدَمَ رُؤْيَةِ الْمَصِيرِ عَذَابٌ أَلِيمٌ.
وَلَعَلَّ ضَرْبَ السُّورِ بَيْنَهُمْ وَجَعْلَ الْعَذَابِ بِظَاهِرِهِ وَالنَّعِيمِ بِبَاطِنِهِ قُصِدَ مِنْهُ التَّمْثِيلُ لَهُمْ بِأَنَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ هُوَ الْأَعْمَالُ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي يَعْمَلُهَا النَّاسُ فِي الدُّنْيَا مِنْهَا مَا يُفْضِي بِعَامِلِهِ إِلَى النَّعِيمِ وَمِنْهَا مَا يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْعَذَابِ فَأَحَدُ طَرَفَيِ السُّورِ مِثَالٌ لِأَحَدِ الْعَمَلَيْنِ وَطَرَفُهُ الْآخَرُ مِثَالٌ
الَّذِينَ يَلْمِزُونَ الْمُطَّوِّعِينَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ فِي الصَّدَقاتِ وَالَّذِينَ لَا يَجِدُونَ إِلَّا جُهْدَهُمْ فَيَسْخَرُونَ مِنْهُمْ سَخِرَ اللَّهُ مِنْهُمْ [التَّوْبَة: ٧٩].
ووَراءَكُمْ: تَأْكِيدٌ لِمَعْنَى ارْجِعُوا إِذِ الرُّجُوعُ يَسْتَلْزِمُ الْوَرَاءَ، وَهَذَا كَمَا يُقَالُ:
رَجَعَ الْقَهْقَرَى. وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ظرفا لفعل فَالْتَمِسُوا نُوراً، أَيْ فِي الْمَكَانِ الَّذِي خَلْفَكُمْ.
وَتَقْدِيمُهُ عَلَى عَامِلِهِ لِلِاهْتِمَامِ فَيَكُونُ فِيهِ مَعْنَى الْإِغْرَاءِ بِالْتِمَاسِ النُّورِ هُنَاكَ وَهُوَ أَشَدُّ فِي الْإِطْمَاعِ، لِأَنَّهُ يُوهِمُ أَنَّ النُّورَ يُتَنَاوَلُ مِنْ ذَلِكَ الْمَكَانِ الَّذِي صَدَرَ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ، وَبِذَلِكَ الْإِيهَامِ لَا يَكُونُ الْكَلَامُ كَذِبًا لِأَنَّهُ مِنَ الْمَعَارِيضِ لَا سِيَّمَا مَعَ احْتِمَالِ أَنْ يَكُونَ وَراءَكُمْ تَأْكِيدًا لِمَعْنَى ارْجِعُوا.
وَضَمِيرُ بَيْنَهُمْ عَائِدٌ إِلَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُنَافِقِينَ.
وَضَرْبُ السُّورِ: وَضْعُهُ، يُقَالُ: ضَرَبَ خَيْمَةً، قَالَ عَبْدَةُ بْنُ الطَّيِّبِ:
| إِنَّ الَّتِي ضَرَبَتْ بَيْتَا مُهَاجَرَةً | بِكُوفَةِ الْجُنْدِ غَالَتْ وُدَّهَا غول |
وَلَعَلَّ ضَرْبَ السُّورِ بَيْنَهُمْ وَجَعْلَ الْعَذَابِ بِظَاهِرِهِ وَالنَّعِيمِ بِبَاطِنِهِ قُصِدَ مِنْهُ التَّمْثِيلُ لَهُمْ بِأَنَّ الْفَاصِلَ بَيْنَ النَّعِيمِ وَالْعَذَابِ هُوَ الْأَعْمَالُ فِي الدُّنْيَا وَأَنَّ الْأَعْمَالَ الَّتِي يَعْمَلُهَا النَّاسُ فِي الدُّنْيَا مِنْهَا مَا يُفْضِي بِعَامِلِهِ إِلَى النَّعِيمِ وَمِنْهَا مَا يُفْضِي بِصَاحِبِهِ إِلَى الْعَذَابِ فَأَحَدُ طَرَفَيِ السُّورِ مِثَالٌ لِأَحَدِ الْعَمَلَيْنِ وَطَرَفُهُ الْآخَرُ مِثَالٌ
— 383 —
لِضِدِّهِ. وَ «الْبَابُ» وَاحِدٌ وَهُوَ الْمَوْتُ، وَهُوَ الَّذِي يَسْلُكُ بِالنَّاسِ إِلَى أَحَدِ الْجَانِبَيْنِ.
وَلَعَلَّ جَعْلَ الْبَابِ فِي سُورٍ وَاحِدٍ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ لِيَمُرَّ مِنْهُ أَفْوَاجُ الْمُؤْمِنِينَ الْخَالِصِينَ مِنْ وُجُودِ مُنَافِقِينَ بَيْنَهُمْ بِمَرْأًى مِنَ الْمُنَافِقِينَ الْمَحْبُوسِينَ وَرَاءَ ذَلِكَ السُّورِ تَنْكِيلًا بِهِمْ وَحَسْرَةً حِينَ يُشَاهِدُونَ أَفْوَاجَ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَحُ لَهُمُ الْبَابُ الَّذِي فِي السُّورِ لِيَجْتَازُوا مِنْهُ إِلَى النَّعِيمِ الَّذِي بِبَاطِنِ السُّورِ.
وَرَكَّبَ الْقَصَّاصُونَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ تَأْوِيلَاتٍ مَوْضُوعَةً فِي فَضَائِلِ بِلَادِ الْقُدْسِ بِفِلَسْطِينَ عَزَوْهَا إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ فَسَمَّوْا بَعْضَ أَبْوَابِ مَدِينَةِ الْقُدْسِ بَابَ الرَّحْمَةِ، وَسَمَّوْا مَكَانًا مِنْهَا وَادِي جَهَنَّمَ، وَهُوَ خَارِجُ سُورِ بِلَادِ الْقُدْسِ، ثُمَّ رَكَّبُوا تَأْوِيلَ الْآيَةِ عَلَيْهَا وَهِيَ أَوْهَامٌ عَلَى أَوْهَامٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا السُّورَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ الْحِجَابِ الَّذِي ذُكِرَ فِي سُورَةِ
الْأَعْرَافِ.
وَضَمَائِرُ لَهُ بابٌ وباطِنُهُ وظاهِرُهُ عَائِدَة إِلَى السُّورِ، والجملتان صفتان لسور. وَإِنَّمَا عُطِفَتِ الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ بِالْوَاوِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الصِّفَةِ مَجْمُوعُ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [التَّحْرِيم: ٥].
وَالْبَاطِنُ: هُوَ دَاخِلُ الشَّيْءِ، وَالظَّاهِرُ: خَارِجُهُ.
فَالْبَاطِنُ: هُوَ دَاخِلُ السُّورِ الْحَاجِزِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَهُوَ مَكَانُ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْبُطُونُ وَالظُّهُورُ هُنَا نِسْبِيَّانِ، أَيْ بِاعِتَبَارِ مَكَانِ الْمُسْلِمِينَ وَمَكَانِ الْمُنَافِقِينَ، فَالظَّاهِرُ هُوَ الْجِهَةُ الَّتِي نَحْوَ الْمُنَافِقِينَ، أَيْ ضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ يُشَاهِدُ الْمُنَافِقُونَ الْعَذَابَ مِنْ ظَاهِرِهِ الَّذِي يُوَاجِهُهُمْ، وَإِنَّ الرَّحْمَةَ وَرَاءَ مَا يَلِيهِمْ.
وَ (قِبَلِ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ، الْجِهَةُ الْمُقَابِلَةُ، وَقَوْلُهُ: مِنْ قِبَلِهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والْعَذابُ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ ظاهِرُهُ.
وَلَعَلَّ جَعْلَ الْبَابِ فِي سُورٍ وَاحِدٍ فِيهِ مَعَ ذَلِكَ لِيَمُرَّ مِنْهُ أَفْوَاجُ الْمُؤْمِنِينَ الْخَالِصِينَ مِنْ وُجُودِ مُنَافِقِينَ بَيْنَهُمْ بِمَرْأًى مِنَ الْمُنَافِقِينَ الْمَحْبُوسِينَ وَرَاءَ ذَلِكَ السُّورِ تَنْكِيلًا بِهِمْ وَحَسْرَةً حِينَ يُشَاهِدُونَ أَفْوَاجَ الْمُؤْمِنِينَ يُفْتَحُ لَهُمُ الْبَابُ الَّذِي فِي السُّورِ لِيَجْتَازُوا مِنْهُ إِلَى النَّعِيمِ الَّذِي بِبَاطِنِ السُّورِ.
وَرَكَّبَ الْقَصَّاصُونَ عَلَى هَذِهِ الْآيَةِ تَأْوِيلَاتٍ مَوْضُوعَةً فِي فَضَائِلِ بِلَادِ الْقُدْسِ بِفِلَسْطِينَ عَزَوْهَا إِلَى كَعْبِ الْأَحْبَارِ فَسَمَّوْا بَعْضَ أَبْوَابِ مَدِينَةِ الْقُدْسِ بَابَ الرَّحْمَةِ، وَسَمَّوْا مَكَانًا مِنْهَا وَادِي جَهَنَّمَ، وَهُوَ خَارِجُ سُورِ بِلَادِ الْقُدْسِ، ثُمَّ رَكَّبُوا تَأْوِيلَ الْآيَةِ عَلَيْهَا وَهِيَ أَوْهَامٌ عَلَى أَوْهَامٍ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا السُّورَ الْمَذْكُورَ فِي هَذِهِ الْآيَةِ غَيْرُ الْحِجَابِ الَّذِي ذُكِرَ فِي سُورَةِ
الْأَعْرَافِ.
وَضَمَائِرُ لَهُ بابٌ وباطِنُهُ وظاهِرُهُ عَائِدَة إِلَى السُّورِ، والجملتان صفتان لسور. وَإِنَّمَا عُطِفَتِ الْجُمْلَةُ الثَّالِثَةُ بِالْوَاوِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الصِّفَةِ مَجْمُوعُ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: ثَيِّباتٍ وَأَبْكاراً [التَّحْرِيم: ٥].
وَالْبَاطِنُ: هُوَ دَاخِلُ الشَّيْءِ، وَالظَّاهِرُ: خَارِجُهُ.
فَالْبَاطِنُ: هُوَ دَاخِلُ السُّورِ الْحَاجِزِ بَيْنَ الْمُسْلِمِينَ وَالْمُنَافِقِينَ وَهُوَ مَكَانُ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْبُطُونُ وَالظُّهُورُ هُنَا نِسْبِيَّانِ، أَيْ بِاعِتَبَارِ مَكَانِ الْمُسْلِمِينَ وَمَكَانِ الْمُنَافِقِينَ، فَالظَّاهِرُ هُوَ الْجِهَةُ الَّتِي نَحْوَ الْمُنَافِقِينَ، أَيْ ضُرِبَ بَيْنَهُمْ بِسُورٍ يُشَاهِدُ الْمُنَافِقُونَ الْعَذَابَ مِنْ ظَاهِرِهِ الَّذِي يُوَاجِهُهُمْ، وَإِنَّ الرَّحْمَةَ وَرَاءَ مَا يَلِيهِمْ.
وَ (قِبَلِ) بِكَسْرٍ فَفَتْحٍ، الْجِهَةُ الْمُقَابِلَةُ، وَقَوْلُهُ: مِنْ قِبَلِهِ خَبَرٌ مُقَدَّمٌ، والْعَذابُ مُبْتَدَأٌ وَالْجُمْلَةُ خَبَرٌ عَنْ ظاهِرُهُ.
— 384 —
وَ (مِنْ) بِمَعْنَى (فِي) كَالَّتِي فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: إِذا نُودِيَ لِلصَّلاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ [الْجُمُعَةِ: ٩] فَتَكُونُ نَظِيرَ قَوْلِهِ: باطِنُهُ فِيهِ الرَّحْمَةُ.
وَالْعَذَابُ: هُوَ حَرْقُ جَهَنَّمَ فَإِنَّ جَهَنَّمَ دَارُ عَذَابٍ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً [الْفرْقَان: ٦٥].
وَجُمْلَةُ يُنادُونَهُمْ حَالٌ مِنْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ.
وَضَمَائِرُ يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى تُعْرَفُ مَرَاجِعُهَا مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ:
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ الْآيَة.
وأَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ، اسْتُعْمِلَ كِنَايَةً عَنْ طَلَبِ اللَّحَاقِ بِهِمْ وَالْانْضِمَامِ إِلَيْهِمْ كَمَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا يَعْمَلُونَ أَعْمَالَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْمَعِيَّةُ أُطْلِقَتْ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ مِنْ نُطْقٍ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَإِقَامَةِ عِبَادَاتِ الْإِسْلَامِ، تَوَهَّمُوا أَنَّ الْمُعَامَلَةَ فِي الْآخِرَةِ تَجْرِي كَمَا تَجْرِي الْمُعَامَلَةُ فِي الدُّنْيَا عَلَى حَسَبِ صُوَرِ الْأَعْمَالِ، وَمَا دَرَوْا أَنَّ الصُّوَرَ مُكَمِّلَاتٌ وَأَنَّ قِوَامَهَا إِخْلَاصُ الْإِيمَانِ وَهَذَا الْجَوَابُ إِقْرَارٌ بِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ أَعْمَالَهُمْ مَعَهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْإِقْرَارُ يُوهِمُ أَنَّهُ قَوْلٌ بِمُوجَبِ الِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ أَعْقَبُوا جَوَابَهُمُ
الْإِقْرَارِيَ بِالِاسْتِدْرَاكِ الرَّافِعِ لِمَا تَوَهَّمَهُ الْمُنَافِقُونَ مِنْ أَنَّ الْمُوَافَقَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ تَكْفِي فِي الْتِحَاقِهِمْ بِهِمْ فِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ فَبَيَّنُوا لَهُمْ أَسْبَابَ التَّبَاعُدِ بَيْنَهُمْ بِأَنَّ بَاطِنَهُمْ كَانَ مُخَالِفًا لِظَاهِرِهِمْ.
وَذَكَرُوا لَهُمْ أَرْبَعَةَ أُصُولٍ هِيَ أَسْبَابُ الْخُسْرَانِ، وَهِيَ: فِتْنَةُ أَنْفُسِهِمْ، وَالتَّرَبُّصُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَالْارْتِيَابُ فِي صِدْقِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْاغْتِرَارُ بِمَا تُمَوِّهُ إِلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ.
وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ هِيَ أُصُولُ الْخِصَالِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَلَى النِّفَاقِ.
الْأَوَّلُ: فِتْنَتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ، أَيْ عَدَمُ قَرَارِ ضَمَائِرِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، فَكَأَنَّ الِاضْطِرَابَ وَعَدَمَ الِاسْتِقْرَارِ خُلُقٌ لَهُمْ فَإِذَا خَطَرَتْ فِي
وَالْعَذَابُ: هُوَ حَرْقُ جَهَنَّمَ فَإِنَّ جَهَنَّمَ دَارُ عَذَابٍ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّ عَذابَها كانَ غَراماً [الْفرْقَان: ٦٥].
وَجُمْلَةُ يُنادُونَهُمْ حَالٌ مِنْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ.
وَضَمَائِرُ يُنادُونَهُمْ أَلَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ قالُوا بَلى تُعْرَفُ مَرَاجِعُهَا مِمَّا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ:
يَوْمَ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَالْمُنافِقاتُ الْآيَة.
وأَ لَمْ نَكُنْ مَعَكُمْ اسْتِفْهَامٌ تَقْرِيرِيٌّ، اسْتُعْمِلَ كِنَايَةً عَنْ طَلَبِ اللَّحَاقِ بِهِمْ وَالْانْضِمَامِ إِلَيْهِمْ كَمَا كَانُوا مَعَهُمْ فِي الدُّنْيَا يَعْمَلُونَ أَعْمَالَ الْإِسْلَامِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ.
وَالْمَعِيَّةُ أُطْلِقَتْ عَلَى الْمُشَارَكَةِ فِي أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ مِنْ نُطْقٍ بِكَلِمَةِ الْإِسْلَامِ وَإِقَامَةِ عِبَادَاتِ الْإِسْلَامِ، تَوَهَّمُوا أَنَّ الْمُعَامَلَةَ فِي الْآخِرَةِ تَجْرِي كَمَا تَجْرِي الْمُعَامَلَةُ فِي الدُّنْيَا عَلَى حَسَبِ صُوَرِ الْأَعْمَالِ، وَمَا دَرَوْا أَنَّ الصُّوَرَ مُكَمِّلَاتٌ وَأَنَّ قِوَامَهَا إِخْلَاصُ الْإِيمَانِ وَهَذَا الْجَوَابُ إِقْرَارٌ بِأَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا يَعْمَلُونَ أَعْمَالَهُمْ مَعَهُمْ.
وَلَمَّا كَانَ هَذَا الْإِقْرَارُ يُوهِمُ أَنَّهُ قَوْلٌ بِمُوجَبِ الِاسْتِفْهَامِ التَّقْرِيرِيِّ أَعْقَبُوا جَوَابَهُمُ
الْإِقْرَارِيَ بِالِاسْتِدْرَاكِ الرَّافِعِ لِمَا تَوَهَّمَهُ الْمُنَافِقُونَ مِنْ أَنَّ الْمُوَافَقَةَ لِلْمُؤْمِنِينَ فِي أَعْمَالِ الْإِسْلَامِ تَكْفِي فِي الْتِحَاقِهِمْ بِهِمْ فِي نَعِيمِ الْجَنَّةِ فَبَيَّنُوا لَهُمْ أَسْبَابَ التَّبَاعُدِ بَيْنَهُمْ بِأَنَّ بَاطِنَهُمْ كَانَ مُخَالِفًا لِظَاهِرِهِمْ.
وَذَكَرُوا لَهُمْ أَرْبَعَةَ أُصُولٍ هِيَ أَسْبَابُ الْخُسْرَانِ، وَهِيَ: فِتْنَةُ أَنْفُسِهِمْ، وَالتَّرَبُّصُ بِالْمُؤْمِنِينَ، وَالْارْتِيَابُ فِي صِدْقِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، وَالْاغْتِرَارُ بِمَا تُمَوِّهُ إِلَيْهِمْ أَنْفُسُهُمْ.
وَهَذِهِ الْأَرْبَعَةُ هِيَ أُصُولُ الْخِصَالِ الْمُتَفَرِّعَةِ عَلَى النِّفَاقِ.
الْأَوَّلُ: فِتْنَتُهُمْ أَنْفُسَهُمْ، أَيْ عَدَمُ قَرَارِ ضَمَائِرِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ، فَكَأَنَّ الِاضْطِرَابَ وَعَدَمَ الِاسْتِقْرَارِ خُلُقٌ لَهُمْ فَإِذَا خَطَرَتْ فِي
— 385 —
أَنْفُسِهِمْ خَوَاطِرُ خَيْرٍ مِنْ إِيمَانٍ وَمَحَبَّةٍ لِلْمُؤْمِنِينَ نَقَضُوهَا بِخَوَاطِرِ الْكُفْرِ وَالْبَغْضَاءِ، وَهَذَا مِنْ صُنْعِ أَنْفُسِهِمْ فَإِسْنَادُ الْفِتَنِ إِلَيْهِمْ إِسْنَادٌ حَقِيقِيٌّ، وَكَذَلِكَ الْحَالُ فِي أَعْمَالِهِمْ مِنْ صَلَاةٍ وَصَدَقَةٍ.
وَهَذَا ينشأ عَنهُ الْكَذِبِ، وَالْخِدَاعِ، وَالْاسْتِهْزَاءِ، وَالطَّعْنِ فِي الْمُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى:
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النِّسَاء: ٦٠].
الثَّانِي: التَّرَبُّصُ، وَالتَّرَبُّصُ: انْتِظَارُ شَيْءٍ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [الْبَقَرَة: ٢٢٨] الْآيَةَ.
وَيَتَعَدَّى فِعْلُهُ إِلَى الْمَفْعُولِ بِنَفْسِهِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ مَا زَادَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِالْبَاءِ. وَحَذَفَ هُنَا مَفْعُولَهُ وَمُتَعَلِّقَهُ لِيَشْمَلَ عِدَّةَ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْتَظِرُهَا الْمُنَافِقُونَ فِي شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مَرْجِعُهَا إِلَى أَذَى الْمُسلمين وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ فَيَتَرَبَّصُونَ هَزِيمَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْغَزَوَاتِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ، قَالَ تَعَالَى فِي بَعْضِهِمْ: وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ [التَّوْبَة: ٩٨]، وَيَتَرَبَّصُونَ انْقِسَامَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ قَالُوا لِفَرِيقٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُنَدِّمُونَهُمْ عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنْ قَوْمِهِمْ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا [آل عمرَان: ١٦٨].
الثَّالِثُ: الِارْتِيَابُ فِي الدِّينِ وَهُوَ الشَّكُّ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَوْ عَلَى الْكَافِرِينَ وَيَنْشَأُ عَنْهُ الْقُعُودُ عَنِ الْجِهَادِ قَالَ تَعَالَى: فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [التَّوْبَة: ٤٥] وَلِذَلِكَ كَانُوا لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآجَالِ، وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ: لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا [آل عمرَان: ١٥٦].
الرَّابِعُ: الْغُرُورُ بِالْأَمَانِيِّ، وَهِيَ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ وَهِيَ اسْمُ التَّمَنِّي. وَالْمُرَادُ بِهَا مَا كَانُوا يُمَنُّونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ انْتِصَارَ الْمُؤْمِنِينَ عَرَضٌ زَائِلٌ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ تَجْرِي عَلَى رَغْبَتَهِمْ وَهَوَاهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المُنَافِقُونَ: ٨]
وَقَوْلُهُمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ [آل عمرَان: ١٦٧] وَلِذَلِكَ يَحْسَبُونَ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المُنَافِقُونَ: ٧]. وَقَدْ بَيَّنْتُ الْخِصَالَ الَّتِي تَتَوَلَّدُ عَلَى النِّفَاقِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَطَبِّقْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأُصُولَ الْأَرْبَعَةَ وَأَلْحِقْ فُرُوعَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْغَايَةِ بِ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ التَّنْدِيدُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْعَوُوا عَنْ
وَهَذَا ينشأ عَنهُ الْكَذِبِ، وَالْخِدَاعِ، وَالْاسْتِهْزَاءِ، وَالطَّعْنِ فِي الْمُسْلِمِينَ، قَالَ تَعَالَى:
يُرِيدُونَ أَنْ يَتَحاكَمُوا إِلَى الطَّاغُوتِ وَقَدْ أُمِرُوا أَنْ يَكْفُرُوا بِهِ [النِّسَاء: ٦٠].
الثَّانِي: التَّرَبُّصُ، وَالتَّرَبُّصُ: انْتِظَارُ شَيْءٍ، وَتَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَالْمُطَلَّقاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ [الْبَقَرَة: ٢٢٨] الْآيَةَ.
وَيَتَعَدَّى فِعْلُهُ إِلَى الْمَفْعُولِ بِنَفْسِهِ وَيَتَعَلَّقُ بِهِ مَا زَادَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِالْبَاءِ. وَحَذَفَ هُنَا مَفْعُولَهُ وَمُتَعَلِّقَهُ لِيَشْمَلَ عِدَّةَ الْأُمُورِ الَّتِي يَنْتَظِرُهَا الْمُنَافِقُونَ فِي شَأْنِ الْمُؤْمِنِينَ وَهِيَ كَثِيرَةٌ مَرْجِعُهَا إِلَى أَذَى الْمُسلمين وَالْإِضْرَارِ بِهِمْ فَيَتَرَبَّصُونَ هَزِيمَةَ الْمُسْلِمِينَ فِي الْغَزَوَاتِ وَنَحْوِهَا مِنَ الْأَحْدَاثِ، قَالَ تَعَالَى فِي بَعْضِهِمْ: وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ [التَّوْبَة: ٩٨]، وَيَتَرَبَّصُونَ انْقِسَامَ الْمُؤْمِنِينَ فَقَدْ قَالُوا لِفَرِيقٍ مِنَ الْأَنْصَارِ يُنَدِّمُونَهُمْ عَلَى مَنْ قُتِلَ مِنْ قَوْمِهِمْ فِي بَعْضِ الْغَزَوَاتِ لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا [آل عمرَان: ١٦٨].
الثَّالِثُ: الِارْتِيَابُ فِي الدِّينِ وَهُوَ الشَّكُّ فِي الِاعْتِمَادِ عَلَى أَهْلِ الْإِسْلَامِ أَوْ عَلَى الْكَافِرِينَ وَيَنْشَأُ عَنْهُ الْقُعُودُ عَنِ الْجِهَادِ قَالَ تَعَالَى: فَهُمْ فِي رَيْبِهِمْ يَتَرَدَّدُونَ [التَّوْبَة: ٤٥] وَلِذَلِكَ كَانُوا لَا يُؤْمِنُونَ بِالْآجَالِ، وَقَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ: لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا [آل عمرَان: ١٥٦].
الرَّابِعُ: الْغُرُورُ بِالْأَمَانِيِّ، وَهِيَ جَمْعُ أُمْنِيَّةٍ وَهِيَ اسْمُ التَّمَنِّي. وَالْمُرَادُ بِهَا مَا كَانُوا يُمَنُّونَ بِهِ أَنْفُسَهُمْ مِنْ أَنَّهُمْ عَلَى الْحَقِّ وَأَنَّ انْتِصَارَ الْمُؤْمِنِينَ عَرَضٌ زَائِلٌ، وَأَنَّ الْحَوَادِثَ تَجْرِي عَلَى رَغْبَتَهِمْ وَهَوَاهُمْ، وَمِنْ ذَلِكَ قَوْلُهُمْ: لَيُخْرِجَنَّ الْأَعَزُّ مِنْهَا الْأَذَلَّ [المُنَافِقُونَ: ٨]
وَقَوْلُهُمْ: لَوْ نَعْلَمُ قِتالًا لَاتَّبَعْناكُمْ [آل عمرَان: ١٦٧] وَلِذَلِكَ يَحْسَبُونَ أَنَّ الْعَاقِبَةَ لَهُمْ هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المُنَافِقُونَ: ٧]. وَقَدْ بَيَّنْتُ الْخِصَالَ الَّتِي تَتَوَلَّدُ عَلَى النِّفَاقِ فِي تَفْسِيرِ سُورَةِ الْبَقَرَةِ فَطَبِّقْ عَلَيْهِ هَذِهِ الْأُصُولَ الْأَرْبَعَةَ وَأَلْحِقْ فُرُوعَ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ.
وَالْمَقْصُودُ مِنَ الْغَايَةِ بِ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ التَّنْدِيدُ عَلَيْهِمْ بِأَنَّهُمْ لَمْ يَرْعَوُوا عَنْ
— 386 —
غَيِّهِمْ مَعَ طُولِ مُدَّةِ أَعْمَارِهِمْ وَتَعَاقُبِ السِّنِينَ عَلَيْهِمْ وَهُمْ لَمْ يَتَدَبَّرُوا فِي الْعَوَاقِبِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى: أَوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ [فاطر: ٣٧] وَإسْنَاد التَّغْرِير إِلَى الْأَمَانِيِّ مَجَازٌ عَقْلِيٌّ لِأَنَّ الْأَمَانِيَّ وَالطَّمَعَ فِي حُصُولِهَا سَبَبُ غُرُورِهِمْ وَمَلَابِسُهُ.
وَمَجِيءُ أَمْرِ اللَّهِ هُوَ الْمَوْتُ، أَيْ حَتَّى يَتِمَّ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ السَّيِّئَةِ وَلَمْ تُقْلِعُوا عَنْهَا بِالْإِيمَانِ الْحَقِّ.
وَالْغَايَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ، وَمِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِمَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ الْآيَةَ، فَلَا يُمَاطِلُ التَّوْبَةَ وَلَا يَقُولُ: غَدًا غَدًا.
وَجُمْلَةُ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ عَطَفَ عَلَى جُمْلَةِ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ تَحْقِيرًا لِغُرُورِهِمْ وَأَمَانِيِّهِمْ بِأَنَّهَا مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ لِيَزْدَادُوا حَسْرَةً حِينَئِذٍ.
وَالْغَرُورُ: بِفَتْحِ الْغَيْنِ مُبَالَغَةٌ فِي الْمُتَّصِفِ بِالتَّغْرِيرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّيْطَانُ، أَيْ بِإِلْقَائِهِ خَوَاطِرَ النِّفَاقِ فِي نُفُوسهم بتلوينه فِي لون الْحَقِّ وَإِرْضَاءِ دِينِ الْكُفْرِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ [الزخرف: ٢٠].
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ جِنْسُ الْغَارِّينَ، أَيْ وغركم بِاللَّه أيمة الْكُفْرِ وَقَادَةُ النِّفَاقِ.
وَالتَّغْرِيرُ: إِظْهَارُ الضَّارِّ فِي صُورَةِ النَّافِعِ بِتَمْوِيهٍ وَسَفْسَطَةٍ.
وَالْبَاءُ فِي قَوْله: بِاللَّهِ للسبية أَوْ لِلْآلَةِ الْمَجَازِيَّةِ، أَيْ جَعَلَ الشَّيْطَانُ شَأْنَ اللَّهِ سَبَبًا لِغُرُورِكُمْ بِأَنْ خَيَّلَ إِلَيْكُمْ أَنَّ الْحِفَاظَ عَلَى الْكُفْرِ مُرْضِيٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ النِّفَاقَ حَافَظْتُمْ بِهِ على دينكُمْ وحفظتم بِهِ نُفُوسَكُمْ وَكَرَامَةَ قَوْمِكُمْ وَاطَّلَعْتُمْ بِهِ عَلَى أَحْوَالِ عَدُوِّكُمْ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ قَدْ شَاهَدُوا دَلَائِلَهُ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَرَّعُوا لَهُمْ عَلَيْهِ قَوْلَهُمْ:
فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الْحَدِيد: ١٥]، قَطْعًا لِطَمَعِهِمْ أَنْ يَكُونُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ كَمَا
كَانُوا مَعَهُمْ فِي الْحَيَاة.
وَمَجِيءُ أَمْرِ اللَّهِ هُوَ الْمَوْتُ، أَيْ حَتَّى يَتِمَّ عَلَى تِلْكَ الْحَالَةِ السَّيِّئَةِ وَلَمْ تُقْلِعُوا عَنْهَا بِالْإِيمَانِ الْحَقِّ.
وَالْغَايَةُ مُعْتَرِضَةٌ بَيْنَ الْجُمْلَتَيْنِ الْمُتَعَاطِفَتَيْنِ، وَمِنْ حَقِّ الْمُؤْمِنِ أَنْ يَعْتَبِرَ بِمَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ حَتَّى جاءَ أَمْرُ اللَّهِ الْآيَةَ، فَلَا يُمَاطِلُ التَّوْبَةَ وَلَا يَقُولُ: غَدًا غَدًا.
وَجُمْلَةُ وَغَرَّكُمْ بِاللَّهِ الْغَرُورُ عَطَفَ عَلَى جُمْلَةِ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمانِيُّ تَحْقِيرًا لِغُرُورِهِمْ وَأَمَانِيِّهِمْ بِأَنَّهَا مِنْ كَيْدِ الشَّيْطَانِ لِيَزْدَادُوا حَسْرَةً حِينَئِذٍ.
وَالْغَرُورُ: بِفَتْحِ الْغَيْنِ مُبَالَغَةٌ فِي الْمُتَّصِفِ بِالتَّغْرِيرِ، وَالْمُرَادُ بِهِ الشَّيْطَانُ، أَيْ بِإِلْقَائِهِ خَوَاطِرَ النِّفَاقِ فِي نُفُوسهم بتلوينه فِي لون الْحَقِّ وَإِرْضَاءِ دِينِ الْكُفْرِ الَّذِي يَزْعُمُونَ أَنَّهُ رَضِيَ اللَّهُ وَقالُوا لَوْ شاءَ الرَّحْمنُ مَا عَبَدْناهُمْ [الزخرف: ٢٠].
وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ جِنْسُ الْغَارِّينَ، أَيْ وغركم بِاللَّه أيمة الْكُفْرِ وَقَادَةُ النِّفَاقِ.
وَالتَّغْرِيرُ: إِظْهَارُ الضَّارِّ فِي صُورَةِ النَّافِعِ بِتَمْوِيهٍ وَسَفْسَطَةٍ.
وَالْبَاءُ فِي قَوْله: بِاللَّهِ للسبية أَوْ لِلْآلَةِ الْمَجَازِيَّةِ، أَيْ جَعَلَ الشَّيْطَانُ شَأْنَ اللَّهِ سَبَبًا لِغُرُورِكُمْ بِأَنْ خَيَّلَ إِلَيْكُمْ أَنَّ الْحِفَاظَ عَلَى الْكُفْرِ مُرْضِيٌّ لِلَّهِ تَعَالَى وَأَنَّ النِّفَاقَ حَافَظْتُمْ بِهِ على دينكُمْ وحفظتم بِهِ نُفُوسَكُمْ وَكَرَامَةَ قَوْمِكُمْ وَاطَّلَعْتُمْ بِهِ عَلَى أَحْوَالِ عَدُوِّكُمْ.
وَهَذَا كُلُّهُ مَعْلُومٌ عِنْدَهُمْ قَدْ شَاهَدُوا دَلَائِلَهُ فَمِنْ أَجْلِ ذَلِكَ فَرَّعُوا لَهُمْ عَلَيْهِ قَوْلَهُمْ:
فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ [الْحَدِيد: ١٥]، قَطْعًا لِطَمَعِهِمْ أَنْ يَكُونُوا مَعَ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ كَمَا
كَانُوا مَعَهُمْ فِي الْحَيَاة.
— 387 —
آية رقم ١٥
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٥]
فَالْيَوْمَ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ (١٥)يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ هَذَا الْكَلَامُ مِنْ تَتِمَّةِ خِطَابِ الْمُؤْمِنِينَ لِلْمُنَافِقِينَ اسْتِمْرَارًا فِي التَّوْبِيخِ وَالتَّنْدِيمِ. وَهَذَا مَا جَرَى عَلَيْهِ الْمُفَسِّرُونَ، فَمَوْقِعُ فَاءِ التَّفْرِيعِ بَيِّنٌ وَالْعِلْمُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِأَنْ لَا تُؤْخَذَ فِدْيَةٌ مِنَ الْمُنَافِقِينَ وَالَّذِينَ كَفَرُوا حَاصِلٌ مِمَّا يَسْمَعُونَ فِي ذَلِكَ الْيَوْمِ مِنَ الْأَقْضِيَةِ الْإِلَهِيَّةِ بَيْنَ الْخَلْقِ بِحَيْثُ صَارَ مَعْلُومًا لِأَهْلِ الْمَحْشَرِ، أَوْ هُوَ عِلْمٌ مُتَقَرِّرٌ فِي نُفُوسِهِمْ مِمَّا عَلِمُوهُ فِي الدُّنْيَا مِنْ أَخْبَارِ الْقُرْآنِ وَكَلَامِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَذَلِكَ مُوجِبُ عَطْفَ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا تَعْبِيرًا عَمَّا عَلِمُوهُ بِأَسْرِهِ وَهُوَ عَطْفٌ مُعْتَرِضٌ جَرَّتْهُ الْمُنَاسَبَةُ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ كَلَامًا صَادِرًا مِنْ جَانِبِ اللَّهِ تَعَالَى لِلْمُنَافِقِينَ تَأْيِيسًا لَهُمْ مِنَ الطَّمَعِ فِي نَوَالِ حَظٍّ مِنْ نُورِ الْمُؤْمِنِينَ، فَيَكُونُ الْفَاءُ مِنْ عَطْفِ التَّلْقِينِ عَاطِفَةً كَلَامَ أَحَدٍ عَلَى كَلَامِ غَيْرِهِ لِأَجْلِ اتِّحَادِ مَكَانِ الْمُخَاطَبَةِ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى قَالَ: وَمِنْ ذُرِّيَّتِي [إِبْرَاهِيم: ٤٠].
وَيَكُونُ عَطْفُ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا جَمْعًا لِلْفَرِيقَيْنِ فِي تَوْبِيخٍ وَتَنْدِيمٍ وَاحِدٍ لِاتِّحَادِهِمَا فِي الْكُفْرِ.
وَإِقْحَامُ كَلِمَةِ فَالْيَوْمَ لِتَذْكِيرِهِمْ بِمَا كَانُوا يُضْمِرُونَهُ فِي الدُّنْيَا حِينَ يُنْفِقُونَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ رِيَاءً وَتَقِيَّةً. وَهُوَ مَا حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ مَا يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ [التَّوْبَة: ٩٨].
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ لَا يُؤْخَذُ بِيَاءِ الْغَائِبِ الْمُذَكَّرِ لِأَنَّ تَأْنِيثَ فِدْيَةٌ غَيْرُ حَقِيقِيٍّ، وَقَدْ فَصَلَ بَيْنَ الْفِعْلِ وَفَاعِلِهِ بِالظَّرْفِ فَحَصَلَ مُسَوِّغَانِ لِتَرْكِ اقْتِرَانِ الْفِعْلِ بِعَلَامَةِ الْمُؤَنَّثِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ بِمُثَنَّاةٍ فَوْقِيَّةٍ جَرْيًا عَلَى تَأْنِيثِ الْفَاعِلِ فِي اللَّفْظِ، وَالْقِرَاءَتَانِ سَوَاءٌ.
وَكَنَّى بِنَفْيِ أَخْذِ الْفِدْيَةِ عَنْ تَحَقُّقِ جَزَائِهِمْ عَلَى الْكُفْرِ، وَإِلَّا فَإِنَّهُمْ لَمْ يَبْذُلُوا فِدْيَةً، وَلَا كَانَ النِّفَاقُ مِنْ أَنْوَاعِ الْفِدْيَةِ وَلَكِنَّ الْكَلَامَ جَرَى عَلَى الْكِنَايَةِ لِمَا هُوَ
آية رقم ١٦
مَشْهُورٌ مِنْ أَنَّ الْأَسِيرَ وَالْجَانِي قَدْ يَتَخَلَّصَانِ مِنَ الْمُؤَاخَذَةِ بِفِدْيَةٍ تُبْذَلُ عَنْهُمَا.
فَعَطْفُ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا قُصِدَ مِنْهُ تَعْلِيلُ أَنْ لَا مَحِيصَ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ الْكُفْرِ،
مِثْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيِ الَّذِينَ أَعْلَنُوا الْكُفْرَ حَتَّى كَانَ حَالَةً يُعْرَفُونَ بِهَا. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا هُمْ وَالْكَافِرُونَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، فَفِيهِ احْتِرَاسٌ مِنْ أَنْ يَتَوَهَّمَ الْكَافِرُونَ الصُّرَحَاءُ مِنْ ضَمِيرِ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ خَاصٌّ بِالْمُنَافِقِينَ تَعَلُّقًا بِأَقَلِ طَمَعٍ، فَلَيْسَ ذِكْرُ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُجَرَّدَ اسْتِطْرَادٍ.
وَالْمَأْوَى: الْمَكَانُ الَّذِي يُؤْوَى إِلَيْهِ، أَيْ يُصَارُ إِلَيْهِ وَيُرْجَعُ، وَكُنِّيَ بِهِ عَنِ الِاسْتِمْرَارِ وَالْخُلُودِ.
وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالصَّرِيحِ بِجُمْلَةِ مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ! أَيْ تَرْجِعُونَ إِلَيْهَا كَمَا يَرْجِعُ الْمُسْتَنْصِرُ إِلَى مَوْلَاهُ لِيَنْصُرَهُ أَوْ يُفَادِي عَنْهُ، فَاسْتُعِيرَ الْمَوْلَى لِلْمَقَرِّ عَلَى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.
وَيَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُجْعَلَ الْمَوْلَى اسْمَ مَكَانِ الْوَلْيِ، وَهُوَ الْقُرْبُ وَالدُّنُوُّ، أَيْ مَقَرُّكُمْ، كَقَوْلِ لَبِيدٍ:
أَيْ مَكَانُ الْمَخَافَةِ وَمَقَرُّهَا.
وبِئْسَ الْمَصِيرُ تَذْيِيلٌ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَجَابُوا بِهِ أَهْلَ النِّفَاقِ لِأَنَّهُمْ صَارُوا إِلَى دَار الْحَقَائِق.
[١٦]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٦]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)
قَدْ عُلِمَ مِنْ صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ
فَعَطْفُ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا قُصِدَ مِنْهُ تَعْلِيلُ أَنْ لَا مَحِيصَ لَهُمْ مِنْ عَذَابِ الْكُفْرِ،
مِثْلَ الَّذِينَ كَفَرُوا، أَيِ الَّذِينَ أَعْلَنُوا الْكُفْرَ حَتَّى كَانَ حَالَةً يُعْرَفُونَ بِهَا. وَهَذَا يَقْتَضِي أَنَّ الْمُنَافِقِينَ كَانُوا هُمْ وَالْكَافِرُونَ فِي صَعِيدٍ وَاحِدٍ عِنْدَ أَبْوَابِ جَهَنَّمَ، فَفِيهِ احْتِرَاسٌ مِنْ أَنْ يَتَوَهَّمَ الْكَافِرُونَ الصُّرَحَاءُ مِنْ ضَمِيرِ لَا يُؤْخَذُ مِنْكُمْ فِدْيَةٌ أَنَّ ذَلِكَ حُكْمٌ خَاصٌّ بِالْمُنَافِقِينَ تَعَلُّقًا بِأَقَلِ طَمَعٍ، فَلَيْسَ ذِكْرُ وَلا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مُجَرَّدَ اسْتِطْرَادٍ.
وَالْمَأْوَى: الْمَكَانُ الَّذِي يُؤْوَى إِلَيْهِ، أَيْ يُصَارُ إِلَيْهِ وَيُرْجَعُ، وَكُنِّيَ بِهِ عَنِ الِاسْتِمْرَارِ وَالْخُلُودِ.
وَأَكَّدَ ذَلِكَ بِالصَّرِيحِ بِجُمْلَةِ مَأْواكُمُ النَّارُ هِيَ مَوْلاكُمْ! أَيْ تَرْجِعُونَ إِلَيْهَا كَمَا يَرْجِعُ الْمُسْتَنْصِرُ إِلَى مَوْلَاهُ لِيَنْصُرَهُ أَوْ يُفَادِي عَنْهُ، فَاسْتُعِيرَ الْمَوْلَى لِلْمَقَرِّ عَلَى طَرِيقَةِ التَّهَكُّمِ.
وَيَجُوزُ مَعَ ذَلِكَ أَنْ يُجْعَلَ الْمَوْلَى اسْمَ مَكَانِ الْوَلْيِ، وَهُوَ الْقُرْبُ وَالدُّنُوُّ، أَيْ مَقَرُّكُمْ، كَقَوْلِ لَبِيدٍ:
| فَغَدَتْ كِلَا الْفَرْجَيْنِ تَحْسَبُ أَنَّهُ | مَوْلَى الْمَخَافَةِ خَلْفُهَا وَأَمَامُهَا |
وبِئْسَ الْمَصِيرُ تَذْيِيلٌ يَشْمَلُ جَمِيعَ مَا يَصِيرُونَ إِلَيْهِ مِنَ الْعَذَابِ. وَقَدْ يَحْصُلُ الْعِلْمُ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمَا أَجَابُوا بِهِ أَهْلَ النِّفَاقِ لِأَنَّهُمْ صَارُوا إِلَى دَار الْحَقَائِق.
[١٦]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٦]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (١٦)
قَدْ عُلِمَ مِنْ صَدْرِ تَفْسِيرِ هَذِهِ السُّورَةِ أَنَّ هَذِهِ الْآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ سَنَةَ أَرْبَعٍ أَوْ خَمْسٍ
— 389 —
مِنَ الْبَعْثَةِ رَوَاهُ مُسْلِمٌ وَغَيْرُهُ عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ أَنَّهُ قَالَ: مَا كَانَ بَيْنَ إِسْلَامِنَا وَبَيْنَ أَنْ عَاتَبْنَا اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ إِلَى وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ إِلَّا أَرْبَعُ سِنِينَ.
وَالْمَقْصُود من لِلَّذِينَ آمَنُوا: إِمَّا بَعْضٌ مِنْهُمْ رُبَّمَا كَانُوا مُقَصِّرِينَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَأَرَادَ اللَّهُ إِيقَاظَ قُلُوبِهِمْ بِهَذَا الْكَلَامِ الْمُجْمَلِ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ وَأَقْوَالِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّعْرِيضِ مِثْلَ
قَوْلِهِ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا»
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ [آل عمرَان: ١٥٤]. وَلَيْسَ مَا قَالَهُ ابْنُ
مَسْعُودٍ مُقْتَضِيًا أَنَّ مِثْلَهُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلكنه يخْشَى أَن يكون مِنْهُمْ حَذَرًا وَحَيْطَةً.
فَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا الْمُؤْمِنُونَ حَقًا لَا مَنْ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ مُنَافِقُونَ وَلَا كَانَ دَاعٍ إِلَى نِفَاقِ بَعْضِهِمْ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «لَمَّا نَزَلَتْ جَعَلَ بَعْضُنَا يَنْظُرُ إِلَى بعض ونقول: مَا أَحْدَثْنَا».
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مُرَاقَبَةِ ذَلِكَ وَالْحَذَرِ مِنَ التَّقْصِيرِ.
وَالْهَمْزَةُ فِي أَلَمْ يَأْنِ لِلِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْكَارِ، أَيْ إِنْكَارُ نَفْيِ اقْتِرَابِ وَقْتِ فَاعِلِ الْفِعْلِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ عَلَى النَّفْيِ، وَفِعْلُ يَأْنِ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جَامِدٍ وَهُوَ الْإِنَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، أَيِ الْوَقْتُ قَالَ تَعَالَى: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الْأَحْزَاب: ٥٣].
وَقَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَلَمْ يَأْنِ قَوْلُهُمْ: أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ، مِثْلَ مَا
وَرَدَ فِي حَدِيثِ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ «أَمَا آنَ لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَنْ تُسْلِمَ»
وَفِي خَبَرِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ مِنْ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَجَدَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَرَادَ أَنْ يُضِيفَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَمَا آنَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْرِفَ مَنْزِلَهُ»
يُرِيدُ: أَنْ يَعْرِفَ مَنْزِلِي الَّذِي هُوَ كَمَنْزِلِهِ. وَهَذَا تَلَطَّفٌ فِي عَرْضِ الِاسْتِضَافَةِ، إِلَّا أَنَّ فِعْلَ يَأْنِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِنَى وَهُوَ فِعْلٌ مَنْقُوصٌ آخِرَهُ أَلِفٌ.
وَفِعْلُ: آنَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَيْنِ وَهُوَ الْحِينُ وَهُوَ فِعْلٌ أَجْوَفُ آخِرَهُ نُونٌ.
وَالْمَقْصُود من لِلَّذِينَ آمَنُوا: إِمَّا بَعْضٌ مِنْهُمْ رُبَّمَا كَانُوا مُقَصِّرِينَ عَنْ جُمْهُورِ الْمُؤْمِنِينَ يَوْمَئِذٍ بِمَكَّةَ فَأَرَادَ اللَّهُ إِيقَاظَ قُلُوبِهِمْ بِهَذَا الْكَلَامِ الْمُجْمَلِ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ وَأَقْوَالِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي التَّعْرِيضِ مِثْلَ
قَوْلِهِ: «مَا بَالُ أَقْوَامٍ يَفْعَلُونَ كَذَا»
وَقَوْلُهُ تَعَالَى: وَطائِفَةٌ قَدْ أَهَمَّتْهُمْ أَنْفُسُهُمْ يَظُنُّونَ بِاللَّهِ غَيْرَ الْحَقِّ ظَنَّ الْجاهِلِيَّةِ [آل عمرَان: ١٥٤]. وَلَيْسَ مَا قَالَهُ ابْنُ
مَسْعُودٍ مُقْتَضِيًا أَنَّ مِثْلَهُ مِنْ أُولَئِكَ الَّذِينَ ذَكَرَهُمُ اللَّهُ بِهَذِهِ الْآيَةِ وَلكنه يخْشَى أَن يكون مِنْهُمْ حَذَرًا وَحَيْطَةً.
فَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ آمَنُوا الْمُؤْمِنُونَ حَقًا لَا مَنْ يُظْهِرُونَ الْإِيمَانَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ إِذْ لَمْ يَكُنْ فِي الْمُسْلِمِينَ بِمَكَّةَ مُنَافِقُونَ وَلَا كَانَ دَاعٍ إِلَى نِفَاقِ بَعْضِهِمْ. وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «لَمَّا نَزَلَتْ جَعَلَ بَعْضُنَا يَنْظُرُ إِلَى بعض ونقول: مَا أَحْدَثْنَا».
وَإِمَّا أَنْ يَكُونَ تَحْرِيضًا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى مُرَاقَبَةِ ذَلِكَ وَالْحَذَرِ مِنَ التَّقْصِيرِ.
وَالْهَمْزَةُ فِي أَلَمْ يَأْنِ لِلِاسْتِفْهَامِ وَهُوَ اسْتِفْهَامٌ مُسْتَعْمَلٌ فِي الْإِنْكَارِ، أَيْ إِنْكَارُ نَفْيِ اقْتِرَابِ وَقْتِ فَاعِلِ الْفِعْلِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الِاسْتِفْهَامُ لِلتَّقْرِيرِ عَلَى النَّفْيِ، وَفِعْلُ يَأْنِ مُشْتَقٌّ مِنِ اسْمٍ جَامِدٍ وَهُوَ الْإِنَى بِفَتْحِ الْهَمْزَةِ وَكَسْرِهَا، أَيِ الْوَقْتُ قَالَ تَعَالَى: غَيْرَ ناظِرِينَ إِناهُ [الْأَحْزَاب: ٥٣].
وَقَرِيبٌ مِنْ قَوْلِهِ: أَلَمْ يَأْنِ قَوْلُهُمْ: أَمَا آنَ لَكَ أَنْ تَفْعَلَ، مِثْلَ مَا
وَرَدَ فِي حَدِيثِ إِسْلَامِ عُمَرَ بْنِ الْخَطَّابِ مِنْ قَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَهُ «أَمَا آنَ لَكَ يَا ابْنَ الْخَطَّابِ أَنْ تُسْلِمَ»
وَفِي خَبَرِ إِسْلَامِ أَبِي ذَرٍّ مِنْ أَنَّ عَلِيَّ بْنَ أَبِي طَالِبٍ وَجَدَهُ فِي الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَأَرَادَ أَنْ يُضِيفَهُ وَقَالَ لَهُ: «أَمَا آنَ لِلرَّجُلِ أَنْ يَعْرِفَ مَنْزِلَهُ»
يُرِيدُ: أَنْ يَعْرِفَ مَنْزِلِي الَّذِي هُوَ كَمَنْزِلِهِ. وَهَذَا تَلَطَّفٌ فِي عَرْضِ الِاسْتِضَافَةِ، إِلَّا أَنَّ فِعْلَ يَأْنِ مُشْتَقٌّ مِنَ الْإِنَى وَهُوَ فِعْلٌ مَنْقُوصٌ آخِرَهُ أَلِفٌ.
وَفِعْلُ: آنَ مُشْتَقٌّ مِنَ الْأَيْنِ وَهُوَ الْحِينُ وَهُوَ فِعْلٌ أَجْوَفُ آخِرَهُ نُونٌ.
— 390 —
فَأَصْلُ: أَنَى أَنِيَ وَأَصْلُ آنَ: آوِنَ وَآلَ مَعْنَى الْكَلِمَتَيْنِ وَاحِدٌ.
وَاللَّامُ لِلْعِلَّةِ، أَيْ أَلَمْ يَأْنِ لِأَجَلِ الَّذِينَ آمَنُوا الْخُشُوعُ، أَيْ أَلَمْ يَحِقَّ حُضُورُهُ لِأَجْلِهِمْ.
وأَنْ تَخْشَعَ فَاعِلُ يَأْنِ، وَالْخُشُوعُ: الاستكانة والتذلل.
ولِذِكْرِ اللَّهِ مَا يُذَكِّرُهُمْ بِهِ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ هُوَ الصَّلَاةُ. وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ الْقُرْآنُ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الْأَنْفَال: ٢].
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفَانِ لِلْقُرْآنِ تَشْرِيفًا لَهُ بِأَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ وَتَعْرِيفًا لِنَفْعِهِ بِأَنَّهُ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ عَطْفُ وَصْفٍ آخَرَ لِلْقُرْآنِ مِثْلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ أَنْشَدَهُ فِي «الْكَشَّافِ» :
إِلَى الْمَلِكِ الْقِرْمِ وَابْنِ الْهَمَّامِ... الْبَيْتَ وَاللَّامُ فِي لِذِكْرِ اللَّهِ لَامُ الْعِلَّةِ، أَيْ لِأَجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ.
وَمَعْنَى الْخُشُوعِ لِأَجْلِهِ: الْخُشُوعُ الْمُسَبَّبُ عَلَى سَمَاعِهِ وَهُوَ الطَّاعَةُ وَالْامْتِثَالُ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَما نَزَلَ بِتَخْفِيفِ الزَّايِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ نَزَلَ مَعْلُومٌ مِنَ الْمَقَامِ، أَيِ اللَّهُ.
وَلَا يَكُونُوا قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِيَاءِ الْغَائِبِ. وَقَرَأَهُ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ وَلَا تَكُونُوا بِتَاءِ الْخِطَابِ.
وَلَا نَافِيَةٌ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ وَالْفِعْلُ مَعْمُولٌ لِ «أَنْ» الْمَصْدَرِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَمْ يَأْنِ لَهُمْ أَنْ لَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. وَعَلَى قِرَاءَةِ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ فَتَاءُ الْخِطَابِ الِالْتِفَاتُ وَ (لَا) نَافِيَةٌ، وَالْفِعْلُ مَنْصُوبٌ بِالْعَطْفِ كَقِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، أَوْ (لَا) نَاهِيَةٌ وَالْفِعْلُ مَجْزُومٌ وَالْعَطْفُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ.
وَالْمَقْصُود التحذير لَا أَنَّهُمْ تَلَبَّسُوا بِذَلِكَ وَلَمْ يَأْنِ لَهُمُ الْإِقْلَاعُ عَنْهُ. وَالتَّحْذِيرُ
وَاللَّامُ لِلْعِلَّةِ، أَيْ أَلَمْ يَأْنِ لِأَجَلِ الَّذِينَ آمَنُوا الْخُشُوعُ، أَيْ أَلَمْ يَحِقَّ حُضُورُهُ لِأَجْلِهِمْ.
وأَنْ تَخْشَعَ فَاعِلُ يَأْنِ، وَالْخُشُوعُ: الاستكانة والتذلل.
ولِذِكْرِ اللَّهِ مَا يُذَكِّرُهُمْ بِهِ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَوْ هُوَ الصَّلَاةُ. وَمَا نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ الْقُرْآنُ، قَالَ تَعَالَى: إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ [الْأَنْفَال: ٢].
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْوَصْفَانِ لِلْقُرْآنِ تَشْرِيفًا لَهُ بِأَنَّهُ ذِكْرُ اللَّهِ وَتَعْرِيفًا لِنَفْعِهِ بِأَنَّهُ نَزَلَ مِنْ عِنْدِ اللَّهِ، وَأَنَّهُ الْحَقُّ، فَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَما نَزَلَ مِنَ الْحَقِّ عَطْفُ وَصْفٍ آخَرَ لِلْقُرْآنِ مِثْلِ قَوْلِ الشَّاعِرِ أَنْشَدَهُ فِي «الْكَشَّافِ» :
إِلَى الْمَلِكِ الْقِرْمِ وَابْنِ الْهَمَّامِ... الْبَيْتَ وَاللَّامُ فِي لِذِكْرِ اللَّهِ لَامُ الْعِلَّةِ، أَيْ لِأَجْلِ ذِكْرِ اللَّهِ.
وَمَعْنَى الْخُشُوعِ لِأَجْلِهِ: الْخُشُوعُ الْمُسَبَّبُ عَلَى سَمَاعِهِ وَهُوَ الطَّاعَةُ وَالْامْتِثَالُ.
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَحَفْصٌ عَنْ عَاصِمٍ وَما نَزَلَ بِتَخْفِيفِ الزَّايِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ بِتَشْدِيدِ الزَّايِ عَلَى أَنَّ فَاعِلَ نَزَلَ مَعْلُومٌ مِنَ الْمَقَامِ، أَيِ اللَّهُ.
وَلَا يَكُونُوا قَرَأَهُ الْجُمْهُورُ بِيَاءِ الْغَائِبِ. وَقَرَأَهُ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ وَلَا تَكُونُوا بِتَاءِ الْخِطَابِ.
وَلَا نَافِيَةٌ عَلَى قِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ وَالْفِعْلُ مَعْمُولٌ لِ «أَنْ» الْمَصْدَرِيَّةِ الَّتِي ذُكِرَتْ قَبْلَهُ، وَالتَّقْدِيرُ: أَلَمْ يَأْنِ لَهُمْ أَنْ لَا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ. وَعَلَى قِرَاءَةِ رُوَيْسٍ عَنْ يَعْقُوبَ فَتَاءُ الْخِطَابِ الِالْتِفَاتُ وَ (لَا) نَافِيَةٌ، وَالْفِعْلُ مَنْصُوبٌ بِالْعَطْفِ كَقِرَاءَةِ الْجُمْهُورِ، أَوْ (لَا) نَاهِيَةٌ وَالْفِعْلُ مَجْزُومٌ وَالْعَطْفُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ.
وَالْمَقْصُود التحذير لَا أَنَّهُمْ تَلَبَّسُوا بِذَلِكَ وَلَمْ يَأْنِ لَهُمُ الْإِقْلَاعُ عَنْهُ. وَالتَّحْذِيرُ
— 391 —
مُنْصَبٌّ إِلَى مَا حَدَثَ لِأَهْلِ الْكِتَابِ مِنْ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ بَعْدَ طُولِ الْأَمَدِ عَلَيْهِمْ فِي مُزَاوَلَةِ دِينِهِمْ، أَيْ فَلْيَحْذَرِ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْ أَنْ يَكُونُوا مِثْلَهُمْ عَلَى حَدَثَانِ عَهْدِهِمْ بِالدِّينِ. وَلَيْسَ الْمَقْصُودُ عُذْرَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابِ بِطُولِ الْأَمَدِ عَلَيْهِمْ لِأَنَّ طُولَ الْأَمَدِ لَا يَكُونُ سَبَبًا فِي التَّفْرِيط فِيمَا طَال فِيهِ الْأَمَدُ بَلِ الْأَمْرُ بِالْعَكْسِ وَلَا قَصْدُ تَهْوِينِ حُصُولِهِ لِلَّذِينَ آمَنُوا بَعْدَ أَنْ يَطُولَ الْأَمَدُ لِأَنَّ ذَلِكَ لَا يَتَعَلَّقُ بِهِ الْغَرَضُ قَبْلَ طُولِ الْأَمَدِ، وَإِنَّمَا الْمَقْصُودُ النَّهْي عَن التَّشَبُّه بِالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ فِي عَدَمِ خُشُوعِ قُلُوبِهِمْ وَلَكِنَّهُ يُفِيدُ تَحْذِيرَ الْمُؤْمِنِينَ بَعْدَ أَنْ يَطُولَ الزَّمَانُ مِنْ أَنْ يَقَعُوا فِيمَا وَقَعَ فِيهِ أَهْلُ الْكِتَابِ. وَيَسْتَتْبِعُ ذَلِكَ الْأَنْبَاءَ بِأَنَّ مُدَّةَ الْمُسْلِمِينَ تَطُولُ قَرِيبًا أَوْ أَكْثَرَ مِنْ مُدَّةِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ كَانُوا قَبْلَ الْبَعْثَةِ، فَإِنَّ الْقُرْآنَ مَوْعِظَةٌ لِلْعُصُورِ وَالْأَجْيَالِ.
وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ (لَا) حَرْفَ نَهْيٍ وَتَعَلَّقَ النَّهْيُ بِالْغَائِبِ الْتِفَاتًا أَوِ الْمُرَادُ: أَبْلِغْهُمْ أَنْ لَا يَكُونُوا.
وَفَاءُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ لِتَفْرِيعُ طُولِ الْأَمَدِ عَلَى قَسْوَةِ الْقُلُوبِ مِنْ عَدَمِ الْخُشُوعِ، فَهَذَا التَّفْرِيعُ خَارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ، وَلَكِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى عَاقِبَةِ ذَلِكَ التَّشْبِيهِ تَحْذِيرًا مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلَ مَا أَصَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ.
وَالْأَمَدُ: الْغَايَةُ مِنْ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: الْمُدَّةُ الَّتِي أَوْصَوْا بِأَنْ يُحَافِظُوا عَلَى اتِّبَاعِ شَرَائِعِهِمْ فِيهَا الْمُغَيَّاةُ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبَشَّرِ فِي الشَّرَائِعِ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيين لما آتيناكم مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمرَان: ٨١].
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ نَسُوا مَا أُوصُوا بِهِ فَخَالَفُوا أَحْكَامَ شَرَائِعِهِمْ وَلَمْ يَخَافُوا عِقَابَ اللَّهِ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا، وَصَارَ دَيْدَنًا لَهُمْ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى ضَرِئُوا بِذَلِكَ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، أَيْ تَمَرَّدَتْ عَلَى الِاجْتِرَاءِ عَلَى تَغْيِيرِ أَحْكَامِ الدِّينِ.
وَجُمْلَةُ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ اعْتِرَاضٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ تَجَاوَزُوا ذَلِكَ الْحَدَّ مِنْ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ فَنَبَذُوا دِينَهُمْ
وَيَجُوزُ أَنْ تَجْعَلَ (لَا) حَرْفَ نَهْيٍ وَتَعَلَّقَ النَّهْيُ بِالْغَائِبِ الْتِفَاتًا أَوِ الْمُرَادُ: أَبْلِغْهُمْ أَنْ لَا يَكُونُوا.
وَفَاءُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ لِتَفْرِيعُ طُولِ الْأَمَدِ عَلَى قَسْوَةِ الْقُلُوبِ مِنْ عَدَمِ الْخُشُوعِ، فَهَذَا التَّفْرِيعُ خَارِجٌ عَنِ التَّشْبِيهِ الَّذِي فِي قَوْلِهِ: كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ، وَلَكِنَّهُ تَنْبِيهٌ عَلَى عَاقِبَةِ ذَلِكَ التَّشْبِيهِ تَحْذِيرًا مِنْ أَنْ يُصِيبَهُمْ مِثْلَ مَا أَصَابَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلُ.
وَالْأَمَدُ: الْغَايَةُ مِنْ مَكَانٍ أَوْ زَمَانٍ وَالْمُرَادُ بِهِ هُنَا: الْمُدَّةُ الَّتِي أَوْصَوْا بِأَنْ يُحَافِظُوا عَلَى اتِّبَاعِ شَرَائِعِهِمْ فِيهَا الْمُغَيَّاةُ بِمَجِيءِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ الْمُبَشَّرِ فِي الشَّرَائِعِ وَإِذْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثاقَ النَّبِيين لما آتيناكم مِنْ كِتابٍ وَحِكْمَةٍ ثُمَّ جاءَكُمْ رَسُولٌ مُصَدِّقٌ لِما مَعَكُمْ لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ [آل عمرَان: ٨١].
وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمْ نَسُوا مَا أُوصُوا بِهِ فَخَالَفُوا أَحْكَامَ شَرَائِعِهِمْ وَلَمْ يَخَافُوا عِقَابَ اللَّهِ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا فَنَبَذُوهُ وَرَاءَ ظُهُورِهِمْ وَاشْتَرَوْا بِهِ ثَمَنًا، وَصَارَ دَيْدَنًا لَهُمْ رُوَيْدًا رُوَيْدًا حَتَّى ضَرِئُوا بِذَلِكَ، فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ، أَيْ تَمَرَّدَتْ عَلَى الِاجْتِرَاءِ عَلَى تَغْيِيرِ أَحْكَامِ الدِّينِ.
وَجُمْلَةُ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ اعْتِرَاضٌ فِي آخِرِ الْكَلَامِ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ كَثِيرًا مِنْهُمْ تَجَاوَزُوا ذَلِكَ الْحَدَّ مِنْ قَسْوَةِ الْقُلُوبِ فَنَبَذُوا دِينَهُمْ
— 392 —
آية رقم ١٧
وَبَدَّلُوا كِتَابَهُمْ وَحَرَّفُوهُ وَأَفْسَدُوا عَقَائِدَهُمْ فَبَلَغُوا حَدَّ الْكُفْرِ. فَالْفِسْقُ هَنَا مُرَادٌ بِهِ الْكُفْرُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتابِ هَلْ تَنْقِمُونَ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِاللَّهِ وَما أُنْزِلَ إِلَيْنا وَما أُنْزِلَ مِنْ قَبْلُ وَأَنَّ أَكْثَرَكُمْ فاسِقُونَ [الْمَائِدَة: ٥٩]، أَيْ غَيْرُ مُؤْمِنَيْنِ بِدَلِيلِ الْمُقَابَلَةِ بِقَوْلِهِ: آمَنَّا بِاللَّهِ إِلَى آخِرِهِ.
وَبَيْنَ قَوْلِهِ: فَقَسَتْ وَقَوْلِهِ: فاسِقُونَ مُحَسِّنُ الْجِنَاسِ. وَهَذَا النَّوْعُ فِيهِ مُرَكَّبٌ مِمَّا يُسَمَّى جِنَاسُ الْقَلْبِ وَمَا يُسَمَّى الْجِنَاسُ النَّاقِصُ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي هَذِه الْآيَة.
[١٧]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٧]
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)
افْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِ اعْلَمُوا وَنَحْوِهِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ مَا سَيُلْقَى جَدِيرٌ بِتَوَجُّهِ الذِّهْنِ بِشَرَاشِرِهِ إِلَيْهِ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٣٥] وَقَوْلِهِ: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [٤١].
وَهُوَ هُنَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي بُعْدُهُ مَغْزًى عَظِيمٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ تَمْثِيلُ حَالِ احْتِيَاجِ الْقُلُوبِ الْمُؤْمِنَةِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ بِحَالِ الْأَرْضِ الْمَيِّتَةِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى الْمَطَرِ، وَحَالِ الذِّكْرِ فِي تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَاسْتِنَارَتِهَا بِحَالِ الْغَيْثِ فِي إِحْيَاءِ الْأَرْضِ الْجَدْبَةِ.
وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَإِلَّا فَإِنَّ إِحْيَاءَ اللَّهِ
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِمَا يُصِيبُهَا مِنَ الْمَطَرِ لَا خَفَاءَ فِيهَا فَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَفْتَتِحَ الْإِخْبَارَ عَنْهُ بِمِثْلِ اعْلَمُوا إِلَّا لِأَنَّ فِيهِ دَلَالَةً غَيْرَ مَأْلُوفَةٍ وَهِيَ دَلَالَةُ التَّمْثِيلِ، وَنَظِيرُهُ
قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ وَقَدْ رَآهُ لَطَمَ وَجْهَ عَبْدٍ لَهُ «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا»
. فَالْجُمْلَةُ بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الْحَدِيد: ١٦] لِمَا تَتَضَمَّنُهُ تِلْكَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الْخُشُوعِ
وَبَيْنَ قَوْلِهِ: فَقَسَتْ وَقَوْلِهِ: فاسِقُونَ مُحَسِّنُ الْجِنَاسِ. وَهَذَا النَّوْعُ فِيهِ مُرَكَّبٌ مِمَّا يُسَمَّى جِنَاسُ الْقَلْبِ وَمَا يُسَمَّى الْجِنَاسُ النَّاقِصُ وَقَدِ اجْتَمَعَا فِي هَذِه الْآيَة.
[١٧]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٧]
اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (١٧)
افْتِتَاحُ الْكَلَامِ بِ اعْلَمُوا وَنَحْوِهِ يُؤْذِنُ بِأَنَّ مَا سَيُلْقَى جَدِيرٌ بِتَوَجُّهِ الذِّهْنِ بِشَرَاشِرِهِ إِلَيْهِ، كَمَا تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي أَنْفُسِكُمْ فَاحْذَرُوهُ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٣٥] وَقَوْلِهِ: وَاعْلَمُوا أَنَّما غَنِمْتُمْ مِنْ شَيْءٍ فَأَنَّ لِلَّهِ خُمُسَهُ الْآيَةَ فِي سُورَةِ الْأَنْفَالِ [٤١].
وَهُوَ هُنَا يُشِيرُ إِلَى أَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي بُعْدُهُ مَغْزًى عَظِيمٌ غَيْرُ ظَاهِرٍ، وَذَلِكَ أَنَّهُ أُرِيدَ بِهِ تَمْثِيلُ حَالِ احْتِيَاجِ الْقُلُوبِ الْمُؤْمِنَةِ إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ بِحَالِ الْأَرْضِ الْمَيِّتَةِ فِي الْحَاجَةِ إِلَى الْمَطَرِ، وَحَالِ الذِّكْرِ فِي تَزْكِيَةِ النُّفُوسِ وَاسْتِنَارَتِهَا بِحَالِ الْغَيْثِ فِي إِحْيَاءِ الْأَرْضِ الْجَدْبَةِ.
وَدَلَّ عَلَى ذَلِكَ قَوْلُهُ بَعْدَهُ: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ، وَإِلَّا فَإِنَّ إِحْيَاءَ اللَّهِ
الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِمَا يُصِيبُهَا مِنَ الْمَطَرِ لَا خَفَاءَ فِيهَا فَلَا يَقْتَضِي أَنْ يَفْتَتِحَ الْإِخْبَارَ عَنْهُ بِمِثْلِ اعْلَمُوا إِلَّا لِأَنَّ فِيهِ دَلَالَةً غَيْرَ مَأْلُوفَةٍ وَهِيَ دَلَالَةُ التَّمْثِيلِ، وَنَظِيرُهُ
قَوْلُ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَبِي مَسْعُودٍ الْبَدْرِيِّ وَقَدْ رَآهُ لَطَمَ وَجْهَ عَبْدٍ لَهُ «اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ، اعْلَمْ أَبَا مَسْعُودٍ أَنَّ اللَّهَ أَقْدَرُ عَلَيْكَ مِنْكَ عَلَى هَذَا»
. فَالْجُمْلَةُ بِمَنْزِلَةِ التَّعْلِيلِ لِجُمْلَةِ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ لِذِكْرِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: فَقَسَتْ قُلُوبُهُمْ [الْحَدِيد: ١٦] لِمَا تَتَضَمَّنُهُ تِلْكَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الْخُشُوعِ
— 393 —
لِذِكْرِ اللَّهِ، وَلَكِنْ هَذِهِ بِمَنْزِلَةِ الْعِلَّةِ فُصِلَتْ وَلَمْ تُعْطَفْ، وَهَذَا يَقْتَضِي أَنْ تَكُونَ مِمَّا نَزَلَ مَعَ قَوْلِهِ تَعَالَى:
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ الْآيَةَ.
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: اعْلَمُوا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ إِقْبَالًا عَلَيْهِمْ لِلِاهْتِمَامِ.
وَقَوْلُهُ: أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُصَرَّحَةٌ وَيَتَضَمَّنُ تَمْثِيلِيَّةً مَكْنِيَّةً بِسَبَبِ تَضَمُّنِهِ تَشْبِيهَ حَالِ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْقُرْآنِ فِي إِصْلَاحِ الْقُلُوبِ بِحَالِ الْمَطَرِ فِي إِصْلَاحِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ جَدْبِهَا. وَطُوِيَ ذِكْرُ الْحَالَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا وَرُمِزَ إِلَيْهَا بِلَازِمِهَا وَهُوَ إِسْنَادُ إِحْيَاءِ الْأَرْضِ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِسَبَبِ الْمَطَرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها (١) [النَّحْل: ٦٥].
وَالْمَقْصُودُ الْإِرْشَادُ إِلَى وَسِيلَةِ الْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ وَالْحَثِّ عَلَى تَعَهُّدِ النَّفْسِ بِالْمَوْعِظَةِ، وَالتَّذْكِيرُ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ وَكَلَامِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْلِيمِهِ وَأَنَّ فِي اللَّجَأِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَجَاةً وَفِي الْمَفْزَعِ إِلَيْهِمَا عِصْمَةً وَقَدْ
قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي».
وَقَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبَ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ لِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»
. وَقَوْلُهُ: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِجُمْلَةِ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها لِأَنَّ السَّامِعَ قَوْلَهُ: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يَتَطَلَّبُ
مَعْرِفَةَ الْغَرَضِ مِنْ هَذَا الْإِعْلَامِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ جَوَابًا عَنْ تَطَلُّبِهِ، أَيْ أَعْلَمْنَاكُمْ بِهَذَا تَبْيِينًا لِلْآيَاتِ.
وَيُفِيدُ بِعُمُومِهِ مُفَادَ التَّذْيِيلِ لِلْآيَاتِ السَّابِقَةِ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ مَكِيِّهَا وَمَدَنِيِّهَا لِأَنَّ
_________
(١) فِي المطبوعة (ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا) وَهَذَا خطأ، لِأَنَّهُ جمع بَين آيَتَيْنِ، والمثبت هُوَ الصَّوَاب وَالله أعلم. [.....]
أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا أَنْ تَخْشَعَ قُلُوبُهُمْ الْآيَةَ.
وَالْخِطَابُ فِي قَوْلِهِ: اعْلَمُوا لِلْمُؤْمِنِينَ عَلَى طَرِيقَةِ الِالْتِفَاتِ إِقْبَالًا عَلَيْهِمْ لِلِاهْتِمَامِ.
وَقَوْلُهُ: أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها اسْتِعَارَةٌ تَمْثِيلِيَّةٌ مُصَرَّحَةٌ وَيَتَضَمَّنُ تَمْثِيلِيَّةً مَكْنِيَّةً بِسَبَبِ تَضَمُّنِهِ تَشْبِيهَ حَالِ ذِكْرِ اللَّهِ وَالْقُرْآنِ فِي إِصْلَاحِ الْقُلُوبِ بِحَالِ الْمَطَرِ فِي إِصْلَاحِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ جَدْبِهَا. وَطُوِيَ ذِكْرُ الْحَالَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا وَرُمِزَ إِلَيْهَا بِلَازِمِهَا وَهُوَ إِسْنَادُ إِحْيَاءِ الْأَرْضِ إِلَى اللَّهِ لِأَنَّ اللَّهَ يُحْيِي الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِهَا بِسَبَبِ الْمَطَرِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَنْزَلَ مِنَ السَّماءِ مَاءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها (١) [النَّحْل: ٦٥].
وَالْمَقْصُودُ الْإِرْشَادُ إِلَى وَسِيلَةِ الْإِنَابَةِ إِلَى اللَّهِ وَالْحَثِّ عَلَى تَعَهُّدِ النَّفْسِ بِالْمَوْعِظَةِ، وَالتَّذْكِيرُ بِالْإِقْبَالِ عَلَى الْقُرْآنِ وَتَدَبُّرِهِ وَكَلَامِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَتَعْلِيمِهِ وَأَنَّ فِي اللَّجَأِ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ وَسُنَّةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ نَجَاةً وَفِي الْمَفْزَعِ إِلَيْهِمَا عِصْمَةً وَقَدْ
قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «تَرَكْتُ فِيكُمْ مَا إِنْ أَخَذْتُمْ بِهِ لَنْ تَضِلُّوا كِتَابَ اللَّهِ وَسُنَّتِي».
وَقَالَ: «مَثَلُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ مِنَ الْهُدَى وَالْعِلْمِ كَمَثَلِ الْغَيْثِ الْكَثِيرِ أَصَابَ أَرْضًا فَكَانَ مِنْهَا نَقِيَّةٌ قَبِلَتِ الْمَاءَ فَأَنْبَتَتِ الْكَلَأَ وَالْعُشْبَ، وَكَانَتْ مِنْهَا أَجَادِبَ أَمْسَكَتِ الْمَاءَ فَنَفَعَ اللَّهُ بِهَا النَّاسَ فَشَرِبُوا وَسَقَوْا وَزَرَعُوا، وَأَصَابَ مِنْهَا طَائِفَةً أُخْرَى إِنَّمَا هِيَ قِيعَانٌ لَا تُمْسِكُ مَاءً وَلَا تُنْبِتُ كَلَأً، فَذَلِكَ مَثَلُ مَنْ فَقُهَ فِي دِينِ اللَّهِ وَنَفَعَهُ مَا بَعَثَنِي اللَّهُ بِهِ فَعَلِمَ وَعَلَّمَ، وَمَثَلُ مَنْ لَمْ يَرْفَعْ لِذَلِكَ رَأْسًا وَلَمْ يَقْبَلْ هُدَى اللَّهِ الَّذِي أُرْسِلْتُ بِهِ»
. وَقَوْلُهُ: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ اسْتِئْنَافٌ بَيَانِيٌّ لِجُمْلَةِ أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها لِأَنَّ السَّامِعَ قَوْلَهُ: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها يَتَطَلَّبُ
مَعْرِفَةَ الْغَرَضِ مِنْ هَذَا الْإِعْلَامِ فَيَكُونُ قَوْلُهُ: قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْآياتِ جَوَابًا عَنْ تَطَلُّبِهِ، أَيْ أَعْلَمْنَاكُمْ بِهَذَا تَبْيِينًا لِلْآيَاتِ.
وَيُفِيدُ بِعُمُومِهِ مُفَادَ التَّذْيِيلِ لِلْآيَاتِ السَّابِقَةِ مِنْ أَوَّلِ السُّورَةِ مَكِيِّهَا وَمَدَنِيِّهَا لِأَنَّ
_________
(١) فِي المطبوعة (ألم تَرَ أَن الله أنزل من السَّمَاء مَاء فأحيا بِهِ الأَرْض بعد مَوتهَا) وَهَذَا خطأ، لِأَنَّهُ جمع بَين آيَتَيْنِ، والمثبت هُوَ الصَّوَاب وَالله أعلم. [.....]
— 394 —
آية رقم ١٨
الْآيَةَ وَإِنْ كَانَتْ مَدَنِيَّةً فَمَوْقِعُهَا بَعْدَ الْآيَاتِ النَّازِلَةِ بِمَكَّةَ مُرَادٌ لِلَّهِ تَعَالَى، وَيَدُلُّ عَلَيْهِ الْأَمْرُ بِوَضْعِهَا فِي مَوْضِعِهَا هَذَا، وَلِأَنَّ التَّعْرِيفَ فِي الْآيَاتِ لِلِاسْتِغْرَاقِ كَمَا هُوَ شَأْنُ الْجَمْعِ الْمُعَرَّفِ بِاللَّامِ.
وَالْآيَاتُ: الدَّلَائِلُ. وَالْمُرَادُ بِهَا: مَا يَشْمَلُ مَضْمُونَ قَوْلِهِ: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ إِلَى قَوْلِهِ: بَعْدَ مَوْتِها [الْحَدِيد: ١٦]، وَهُوَ مَحَلُّ ضَرْبِ الْمَثَلِ لِأَنَّ التَّنْظِيرَ بِحَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْثِيلِ.
وَبَيَانُ الْآيَاتِ يَحْصُلُ مِنْ فَصَاحَةِ الْكَلَامِ وَبَلَاغَتِهِ وَوَفْرَةِ مَعَانِيهِ وَتَوْضِيحِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ حَاصِلٌ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا. وَمِنْ أَوْضَحِ الْبَيَانِ التَّنْظِيرُ بِأَحْوَالِ الْمُشَابِهِينَ فِي حَالَةِ التَّحْذِيرِ أَوِ التَّحْضِيضِ.
ولَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: رَجَاءٌ وَتَعْلِيلٌ، أَيْ بَيَّنَا لَكُمْ لِأَنَّكُمْ حَالُكُمْ كَحَالِ مَنْ يُرْجَى فَهْمُهُ، وَالْبَيَانُ عِلّة لفهمه.
[١٨]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٨]
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)
يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْمَدَنِيِّ وَأَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الْحَدِيد: ١١] وَأَنَّ آيَةَ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا [الْحَدِيد: ١٦] وَمَا بَعْدَهَا مُعْتَرِضٌ. وَقَدْ تَخَلَّلَ الْمَكِّيُّ وَالْمَدَنِيُّ كُلٌّ مَعَ الْآخَرِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْآيَتَيْنِ مُتَمَاثِلَةٌ إِذْ أُرِيدَ أَنْ يُعَادَ مَا سَبَقَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فَيُؤْتَى بِهِ فِي صُورَةِ الصِّلَةِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا الْمُمْتَثِلُونَ لِذَلِكَ التَّحْرِيضِ.
وَعَطَفَ وَالْمُصَّدِّقاتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الْحَدِيد: ١٢]، وَلِأَنَّ الشُّحَّ يَكْثُرُ فِي النِّسَاءِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَشْعَارُ الْعَرَبِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَالْمُصَدِّقِينَ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ الْمُتَصَدِّقِينَ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ بَعْدَ قَلْبِهَا صَادًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِمَا تَطَلُّبًا لِخِفَّةِ الْإِدْغَامِ، فَقَوْلُهُ:
وَالْآيَاتُ: الدَّلَائِلُ. وَالْمُرَادُ بِهَا: مَا يَشْمَلُ مَضْمُونَ قَوْلِهِ: وَلا يَكُونُوا كَالَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلُ فَطالَ عَلَيْهِمُ الْأَمَدُ إِلَى قَوْلِهِ: بَعْدَ مَوْتِها [الْحَدِيد: ١٦]، وَهُوَ مَحَلُّ ضَرْبِ الْمَثَلِ لِأَنَّ التَّنْظِيرَ بِحَالِ أَهْلِ الْكِتَابِ ضَرْبٌ مِنَ التَّمْثِيلِ.
وَبَيَانُ الْآيَاتِ يَحْصُلُ مِنْ فَصَاحَةِ الْكَلَامِ وَبَلَاغَتِهِ وَوَفْرَةِ مَعَانِيهِ وَتَوْضِيحِهَا، وَكُلُّ ذَلِكَ حَاصِلٌ فِي هَذِهِ الْآيَاتِ كَمَا عَلِمْتَ آنِفًا. وَمِنْ أَوْضَحِ الْبَيَانِ التَّنْظِيرُ بِأَحْوَالِ الْمُشَابِهِينَ فِي حَالَةِ التَّحْذِيرِ أَوِ التَّحْضِيضِ.
ولَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ: رَجَاءٌ وَتَعْلِيلٌ، أَيْ بَيَّنَا لَكُمْ لِأَنَّكُمْ حَالُكُمْ كَحَالِ مَنْ يُرْجَى فَهْمُهُ، وَالْبَيَانُ عِلّة لفهمه.
[١٨]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٨]
إِنَّ الْمُصَّدِّقِينَ وَالْمُصَّدِّقاتِ وَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ (١٨)
يُشْبِهُ أَنْ تَكُونَ هَذِهِ الْآيَةُ مِنَ الْمَدَنِيِّ وَأَنْ تَكُونَ مُتَّصِلَةَ الْمَعْنَى بِقَوْلِهِ تَعَالَى: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ وَلَهُ أَجْرٌ كَرِيمٌ [الْحَدِيد: ١١] وَأَنَّ آيَةَ أَلَمْ يَأْنِ لِلَّذِينَ آمَنُوا [الْحَدِيد: ١٦] وَمَا بَعْدَهَا مُعْتَرِضٌ. وَقَدْ تَخَلَّلَ الْمَكِّيُّ وَالْمَدَنِيُّ كُلٌّ مَعَ الْآخَرِ فِي هَذِهِ السُّورَةِ أَلَا تَرَى أَنَّ أَلْفَاظَ الْآيَتَيْنِ مُتَمَاثِلَةٌ إِذْ أُرِيدَ أَنْ يُعَادَ مَا سَبَقَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فَيُؤْتَى بِهِ فِي صُورَةِ الصِّلَةِ الَّتِي عُرِفَ بِهَا الْمُمْتَثِلُونَ لِذَلِكَ التَّحْرِيضِ.
وَعَطَفَ وَالْمُصَّدِّقاتِ كَمَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ [الْحَدِيد: ١٢]، وَلِأَنَّ الشُّحَّ يَكْثُرُ فِي النِّسَاءِ كَمَا دَلَّتْ عَلَيْهِ أَشْعَارُ الْعَرَبِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ وَالْمُصَدِّقِينَ بِتَشْدِيدِ الصَّادِ عَلَى أَنَّ أَصْلَهُ الْمُتَصَدِّقِينَ فَأُدْغِمَتِ التَّاءُ فِي الصَّادِ بَعْدَ قَلْبِهَا صَادًا لِقُرْبِ مَخْرَجَيْهِمَا تَطَلُّبًا لِخِفَّةِ الْإِدْغَامِ، فَقَوْلُهُ:
آية رقم ١٩
وَأَقْرَضُوا اللَّهَ
قَرْضاً حَسَناً
مِنْ عَطْفِ الْمُرَادِفِ فِي الْمَعْنَى لِمَا فِي الْمَعْطُوفِ مِنْ تَشْبِيهِ فِعْلِهِمْ بِقَرْضٍ لِلَّهِ تَنْوِيهًا بِالصَّدَقَاتِ.
وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ عَلَى أَنَّهُ مِنَ التَّصْدِيقِ، أَيِ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ آمَنُوا وَامْتَثَلُوا أَمْرَهُ فَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يُضاعَفُ لَهُمْ بِأَلِفٍ بَعْدَ الضَّادِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ يُضَعَّفُ بِدُونِ أَلِفٍ وَبِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ.
وَعَطَفَ وَأَقْرَضُوا وَهُوَ جُمْلَةٌ عَلَى الْمُصَّدِّقِينَ وَهُوَ مُفْرَدٌ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ فِي حُكْمِ الْفِعْلِ حَيْثُ كَانَتِ اللَّامُ فِي مَعْنَى الْمَوْصُولِ فَقُوَّةُ الْكَلَامِ: إِنَّ الَّذِينَ اصَّدَّقُوا وَاللَّائِي تَصَدَّقْنَ وَأَقْرَضُوا، عَلَى التَّغْلِيبِ وَلَا فَصْلَ بِأَجْنَبِيٍّ عَلَى أَنَّ الْفَصْلَ لَا يُمْنَعُ إِذَا لَمْ يُفْسِدِ الْمَعْنَى.
وَوَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ تَمَاثُلِ الصِّلَتَيْنِ فَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ الْمُصَدِّقِينَ وَالْمُقْرِضِينَ، هُوَ تَصْوِيرُ مَعْنَى كَوْنِ التَّصَدُّقِ إِقْرَاضًا لِلَّهِ.
وَتَقَدَّمَ مَعْنَى يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ فِي قَوْلِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ [الْحَدِيد: ١١] الْآيَةَ.
[١٩]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٩]
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ.
لَمَّا ذُكِرَ فَضْلُ الْمُتَصَدِّقِينَ وَكَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ لِيَتَصَدَّقَ مِنْهُ أَعْقَبَ ذِكْرَ الْمُتَصَدِّقِينَ بِبَيَانِ فَضْلِ الْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ عَلَى نَحْوِ التَّذْكِيرِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [النِّسَاء: ٩٥].
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ وَلَا أَمْوَالَ لنا، فَقَالَ: أَو لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ بِهِ، إِنَّ لَكُمْ فِي كُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةً، وَنَهْيٍ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةً».
قَرْضاً حَسَناً
مِنْ عَطْفِ الْمُرَادِفِ فِي الْمَعْنَى لِمَا فِي الْمَعْطُوفِ مِنْ تَشْبِيهِ فِعْلِهِمْ بِقَرْضٍ لِلَّهِ تَنْوِيهًا بِالصَّدَقَاتِ.
وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَأَبُو بَكْرٍ عَنْ عَاصِمٍ بِتَخْفِيفِ الصَّادِ عَلَى أَنَّهُ مِنَ التَّصْدِيقِ، أَيِ الَّذِينَ صَدَّقُوا الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، أَيْ آمَنُوا وَامْتَثَلُوا أَمْرَهُ فَأَقْرَضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ يُضاعَفُ لَهُمْ بِأَلِفٍ بَعْدَ الضَّادِ. وَقَرَأَهُ ابْنُ كَثِيرٍ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ وَيَعْقُوبُ يُضَعَّفُ بِدُونِ أَلِفٍ وَبِتَشْدِيدِ الْعَيْنِ.
وَعَطَفَ وَأَقْرَضُوا وَهُوَ جُمْلَةٌ عَلَى الْمُصَّدِّقِينَ وَهُوَ مُفْرَدٌ لِأَنَّ الْمُفْرَدَ فِي حُكْمِ الْفِعْلِ حَيْثُ كَانَتِ اللَّامُ فِي مَعْنَى الْمَوْصُولِ فَقُوَّةُ الْكَلَامِ: إِنَّ الَّذِينَ اصَّدَّقُوا وَاللَّائِي تَصَدَّقْنَ وَأَقْرَضُوا، عَلَى التَّغْلِيبِ وَلَا فَصْلَ بِأَجْنَبِيٍّ عَلَى أَنَّ الْفَصْلَ لَا يُمْنَعُ إِذَا لَمْ يُفْسِدِ الْمَعْنَى.
وَوَجْهُ الْعُدُولِ عَنْ تَمَاثُلِ الصِّلَتَيْنِ فَلَمْ يَقُلْ: إِنَّ الْمُصَدِّقِينَ وَالْمُقْرِضِينَ، هُوَ تَصْوِيرُ مَعْنَى كَوْنِ التَّصَدُّقِ إِقْرَاضًا لِلَّهِ.
وَتَقَدَّمَ مَعْنَى يُضاعَفُ لَهُمْ وَلَهُمْ أَجْرٌ كَرِيمٌ فِي قَوْلِهِ: مَنْ ذَا الَّذِي يُقْرِضُ اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً فَيُضاعِفَهُ لَهُ [الْحَدِيد: ١١] الْآيَةَ.
[١٩]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ١٩]
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ (١٩)
وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ.
لَمَّا ذُكِرَ فَضْلُ الْمُتَصَدِّقِينَ وَكَانَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ مَنْ لَا مَالَ لَهُ لِيَتَصَدَّقَ مِنْهُ أَعْقَبَ ذِكْرَ الْمُتَصَدِّقِينَ بِبَيَانِ فَضْلِ الْمُؤْمِنِينَ مُطْلَقًا، وَهُوَ شَامِلٌ لِمَنْ يَسْتَطِيعُ أَنْ يَتَصَدَّقَ وَمَنْ لَا يَسْتَطِيعُ عَلَى نَحْوِ التَّذْكِيرِ الْمُتَقَدِّمِ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنى [النِّسَاء: ٩٥].
وَفِي الْحَدِيثِ: «إِنَّ قَوْمًا مِنْ أَصْحَابِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ وَلَا أَمْوَالَ لنا، فَقَالَ: أَو لَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللَّهُ لَكُمْ مَا تَصَدَّقُونَ بِهِ، إِنَّ لَكُمْ فِي كُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٍ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةً، وَنَهْيٍ عَنِ الْمُنْكَرِ صَدَقَةً».
— 396 —
وَ (الَّذِينَ آمَنُوا) يَعُمُّ كُلَّ مَنْ ثَبَتَ لَهُ مَضْمُونُ هَذِهِ الصِّلَةِ وَمَا عُطِفَ عَلَيْهَا.
وَفِي جَمْعِ وَرُسُلِهِ تَعْرِيضٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ قَالُوا: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، فَالْيَهُودُ آمَنُوا بِاللَّهِ وَبِمُوسَى، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَبِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالنَّصَارَى آمَنُوا بِاللَّهِ وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ آمَنُوا بِرُسُلِ اللَّهِ كُلِّهِمْ، وَلِذَلِكَ وُصِفُوا بِأَنَّهُمُ الصِّدِّيقُونَ.
وَالصِّدِّيقُ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مُبَالَغَةٌ فِي الْمُصَدِّقِ مِثْلَ الْمَسِّيكِ لِلشَّحِيحِ، أَيْ كَثِيرُ الْإِمْسَاكِ لِمَالِهِ، وَالْأَكْثَرُ أَنْ يُشْتَقَّ هَذَا الْوَزْنُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ مِثْلَ: الضِّلِّيلُ، وَقَدْ يُشْتَقُّ مِنَ الْمَزِيدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الصِّيَغَ الْقَلِيلَةَ الِاسْتِعْمَالِ يَتَوَسَّعُونَ فِيهَا كَمَا تُوُسِّعَ فِي السَّمِيعِ بِمَعْنَى الْمُسْمِعِ فِي بَيْتِ عَمْرو بن معد يكرب، وَالْحَكِيمُ بِمَعْنَى الْمُحَكِّمِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا وُصِفُوا بِأَنَّهُمْ صِدِّيقُونَ لِأَنَّهُمْ صَدَّقُوا جَمِيعَ الرُّسُلِ الْحَقِّ وَلَمْ تَمْنَعْهُمْ عَنْ ذَلِكَ عَصَبِيَّةٌ وَلَا عِنَادٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ وَصْفَهُ بِالصِّدِّيقِ وَوُصِفَتْ مَرْيَمُ بِالصِّدِّيقَةِ فِي سُورَةِ الْعُقُودِ.
وَضَمِيرُ الْفَصْلِ لِلْقَصْرِ وَهُوَ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، أَيْ هُمُ الصِّدِّيقُونَ لَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بَعْضَ الرُّسُلِ وَهَذَا إِبْطَالٌ لِأَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْكِتَابِ صِدِّيقِينَ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُمْ رَسُولَهُمْ لَا جَدْوَى لَهُ إِذْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمُ اسْتَحَقُّوا مَا يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ أَجْلِ الصِّفَاتِ الَّتِي قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ.
وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ.
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الصِّدِّيقُونَ عَطَفَ الْمُفْرَدَ عَلَى الْمُفْرَدِ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الْخَبَرِ، أَيْ وَهُمُ الشُّهَدَاءُ. وَحُكِيَ هَذَا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَجَمَاعَةٍ. فَقِيلَ: مَعْنَى كَوْنِهِمْ شُهَدَاءَ: أَنَّهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى الْأُمَمِ يَوْمَ الْجَزَاءِ، قَالَ تَعَالَى:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [الْبَقَرَة: ١٤٣]، فَالشَّهَادَةُ تَكُونُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ بِمَا يُثْبِتُ حَقًّا يُجَازَى عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.
وَفِي جَمْعِ وَرُسُلِهِ تَعْرِيضٌ بِأَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ قَالُوا: نُؤْمِنُ بِبَعْضٍ وَنَكْفُرُ بِبَعْضٍ، فَالْيَهُودُ آمَنُوا بِاللَّهِ وَبِمُوسَى، وَكَفَرُوا بِعِيسَى وَبِمُحَمَّدٍ عَلَيْهِمَا الصَّلَاةُ وَالسَّلَامُ، وَالنَّصَارَى آمَنُوا بِاللَّهِ وَكَفَرُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُؤْمِنُونَ آمَنُوا بِرُسُلِ اللَّهِ كُلِّهِمْ، وَلِذَلِكَ وُصِفُوا بِأَنَّهُمُ الصِّدِّيقُونَ.
وَالصِّدِّيقُ بِتَشْدِيدِ الدَّالِ مُبَالَغَةٌ فِي الْمُصَدِّقِ مِثْلَ الْمَسِّيكِ لِلشَّحِيحِ، أَيْ كَثِيرُ الْإِمْسَاكِ لِمَالِهِ، وَالْأَكْثَرُ أَنْ يُشْتَقَّ هَذَا الْوَزْنُ مِنَ الثُّلَاثِيِّ مِثْلَ: الضِّلِّيلُ، وَقَدْ يُشْتَقُّ مِنَ الْمَزِيدِ، وَذَلِكَ أَنَّ الصِّيَغَ الْقَلِيلَةَ الِاسْتِعْمَالِ يَتَوَسَّعُونَ فِيهَا كَمَا تُوُسِّعَ فِي السَّمِيعِ بِمَعْنَى الْمُسْمِعِ فِي بَيْتِ عَمْرو بن معد يكرب، وَالْحَكِيمُ بِمَعْنَى الْمُحَكِّمِ فِي أَسْمَاءِ اللَّهِ تَعَالَى، وَإِنَّمَا وُصِفُوا بِأَنَّهُمْ صِدِّيقُونَ لِأَنَّهُمْ صَدَّقُوا جَمِيعَ الرُّسُلِ الْحَقِّ وَلَمْ تَمْنَعْهُمْ عَنْ ذَلِكَ عَصَبِيَّةٌ وَلَا عِنَادٌ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي سُورَةِ يُوسُفَ وَصْفَهُ بِالصِّدِّيقِ وَوُصِفَتْ مَرْيَمُ بِالصِّدِّيقَةِ فِي سُورَةِ الْعُقُودِ.
وَضَمِيرُ الْفَصْلِ لِلْقَصْرِ وَهُوَ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، أَيْ هُمُ الصِّدِّيقُونَ لَا الَّذِينَ كَذَّبُوا بَعْضَ الرُّسُلِ وَهَذَا إِبْطَالٌ لِأَنْ يَكُونَ أَهْلُ الْكِتَابِ صِدِّيقِينَ لِأَنَّ تَصْدِيقَهُمْ رَسُولَهُمْ لَا جَدْوَى لَهُ إِذْ لَمْ يُصَدِّقُوا بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَاسْمُ الْإِشَارَةِ لِلتَّنْوِيهِ بِشَأْنِهِمْ وَلِلتَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُشَارَ إِلَيْهِمُ اسْتَحَقُّوا مَا يَرِدُ بَعْدَ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنْ أَجْلِ الصِّفَاتِ الَّتِي قَبْلَ اسْمِ الْإِشَارَةِ.
وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ.
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى الصِّدِّيقُونَ عَطَفَ الْمُفْرَدَ عَلَى الْمُفْرَدِ فَهُوَ عَطْفٌ عَلَى الْخَبَرِ، أَيْ وَهُمُ الشُّهَدَاءُ. وَحُكِيَ هَذَا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ وَمُجَاهِدٍ وَزَيْدِ بْنِ أَسْلَمَ وَجَمَاعَةٍ. فَقِيلَ: مَعْنَى كَوْنِهِمْ شُهَدَاءَ: أَنَّهُمْ شُهَدَاءُ عَلَى الْأُمَمِ يَوْمَ الْجَزَاءِ، قَالَ تَعَالَى:
وَكَذلِكَ جَعَلْناكُمْ أُمَّةً وَسَطاً لِتَكُونُوا شُهَداءَ عَلَى النَّاسِ [الْبَقَرَة: ١٤٣]، فَالشَّهَادَةُ تَكُونُ بِمَعْنَى الْخَبَرِ بِمَا يُثْبِتُ حَقًّا يُجَازَى عَلَيْهِ بِخَيْرٍ أَوْ شَرٍّ.
— 397 —
وَقِيلَ مَعْنَاهُ: أَنَّ مُؤْمِنِي هَذِهِ الْأُمَّةِ كَشُهَدَاءِ الْأُمَمِ، أَيْ كَقَتْلَاهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَرُوِيَ عَنِ الْبَرَاءِ بْنِ عَازِبٍ يَرْفَعُهُ إِلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
فَتَكُونُ جُمْلَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَشَأَ عَنْ وَصْفِهِمْ بِتَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ فَإِنَّ السَّامِعَ يَتَرَقَّبُ مَا هُوَ نَوَالُهُمْ مِنْ هَذَيْنِ الْفَضْلَيْنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَالشُّهَداءُ مُبْتَدَأً وَجُمْلَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ خَبَرٌ عَنِ الْمُبْتَدَأِ، وَيَكُونُ الْعَطْفُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ فَيُوقَفُ عَلَى قَوْلِهِ: الصِّدِّيقُونَ.
وَحُكِيَ هَذَا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ وَالضَّحَّاكِ فَيَكُونُ انْتِقَالًا مِنْ وَصْفِ مَزِيَّةِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَصْفِ مَزِيَّةِ فَرِيقٍ مِنْهُمُ اسْتَأْثَرُوا بِفَضِيلَةِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ تَتِمَّةِ قَوْلِهِ: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الْحَدِيد: ١٠] فَإِنَّهُ لَمَّا نَوَّهَ بِوَعْدِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ الْمَعْفِيِّينَ مِنْ قَوْلِهِ: وَما لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ [الْحَدِيد: ٨] إِلَخْ فَأَوْفَاهُمْ حَقَّهُمْ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ أَقْبَلَ عَلَى وَعْدِ الشُّهَدَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ تَضَمَّنَ ذِكْرَهُمْ قَوْلُهُ: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الْحَدِيد: ١٠] الْآيَاتِ، فَالشُّهَدَاءُ إِذَنْ هُمُ الْمَقْتُولُونَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَالْمَعْنَيَانِ مِنَ الشُّهَدَاءِ مُمْكِنٌ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَتُحْمَلُ الْآيَةُ عَلَى إِرَادَتِهِمَا عَلَى طَرِيقَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ جَرَى اسْتِعْمَالُ الْقُرْآن عَلَيْهِ.
وضميرا أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ يَعُودَانِ إِلَى الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ أَوْ إِلَى الشُّهَدَاءِ فَقَطْ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ آنِفًا فِي الْعَطْفِ.
وعِنْدَ رَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرَارِ الَّذِي فِي الْمَجْرُورِ الْمُخْبَرِ بِهِ عَنِ الْمُبْتَدَأِ، وَالتَّقْدِيرُ:
لَهُمْ أَجْرُهُمْ مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَالْعِنْدِيَّةُ مَجَازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعِنَايَةِ وَالْحُظْوَةِ.
وَالظَّاهِرُ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَى أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى مَذْكُورٍ فِي اللَّفْظِ بِمَعْنَاهُ الْمَذْكُورِ فَظَاهِرُ مَعْنَى أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ أَنَّهُ أَجْرُ أُولَئِكَ الْمَذْكُورِينَ، وَمَعْنَى إِضَافَةِ أَجْرٍ وَنُورٍ إِلَى ضَمِيرِهِمْ أَنَّهُ أَجْرٌ يُعَرَّفُ بِهِمْ وَنُورٌ يُعَرَّفُ بِهِمْ.
فَتَكُونُ جُمْلَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ اسْتِئْنَافًا بَيَانِيًّا نَشَأَ عَنْ وَصْفِهِمْ بِتَيْنِكَ الصِّفَتَيْنِ فَإِنَّ السَّامِعَ يَتَرَقَّبُ مَا هُوَ نَوَالُهُمْ مِنْ هَذَيْنِ الْفَضْلَيْنِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ قَوْلُهُ: وَالشُّهَداءُ مُبْتَدَأً وَجُمْلَةُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ خَبَرٌ عَنِ الْمُبْتَدَأِ، وَيَكُونُ الْعَطْفُ مِنْ عَطْفِ الْجُمَلِ فَيُوقَفُ عَلَى قَوْلِهِ: الصِّدِّيقُونَ.
وَحُكِيَ هَذَا التَّأْوِيلُ عَنِ ابْنِ عَبَّاسٍ وَمَسْرُوقٍ وَالضَّحَّاكِ فَيَكُونُ انْتِقَالًا مِنْ وَصْفِ مَزِيَّةِ الْإِيمَانِ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ إِلَى وَصْفِ مَزِيَّةِ فَرِيقٍ مِنْهُمُ اسْتَأْثَرُوا بِفَضِيلَةِ الشَّهَادَةِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ، وَهَذَا مِنْ تَتِمَّةِ قَوْلِهِ: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ [الْحَدِيد: ١٠] فَإِنَّهُ لَمَّا نَوَّهَ بِوَعْدِ الْمُؤْمِنِينَ الْمُصَدِّقِينَ الْمَعْفِيِّينَ مِنْ قَوْلِهِ: وَما لَكُمْ لَا تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالرَّسُولُ يَدْعُوكُمْ [الْحَدِيد: ٨] إِلَخْ فَأَوْفَاهُمْ حَقَّهُمْ بِقَوْلِهِ: وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ أَقْبَلَ عَلَى وَعْدِ الشُّهَدَاءِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ تَضَمَّنَ ذِكْرَهُمْ قَوْلُهُ: وَما لَكُمْ أَلَّا تُنْفِقُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الْحَدِيد: ١٠] الْآيَاتِ، فَالشُّهَدَاءُ إِذَنْ هُمُ الْمَقْتُولُونَ فِي الْجِهَادِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ.
وَالْمَعْنَيَانِ مِنَ الشُّهَدَاءِ مُمْكِنٌ الْجَمْعُ بَيْنَهُمَا فَتُحْمَلُ الْآيَةُ عَلَى إِرَادَتِهِمَا عَلَى طَرِيقَةِ اسْتِعْمَالِ الْمُشْتَرَكِ فِي مَعْنَيَيْهِ. وَقَدْ قَرَّرْنَا فِي مَوَاضِعَ كَثِيرَةٍ أَنَّهُ جَرَى اسْتِعْمَالُ الْقُرْآن عَلَيْهِ.
وضميرا أَجْرُهُمْ ونُورُهُمْ يَعُودَانِ إِلَى الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ أَوْ إِلَى الشُّهَدَاءِ فَقَطْ عَلَى اخْتِلَافِ الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمَيْنِ آنِفًا فِي الْعَطْفِ.
وعِنْدَ رَبِّهِمْ مُتَعَلِّقٌ بِالِاسْتِقْرَارِ الَّذِي فِي الْمَجْرُورِ الْمُخْبَرِ بِهِ عَنِ الْمُبْتَدَأِ، وَالتَّقْدِيرُ:
لَهُمْ أَجْرُهُمْ مُسْتَقِرٌّ عِنْدَ رَبِّهِمْ، وَالْعِنْدِيَّةُ مَجَازِيَّةٌ مُسْتَعْمَلَةٌ فِي الْعِنَايَةِ وَالْحُظْوَةِ.
وَالظَّاهِرُ فِي عَوْدِ الضَّمِيرِ إِلَى أَنْ يَكُونَ عَائِدًا إِلَى مَذْكُورٍ فِي اللَّفْظِ بِمَعْنَاهُ الْمَذْكُورِ فَظَاهِرُ مَعْنَى أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ أَنَّهُ أَجْرُ أُولَئِكَ الْمَذْكُورِينَ، وَمَعْنَى إِضَافَةِ أَجْرٍ وَنُورٍ إِلَى ضَمِيرِهِمْ أَنَّهُ أَجْرٌ يُعَرَّفُ بِهِمْ وَنُورٌ يُعَرَّفُ بِهِمْ.
— 398 —
وَإِذْ قَدْ كَانَ مُقْتَضَى الْإِضَافَةِ أَنْ تُفِيدَ تَعْرِيفَ الْمُضَافِ بِنِسْبَتِهِ إِلَى الْمُضَافِ إِلَيْهِ وَكَانَ الْأَجْرُ وَالنُّورُ غَيْرَ مَعْلُومَيْنِ لِلسَّامِعِ كَانَ فِي الْكَلَامِ إِبْهَامٌ يُكَنَّى بِهِ عَنْ أَجْرٍ وَنُورٍ عَظِيمَيْنِ، فَهُوَ كِنَايَةٌ عَنِ التَّنْوِيهِ بِذَلِكَ الْأَجْرِ وَذَلِكَ النُّورِ، أَيْ أَجْرٌ وَنُورٌ لَا يُوصَفَانِ إِلَّا أَجْرَهُمْ وَنُورَهُمْ، أَيْ أَجْرًا وَنُورًا لَائِقَيْنِ بِمَقَامٍ، مَعَ ضَمِيمَةِ مَا أَفَادَتْهُ الْعِنْدِيَّةُ الَّتِي فِي قَوْلِهِ: عِنْدَ رَبِّهِمْ مِنْ مَعْنَى الزُّلْفَى وَالْعِنَايَةِ بِهِمُ الْمُفِيدُ عَظِيمَ الْأَجْرِ وَالنُّورِ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَا أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ عَائِدَيْنِ إِلَى لَفْظَيِ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ أَوْ إِلَى لَفْظِ الشُّهَداءُ خَاصَّةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَكِنْ بِمَعْنًى آخَرَ غَيْرَ الْمَعْنَى
الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ آنِفًا بَلْ بِمَعْنَى الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ مِمَّنْ كَانُوا قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، قَالَهُ فِي «الْكَشَّافِ».
وَمَعْنَى الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ حِينَئِذٍ مُغَايِرٌ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدَامِ فِي الضَّمِيرِ. وَطَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ فِي حَمْلِ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ فِي قَوْلِهِ:
لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ بِتَقْدِيرِ: لَهُمْ مِثْلُ أَجْرِهِمْ وَنُورِهِمْ، وَلَا تَأْوِيلَ فِي إِضَافَةِ الْأَجْرِ وَالنُّورِ إِلَى الضَّمِيرَيْنِ بِهَذَا الْمَحْمَلِ فَإِنَّ تَعْرِيفَ الْمُضَافِ بَيِّنٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ النَّاسِ مَا وُعِدَ بِهِ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ قَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِهِمْ: وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ [الْمَائِدَة: ٤٤] وَقَالَ: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النبيئين وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النِّسَاء: ٦٩].
وَفَائِدَةُ التَّشْبِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَصْوِيرُ قُوَّةِ الْمُشَبَّهِ وَإِنْ كَانَ أَقْوَى مِنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِأَنَّ لِلْأَحْوَالِ السَّالِفَةِ مِنَ الشُّهْرَةِ وَالتَّحَقُّقِ مَا يُقَرِّبُ صُورَةَ الْمُشَبَّهِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ، وَمِنْهُ مَا فِي لَفْظِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّشْبِيهِ
بِقَوْلِهِ: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»
. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.
تَتْمِيمٌ اقْتَضَاهُ ذِكْرُ أَهْلِ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ وَالتَّنْوِيهِ بِهِمْ، فَأَتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصْفِ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ ضَمِيرَا أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ عَائِدَيْنِ إِلَى لَفْظَيِ الصِّدِّيقُونَ والشُّهَداءُ أَوْ إِلَى لَفْظِ الشُّهَداءُ خَاصَّةً عَلَى مَا تَقَدَّمَ لَكِنْ بِمَعْنًى آخَرَ غَيْرَ الْمَعْنَى
الَّذِي حُمِلَ عَلَيْهِ آنِفًا بَلْ بِمَعْنَى الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ مِمَّنْ كَانُوا قَبْلَهُمْ مِنَ الْأُمَمِ، قَالَهُ فِي «الْكَشَّافِ».
وَمَعْنَى الصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ حِينَئِذٍ مُغَايِرٌ لِلْمَعْنَى السَّابِقِ بِالْعُمُومِ وَالْخُصُوصِ عَلَى طَرِيقَةِ الِاسْتِخْدَامِ فِي الضَّمِيرِ. وَطَرِيقَةِ التَّشْبِيهِ الْبَلِيغِ فِي حَمْلِ الْخَبَرِ عَلَى الْمُبْتَدَأِ فِي قَوْلِهِ:
لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ بِتَقْدِيرِ: لَهُمْ مِثْلُ أَجْرِهِمْ وَنُورِهِمْ، وَلَا تَأْوِيلَ فِي إِضَافَةِ الْأَجْرِ وَالنُّورِ إِلَى الضَّمِيرَيْنِ بِهَذَا الْمَحْمَلِ فَإِنَّ تَعْرِيفَ الْمُضَافِ بَيِّنٌ لِأَنَّهُ قَدْ تَقَرَّرَ فِي عِلْمِ النَّاسِ مَا وُعِدَ بِهِ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ مِنَ الْأُمَمِ الْمَاضِيَةِ قَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِهِمْ: وَكانُوا عَلَيْهِ شُهَداءَ [الْمَائِدَة: ٤٤] وَقَالَ: فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النبيئين وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَداءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً [النِّسَاء: ٦٩].
وَفَائِدَةُ التَّشْبِيهِ عَلَى هَذَا الْوَجْهِ تَصْوِيرُ قُوَّةِ الْمُشَبَّهِ وَإِنْ كَانَ أَقْوَى مِنَ الْمُشَبَّهِ بِهِ لِأَنَّ لِلْأَحْوَالِ السَّالِفَةِ مِنَ الشُّهْرَةِ وَالتَّحَقُّقِ مَا يُقَرِّبُ صُورَةَ الْمُشَبَّهِ عِنْدَ الْمُخَاطَبِ، وَمِنْهُ مَا فِي لَفْظِ الصَّلَاةِ عَلَى النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ التَّشْبِيهِ
بِقَوْلِهِ: «كَمَا صَلَّيْتَ عَلَى إِبْرَاهِيمَ وَعَلَى آلِ إِبْرَاهِيمَ»
. وَالَّذِينَ كَفَرُوا وَكَذَّبُوا بِآياتِنا أُولئِكَ أَصْحابُ الْجَحِيمِ.
تَتْمِيمٌ اقْتَضَاهُ ذِكْرُ أَهْلِ مَرَاتِبِ الْإِيمَانِ وَالتَّنْوِيهِ بِهِمْ، فَأَتْبَعَ ذَلِكَ بِوَصْفِ
— 399 —
آية رقم ٢٠
أَضْدَادِهِمْ لِأَنَّ ذَلِكَ يَزِيدُ التَّنْوِيهَ بِهِمْ بِأَنَّ إِيمَانَهُمْ أَنْجَاهُمْ مِنَ الْجَحِيمِ.
وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَكَذَّبُوا بِالْقُرْآنِ مَا يَشْمَلُ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى عَلَى تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمْ فِي دَرَكَاتِ الْجَحِيمِ، فَالْمُشْرِكُونَ اسْتَحَقُّوا الْجَحِيمَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ كُفْرِهِمْ، وَالْيَهُودُ اسْتَحَقُّوهُ مِنْ يَوْمِ كَذَّبُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالنَّصَارَى اسْتَحَقَّهُ بَعْضُهُمْ حِينَ أَثْبَتُوا لِلَّهِ ابْنًا وَبَعْضُهُمْ مِنْ حِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفِي اسْتِحْضَارِهِمْ بِتَعْرِيفِ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ جَدِيرُونَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ. وَلَمْ يُؤْتَ فِي خَبَرِهِمْ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ إِذْ لَا يُظَنُّ أَنَّ غَيْرَهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ.
وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُمْ بِأَصْحَابِ مُضَافٌ إِلَى الْجَحِيمِ دَلَالَةٌ عَلَى شِدَّةِ مُلَازَمَتِهِمْ لِلْجَحِيمِ.
[٢٠]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٠]
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ.
أَعْقَبَ التَّحْرِيضَ عَلَى الصَّدَقَاتِ وَالْإِنْفَاقِ بِالْإِشَارَةِ إِلَى دَحْضِ سَبَبِ الشُّحِّ أَنَّهُ الْحِرْصُ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الْمَالِ لِإِنْفَاقِهِ فِي لَذَائِذِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَضُرِبَ لَهُمْ مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِحَالٍ مُحَقَّرَةٍ عَلَى أَنَّهَا زَائِلَةٌ تَحْقِيرًا لِحَاصِلِهَا وَتَزْهِيدًا فِيهَا لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِهَا يَعُوقُ عَنِ الْفَلَاحِ قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الْحَشْر: ٩]، وَقَالَ: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النِّسَاء: ١٢٨].
كُلُّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْحَثِّ عَلَى الْإِنْفَاقِ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، وَأُشِيرَ إِلَى أَنَّهَا يَنْبَغِي أَنْ تُتَّخَذَ الْحَيَاةُ وَسِيلَةً لِلنَّعِيمِ الدَّائِمِ فِي الْآخِرَةِ، وَوِقَايَةً مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، وَمَا
وَالْمُرَادُ بِالَّذِينَ كَفَرُوا بِاللَّهِ وَكَذَّبُوا بِالْقُرْآنِ مَا يَشْمَلُ الْمُشْرِكِينَ وَالْيَهُودَ وَالنَّصَارَى عَلَى تَفَاوُتٍ بَيْنَهُمْ فِي دَرَكَاتِ الْجَحِيمِ، فَالْمُشْرِكُونَ اسْتَحَقُّوا الْجَحِيمَ مِنْ جَمِيعِ جِهَاتِ كُفْرِهِمْ، وَالْيَهُودُ اسْتَحَقُّوهُ مِنْ يَوْمِ كَذَّبُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، وَالنَّصَارَى اسْتَحَقَّهُ بَعْضُهُمْ حِينَ أَثْبَتُوا لِلَّهِ ابْنًا وَبَعْضُهُمْ مِنْ حِينِ تَكْذِيبِهِمْ بِرِسَالَةِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَفِي اسْتِحْضَارِهِمْ بِتَعْرِيفِ اسْمِ الْإِشَارَةِ مِنَ التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّهُمْ جَدِيرُونَ بِذَلِكَ لِأَجْلِ الْكُفْرِ وَالتَّكْذِيبِ نَظِيرُ مَا تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ: أُولئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ. وَلَمْ يُؤْتَ فِي خَبَرِهِمْ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ إِذْ لَا يُظَنُّ أَنَّ غَيْرَهُمْ أَصْحَابُ الْجَحِيمِ.
وَالتَّعْبِيرُ عَنْهُمْ بِأَصْحَابِ مُضَافٌ إِلَى الْجَحِيمِ دَلَالَةٌ عَلَى شِدَّةِ مُلَازَمَتِهِمْ لِلْجَحِيمِ.
[٢٠]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٠]
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلاَّ مَتاعُ الْغُرُورِ (٢٠)
اعْلَمُوا أَنَّمَا الْحَياةُ الدُّنْيا لَعِبٌ وَلَهْوٌ وَزِينَةٌ وَتَفاخُرٌ بَيْنَكُمْ وَتَكاثُرٌ فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ.
أَعْقَبَ التَّحْرِيضَ عَلَى الصَّدَقَاتِ وَالْإِنْفَاقِ بِالْإِشَارَةِ إِلَى دَحْضِ سَبَبِ الشُّحِّ أَنَّهُ الْحِرْصُ عَلَى اسْتِبْقَاءِ الْمَالِ لِإِنْفَاقِهِ فِي لَذَائِذِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، فَضُرِبَ لَهُمْ مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِحَالٍ مُحَقَّرَةٍ عَلَى أَنَّهَا زَائِلَةٌ تَحْقِيرًا لِحَاصِلِهَا وَتَزْهِيدًا فِيهَا لِأَنَّ التَّعَلُّقَ بِهَا يَعُوقُ عَنِ الْفَلَاحِ قَالَ تَعَالَى: وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ [الْحَشْر: ٩]، وَقَالَ: وَأُحْضِرَتِ الْأَنْفُسُ الشُّحَّ وَإِنْ تُحْسِنُوا وَتَتَّقُوا فَإِنَّ اللَّهَ كانَ بِما تَعْمَلُونَ خَبِيراً [النِّسَاء: ١٢٨].
كُلُّ ذَلِكَ فِي سِيَاقِ الْحَثِّ عَلَى الْإِنْفَاقِ الْوَاجِبِ وَغَيْرِهِ، وَأُشِيرَ إِلَى أَنَّهَا يَنْبَغِي أَنْ تُتَّخَذَ الْحَيَاةُ وَسِيلَةً لِلنَّعِيمِ الدَّائِمِ فِي الْآخِرَةِ، وَوِقَايَةً مِنَ الْعَذَابِ الشَّدِيدِ، وَمَا
— 400 —
عَدَا ذَلِكَ مِنْ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ فَهُوَ مَتَاعٌ قَلِيلٌ، وَلِذَلِكَ أَعْقَبَ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِالْإِخْبَارِ عَنِ الْآخِرَةِ بِقَوْلِهِ:
«فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ» إِلَخْ.
وَافْتِتَاحُ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: اعْلَمُوا لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الْحَدِيد: ١٧].
وأَنَّمَا الْمَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ أُخْتُ (إِنَّمَا) الْمَكْسُورَةِ الْهَمْزَةِ فِي إِفَادَةِ الْحَصْرِ، وَحَصْرُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْأَخْبَارِ الْجَارِيَةِ عَلَيْهَا هُوَ قْصَرُ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الْحَيَاةِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ السِّتَّةِ بِاعْتِبَارِ غَالِبِ النَّاسِ، فَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيُّ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ هِمَمُ غَالِبِ النَّاس من شؤون الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالَّتِي إِنْ سَلِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِهِا لَا يَخْلُو مِنْ مُلَابَسَةِ بَعْضٍ آخَرَ إِلَّا الَّذِينَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَجَعَلَ أَعْمَالَهُمْ فِي الْحَيَاةِ كُلِّهَا لِوَجْهِ اللَّهِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْحَيَاةَ قَدْ يَكُونُ فِيهَا أَعْمَالُ التُّقَى وَالْمَنَافِعِ وَالْإِحْسَانِ وَالتَّأْيِيدِ لِلْحَقِّ وَتَعْلِيمِ الْفَضَائِلِ وَتَشْرِيعِ الْقَوَانِينِ.
وَقَدْ ذُكِرَ هُنَا من شؤون الْحَيَاةِ مَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ وَمَا لَا يَخْلُو من مقارفة تَضْيِيعِ الْغَايَاتِ الشَّرِيفَةِ أَوِ اقْتِحَامِ مَسَاوٍ ذَمِيمَةٍ، وَهِيَ أُصُولُ أَحْوَالِ الْمُجْتَمَعِ فِي الْحَيَاةِ، وَهِيَ أَيْضًا أَصُولُ أَطْوَارِ آحَادِ النَّاسِ فِي تَطَوُّرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّ اللَّعِبَ طَوْرُ سِنِّ الطُّفُولَةِ وَالصِّبَا، وَاللَّهْوَ طَوْرُ الشَّبَابِ، وَالزِّينَةَ طَوْرُ الْفُتُوَّةِ، وَالتَّفَاخُرَ طَوْرُ الْكُهُولَةِ، وَالتَّكَاثُرَ طَوْرُ الشَّيْخُوخَةِ. وَذَكَرَ هُنَا خَمْسَةَ أَشْيَاءَ:
فَاللَّعِبُ: اسْمٌ لِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُرَاد بِهِ المزح وَالْهَزْلُ لِتَمْضِيَةِ الْوَقْتِ أَوْ إِزَالَةِ وَحْشَةِ الْوَحْدَةِ، أَوِ السُّكُونِ، أَوِ السُّكُوتِ، أَوْ لِجَلْبِ فَرَحٍ وَمَسَرَّةٍ لِلنَّفْسِ، أَوْ يَجْلِبُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْحَبِيبِ، أَوْ يَجْلِبُ ضِدَّهُ لِلْبَغِيضِ، كَإِعْمَالِ الْأَعْضَاءِ وَتَحْرِيكِهَا دَفْعًا لِوَحْشَةِ السُّكُونِ، وَالْهَذَيَانِ الْمَقْصُودِ لِدَفْعِ وَحْشَةِ السُّكُوتِ، وَمِنْه الْعَبَث، وكالمزح مَعَ الْمَرْأَةِ لْاجْتِلَابِ إِقْبَالِهَا وَمَعَ الطِّفْلِ تَحَبُّبًا أَوْ إِرْضَاءً لَهُ.
وَاللَّعِبُ: هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَعْمَالِ الْأَطْفَالِ وَالصِّبْيَانِ فَطَوْرُ الطُّفُولَةِ طَوْرُ اللَّعِبِ وَيَتَفَاوَتُ غَيْرُهُمْ فِي الْإِتْيَانِ مِنْهُ فَيَقِلُّ وَيَكْثُرُ بِحَسْبِ تَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْأَطْوَارِ الْأُولَى مِنَ الْإِنْسَانِ وَفِي رَجَاحَةِ الْعُقُولِ وَضَعْفِهَا. وَالْإِفْرَاطُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِ طَوْرِهِ يُؤْذِنُ بِخِسَّةِ الْعَقْلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ لَهُ: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ [الْأَنْبِيَاء: ٥٥].
«فِي الْآخِرَةِ عَذَابٌ» إِلَخْ.
وَافْتِتَاحُ هَذَا بِقَوْلِهِ تَعَالَى: اعْلَمُوا لِلْوَجْهِ الَّذِي بَيَّنَّاهُ آنِفًا فِي قَوْلِهِ: اعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يُحْيِ الْأَرْضَ بَعْدَ مَوْتِها [الْحَدِيد: ١٧].
وأَنَّمَا الْمَفْتُوحَةُ الْهَمْزَةِ أُخْتُ (إِنَّمَا) الْمَكْسُورَةِ الْهَمْزَةِ فِي إِفَادَةِ الْحَصْرِ، وَحَصْرُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْأَخْبَارِ الْجَارِيَةِ عَلَيْهَا هُوَ قْصَرُ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الْحَيَاةِ عَلَى هَذِهِ الْأُمُورِ السِّتَّةِ بِاعْتِبَارِ غَالِبِ النَّاسِ، فَهُوَ قَصْرٌ ادِّعَائِيُّ بِالنَّظَرِ إِلَى مَا تَنْصَرِفُ إِلَيْهِ هِمَمُ غَالِبِ النَّاس من شؤون الْحَيَاةِ الدُّنْيَا، وَالَّتِي إِنْ سَلِمَ بَعْضُهُمْ مِنْ بَعْضِهِا لَا يَخْلُو مِنْ مُلَابَسَةِ بَعْضٍ آخَرَ إِلَّا الَّذِينَ عَصَمَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى فَجَعَلَ أَعْمَالَهُمْ فِي الْحَيَاةِ كُلِّهَا لِوَجْهِ اللَّهِ، وَإِلَّا فَإِنَّ الْحَيَاةَ قَدْ يَكُونُ فِيهَا أَعْمَالُ التُّقَى وَالْمَنَافِعِ وَالْإِحْسَانِ وَالتَّأْيِيدِ لِلْحَقِّ وَتَعْلِيمِ الْفَضَائِلِ وَتَشْرِيعِ الْقَوَانِينِ.
وَقَدْ ذُكِرَ هُنَا من شؤون الْحَيَاةِ مَا هُوَ الْغَالِبُ عَلَى النَّاسِ وَمَا لَا يَخْلُو من مقارفة تَضْيِيعِ الْغَايَاتِ الشَّرِيفَةِ أَوِ اقْتِحَامِ مَسَاوٍ ذَمِيمَةٍ، وَهِيَ أُصُولُ أَحْوَالِ الْمُجْتَمَعِ فِي الْحَيَاةِ، وَهِيَ أَيْضًا أَصُولُ أَطْوَارِ آحَادِ النَّاسِ فِي تَطَوُّرِ كُلِّ وَاحِدٍ مِنْهُمْ، فَإِنَّ اللَّعِبَ طَوْرُ سِنِّ الطُّفُولَةِ وَالصِّبَا، وَاللَّهْوَ طَوْرُ الشَّبَابِ، وَالزِّينَةَ طَوْرُ الْفُتُوَّةِ، وَالتَّفَاخُرَ طَوْرُ الْكُهُولَةِ، وَالتَّكَاثُرَ طَوْرُ الشَّيْخُوخَةِ. وَذَكَرَ هُنَا خَمْسَةَ أَشْيَاءَ:
فَاللَّعِبُ: اسْمٌ لِقَوْلٍ أَوْ فِعْلٍ يُرَاد بِهِ المزح وَالْهَزْلُ لِتَمْضِيَةِ الْوَقْتِ أَوْ إِزَالَةِ وَحْشَةِ الْوَحْدَةِ، أَوِ السُّكُونِ، أَوِ السُّكُوتِ، أَوْ لِجَلْبِ فَرَحٍ وَمَسَرَّةٍ لِلنَّفْسِ، أَوْ يَجْلِبُ مِثْلَ ذَلِكَ لِلْحَبِيبِ، أَوْ يَجْلِبُ ضِدَّهُ لِلْبَغِيضِ، كَإِعْمَالِ الْأَعْضَاءِ وَتَحْرِيكِهَا دَفْعًا لِوَحْشَةِ السُّكُونِ، وَالْهَذَيَانِ الْمَقْصُودِ لِدَفْعِ وَحْشَةِ السُّكُوتِ، وَمِنْه الْعَبَث، وكالمزح مَعَ الْمَرْأَةِ لْاجْتِلَابِ إِقْبَالِهَا وَمَعَ الطِّفْلِ تَحَبُّبًا أَوْ إِرْضَاءً لَهُ.
وَاللَّعِبُ: هُوَ الْغَالِبُ عَلَى أَعْمَالِ الْأَطْفَالِ وَالصِّبْيَانِ فَطَوْرُ الطُّفُولَةِ طَوْرُ اللَّعِبِ وَيَتَفَاوَتُ غَيْرُهُمْ فِي الْإِتْيَانِ مِنْهُ فَيَقِلُّ وَيَكْثُرُ بِحَسْبِ تَفَاوُتِ النَّاسِ فِي الْأَطْوَارِ الْأُولَى مِنَ الْإِنْسَانِ وَفِي رَجَاحَةِ الْعُقُولِ وَضَعْفِهَا. وَالْإِفْرَاطُ فِيهِ مِنْ غَيْرِ أَصْحَابِ طَوْرِهِ يُؤْذِنُ بِخِسَّةِ الْعَقْلِ، وَلِذَلِكَ قَالَ قَوْمُ إِبْرَاهِيمَ لَهُ: أَجِئْتَنا بِالْحَقِّ أَمْ أَنْتَ مِنَ اللَّاعِبِينَ [الْأَنْبِيَاء: ٥٥].
— 401 —
وَاللَّعِبُ يَكْثُرُ فِي أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا فَهُوَ جُزْءٌ عَظِيمٌ مِنْ أَحْوَالِهَا وَحَسْبُكَ أَنَّهُ يَعْمُرُ مُعْظَمَ أَحْوَالِ الصِّبَا.
وَاللَّهْوُ: اسْمٌ لِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يُقْصَدُ مِنْهُ الْتِذَاذُ النَّفْسِ بِهِ وَصَرْفُهَا عَنْ أَلَمٍ حَاصِلٍ مِنْ تَعَبِ الْجَسَدِ أَوِ الْحُزْنِ أَوِ الْكَمَدِ، يُقَالُ: لَهَا عَنِ الشَّيْءِ، أَيْ تَشَاغَلَ عَنْهُ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
وَقَالَ النَّابِغَةُ يَذْكُرُ حَجَّهُ:
وَيَغْلِبُ اللَّهْوُ عَلَى أَحْوَالِ الشَّبَابِ فَطَوْرُ الشَّبَابِ طَوْرُهُ، وَيَكْثُرُ اللَّهْوُ فِي أَحْوَالِ الدُّنْيَا مِنْ تَطَلُّبِ اللَّذَّاتِ وَالطَّرَبِ.
وَالزِّينَةُ: تَحْسِينُ الذَّاتِ أَوِ الْمَكَانِ بِمَا يَجْعَلُ وَقْعَهُ عِنْدَ نَاظِرِهِ مُسِرًّا لَهُ، وَفِي طِبَاعِ النَّاسِ الرَّغْبَةُ فِي أَنْ تَكُونَ مَنَاظِرُهُمْ حَسَنَةً فِي عَيْنِ نَاظِرِيهِمْ وَذَلِكَ فِي طِبَاعِ النِّسَاءِ أَشَدُّ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ شِدَّتِهِ فِيهِنَّ كَثْرَةُ إِغْرَاءِ الرِّجَالِ لَهُنَّ بِذَلِكَ.
وَيَكْثُرُ التَّزَيُّنُ فِي طَوْرِ الْفُتُوَّةِ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَشْعُرُ بِابْتِدَاءِ زَوَالِ مَحَاسِنِ شَبَابِهِ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ غَانِيَةً تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ حَالِيَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَجْلِ تَعَرُّضِهَا لِلرِّجَالِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ الرِّجِالُ فِيهِنَّ غُرُورًا بِأَنْفُسِهِمْ بَلْ ذَلِكَ لِتَكُونَ حَسَنَةً فِي النَّاسِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَيَغْلِبُ التَّزَيُّنُ عَلَى أَحْوَالِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ مُعْظَمَ الْمَسَاكِنِ وَالْمَلَابِسِ يُرَادُ مِنْهُ الزِّينَةُ، وَهِيَ
ذَاتِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ، وَمِنَ الْمَعْنَوِيَّةِ مَا يُسَمَّى فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِالتَّحْسِينِيِّ.
وَالتَّفَاخُرُ: الْكَلَامُ الَّذِي يَفْخَرُ بِهِ، وَالْفَخْرُ: حَدِيثُ الْمَرْءِ عَنْ مَحَامِدِهِ وَالصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ مِنْهَا فِيهِ بِالْحَقِّ أَوِ الْبَاطِلِ. وَصِيغَ مِنْهُ زنة التفاعل لِأَنَّ شَأْنَ الْفَخْرِ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ جَانِبَيْنِ كَمَا أَنْبَأَ بِهِ تَقْيِيدُهُ بِظَرْفِ بَيْنَكُمْ.
وَالنَّاسُ يَتَفَاخَرُونَ بِالصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ فِي عُصُورِهِمْ وَأَجْيَالِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ، فَمِنَ
وَاللَّهْوُ: اسْمٌ لِفِعْلٍ أَوْ قَوْلٍ يُقْصَدُ مِنْهُ الْتِذَاذُ النَّفْسِ بِهِ وَصَرْفُهَا عَنْ أَلَمٍ حَاصِلٍ مِنْ تَعَبِ الْجَسَدِ أَوِ الْحُزْنِ أَوِ الْكَمَدِ، يُقَالُ: لَهَا عَنِ الشَّيْءِ، أَيْ تَشَاغَلَ عَنْهُ. قَالَ امْرُؤُ الْقَيْسِ:
| وَبَيْضَةِ خِدْرٍ لَا يُرَامُ خِبَاؤُهَا | تَمَتَّعْتُ مِنْ لَهْوٍ بِهَا غَيْرَ مُعْجَلِ |
| حَيَّاكِ رَبِّي فَإِنَّا لَا يَحِلُّ لَنَا | لَهْوُ النِّسَاءِ وَإِنَّ الدِّينَ قَدْ عَزَمَا |
وَالزِّينَةُ: تَحْسِينُ الذَّاتِ أَوِ الْمَكَانِ بِمَا يَجْعَلُ وَقْعَهُ عِنْدَ نَاظِرِهِ مُسِرًّا لَهُ، وَفِي طِبَاعِ النَّاسِ الرَّغْبَةُ فِي أَنْ تَكُونَ مَنَاظِرُهُمْ حَسَنَةً فِي عَيْنِ نَاظِرِيهِمْ وَذَلِكَ فِي طِبَاعِ النِّسَاءِ أَشَدُّ، وَرُبَّمَا كَانَ مِنْ أَسْبَابِ شِدَّتِهِ فِيهِنَّ كَثْرَةُ إِغْرَاءِ الرِّجَالِ لَهُنَّ بِذَلِكَ.
وَيَكْثُرُ التَّزَيُّنُ فِي طَوْرِ الْفُتُوَّةِ لِأَنَّ الرَّجُلَ يَشْعُرُ بِابْتِدَاءِ زَوَالِ مَحَاسِنِ شَبَابِهِ، وَالْمَرْأَةُ الَّتِي كَانَتْ غَانِيَةً تُحِبُّ أَنْ تَكُونَ حَالِيَةً، وَلَيْسَ ذَلِكَ لِأَجْلِ تَعَرُّضِهَا لِلرِّجَالِ كَمَا يَتَوَهَّمُهُ الرِّجِالُ فِيهِنَّ غُرُورًا بِأَنْفُسِهِمْ بَلْ ذَلِكَ لِتَكُونَ حَسَنَةً فِي النَّاسِ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ.
وَيَغْلِبُ التَّزَيُّنُ عَلَى أَحْوَالِ الْحَيَاةِ فَإِنَّ مُعْظَمَ الْمَسَاكِنِ وَالْمَلَابِسِ يُرَادُ مِنْهُ الزِّينَةُ، وَهِيَ
ذَاتِيَّةٌ وَمَعْنَوِيَّةٌ، وَمِنَ الْمَعْنَوِيَّةِ مَا يُسَمَّى فِي أُصُولِ الْفِقْهِ بِالتَّحْسِينِيِّ.
وَالتَّفَاخُرُ: الْكَلَامُ الَّذِي يَفْخَرُ بِهِ، وَالْفَخْرُ: حَدِيثُ الْمَرْءِ عَنْ مَحَامِدِهِ وَالصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ مِنْهَا فِيهِ بِالْحَقِّ أَوِ الْبَاطِلِ. وَصِيغَ مِنْهُ زنة التفاعل لِأَنَّ شَأْنَ الْفَخْرِ أَنْ يَقَعَ بَيْنَ جَانِبَيْنِ كَمَا أَنْبَأَ بِهِ تَقْيِيدُهُ بِظَرْفِ بَيْنَكُمْ.
وَالنَّاسُ يَتَفَاخَرُونَ بِالصِّفَاتِ الْمَحْمُودَةِ فِي عُصُورِهِمْ وَأَجْيَالِهِمْ وَعَادَاتِهِمْ، فَمِنَ
— 402 —
الصِّفَاتِ مَا الْفَخْرُ بِهِ غير بَاطِل. وَهُوَ الصِّفَاتُ الَّتِي حَقَائِقُهَا مَحْمُودَةٌ فِي الْعَقْلِ أَوِ الشَّرْعِ.
وَمِنْهَا مَا الْفَخْرُ بِهِ بَاطِلٌ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَعْمَالِ الَّتِي اصْطَلَحَ قَوْمٌ عَلَى التَّمَدُّحِ بِهَا وَلَيْسَتْ حَقِيقَةً بِالْمَدْحِ مِثْلَ التَّفَاخُرِ بِالْإِغْلَاءِ فِي ثَمَنِ الْخُمُورِ وَفِي الْمَيْسِرِ وَالزِّنَى وَالْفَخْرِ بِقَتْلِ النُّفُوسِ وَالْغَارَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ فِي غَيْرِ حَقٍّ.
وَأَغْلَبُ التَّفَاخُرِ فِي طَوْرِ الْكُهُولَةِ وَاكْتِمَالِ الْأَشُدِّ لِأَنَّهُ زَمَنُ الْإِقْبَالِ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي يُقْصَدُ مِنْهَا الْفَخر.
والتفاخر كثير فِي أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْهُ التَّبَاهِي وَالْعَجَبُ، وَعَنْهُ يَنْشَأُ الْحَسَدُ.
وَالتَّكَاثُرُ: تَفَاعُلٌ مِنَ الْكَثْرَةِ، وَصِيغَةُ التَّفَاعُلِ هُنَا لِلْمُبَالَغِةِ فِي الْفِعْلِ بِحَيْثُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَنْ يُغَالِبُ غَيْرَهُ فِي كَثْرَةِ شَيْءٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرَ مِنْهُ عِنْدَهُ فَكَانَ الْمَرْءُ يَنْظُرُ فِي الْكَثْرَةِ مِنَ الْأَمْرِ الْمَحْبُوبِ إِلَى امْرِئٍ آخَرَ لَهُ الْكَثْرَةُ مِنْهُ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ طَرَفَةَ:
ثُمَّ شَاعَ إِطْلَاقُ صِيغَةِ التَّكَاثُرِ فَصَارَتْ تُسْتَعْمَلُ فِي الْحِرْصِ عَلَى تَحْصِيلِ الْكَثِيرِ مِنْ غَيْرِ مُرَاعَاةِ مُغَالَبَةِ الْغَيْرِ مِمَّنْ حَصَلَ عَلَيْهِ، قَالَ تَعَالَى: أَلْهاكُمُ التَّكاثُرُ [التَّكَاثُرُ: ١].
وفِي مِنْ قَوْلِهِ: فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ: إِمَّا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التَّعْلِيلِ، وَإِمَّا هِيَ الظَّرْفِيَّةُ الْمَجَازِيَّةُ، فَإِنْ جُعِلَتِ الْأَمْوَالُ كَالظَّرْفِ يَحْصُلُ تَكَاثُرُ النَّاسِ عِنْدَهُ كَمَنْ يَنْزِعُ فِي بِئْرٍ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ أَقَامَ نِظَامَ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى حِكْمَةِ أَنْ تَكُونَ
الْحَيَاةُ وَسِيلَةً لِبُلُوغِ النُّفُوسِ إِلَى مَا هَيَّأَهَا اللَّهُ لَهُ مِنَ الْعُرُوجِ إِلَى سُمُوِّ الْمَلَكِيَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الْبَقَرَة: ٣٠]، فَكَانَ نِظَامُ هَذِهِ الْحَيَاةِ عَلَى أَنْ تَجْرِيَ أُمُورُ النَّاسِ فِيهَا عَلَى حَسْبِ تَعَالِيمِ الْهُدَى لِلْفَوْزِ بِالْحَيَاةِ الأبدية فِي النَّعيم الْحَقِّ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَالْبَعْثِ، فَإِذَا النَّاسُ قَدْ حَرَّفُوهَا عَنْ مَهْيَعِهَا، وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُِِ
وَمِنْهَا مَا الْفَخْرُ بِهِ بَاطِلٌ مِنَ الصِّفَاتِ وَالْأَعْمَالِ الَّتِي اصْطَلَحَ قَوْمٌ عَلَى التَّمَدُّحِ بِهَا وَلَيْسَتْ حَقِيقَةً بِالْمَدْحِ مِثْلَ التَّفَاخُرِ بِالْإِغْلَاءِ فِي ثَمَنِ الْخُمُورِ وَفِي الْمَيْسِرِ وَالزِّنَى وَالْفَخْرِ بِقَتْلِ النُّفُوسِ وَالْغَارَةِ عَلَى الْأَمْوَالِ فِي غَيْرِ حَقٍّ.
وَأَغْلَبُ التَّفَاخُرِ فِي طَوْرِ الْكُهُولَةِ وَاكْتِمَالِ الْأَشُدِّ لِأَنَّهُ زَمَنُ الْإِقْبَالِ عَلَى الْأَفْعَالِ الَّتِي يُقْصَدُ مِنْهَا الْفَخر.
والتفاخر كثير فِي أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الدُّنْيَا، وَمِنْهُ التَّبَاهِي وَالْعَجَبُ، وَعَنْهُ يَنْشَأُ الْحَسَدُ.
وَالتَّكَاثُرُ: تَفَاعُلٌ مِنَ الْكَثْرَةِ، وَصِيغَةُ التَّفَاعُلِ هُنَا لِلْمُبَالَغِةِ فِي الْفِعْلِ بِحَيْثُ يَنْزِلُ مَنْزِلَةَ مَنْ يُغَالِبُ غَيْرَهُ فِي كَثْرَةِ شَيْءٍ، فَإِنَّهُ يَكُونُ أَحْرَصَ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْأَكْثَرَ مِنْهُ عِنْدَهُ فَكَانَ الْمَرْءُ يَنْظُرُ فِي الْكَثْرَةِ مِنَ الْأَمْرِ الْمَحْبُوبِ إِلَى امْرِئٍ آخَرَ لَهُ الْكَثْرَةُ مِنْهُ، أَلَا تَرَى إِلَى قَوْلِ طَرَفَةَ:
| فَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ قَيْسَ بْنَ عَاصِمٍ | وَلَوْ شَاءَ رَبِّي كُنْتُ عَمْرَو بْنَ مَرْثَدِ |
| فَأَصْبَحْتُ ذَا مَالٍ كَثِيرٍ وَطَافَ بِي | بَنُونَ كِرَامٌ سَادَةٌ لِمُسَوَّدِ |
وفِي مِنْ قَوْلِهِ: فِي الْأَمْوالِ وَالْأَوْلادِ: إِمَّا مُسْتَعْمَلَةٌ فِي التَّعْلِيلِ، وَإِمَّا هِيَ الظَّرْفِيَّةُ الْمَجَازِيَّةُ، فَإِنْ جُعِلَتِ الْأَمْوَالُ كَالظَّرْفِ يَحْصُلُ تَكَاثُرُ النَّاسِ عِنْدَهُ كَمَنْ يَنْزِعُ فِي بِئْرٍ.
وَالْمَعْنَى: أَنَّ اللَّهَ أَقَامَ نِظَامَ أَحْوَالِ النَّاسِ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا عَلَى حِكْمَةِ أَنْ تَكُونَ
الْحَيَاةُ وَسِيلَةً لِبُلُوغِ النُّفُوسِ إِلَى مَا هَيَّأَهَا اللَّهُ لَهُ مِنَ الْعُرُوجِ إِلَى سُمُوِّ الْمَلَكِيَّةِ كَمَا دَلَّ عَلَيْهِ قَوْلُهُ: إِنِّي جاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً [الْبَقَرَة: ٣٠]، فَكَانَ نِظَامُ هَذِهِ الْحَيَاةِ عَلَى أَنْ تَجْرِيَ أُمُورُ النَّاسِ فِيهَا عَلَى حَسْبِ تَعَالِيمِ الْهُدَى لِلْفَوْزِ بِالْحَيَاةِ الأبدية فِي النَّعيم الْحَقِّ بَعْدَ الْمَمَاتِ وَالْبَعْثِ، فَإِذَا النَّاسُ قَدْ حَرَّفُوهَا عَنْ مَهْيَعِهَا، وَقَدْ تَضَمَّنَ ذَلِكَ قَوْلُهُِِ
— 403 —
تَعَالَى: مَنْ عَمِلَ صالِحاً مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَياةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ [النَّحْل: ٩٧].
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً.
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَبَرٍ مِنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هِيَ كَمَثَلِ غَيْثٍ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا، وَحَذْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي سَمَّاهُ السَّكَّاكِيُّ «مُتَابَعَةَ الِاسْتِعْمَالِ».
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وكَمَثَلِ مَعْنَاهُ كَحَالِ، أَيْ حَالُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَحَالِ غَيْثٍ إِلَخْ، فَشُبِّهَتْ هَيْئَةُ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي أَحْوَالِهِمُ الْغَالِبَةِ عَلَيْهِمْ وَالْمُشَارِ إِلَى تَنْوِيعِهَا بِقَوْلِهِ: لَعِبٌ وَلَهْوٌ إِلَى آخِرِهِ بِهَيْئَةِ غَيْثٍ أَنْبَتَ زَرْعًا فَأَيْنَعَ ثُمَّ اصْفَرَّ ثُمَّ اضْمَحَلَّ وَتَحَطَّمَ، أَيْ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْغَالِبَةِ عَلَى النَّاسِ فِي الْحَيَاةِ فِي كَوْنِهَا مَحْبُوبَةً لِلنَّاسِ مُزَهَّيَةً لَهُمْ وَفِي سُرْعَةِ تَقَضِّيهَا بِهَيْئَةِ نَبَاتٍ جَدِيدٍ أَنْبَتَهُ غَيْثٌ فَاسْتَوَى وَاكْتَمَلَ وَأُعْجِبَ بِهِ مَنْ رَآهُ فَمَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةً فَيَبِسَ وَتَحَطَّمَ.
وَالْمَقْصُودُ بِالتَّمْثِيلِ هُوَ النَّبَاتُ، وَإِنَّمَا ابتدئ بغيث تصويرا لِلْهَيْئَةِ مِنْ مَبَادِئِهَا لِإِظْهَارِ مَوَاقِعِ الْحُسْنِ فِيهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْتَسِبُ مِنْهُ الْمُشَبَّهُ حُسْنًا كَمَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ فِي تَحْسِينِ أَوْصَافِ الْمَاءِ الَّذِي مُزِجَتْ بِهِ الرَّاحُ فِي قَوْلِهِ:
وَعَنِ ابْنِ مَسْعُودٍ «أَنَّ الْكُفَّارَ: الزُّرَّاعُ، جَمْعُ كَافِرٍ وَهُوَ الزَّارِعُ لِأَنَّهُ يَكْفُرُ الزَّرِيعَةَ بِتُرَابِ الْأَرْضِ، وَالْكَفْرُ بِفَتْحِ الْكَافِ السَّتْرُ، أَيْ سَتْرُ الزَّرِيعَةِ، وَإِنَّمَا أُوثِرَ هَذَا الِاسْمُ هُنَا وَقَدْ قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ الْفَتْحِ [٢٩] : يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ، قَصْدًا هُنَا لِلتَّوْرِيَةِ بِالْكُفَّارِ الَّذِينَ هُمُ الْكَافِرُونَ بِاللَّهِ لِأَنَّهُمْ أَشَدُّ إِعْجَابًا بِمَتَاعِ الدُّنْيَا إِذْ لَا أَمَلَ لَهُمْ فِي شَيْءٍ بَعْدَهُ. وَقَالَ جَمْعٌ مِنَ الْمُفَسِّرِينَ: الْكُفَّارُ جَمْعُ الْكَافِرِ بِاللَّهِ لِأَنَّهُمِِْ
كَمَثَلِ غَيْثٍ أَعْجَبَ الْكُفَّارَ نَباتُهُ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً.
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ فِي مَوْضِعِ خَبَرٍ مِنْ مُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ، أَيْ هِيَ كَمَثَلِ غَيْثٍ فَتَكُونُ الْجُمْلَةُ اسْتِئْنَافًا، وَحَذْفُ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ مِنَ النَّوْعِ الَّذِي سَمَّاهُ السَّكَّاكِيُّ «مُتَابَعَةَ الِاسْتِعْمَالِ».
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الْكَافُ فِي مَوْضِعِ الْحَالِ وكَمَثَلِ مَعْنَاهُ كَحَالِ، أَيْ حَالُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا كَحَالِ غَيْثٍ إِلَخْ، فَشُبِّهَتْ هَيْئَةُ أَهْلِ الدُّنْيَا فِي أَحْوَالِهِمُ الْغَالِبَةِ عَلَيْهِمْ وَالْمُشَارِ إِلَى تَنْوِيعِهَا بِقَوْلِهِ: لَعِبٌ وَلَهْوٌ إِلَى آخِرِهِ بِهَيْئَةِ غَيْثٍ أَنْبَتَ زَرْعًا فَأَيْنَعَ ثُمَّ اصْفَرَّ ثُمَّ اضْمَحَلَّ وَتَحَطَّمَ، أَيْ تَشْبِيهُ هَيْئَةِ هَذِهِ الْأَحْوَالِ الْغَالِبَةِ عَلَى النَّاسِ فِي الْحَيَاةِ فِي كَوْنِهَا مَحْبُوبَةً لِلنَّاسِ مُزَهَّيَةً لَهُمْ وَفِي سُرْعَةِ تَقَضِّيهَا بِهَيْئَةِ نَبَاتٍ جَدِيدٍ أَنْبَتَهُ غَيْثٌ فَاسْتَوَى وَاكْتَمَلَ وَأُعْجِبَ بِهِ مَنْ رَآهُ فَمَضَتْ عَلَيْهِ مُدَّةً فَيَبِسَ وَتَحَطَّمَ.
وَالْمَقْصُودُ بِالتَّمْثِيلِ هُوَ النَّبَاتُ، وَإِنَّمَا ابتدئ بغيث تصويرا لِلْهَيْئَةِ مِنْ مَبَادِئِهَا لِإِظْهَارِ مَوَاقِعِ الْحُسْنِ فِيهَا لِأَنَّ ذَلِكَ يَكْتَسِبُ مِنْهُ الْمُشَبَّهُ حُسْنًا كَمَا فَعَلَ كَعْبُ بْنُ زُهَيْرٍ فِي تَحْسِينِ أَوْصَافِ الْمَاءِ الَّذِي مُزِجَتْ بِهِ الرَّاحُ فِي قَوْلِهِ:
| شجت بِذِي شيم مِنْ مَاءِ مَحْنِيَةٍ | صَافٍ بِأَبْطَحَ أَضْحَى وَهُوَ مَشْمُولُ |
| تَنْفِي الرِّيَاحُ الْقَذَى عَنْهُ وَأَفْرَطَهُ | مِنْ صَوْبِ سَارِيَةٍ بِيضٌ يَعَالِيلُ |
— 404 —
قَصَرُوا إِعْجَابَهُمْ عَلَى الْأَعْمَالِ ذَاتِ الْغَايَاتِ الدُّنْيَا دُونَ الْأَعْمَالِ الدِّينِيَّةِ، فَذِكْرُ الْكُفَّارِ تَلْوِيحٌ إِلَى أَنَّ الْمَثَلَ مَسُوقٌ إِلَى جَانِبِهِمْ أَوَّلًا.
وَالنَّبَاتُ: اسْمُ مَصْدَرِ نَبَتَ قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: ١٧]، وَهُوَ هُنَا أُطْلِقَ عَلَى النَّابِتِ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْفَاعِلِ وَهُوَ كَثِيرُ، وَأَصْلُهُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ، وَقَدْ يَشِيعُ فَيَزُولُ قَصْدُ الْمُبَالَغَةِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ يَهِيجُ تَضَافَرَتْ كَلِمَاتُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى تَفْسِيرِ يَهِيجُ بِ (يَيْبَسُ) أَوْ يَجِفُّ، وَلَمْ يَسْتَظْهِرُوا بِشَاهِدٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ مَعَانِي الْهِيَاجِ الْجَفَافَ، وَقَدْ قَالَ الرَّاغِبُ: يُقَالُ: هَاجَ الْبَقْلُ، إِذَا اصْفَرَّ وَطَابَ، وَفِي «الْأَسَاسِ» : مِنَ الْمَجَازِ هَاجَ الْبَقْلُ، إِذَا أَخَذَ فِي الْيُبْسِ. وَهَذَانِ الْإِمَامَانِ لَمْ يَجْعَلَا (هَاجَ) بِمَعْنَى (يَبِسَ) وَكَيْفَ لَفْظُ الْآيَةِ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا، فَالْوَجْهُ أَنَّ الْهِيَاجَ: الْغِلَظُ وَمُقَارَبَةُ الْيُبْسِ، لِأَنَّ مَادَّةَ الْهِيَاجِ تَدُلُّ عَلَى الِاضْطِرَابِ وَالثَّوَرَانِ وَسُمِّيَتِ الْحَرْبُ الْهَيْجَاءُ، وَقَالَ النَّابِغَةُ:
أَهَاجَكَ مِنْ سُعْدَاكَ مَغْنَى الْمَعَاهِدِ وَالزَّرْعُ إِذَا غَلُظَ يَكُونُ لِحَرَكَتِهِ صَوْتٌ فَكَأَنَّهُ هَائِجٌ، أَيْ ثَائِرٌ وَذَلِكَ ابْتِدَاءُ جَفَافِهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ [٢٩].
وَعُطِفَتْ جُمْلَةُ يَهِيجُ بِ (ثُمَّ) لِإِفَادَةِ التَّرَاخِي الرُّتَبِي لِأَنَّ اصْفِرَارَ النَّبَاتِ أَعْظَمُ دَلَالَةٍ عَلَى التَّهَيُّؤِ لِلزَّوَالِ، وَهَذَا هُوَ الْأَهَمُّ فِي مَقَامِ التَّزْهِيدِ فِي مَتَاعِ الدُّنْيَا.
وَعَطَفَ فَتَراهُ مُصْفَرًّا بِالْفَاءِ لِأَنَّ اصْفِرَارَ النَّبْتِ مُقَارِبٌ لِيُبْسِهِ، وَعَطْفُ ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً بِ (ثُمَّ) كَعَطْفِ ثُمَّ يَهِيجُ.
وَالْحُطَامُ: بِضَمِّ الْحَاءِ مَا حُطِّمَ، أَيْ كُسِّرَ قِطَعًا.
فَضَرَبَ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِأَطْوَارِ مَا فِيهَا مِنْ شَبَابٍ وَكُهُولَةٍ وَهَرَمٍ فَفَنَاءٍ، وَمِنْ جِدَّةٍ وَتَبَذُّلٍ وَبِلًى، وَمِنْ إِقْبَالِ الْأُمُورِ فِي زَمَنِ إِقْبَالِهَا ثُمَّ إِدْبَارِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، بِأَطْوَارِ الزَّرْعِ. وَكُلُّهَا أَعْرَاضٌ زَائِلَةٌ وَآخِرُهَا فَنَاءٌ.
وَالنَّبَاتُ: اسْمُ مَصْدَرِ نَبَتَ قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ أَنْبَتَكُمْ مِنَ الْأَرْضِ نَباتاً [نوح: ١٧]، وَهُوَ هُنَا أُطْلِقَ عَلَى النَّابِتِ مِنْ إِطْلَاقِ الْمَصْدَرِ عَلَى الْفَاعِلِ وَهُوَ كَثِيرُ، وَأَصْلُهُ أَنْ يُرَادَ بِهِ الْمُبَالَغَةُ، وَقَدْ يَشِيعُ فَيَزُولُ قَصْدُ الْمُبَالَغَةِ بِهِ.
وَقَوْلُهُ: ثُمَّ يَهِيجُ تَضَافَرَتْ كَلِمَاتُ الْمُفَسِّرِينَ عَلَى تَفْسِيرِ يَهِيجُ بِ (يَيْبَسُ) أَوْ يَجِفُّ، وَلَمْ يَسْتَظْهِرُوا بِشَاهِدٍ مِنْ كَلَامِ الْعَرَبِ يَدُلُّ عَلَى أَنَّ مِنْ مَعَانِي الْهِيَاجِ الْجَفَافَ، وَقَدْ قَالَ الرَّاغِبُ: يُقَالُ: هَاجَ الْبَقْلُ، إِذَا اصْفَرَّ وَطَابَ، وَفِي «الْأَسَاسِ» : مِنَ الْمَجَازِ هَاجَ الْبَقْلُ، إِذَا أَخَذَ فِي الْيُبْسِ. وَهَذَانِ الْإِمَامَانِ لَمْ يَجْعَلَا (هَاجَ) بِمَعْنَى (يَبِسَ) وَكَيْفَ لَفْظُ الْآيَةِ ثُمَّ يَهِيجُ فَتَراهُ مُصْفَرًّا، فَالْوَجْهُ أَنَّ الْهِيَاجَ: الْغِلَظُ وَمُقَارَبَةُ الْيُبْسِ، لِأَنَّ مَادَّةَ الْهِيَاجِ تَدُلُّ عَلَى الِاضْطِرَابِ وَالثَّوَرَانِ وَسُمِّيَتِ الْحَرْبُ الْهَيْجَاءُ، وَقَالَ النَّابِغَةُ:
أَهَاجَكَ مِنْ سُعْدَاكَ مَغْنَى الْمَعَاهِدِ وَالزَّرْعُ إِذَا غَلُظَ يَكُونُ لِحَرَكَتِهِ صَوْتٌ فَكَأَنَّهُ هَائِجٌ، أَيْ ثَائِرٌ وَذَلِكَ ابْتِدَاءُ جَفَافِهِ، وَذَلِكَ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: كَزَرْعٍ أَخْرَجَ شَطْأَهُ فَآزَرَهُ فَاسْتَغْلَظَ فَاسْتَوى عَلى سُوقِهِ يُعْجِبُ الزُّرَّاعَ فِي سُورَةِ الْفَتْحِ [٢٩].
وَعُطِفَتْ جُمْلَةُ يَهِيجُ بِ (ثُمَّ) لِإِفَادَةِ التَّرَاخِي الرُّتَبِي لِأَنَّ اصْفِرَارَ النَّبَاتِ أَعْظَمُ دَلَالَةٍ عَلَى التَّهَيُّؤِ لِلزَّوَالِ، وَهَذَا هُوَ الْأَهَمُّ فِي مَقَامِ التَّزْهِيدِ فِي مَتَاعِ الدُّنْيَا.
وَعَطَفَ فَتَراهُ مُصْفَرًّا بِالْفَاءِ لِأَنَّ اصْفِرَارَ النَّبْتِ مُقَارِبٌ لِيُبْسِهِ، وَعَطْفُ ثُمَّ يَكُونُ حُطاماً بِ (ثُمَّ) كَعَطْفِ ثُمَّ يَهِيجُ.
وَالْحُطَامُ: بِضَمِّ الْحَاءِ مَا حُطِّمَ، أَيْ كُسِّرَ قِطَعًا.
فَضَرَبَ مَثَلَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا لِأَطْوَارِ مَا فِيهَا مِنْ شَبَابٍ وَكُهُولَةٍ وَهَرَمٍ فَفَنَاءٍ، وَمِنْ جِدَّةٍ وَتَبَذُّلٍ وَبِلًى، وَمِنْ إِقْبَالِ الْأُمُورِ فِي زَمَنِ إِقْبَالِهَا ثُمَّ إِدْبَارِهَا بَعْدَ ذَلِكَ، بِأَطْوَارِ الزَّرْعِ. وَكُلُّهَا أَعْرَاضٌ زَائِلَةٌ وَآخِرُهَا فَنَاءٌ.
— 405 —
وَتَنْدَرِجُ فِيهَا أَطْوَارُ الْمَرْءِ فِي الْحَيَاةِ الْمَذْكُورَةِ فِي قَوْلِهِ: لَعِبٌ وَلَهْوٌ إِلَى وَالْأَوْلادِ كَمَا يَظْهَرُ بِالتَّأَمُّلِ.
وَهَذَا التَّمْثِيلُ مَعَ كَوْنِهِ تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ مُرَكَّبَةٍ بِهَيْئَةٍ مِثْلِهَا هُوَ صَالِحٌ لِلتَّفْرِيقِ وَمُقَابَلَةُ أَجْزَاءِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِأَجْزَاءِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا، فَيُشَبِّهُ أَوَّلَ أَطْوَارِ الْحَيَاةِ وَإِقْبَالِهَا بِالنَّبَاتِ عَقِبَ
الْمَطَرِ، ويشبّه النَّاس المنتفعون بِإِقْبَالِ الدُّنْيَا بِنَاسٍ زُرَّاعٍ، وَيُشَبِّهُ اكْتِمَالَ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ وَقُوَّةَ الْكُهُولَةِ بِهِيَاجِ الزَّرْعِ، ويشبّه ابْتِدَاء الشخوخة ثُمَّ الْهَرَمِ وَابْتِدَاءَ ضَعْفِ عَمَلِ الْعَامِلِ وَتِجَارَةِ التَّاجِرِ وَفِلَاحَةِ الْفَلَّاحِ بِاصْفِرَارِ الزَّرْعِ وَتَهَيُّئِهِ لَلْفَنَاءِ، وَيُشَبِّهُ زَوَالَ مَا كَانَ لِلْمَرَءِ مِنْ قُوَّةٍ وَمَالٍ بِتَحَطُّمِ الزَّرْعِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ مَقْصُودًا لِوَجْهِ اللَّهِ فَإِنَّهُ من شؤون الْآخِرَةِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا التَّمْثِيلُ إِلَّا ظَاهِرًا. فَأَعْمَالُ الْبِرِّ وَدِرَاسَةُ الْعِلْمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا يَعْتَرِيهَا نَقْصٌ مَا دَامَ صَاحِبُهَا مُقْبِلًا عَلَيْهَا، وَبَعْضُهَا يَزْدَادُ نَمَاءً بِطُولِ الْمُدَّةِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ.
وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ.
كَانَ ذِكْرُ حَالِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مُقْتَضِيًا ذِكْرَ مُقَابَلَةٍ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ، وَالْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّحْذِيرِ وَالتَّحْرِيضِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُبَيِّنْ أَصْحَابَ الْعَذَابِ وَأَصْحَابَ الْمَغْفِرَةِ وَالرِّضْوَانِ لِظُهُورِ ذَلِكَ.
وَكُنِيَ عَنِ النَّعِيمِ بِمَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ لِأَنَّ النَّعِيمَ قِسْمَانِ مَادِّيٌّ وَرُوحَانِيٌّ، فَالْمَغْفِرَةُ وَالرِّضْوَانُ أَصْلُ النَّعِيمِ الرُّوحَانِيِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التَّوْبَة:
٧٢] وَهُمَا يَقْتَضِيَانِ النَّعِيمَ الْجُسْمَانِيَّ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَمَّا رُكِّبَتْ ذَوَاتُهُمْ مِنْ أَجْسَامٍ وَأُودِعَتْ فِيهَا الْأَرْوَاحُ كَانَ النَّعِيمَانِ مُنَاسِبَيْنِ لَهُمْ تَكْثِيرًا لِلَّذَّاتِ، وَمَا لَذَّةُ الْأَجْسَامِ إِلَّا صَائِرَةٌ إِلَى الْأَرْوَاحِ لِأَنَّهَا الْمُدْرِكَةُ اللَّذَّاتِ، وَكَانَ رِضْوَانُ الله يَقْتَضِي إعطائهم مُنْتَهَى مَا بِهِ الْتِذَاذُهُمْ، وَمَغْفِرَتُهُ مُقْتَضِيَةٌ الصَّفْحَ عَمَّا قَدْ يَعُوقُ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ.
وَهَذَا التَّمْثِيلُ مَعَ كَوْنِهِ تَشْبِيهُ هَيْئَةٍ مُرَكَّبَةٍ بِهَيْئَةٍ مِثْلِهَا هُوَ صَالِحٌ لِلتَّفْرِيقِ وَمُقَابَلَةُ أَجْزَاءِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهَةِ بِأَجْزَاءِ الْهَيْئَةِ الْمُشَبَّهِ بِهَا، فَيُشَبِّهُ أَوَّلَ أَطْوَارِ الْحَيَاةِ وَإِقْبَالِهَا بِالنَّبَاتِ عَقِبَ
الْمَطَرِ، ويشبّه النَّاس المنتفعون بِإِقْبَالِ الدُّنْيَا بِنَاسٍ زُرَّاعٍ، وَيُشَبِّهُ اكْتِمَالَ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ وَقُوَّةَ الْكُهُولَةِ بِهِيَاجِ الزَّرْعِ، ويشبّه ابْتِدَاء الشخوخة ثُمَّ الْهَرَمِ وَابْتِدَاءَ ضَعْفِ عَمَلِ الْعَامِلِ وَتِجَارَةِ التَّاجِرِ وَفِلَاحَةِ الْفَلَّاحِ بِاصْفِرَارِ الزَّرْعِ وَتَهَيُّئِهِ لَلْفَنَاءِ، وَيُشَبِّهُ زَوَالَ مَا كَانَ لِلْمَرَءِ مِنْ قُوَّةٍ وَمَالٍ بِتَحَطُّمِ الزَّرْعِ.
وَيُفْهَمُ مِنْ هَذَا أَنَّ مَا كَانَ مِنْ أَحْوَالِ الْحَيَاةِ مَقْصُودًا لِوَجْهِ اللَّهِ فَإِنَّهُ من شؤون الْآخِرَةِ فَلَا يَدْخُلُ تَحْتَ هَذَا التَّمْثِيلُ إِلَّا ظَاهِرًا. فَأَعْمَالُ الْبِرِّ وَدِرَاسَةُ الْعِلْمِ وَنَحْوُ ذَلِكَ لَا يَعْتَرِيهَا نَقْصٌ مَا دَامَ صَاحِبُهَا مُقْبِلًا عَلَيْهَا، وَبَعْضُهَا يَزْدَادُ نَمَاءً بِطُولِ الْمُدَّةِ، وَتَقَدَّمَ نَظِيرُ هَذِهِ الْآيَةِ فِي سُورَةِ الزُّمَرِ.
وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوانٌ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ.
كَانَ ذِكْرُ حَالِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا مُقْتَضِيًا ذِكْرَ مُقَابَلَةٍ عَلَى عَادَةِ الْقُرْآنِ، وَالْخَبَرُ مُسْتَعْمَلٌ فِي التَّحْذِيرِ وَالتَّحْرِيضِ بِقَرِينَةِ السِّيَاقِ، وَلِذَلِكَ لَمْ يُبَيِّنْ أَصْحَابَ الْعَذَابِ وَأَصْحَابَ الْمَغْفِرَةِ وَالرِّضْوَانِ لِظُهُورِ ذَلِكَ.
وَكُنِيَ عَنِ النَّعِيمِ بِمَغْفِرَةٍ مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانٍ لِأَنَّ النَّعِيمَ قِسْمَانِ مَادِّيٌّ وَرُوحَانِيٌّ، فَالْمَغْفِرَةُ وَالرِّضْوَانُ أَصْلُ النَّعِيمِ الرُّوحَانِيِّ كَمَا قَالَ تَعَالَى: وَرِضْوانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ [التَّوْبَة:
٧٢] وَهُمَا يَقْتَضِيَانِ النَّعِيمَ الْجُسْمَانِيَّ لِأَنَّ أَهْلَ الْجَنَّةِ لَمَّا رُكِّبَتْ ذَوَاتُهُمْ مِنْ أَجْسَامٍ وَأُودِعَتْ فِيهَا الْأَرْوَاحُ كَانَ النَّعِيمَانِ مُنَاسِبَيْنِ لَهُمْ تَكْثِيرًا لِلَّذَّاتِ، وَمَا لَذَّةُ الْأَجْسَامِ إِلَّا صَائِرَةٌ إِلَى الْأَرْوَاحِ لِأَنَّهَا الْمُدْرِكَةُ اللَّذَّاتِ، وَكَانَ رِضْوَانُ الله يَقْتَضِي إعطائهم مُنْتَهَى مَا بِهِ الْتِذَاذُهُمْ، وَمَغْفِرَتُهُ مُقْتَضِيَةٌ الصَّفْحَ عَمَّا قَدْ يَعُوقُ عَنْ بَعْضِ ذَلِكَ.
— 406 —
آية رقم ٢١
وَعَطَفَ وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ عَلَى وَفِي الْآخِرَةِ عَذابٌ شَدِيدٌ لِلْمُقَابَلَةِ بَيْنَ الْحَالَيْنِ زِيَادَةً فِي التَّرْغِيبِ وَالتَّنْفِيرِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ وَمَا أَحْوَال الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
وَالْحَصْرُ ادِّعَائِيٌّ بِاعْتِبَارِ غَالِبِ أَحْوَالِ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَالِبِ طَالِبِيهَا، فَكَوْنُهَا مَتَاعًا أَمْرٌ مُطَّرِدٌ وَكَوْنُ الْمَتَاعِ مُضَافًا إِلَى الْغُرُورِ أَمْرٌ غَالِبٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا عَدَا الْأَعْمَالِ الْعَائِدَةِ عَلَى الْمَرْءِ بِالْفَوْزِ فِي الْآخِرَةِ.
وَالْغُرُورُ: الْخَدِيعَةُ، أَيْ إِظْهَارُ الْأَمْرِ الضَّارِّ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحْتَرِزَ الْعَاقِلُ مِنْهُ فِي صُورَةِ النَّافِعِ الَّذِي يَرْغَبُ فِيهِ.
وَإِضَافَةُ مَتاعُ إِلَى الْغُرُورِ عَلَى مَعْنَى لَامِ الْعَاقِبَةِ، أَيْ مَتَاعٌ صَائِرٌ لِأَجْلِ الْغُرُورِ بِهِ، أَيْ آيِلٌ إِلَى أَنَّهُ يَغُرُّ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ فَيُسْرِعُونَ فِي التَّعَلُّق بِهِ.
[٢١]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢١]
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)
فَذْلَكَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ [الْحَدِيد: ١٢] إِلَى هُنَا فَذَلِكَ مَسُوقُ مَسَاقَ التَّرْغِيبِ فِيمَا بِهِ تَحْصِيلُ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ فَوَاتِهِ وَمَا يَصْرِفُ عَنْهُ مِنْ إِيثَارِ زِينَةِ الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ فُصِلَتِ الْجُمْلَةُ وَلَمْ تُعْطُفْ، وَاقْتَصَرَ فِي الْفَذْلَكَةِ عَلَى الْجَانِبِ الْمَقْصُودِ تَرْغِيبُهُ دُونَ التَّعَرُّضِ إِلَى الْمُحَذَّرِ مِنْهُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ.
وَعَبَّرَ عَنِ الْعِنَايَةِ والاهتمام بِفعل السَّابِقَة لِإِلْهِابِ النُّفُوسِ بِصَرْفِ الْعِنَايَةِ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ مِنَ الْفَضَائِلِ كَفِعْلِ مَنْ يُسَابِقُ غَيْرَهُ إِلَى غَايَةٍ فَهُوَ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُجَلِّي، وَلِأَنَّ الْمُسَابَقَةَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُنَافَسَةِ، أَيْ وَاتْرُكُوا الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْأُخْرَيَاتِ وَالْخَوَالِفِ.
وَالْكَلَامُ عَلَى تَقْدِيرِ مُضَافٍ، أَيْ وَمَا أَحْوَال الْحَيَاة الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ.
وَالْحَصْرُ ادِّعَائِيٌّ بِاعْتِبَارِ غَالِبِ أَحْوَالِ الدُّنْيَا بِالنِّسْبَةِ إِلَى غَالِبِ طَالِبِيهَا، فَكَوْنُهَا مَتَاعًا أَمْرٌ مُطَّرِدٌ وَكَوْنُ الْمَتَاعِ مُضَافًا إِلَى الْغُرُورِ أَمْرٌ غَالِبٌ بِالنِّسْبَةِ لِمَا عَدَا الْأَعْمَالِ الْعَائِدَةِ عَلَى الْمَرْءِ بِالْفَوْزِ فِي الْآخِرَةِ.
وَالْغُرُورُ: الْخَدِيعَةُ، أَيْ إِظْهَارُ الْأَمْرِ الضَّارِّ الَّذِي مِنْ شَأْنِهِ أَنْ يَحْتَرِزَ الْعَاقِلُ مِنْهُ فِي صُورَةِ النَّافِعِ الَّذِي يَرْغَبُ فِيهِ.
وَإِضَافَةُ مَتاعُ إِلَى الْغُرُورِ عَلَى مَعْنَى لَامِ الْعَاقِبَةِ، أَيْ مَتَاعٌ صَائِرٌ لِأَجْلِ الْغُرُورِ بِهِ، أَيْ آيِلٌ إِلَى أَنَّهُ يَغُرُّ النَّاظِرِينَ إِلَيْهِ فَيُسْرِعُونَ فِي التَّعَلُّق بِهِ.
[٢١]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢١]
سابِقُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُها كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢١)
فَذْلَكَةٌ لِمَا تَقَدَّمَ مِنْ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِناتِ يَسْعى نُورُهُمْ [الْحَدِيد: ١٢] إِلَى هُنَا فَذَلِكَ مَسُوقُ مَسَاقَ التَّرْغِيبِ فِيمَا بِهِ تَحْصِيلُ نَعِيمِ الْآخِرَةِ وَالتَّحْذِيرِ مِنْ فَوَاتِهِ وَمَا يَصْرِفُ عَنْهُ مِنْ إِيثَارِ زِينَةِ الدُّنْيَا، وَلِذَلِكَ فُصِلَتِ الْجُمْلَةُ وَلَمْ تُعْطُفْ، وَاقْتَصَرَ فِي الْفَذْلَكَةِ عَلَى الْجَانِبِ الْمَقْصُودِ تَرْغِيبُهُ دُونَ التَّعَرُّضِ إِلَى الْمُحَذَّرِ مِنْهُ لِأَنَّهُ الْمَقْصُودُ.
وَعَبَّرَ عَنِ الْعِنَايَةِ والاهتمام بِفعل السَّابِقَة لِإِلْهِابِ النُّفُوسِ بِصَرْفِ الْعِنَايَةِ بِأَقْصَى مَا يُمْكِنُ مِنَ الْفَضَائِلِ كَفِعْلِ مَنْ يُسَابِقُ غَيْرَهُ إِلَى غَايَةٍ فَهُوَ يَحْرِصُ عَلَى أَنْ يَكُونَ الْمُجَلِّي، وَلِأَنَّ الْمُسَابَقَةَ كِنَايَةٌ عَنِ الْمُنَافَسَةِ، أَيْ وَاتْرُكُوا الْمُقْتَصِرِينَ عَلَى مَتَاعِ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْأُخْرَيَاتِ وَالْخَوَالِفِ.
— 407 —
وَتَنْكِيرُ مَغْفِرَةٌ لِقَصْدِ تَعْظِيمِهَا وَلِتَكُونَ الْجُمْلَةُ مُسْتَقِلَّةً بِنَفْسِهِا، وَإِلَّا فَإِنَّ الْمَغْفِرَةَ سَبَقَ ذِكْرُهَا فِي قَوْلِهِ: وَمَغْفِرَةٌ مِنَ اللَّهِ، فَكَانَ مُقْتَضَى الظَّاهِرِ أَنْ يُقَالَ: سَابِقُوا إِلَى الْمَغْفِرَةِ، أَيْ أَكْثِرُوا مِنْ أَسْبَابِهَا وَوَسَائِلِهَا: فَالْمُسَابَقَةُ إِلَى الْمَغْفِرَةِ هِيَ الْمُسَابَقَةُ فِي تَحْصِيلِ أَسْبَابِهَا.
وَالْعَرْضُ: مُسْتَعْمَلٌ فِي السِّعَةِ وَلَيْسَ مُقَابل الطّور لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا طَائِلَ فِي مَعْنَى مَا يُقَابِلُ الطُّولِ، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ [فصلت: ٥١]، وَقَوْلِ الْعُدَيْلِ لَمَّا فَرَّ مِنْ وَعِيدِ الْحَجَّاجِ:
وَتَشْبِيهُ عَرْضِ الْجَنَّةِ بِعَرْضِ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ، أَيْ مَجْمُوعُ عَرْضَيْهِمَا لِقَصْدِ تَقْرِيبِ الْمُشَبَّهِ بِأَقْصَى مَا يَتَصَوَّرُهُ النَّاسُ فِي الِاتِّسَاعِ، وَلَيْسَ الْمُرَادُ تَحْدِيدَ ذَلِكَ الْعَرْضِ وَلَا أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ حَتَّى يُقَالَ: فَمَاذَا بَقِيَ لِمَكَانِ جَهَنَّمَ.
وَهَذَا الْأَمْرُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْمُسَابَقَاتِ إِلَى أَفْعَالِ الْبِرِّ الْمُوجِبَةِ لِلْمَغْفِرَةِ وَنَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَشَامِلٌ لِلْمُسَابَقَةِ الْحَقِيقِيَّةِ مَعَ الْمَجَازِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ،
وَهِيَ طَرِيقَةٌ شَائِعَةٌ فِي الْقُرْآنِ إِكْثَارًا لِلْمَعَانِي، وَمِنْهُ
الْحَدِيثُ: «لَوْ يَعْلَمَ النَّاسُ مَا فِي الصَّفّ الأول لَا ستبقوا إِلَيْهِ أَوِ اسْتَهَمُوا إِلَيْهِ»
. وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ الْآنَ إِذْ وَجْهُ الشَّبَهِ فِي قَوْلِهِ:
كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ هُوَ السِّعَةُ لَا الْمِقْدَارُ وَلَا عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ الْمَوْجُودَةِ الْيَوْمَ وَلَا عَدَمُهُ، وَتَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ الْآيَةَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٣٣].
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: أُعِدَّتْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا وَأَعَدَّهَا لِأَنَّ ظَاهِرَ اسْتِعْمَالِهِ الْفِعْل فِي الزَّمَان الْمَاضِي إِنْ حَصَلَ مَصْدَرُهُ فِيهِ، فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا الظَّاهِرِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الْآنَ، وَأَمَّا الَّذِينَ نَفَوْا ذَلِكَ فَاسْتَنَدُوا إِلَى ظَوَاهِرَ أُخْرَى وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
وَالْعَرْضُ: مُسْتَعْمَلٌ فِي السِّعَةِ وَلَيْسَ مُقَابل الطّور لِظُهُورِ أَنَّهُ لَا طَائِلَ فِي مَعْنَى مَا يُقَابِلُ الطُّولِ، وَهَذَا كَقَوْلِه تَعَالَى: وَإِذا مَسَّهُ الشَّرُّ فَذُو دُعاءٍ عَرِيضٍ [فصلت: ٥١]، وَقَوْلِ الْعُدَيْلِ لَمَّا فَرَّ مِنْ وَعِيدِ الْحَجَّاجِ:
| وَدُونَ يَدِ الْحَجَّاجِ مِنْ أَنْ تَنَالَنِي | بِسَاطٌ بِأَيْدِي النَّاعِجَاتِ عَرِيضُ |
وَهَذَا الْأَمْرُ شَامِلٌ لِجَمِيعِ الْمُسَابَقَاتِ إِلَى أَفْعَالِ الْبِرِّ الْمُوجِبَةِ لِلْمَغْفِرَةِ وَنَعِيمِ الْجَنَّةِ، وَشَامِلٌ لِلْمُسَابَقَةِ الْحَقِيقِيَّةِ مَعَ الْمَجَازِيَّةِ عَلَى طَرِيقَةِ اسْتِعْمَالِ اللَّفْظِ فِي حَقِيقَتِهِ وَمَجَازِهِ،
وَهِيَ طَرِيقَةٌ شَائِعَةٌ فِي الْقُرْآنِ إِكْثَارًا لِلْمَعَانِي، وَمِنْهُ
الْحَدِيثُ: «لَوْ يَعْلَمَ النَّاسُ مَا فِي الصَّفّ الأول لَا ستبقوا إِلَيْهِ أَوِ اسْتَهَمُوا إِلَيْهِ»
. وَلَيْسَ فِي الْآيَةِ دَلِيلٌ عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ غَيْرُ مَخْلُوقَةٍ الْآنَ إِذْ وَجْهُ الشَّبَهِ فِي قَوْلِهِ:
كَعَرْضِ السَّماءِ وَالْأَرْضِ هُوَ السِّعَةُ لَا الْمِقْدَارُ وَلَا عَلَى أَنَّ الْجَنَّةَ فِي السَّمَاءِ الْمَوْجُودَةِ الْيَوْمَ وَلَا عَدَمُهُ، وَتَقَدَّمَ مِنْ مَعْنَى هَذِهِ الْآيَةِ قَوْلُهُ: سارِعُوا إِلى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ الْآيَةَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ [١٣٣].
وَظَاهِرُ قَوْلِهِ: أُعِدَّتْ أَنَّ اللَّهَ خَلَقَهَا وَأَعَدَّهَا لِأَنَّ ظَاهِرَ اسْتِعْمَالِهِ الْفِعْل فِي الزَّمَان الْمَاضِي إِنْ حَصَلَ مَصْدَرُهُ فِيهِ، فَقَدْ تَمَسَّكَ بِهَذَا الظَّاهِرِ الَّذِينَ قَالُوا: إِنَّ الْجَنَّةَ مَخْلُوقَةٌ الْآنَ، وَأَمَّا الَّذِينَ نَفَوْا ذَلِكَ فَاسْتَنَدُوا إِلَى ظَوَاهِرَ أُخْرَى وَتَقَدَّمَ ذَلِكَ فِي سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ.
— 408 —
الآيات من ٢٢ إلى ٢٣
وَعُلِمَ مِنْ قَوْلِهِ: أُعِدَّتْ لِلَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أَن غَيرهم لاحظ لَهُمْ فِي الْجَنَّةِ لِأَنَّ مَعْنَى إِعْدَادِ شَيْءٍ لِشَيْءٍ قَصْرُهُ عَلَيْهِ.
وَجَمْعُ الرُّسُلِ هُنَا يَشْمَلُ كُلَّ أُمَّةٍ آمَنُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِمُ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، وَلَيْسَ يَلْزَمُهَا أَنْ تُؤْمِنَ بِرَسُولٍ أُرْسِلَ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى وَلَمْ يَدْعُ غَيْرَهَا إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ.
وَالْإِشَارَةُ فِي ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنَ الْمَغْفِرَة وَالْجنَّة.
[٢٢، ٢٣]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : الْآيَات ٢٢ إِلَى ٢٣]
مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)
لَمَّا جَرَى ذِكْرُ الْجِهَادِ آنِفًا بِقَوْلِهِ: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ [الْحَدِيد: ١٠] وَقَوْلِهِ: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ [الْحَدِيد: ١٩] عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمين هُنَا لَك، وَجَرَى ذِكْرُ الدُّنْيَا فِي قَوْلِهِ: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [الْحَدِيد: ٢٠] وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا تَحْدُثُ فِيهِ الْمَصَائِبُ مِنْ قَتْلٍ وَقَطْعٍ وَأَسْرٍ فِي الْجِهَادِ، وَمِنْ كَوَارِثَ تَعْرِضُ فِي الْحَيَاةِ مِنْ فَقْدٍ وَأَلَمٍ وَاحْتِيَاجٍ، وَجَرَى مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِالنَّبَاتِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَا يَعْرِضُ لَهُ الْقَحْطُ وَالْجَوَائِحِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِتَسْلِيَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا يُصِيبُهُمْ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَدْ تَخَلَّقُوا بِآدَابِ الدُّنْيَا مِنْ قَبْلُ فَرُبَّمَا لَحِقَهُمْ ضُرٌّ أَوْ رُزْءٌ خَارِجٌ عَنْ نِطَاقِ قُدْرَتِهِمْ وَكَسْبِهِمْ فَأُعْلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا اقْتَضَاهُ ارْتِبَاطُ أَسْبَابِ الْحَوَادِثِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ عَلَى
مَا سَيَّرَهَا عَلَيْهِ نِظَامُ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ فِي هَذَا الْعَالَمِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [الْحَدِيد: ٢٢] كَمَا سَتَعْلَمُهُ، فَلَمْ يَمْلِكْهُمُ الْغَمُّ وَالْحُزْنُ، وَانْتَقَلُوا عَنْ ذَلِكَ إِلَى الْإِقْبَالِ عَلَى مَا يُهِمُّهُمْ مِنَ الْأُمُورِ وَلَمْ يُلْهِمْهُمُ التَّحَرُّقُ عَلَى مَا فَاتَ عَلَى نَحْوِ مَا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لَا تَشْعُرُونَ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [الْبَقَرَة: ١٥٤- ١٥٦]، وَلَعَلَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَصَابَتْهُمْ
وَجَمْعُ الرُّسُلِ هُنَا يَشْمَلُ كُلَّ أُمَّةٍ آمَنُوا بِاللَّهِ وَبِرَسُولِهِمُ الَّذِي أَرْسَلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِمْ، وَلَيْسَ يَلْزَمُهَا أَنْ تُؤْمِنَ بِرَسُولٍ أُرْسِلَ إِلَى أُمَّةٍ أُخْرَى وَلَمْ يَدْعُ غَيْرَهَا إِلَى الْإِيمَانِ بِهِ.
وَالْإِشَارَةُ فِي ذلِكَ فَضْلُ اللَّهِ إِلَى الْمَذْكُورِ مِنَ الْمَغْفِرَة وَالْجنَّة.
[٢٢، ٢٣]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : الْآيَات ٢٢ إِلَى ٢٣]
مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلاَّ فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ (٢٢) لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ (٢٣)
لَمَّا جَرَى ذِكْرُ الْجِهَادِ آنِفًا بِقَوْلِهِ: لَا يَسْتَوِي مِنْكُمْ مَنْ أَنْفَقَ مِنْ قَبْلِ الْفَتْحِ وَقاتَلَ [الْحَدِيد: ١٠] وَقَوْلِهِ: وَالشُّهَداءُ عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ [الْحَدِيد: ١٩] عَلَى الْوَجْهَيْنِ الْمُتَقَدِّمين هُنَا لَك، وَجَرَى ذِكْرُ الدُّنْيَا فِي قَوْلِهِ: وَمَا الْحَياةُ الدُّنْيا إِلَّا مَتاعُ الْغُرُورِ [الْحَدِيد: ٢٠] وَكَانَ ذَلِكَ كُلُّهُ مِمَّا تَحْدُثُ فِيهِ الْمَصَائِبُ مِنْ قَتْلٍ وَقَطْعٍ وَأَسْرٍ فِي الْجِهَادِ، وَمِنْ كَوَارِثَ تَعْرِضُ فِي الْحَيَاةِ مِنْ فَقْدٍ وَأَلَمٍ وَاحْتِيَاجٍ، وَجَرَى مَثَلُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا بِالنَّبَاتِ، وَكَانَ ذَلِكَ مَا يَعْرِضُ لَهُ الْقَحْطُ وَالْجَوَائِحِ، أُتْبِعَ ذَلِكَ بِتَسْلِيَةِ الْمُسْلِمِينَ عَلَى مَا يُصِيبُهُمْ لِأَنَّ الْمُسْلِمِينَ كَانُوا قَدْ تَخَلَّقُوا بِآدَابِ الدُّنْيَا مِنْ قَبْلُ فَرُبَّمَا لَحِقَهُمْ ضُرٌّ أَوْ رُزْءٌ خَارِجٌ عَنْ نِطَاقِ قُدْرَتِهِمْ وَكَسْبِهِمْ فَأُعْلِمُوا أَنَّ ذَلِكَ مِمَّا اقْتَضَاهُ ارْتِبَاطُ أَسْبَابِ الْحَوَادِثِ بَعْضِهَا بِبَعْضٍ عَلَى
مَا سَيَّرَهَا عَلَيْهِ نِظَامُ جَمِيعِ الْكَائِنَاتِ فِي هَذَا الْعَالَمِ كَمَا أَشَارَ إِلَيْهِ قَوْلُهُ تَعَالَى: إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها [الْحَدِيد: ٢٢] كَمَا سَتَعْلَمُهُ، فَلَمْ يَمْلِكْهُمُ الْغَمُّ وَالْحُزْنُ، وَانْتَقَلُوا عَنْ ذَلِكَ إِلَى الْإِقْبَالِ عَلَى مَا يُهِمُّهُمْ مِنَ الْأُمُورِ وَلَمْ يُلْهِمْهُمُ التَّحَرُّقُ عَلَى مَا فَاتَ عَلَى نَحْوِ مَا وَقَعَ فِي قَوْلِهِ: وَلا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْواتٌ بَلْ أَحْياءٌ وَلكِنْ لَا تَشْعُرُونَ وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَراتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ [الْبَقَرَة: ١٥٤- ١٥٦]، وَلَعَلَّ الْمُسْلِمِينَ قَدْ أَصَابَتْهُمْ
— 409 —
شِدَّةٌ فِي إِحْدَى الْمَغَازِي أَوْ حَبْسُ مَطَرٍ أَو نَحْو ذَلِكُم مِمَّا كَانَ سَبَبَ نُزُولِ هَذِهِ الْآيَةِ.
وَ (مَا) نَافِيَةٌ وَ (مِنْ) زَائِدَةٌ فِي النَّفْيِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِ الْجِنْسِ قَصْدًا لِلْعُمُومِ.
وَمَفْعُولُ أَصابَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَا أَصَابَكُمْ أَوْ مَا أَصَابَ أَحَدًا.
وَقَوْلُهُ: فِي الْأَرْضِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَصَائِبِ الْعَامَّةِ كَالْقَحْطِ وَفَيَضَانِ السُّيُولِ وَمَوَتَانِ الْأَنْعَامِ وَتَلَفِ الْأَمْوَالِ.
وَقَوْلُهُ: وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَصَائِبِ اللَّاحِقَةِ لِذَوَاتِ النَّاسِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَالْأَسْرِ فِي الْحَرْبِ وَمَوْتِ الْأَحْبَابِ وَمَوْتِ الْمَرْءِ نَفْسِهِ فَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ مُصِيبَةً فِي قَوْلِهِ: فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ [الْمَائِدَة: ١٠٦]. وَتَكْرِيرُ حَرْفِ النَّفْيِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَى الْمَنْفِيِّ فِي قَوْلِهِ: وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ لِقَصْدِ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ الْمَذْكُورِ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّ الْمَصَائِبَ الْخَاصَّةَ بِالنَّفْسِ أَشَدُّ وَقْعًا عَلَى الْمُصَابِ، فَإِنَّ الْمَصَائِبَ الْعَامَّةَ إِذَا أَخْطَأَتْهُ فَإِنَّمَا يَتَأَثَّرُ لَهَا تَأَثُّرًا بِالتَّعَقُّلِ لَا بِالْحِسِّ فَلَا تَدُومُ مُلَاحَظَةُ النَّفْسِ إِيَّاهُ.
وَالْاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا فِي كِتابٍ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَحْوَالٍ مَنْفِيَّةٍ بِ (مَا)، إِذِ التَّقْدِيرُ: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ كَائِنَةٍ فِي حَالٍ إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهَا مَكْتُوبَةً فِي كِتَابٍ، أَيْ مُثْبَتَةً فِيهِ.
وَالْكِتَابُ: مَجَازٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَجْهُ المشابهة عدم قبُوله التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّخَلُّفِ، قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
وَمِنْ ذَلِكَ عِلْمُهُ وَتَقْدِيرُهُ لِأَسْبَابِ حُصُولِهَا وَوَقْتِ خَلْقِهَا وَتَرَتُّبِ آثَارِهَا وَالْقَصْرِ الْمُفَادِ بِ (إِلَّا) قَصْرُ مَوْصُوفٍ عَلَى صِفَةٍ وَهُوَ قَصْرٌ إِضَافِيٌّ، أَيْ إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهَا فِي كِتَابٍ دُونَ عَدَمِ سَبْقِ تَقْدِيرِهَا فِي عِلْمِ اللَّهِ رَدًّا عَلَى اعْتِقَادِ الْمُشْرِكِينَ وَالْمُنَافِقِينَ الْمَذْكُورِ فِي قَوْلِهِ
تَعَالَى: وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا [آل عمرَان: ١٥٦] وَقَوْلِهِ: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا [آل عمرَان: ١٦٨].
وَ (مَا) نَافِيَةٌ وَ (مِنْ) زَائِدَةٌ فِي النَّفْيِ لِلدَّلَالَةِ عَلَى نَفْيِ الْجِنْسِ قَصْدًا لِلْعُمُومِ.
وَمَفْعُولُ أَصابَ مَحْذُوفٌ تَقْدِيرُهُ: مَا أَصَابَكُمْ أَوْ مَا أَصَابَ أَحَدًا.
وَقَوْلُهُ: فِي الْأَرْضِ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَصَائِبِ الْعَامَّةِ كَالْقَحْطِ وَفَيَضَانِ السُّيُولِ وَمَوَتَانِ الْأَنْعَامِ وَتَلَفِ الْأَمْوَالِ.
وَقَوْلُهُ: وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ إِشَارَةٌ إِلَى الْمَصَائِبِ اللَّاحِقَةِ لِذَوَاتِ النَّاسِ مِنَ الْأَمْرَاضِ وَقَطْعِ الْأَعْضَاءِ وَالْأَسْرِ فِي الْحَرْبِ وَمَوْتِ الْأَحْبَابِ وَمَوْتِ الْمَرْءِ نَفْسِهِ فَقَدْ سَمَّاهُ اللَّهُ مُصِيبَةً فِي قَوْلِهِ: فَأَصابَتْكُمْ مُصِيبَةُ الْمَوْتِ [الْمَائِدَة: ١٠٦]. وَتَكْرِيرُ حَرْفِ النَّفْيِ فِي الْمَعْطُوفِ عَلَى الْمَنْفِيِّ فِي قَوْلِهِ: وَلا فِي أَنْفُسِكُمْ لِقَصْدِ الِاهْتِمَامِ بِذَلِكَ الْمَذْكُورِ بِخُصُوصِهِ فَإِنَّ الْمَصَائِبَ الْخَاصَّةَ بِالنَّفْسِ أَشَدُّ وَقْعًا عَلَى الْمُصَابِ، فَإِنَّ الْمَصَائِبَ الْعَامَّةَ إِذَا أَخْطَأَتْهُ فَإِنَّمَا يَتَأَثَّرُ لَهَا تَأَثُّرًا بِالتَّعَقُّلِ لَا بِالْحِسِّ فَلَا تَدُومُ مُلَاحَظَةُ النَّفْسِ إِيَّاهُ.
وَالْاسْتِثْنَاءُ فِي قَوْلِهِ: إِلَّا فِي كِتابٍ اسْتِثْنَاءٌ مِنْ أَحْوَالٍ مَنْفِيَّةٍ بِ (مَا)، إِذِ التَّقْدِيرُ: مَا أَصَابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ كَائِنَةٍ فِي حَالٍ إِلَّا فِي حَالِ كَوْنِهَا مَكْتُوبَةً فِي كِتَابٍ، أَيْ مُثْبَتَةً فِيهِ.
وَالْكِتَابُ: مَجَازٌ عَنْ عِلْمِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَجْهُ المشابهة عدم قبُوله التَّبْدِيلِ وَالتَّغْيِيرِ وَالتَّخَلُّفِ، قَالَ الْحَارِثُ بْنُ حِلِّزَةَ:
| حَذَرَ الْجَوْرِ وَالتَّطَاخِي وَهَلْ | يَنْقُضُ مَا فِي الْمَهَارِقِ الْأَهْوَاءُ |
تَعَالَى: وَقالُوا لِإِخْوانِهِمْ إِذا ضَرَبُوا فِي الْأَرْضِ أَوْ كانُوا غُزًّى لَوْ كانُوا عِنْدَنا مَا ماتُوا وَما قُتِلُوا [آل عمرَان: ١٥٦] وَقَوْلِهِ: الَّذِينَ قالُوا لِإِخْوانِهِمْ وَقَعَدُوا لَوْ أَطاعُونا مَا قُتِلُوا [آل عمرَان: ١٦٨].
— 410 —
وَهَذَا الْكَلَامُ يَجْمَعُ الْإِشَارَةَ إِلَى مَا قَدَّمْنَاهُ مِنْ أَنَّ اللَّهَ تَعَالَى وَضَعَ نِظَامَ هَذَا الْعَالَمِ عَلَى أَنْ تَتَرَتَّبَ الْمُسَبِّبَاتُ عَلَى أَسْبَابِهَا، وَقَدَّرَ ذَلِكَ وَعَلِمَهُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ: وَما يُعَمَّرُ مِنْ مُعَمَّرٍ وَلا يُنْقَصُ مِنْ عُمُرِهِ إِلَّا فِي كِتابٍ [فاطر: ١١] وَنَحْوُ ذَلِكَ.
وَالْبَرْءُ: بِفَتْحِ الْبَاءِ: الْخَلْقُ وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْبَارِئُ، وَضَمِيرُ النَّصْبِ فِي نَبْرَأَها عَائِدٌ إِلَى الْأَرْضِ أَوْ إِلَى الْأَنْفُسِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ رَدٌّ عَلَى أَهْلِ الضَّلَالِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ عُمُومَ الْعِلْمِ وَيُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ الْبَدَاءَ وَتَمَشِّي الْحِيَلِ، وَلِأَجْلِ قَصْدِ الرَّدِّ عَلَى الْمُنْكِرِينَ أَكَّدَ الْخَبَرَ بِ (إِنَّ).
وَالتَّعْلِيلُ بِلَامِ الْعِلَّةِ وَ (كَيْ) مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْإِخْبَارُ الْحَكِيمُ، أَيْ أَعْلَمْنَاكُمْ بِذَلِكَ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ إِلَخْ، أَيْ لِفَائِدَةِ اسْتِكْمَالِ مُدْرِكَاتِكُمْ وَعُقُولِكُمْ فَلَا تَجْزَعُوا لِلْمَصَائِبِ لِأَنَّ مَنْ أَيْقَنَ أَنَّ مَا عِنْدَهُ مِنْ نعْمَة دنيوية مَفْقُود يَوْمًا لَا مَحَالَةَ لَمْ يَتَفَاقَمْ جَزَعُهُ عِنْدَ فَقْدِهِ لِأَنَّهُ قَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى كُثَيِّرٌ فِي قَوْلِهِ:
فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ... إِذَا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ
وَقَوْلُهُ: وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ تتميم لقَوْله: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْكَلَامِ أَنْ لَا يَأَسَوْا عِنْدَ حُلُولِ الْمَصَائِبِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ قَوْلُهُ: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ... إِلَّا فِي كِتابٍ ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَسَرَّاتِ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ فَإِنَّ مِنَ الْمَسَرَّاتِ مَا يَحْصُلُ لِلْمَرْءِ عَنْ غَيْرِ تَرَقُّبٍ وَهُوَ أَوْقَعُ فِي الْمَسَرَّةِ كَمُلَ أَدَبُهُ بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ.
وَالْفَرَحُ الْمَنْفِيُّ هُوَ الشَّدِيدُ مِنْهُ الْبَالِغُ حَدَّ الْبَطَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَارُونَ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [الْقَصَص: ٧٦]. وَقَدْ فَسَّرَهُ التَّذْيِيلُ مِنْ قَوْلِهِ:
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ.
وَالْمَعْنَى: أَخْبَرْتُكُمْ بِذَلِكَ لِتَكُونُوا حُكَمَاءَ بُصَرَاءَ فَتَعْلَمُوا أَنَّ لِجَمِيعِ ذَلِكَ أَسْبَابًا وَعِلَلًا، وَأَنَّ لِلْعَالَمِ نِظَامًا مُرْتَبِطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَأَنَّ الْآثَارَ حَاصِلَةٌ عَقِبَ مُؤْثِرَاتِهَا
وَالْبَرْءُ: بِفَتْحِ الْبَاءِ: الْخَلْقُ وَمِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى الْبَارِئُ، وَضَمِيرُ النَّصْبِ فِي نَبْرَأَها عَائِدٌ إِلَى الْأَرْضِ أَوْ إِلَى الْأَنْفُسِ.
وَجُمْلَةُ إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ رَدٌّ عَلَى أَهْلِ الضَّلَالِ مِنَ الْمُشْرِكِينَ وَبَعْضِ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَا يُثْبِتُونَ لِلَّهِ عُمُومَ الْعِلْمِ وَيُجَوِّزُونَ عَلَيْهِ الْبَدَاءَ وَتَمَشِّي الْحِيَلِ، وَلِأَجْلِ قَصْدِ الرَّدِّ عَلَى الْمُنْكِرِينَ أَكَّدَ الْخَبَرَ بِ (إِنَّ).
وَالتَّعْلِيلُ بِلَامِ الْعِلَّةِ وَ (كَيْ) مُتَعَلِّقٌ بِمُقَدَّرٍ دَلَّ عَلَيْهِ هَذَا الْإِخْبَارُ الْحَكِيمُ، أَيْ أَعْلَمْنَاكُمْ بِذَلِكَ لِكَيْ لَا تَأْسَوْا عَلَى مَا فَاتَكُمْ إِلَخْ، أَيْ لِفَائِدَةِ اسْتِكْمَالِ مُدْرِكَاتِكُمْ وَعُقُولِكُمْ فَلَا تَجْزَعُوا لِلْمَصَائِبِ لِأَنَّ مَنْ أَيْقَنَ أَنَّ مَا عِنْدَهُ مِنْ نعْمَة دنيوية مَفْقُود يَوْمًا لَا مَحَالَةَ لَمْ يَتَفَاقَمْ جَزَعُهُ عِنْدَ فَقْدِهِ لِأَنَّهُ قَدْ وَطَّنَ نَفْسَهُ عَلَى ذَلِكَ، وَقَدْ أَخَذَ هَذَا الْمَعْنَى كُثَيِّرٌ فِي قَوْلِهِ:
فَقُلْتُ لَهَا يَا عَزُّ كُلُّ مُصِيبَةٍ... إِذَا وُطِّنَتْ يَوْمًا لَهَا النَّفْسُ ذَلَّتِ
وَقَوْلُهُ: وَلا تَفْرَحُوا بِما آتاكُمْ تتميم لقَوْله: لِكَيْلا تَأْسَوْا عَلى مَا فاتَكُمْ فَإِنَّ الْمَقْصُودَ مِنَ الْكَلَامِ أَنْ لَا يَأَسَوْا عِنْدَ حُلُولِ الْمَصَائِبِ لِأَنَّ الْمَقْصُودَ هُوَ قَوْلُهُ: مَا أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ... إِلَّا فِي كِتابٍ ثُمَّ يَعْلَمُ أَنَّ الْمَسَرَّاتِ كَذَلِكَ بِطَرِيقِ الِاكْتِفَاءِ فَإِنَّ مِنَ الْمَسَرَّاتِ مَا يَحْصُلُ لِلْمَرْءِ عَنْ غَيْرِ تَرَقُّبٍ وَهُوَ أَوْقَعُ فِي الْمَسَرَّةِ كَمُلَ أَدَبُهُ بِطَرِيقِ الْمُقَابَلَةِ.
وَالْفَرَحُ الْمَنْفِيُّ هُوَ الشَّدِيدُ مِنْهُ الْبَالِغُ حَدَّ الْبَطَرِ، كَمَا قَالَ تَعَالَى فِي قِصَّةِ قَارُونَ إِذْ قالَ لَهُ قَوْمُهُ لَا تَفْرَحْ إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْفَرِحِينَ [الْقَصَص: ٧٦]. وَقَدْ فَسَّرَهُ التَّذْيِيلُ مِنْ قَوْلِهِ:
وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ.
وَالْمَعْنَى: أَخْبَرْتُكُمْ بِذَلِكَ لِتَكُونُوا حُكَمَاءَ بُصَرَاءَ فَتَعْلَمُوا أَنَّ لِجَمِيعِ ذَلِكَ أَسْبَابًا وَعِلَلًا، وَأَنَّ لِلْعَالَمِ نِظَامًا مُرْتَبِطًا بَعْضُهُ بِبَعْضٍ، وَأَنَّ الْآثَارَ حَاصِلَةٌ عَقِبَ مُؤْثِرَاتِهَا
— 411 —
لَا مَحَالَةَ، وَأَنَّ إِفْضَاءَهَا إِلَيْهَا بَعْضُهُ خَارِجٌ عَنْ طَوْقِ الْبَشَرِ وَمُتَجَاوِزٌ حَدَّ مُعَالَجَتِهِ وَمُحَاوَلَتِهِ، وَفِعْلُ الْفَوَاتِ مُشْعِرٌ بِأَنَّ الْفَائِتَ قَدْ سَعَى الْمُفَوَّتُ عَلَيْهِ فِي تَحْصِيلِهِ ثُمَّ غُلِبَ عَلَى نَوَالِهِ
بِخُرُوجِهِ عَنْ مِكْنَتِهِ، فَإِذَا رَسَخَ ذَلِكَ فِي عِلْمِ أَحَدٍ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ مِمَّا لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ وَلَمْ يَغْفُلْ عَنْ تَرَقُّبِ زَوَالِ مَا يَسُرُّهُ إِذَا كَانَ مِمَّا يَسُرُّهُ، وَمَنْ لَمْ يَتَخَلَّقْ بِخُلُقِ الْإِسْلَامِ يتخبط فِي الْجُوع إِذَا أَصَابَهُ مُصَابٌ وَيُسْتَطَارُ خُيَلَاءً وَتَطَاوُلًا إِذَا نَالَهُ أَمْرٌ مَحْبُوبٌ فَيَخْرُجُ عَنِ الْحِكْمَة فِي الْحَالين.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُفَرِّحَاتِ صَائِرَةٌ إِلَى زَوَالٍ وَأَنَّ زَوَالَهَا مُصِيبَةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مَقَامُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْأَدَبِ بَعْدَ حُلُولِ الْمُصِيبَةِ وَعِنْدَ نَوَالَ الرَّغِيبَةِ.
وَصِلَةُ الْمَوْصُولِ فِي بِما آتاكُمْ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّهُ نِعْمَةٌ نَافِعَةٌ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَقَامَ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْأَدَبِ بَعْدَ حُلُولِ الْمُصِيبَةِ وَعِنْدَ انْهِيَالِ الرَّغِيبَةِ، هُوَ أَنْ لَا يَحْزَنَ عَلَى مَا فَاتَ وَلَا يَبْطُرَ بِمَا نَالَهُ مِنْ خَيْرَاتٍ، وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ السَّعْيَ لِنَوَالِ الْخَيْرِ وَاتِّقَاءِ الشَّرِّ قَائِلًا: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْأُمُورَ كُلَّهَا فِي الْأَزَلِ، لِأَنَّ هَذَا إِقْدَامٌ عَلَى إِفْسَادِ مَا فَطَرَ عَلَيْهِ النَّاسَ وَأَقَامَ عَلَيْهِ نِظَامَ الْعَالَمِ. وَقَدْ
قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِينَ قَالُوا أَفَلَا نَتَّكِلُ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»
. وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ تَحْذِيرٌ مِنَ الْفَرَحِ الْوَاقِعِ فِي سِيَاقِ تَعْلِيلِ الْأَخْبَارِ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَنَالُ الْمَرْءَ ثَابِتٌ فِي كِتَابٍ، وَفِيهِ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنَ الْفَرَحِ أَنَّهُ الْفَرَحُ الْمُفْرِطُ الْبَالِغُ بِصَاحِبِهِ إِلَى الِاخْتِيَالِ وَالْفَخْرِ.
وَالْمَعْنَى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ أَحَدًا مُخْتَالًا وفخورا وَلَا تَتَوَهَّمْ أَنَّ مَوْقِعَ (كُلَّ) بَعْدَ النَّفْيِ يُفِيدُ النَّفْيَ عَنِ الْمَجْمُوعِ لَا عَنْ كُلِّ فَرْدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يَقْصُدُهُ أَهْلُ اللِّسَانِ، وَوَقَعَ لِلشَّيْخِ عَبْدِ القاهر ومتابعيه توعم فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٧٦] وَنَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِي تَعْلِيقِي عَلَى دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ آتاكُمْ بِمَدٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ مُحَوَّلٌ عَنْ هَمْزَةٍ ثَانِيَةٍ هِيَ فَاءُ الْكَلِمَةِ، أَيْ مَا جَعَلَهُ آتِيَا لكم، أَي حَاصِلا عنْدكُمْ، فَالْهَمْزَةُ الْأُولَى لِلتَّعْدِيَةِ إِلَى مَفْعُولٍ ثَانٍ، وَالتَّقْدِيرُ: بِمَا آتَاكُمُوهُ. وَالْإِتْيَانُ هُنَا أَصْلُهُ مَجَازٌ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى
بِخُرُوجِهِ عَنْ مِكْنَتِهِ، فَإِذَا رَسَخَ ذَلِكَ فِي عِلْمِ أَحَدٍ لَمْ يَحْزَنْ عَلَى مَا فَاتَهُ مِمَّا لَا يَسْتَطِيعُ دَفْعَهُ وَلَمْ يَغْفُلْ عَنْ تَرَقُّبِ زَوَالِ مَا يَسُرُّهُ إِذَا كَانَ مِمَّا يَسُرُّهُ، وَمَنْ لَمْ يَتَخَلَّقْ بِخُلُقِ الْإِسْلَامِ يتخبط فِي الْجُوع إِذَا أَصَابَهُ مُصَابٌ وَيُسْتَطَارُ خُيَلَاءً وَتَطَاوُلًا إِذَا نَالَهُ أَمْرٌ مَحْبُوبٌ فَيَخْرُجُ عَنِ الْحِكْمَة فِي الْحَالين.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا التَّنْبِيهِ عَلَى أَنَّ الْمُفَرِّحَاتِ صَائِرَةٌ إِلَى زَوَالٍ وَأَنَّ زَوَالَهَا مُصِيبَةٌ.
وَاعْلَمْ أَنَّ هَذَا مَقَامُ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْأَدَبِ بَعْدَ حُلُولِ الْمُصِيبَةِ وَعِنْدَ نَوَالَ الرَّغِيبَةِ.
وَصِلَةُ الْمَوْصُولِ فِي بِما آتاكُمْ مُشْعِرَةٌ بِأَنَّهُ نِعْمَةٌ نَافِعَةٌ، وَفِيهِ تَنْبِيهٌ عَلَى أَنَّ مَقَامَ الْمُؤْمِنِ مِنَ الْأَدَبِ بَعْدَ حُلُولِ الْمُصِيبَةِ وَعِنْدَ انْهِيَالِ الرَّغِيبَةِ، هُوَ أَنْ لَا يَحْزَنَ عَلَى مَا فَاتَ وَلَا يَبْطُرَ بِمَا نَالَهُ مِنْ خَيْرَاتٍ، وَلَيْسَ مَعْنَى ذَلِكَ أَنْ يَتْرُكَ السَّعْيَ لِنَوَالِ الْخَيْرِ وَاتِّقَاءِ الشَّرِّ قَائِلًا: إِنَّ اللَّهَ كَتَبَ الْأُمُورَ كُلَّهَا فِي الْأَزَلِ، لِأَنَّ هَذَا إِقْدَامٌ عَلَى إِفْسَادِ مَا فَطَرَ عَلَيْهِ النَّاسَ وَأَقَامَ عَلَيْهِ نِظَامَ الْعَالَمِ. وَقَدْ
قَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِلَّذِينَ قَالُوا أَفَلَا نَتَّكِلُ «اعْمَلُوا فَكُلٌّ مُيَسَّرٌ لِمَا خُلِقَ لَهُ»
. وَقَوْلُهُ: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ تَحْذِيرٌ مِنَ الْفَرَحِ الْوَاقِعِ فِي سِيَاقِ تَعْلِيلِ الْأَخْبَارِ بِأَنَّ كُلَّ مَا يَنَالُ الْمَرْءَ ثَابِتٌ فِي كِتَابٍ، وَفِيهِ بَيَانٌ لِلْمُرَادِ مِنَ الْفَرَحِ أَنَّهُ الْفَرَحُ الْمُفْرِطُ الْبَالِغُ بِصَاحِبِهِ إِلَى الِاخْتِيَالِ وَالْفَخْرِ.
وَالْمَعْنَى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ أَحَدًا مُخْتَالًا وفخورا وَلَا تَتَوَهَّمْ أَنَّ مَوْقِعَ (كُلَّ) بَعْدَ النَّفْيِ يُفِيدُ النَّفْيَ عَنِ الْمَجْمُوعِ لَا عَنْ كُلِّ فَرْدٍ لِأَنَّ ذَلِكَ لَيْسَ مِمَّا يَقْصُدُهُ أَهْلُ اللِّسَانِ، وَوَقَعَ لِلشَّيْخِ عَبْدِ القاهر ومتابعيه توعم فِيهِ، وَقَدْ تَقَدَّمَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٢٧٦] وَنَبَّهْتُ عَلَيْهِ فِي تَعْلِيقِي عَلَى دَلَائِلِ الْإِعْجَازِ.
وَقَرَأَ الْجُمْهُورُ آتاكُمْ بِمَدٍ بَعْدَ الْهَمْزَةِ مُحَوَّلٌ عَنْ هَمْزَةٍ ثَانِيَةٍ هِيَ فَاءُ الْكَلِمَةِ، أَيْ مَا جَعَلَهُ آتِيَا لكم، أَي حَاصِلا عنْدكُمْ، فَالْهَمْزَةُ الْأُولَى لِلتَّعْدِيَةِ إِلَى مَفْعُولٍ ثَانٍ، وَالتَّقْدِيرُ: بِمَا آتَاكُمُوهُ. وَالْإِتْيَانُ هُنَا أَصْلُهُ مَجَازٌ وَغَلَبَ اسْتِعْمَالُهُ حَتَّى
— 412 —
آية رقم ٢٤
سَاوَى الْحَقِيقَةَ، وَعَلَى هَذِهِ الْقِرَاءَةِ فَعَائِدُ الْمَوْصُولِ مَحْذُوفٌ لِأَنَّهُ ضَمِيرٌ مُتَّصِلٌ مَنْصُوبٌ بِفِعْلٍ، وَالتَّقْدِيرُ: بِمَا آتَاكُمُوهُ، وَفِيهِ إِدْمَاجُ الْمِنَّةِ مَعَ الْمَوْعِظَةِ تَذْكِيرًا بِأَنَّ الْخَيْرَاتِ مِنْ فضل الله. وقرأه أَبُو عَمْرٍو وَحْدَهُ بِهَمْزَةٍ وَاحِدَةٍ عَلَى أَنَّهُ مِنْ (أَتَى)، إِذَا حَصَلَ، فَعَائِدُ الْمَوْصُولِ هُوَ الضَّمِيرُ الْمُسْتَتِرُ الْمَرْفُوعُ بِ (أَتَى)، وَفِي هَذِهِ الْقِرَاءَةِ مُقَابَلَةُ آتاكُمْ بِ (فَاتَكُمْ) وَهُوَ مُحَسِّنُ الطِّبَاقِ فَفِي كِلْتَا الْقِرَاءَتَيْن محسّن.
[٢٤]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٤]
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي قَبْلَهُ خُتِمَ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [الْحَدِيد: ٢٣] فَيَكُونُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَابُ الشَّرْطِ وَهُوَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ وَحَامِدٌ لِلْمُنْفِقِينَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ فَيَكُونُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بَدَلًا مِنْ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ، أَوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ ضَمِيرُ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ.
تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ فَهُوَ مِنْ حَذْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ اتِّبَاعًا لِلِاسْتِعْمَالِ كَمَا سَمَّاهُ السَّكَّاكِيُّ، وَفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ لَا نُطَوِّلُ بِهَا.
وَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ: الْمُنَافِقُونَ، وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّلَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَأَمْرُهُمُ النَّاسَ بِالْبُخْلِ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المُنَافِقُونَ: ٧]، أَيْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
وَجُمْلَةُ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ تَذْيِيلٌ لِأَنَّ مَنْ يَتَوَلَّ يَعُمُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَغَيْرَهُمْ فَإِنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أَيْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ قَدْ تَوَلَّوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ (مَنْ) شَرْطِيَّةٌ عَامَّةٌ.
[٢٤]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٤]
الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ (٢٤)
يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ ابْتِدَاءُ كَلَامٍ عَلَى الِاسْتِئْنَافِ لِأَنَّ الْكَلَامَ الَّذِي قَبْلَهُ خُتِمَ بِالتَّذْيِيلِ بِقَوْلِهِ: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ [الْحَدِيد: ٢٣] فَيَكُونُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ مُبْتَدَأً وَخَبَرُهُ مَحْذُوفًا يَدُلُّ عَلَيْهِ جَوَابُ الشَّرْطِ وَهُوَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ.
وَالتَّقْدِيرُ: فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْهُمْ وَحَامِدٌ لِلْمُنْفِقِينَ.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مُتَّصِلًا بِمَا قَبْلَهُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّخَلُّصِ فَيَكُونُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ بَدَلًا مِنْ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ، أَوْ خَبَرًا لِمُبْتَدَأٍ مَحْذُوفٍ هُوَ ضَمِيرُ كُلَّ مُخْتالٍ فَخُورٍ.
تَقْدِيرُهُ: هُمُ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ، وَعَلَى هَذَا الِاحْتِمَالِ الْأَخِيرِ فَهُوَ مِنْ حَذْفِ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ اتِّبَاعًا لِلِاسْتِعْمَالِ كَمَا سَمَّاهُ السَّكَّاكِيُّ، وَفِيهِ وُجُوهٌ أُخَرُ لَا نُطَوِّلُ بِهَا.
وَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ: الْمُنَافِقُونَ، وَقَدْ وَصَفَهُمُ اللَّهُ بِمِثْلِ هَذِهِ الصِّلَةِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ، وَأَمْرُهُمُ النَّاسَ بِالْبُخْلِ هُوَ الَّذِي حَكَاهُ اللَّهُ عَنْهُمْ بِقَوْلِهِ: هُمُ الَّذِينَ يَقُولُونَ لَا تُنْفِقُوا عَلى مَنْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ حَتَّى يَنْفَضُّوا [المُنَافِقُونَ: ٧]، أَيْ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ.
وَجُمْلَةُ وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ تَذْيِيلٌ لِأَنَّ مَنْ يَتَوَلَّ يَعُمُّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَغَيْرَهُمْ فَإِنَّ الَّذِينَ يَبْخَلُونَ وَيَأْمُرُونَ النَّاسَ بِالْبُخْلِ أَيْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَفِي النَّفَقَاتِ الْوَاجِبَةِ قَدْ تَوَلَّوْا عَنْ أَمْرِ اللَّهِ وَ (مَنْ) شَرْطِيَّةٌ عَامَّةٌ.
— 413 —
وَجُمْلَةُ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ قَائِمَةٌ مَقَامُ جَوَابِ الشَّرْطِ لِأَنَّ مَضْمُونَهَا عِلَّةٌ لِلْجَوَابِ، فَالتَّقْدِيرُ: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَلَا يَضُرُّ اللَّهَ شَيْئًا وَلَا يَضُرُّ الْفَقِيرَ لِأَنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنْ مَالِ الْمُتَوَلِّينَ، وَلِأَنَّ لَهُ عِبَادًا يُطِيعُونَ أَمْرَهُ فَيَحْمَدُهُمْ.
وَالْغَنِيُّ: الْمَوْصُوفُ بِالْغِنَى، أَيْ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ. وَلَمَّا لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ كَانَ مُفِيدًا الْغِنَى الْعَامَّ.
وَالْحَمِيدُ: وَصْفُ مُبَالَغَةٍ، أَيْ كَثِيرُ الْحَمْدِ لِلْمُنْفِقِينَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [الْمَائِدَة: ٥٤] الْآيَةَ.
وَوَصْفُهُ بِ الْحَمِيدُ هُنَا نَظِيرُ وَصْفِهِ بِ «الشَّكُورُ» وَفِي قَوْلِهِ: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن: ١٧]، فَإِنَّ اسْمَهُ الْحَمِيدُ صَالِحٌ لِمَعْنَى الْمَحْمُودِ فَيَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَصَالِحٌ لِمَعْنَى كَثِيرِ الْحَمْدِ، فَيَكُونُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ ثَوَابًا جَزِيلًا وَيُثْنِي عَلَى فَاعِلِهِ ثَنَاءً جَمِيلًا فَكَانَ بِذَلِكَ كَثِيرُ الْحَمْدِ. وَقَدْ حَمَلَهُ عَلَى كِلَا الْمَعْنيين ابْن يرّجان الْإِشْبِيلِيُّ (١) فِي «شَرْحِهِ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى» (٢) وَوَافَقَهُ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَهُوَ الْحَقُّ.
وَقَصَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي «الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى» عَلَى مَعْنَى «الْمَحْمُودِ».
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ بِدُونِ ضَمِيرِ فَصْلٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ مَرْسُومٌ فِي مُصْحَفِ الْمَدِينَةِ وَمُصْحَفِ الشَّامِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ بِضَمِيرِ فَصْلٍ بَعْدَ اسْمِ الْجَلَالَةِ وَكَذَلِكَ هُوَ مَرْسُومٌ فِي مَصَاحِفِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، فَهُمَا رِوَايَتَانِ مُتَوَاتِرَتَانِ.
_________
(١) هُوَ أَبُو الحكم عبد السَّلَام بن عبد الرَّحْمَن الأشبيلي المتوفي سنة ٥٣٦ هـ، وبرجان بموحدة فِي أَوله مَفْتُوحَة ثمَّ رَاء مُشَدّدَة مَفْتُوحَة.
(٢) هُوَ شرح موسع ينحو الطرائق الصُّوفِيَّة، لم يذكرهُ فِي «كشف الظنون»، أَوله «الْحَمد لله الَّذِي باسمه تفتتح المطالب، ذكر فِيهِ مائَة واثنين وَثَلَاثِينَ اسْما مستخرجة من أَلْفَاظ الْقُرْآن، مخطوط نَادِر تُوجد مِنْهُ نُسْخَة بالمكتبة العاشورية بتونس نسخت سنة ١٠٢١ هـ.
وَالْغَنِيُّ: الْمَوْصُوفُ بِالْغِنَى، أَيْ عَدَمُ الِاحْتِيَاجِ. وَلَمَّا لَمْ يُذْكَرْ لَهُ مُتَعَلِّقٌ كَانَ مُفِيدًا الْغِنَى الْعَامَّ.
وَالْحَمِيدُ: وَصْفُ مُبَالَغَةٍ، أَيْ كَثِيرُ الْحَمْدِ لِلْمُنْفِقِينَ عَلَى نَحْوِ قَوْلِهِ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا مَنْ يَرْتَدَّ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ [الْمَائِدَة: ٥٤] الْآيَةَ.
وَوَصْفُهُ بِ الْحَمِيدُ هُنَا نَظِيرُ وَصْفِهِ بِ «الشَّكُورُ» وَفِي قَوْلِهِ: إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضاً حَسَناً يُضاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ [التغابن: ١٧]، فَإِنَّ اسْمَهُ الْحَمِيدُ صَالِحٌ لِمَعْنَى الْمَحْمُودِ فَيَكُونُ فَعِيلًا بِمَعْنَى مَفْعُولٍ، وَصَالِحٌ لِمَعْنَى كَثِيرِ الْحَمْدِ، فَيَكُونُ مِنْ أَمْثِلَةِ الْمُبَالَغَةِ لِأَنَّ اللَّهَ يُثِيبُ عَلَى فِعْلِ الْخَيْرِ ثَوَابًا جَزِيلًا وَيُثْنِي عَلَى فَاعِلِهِ ثَنَاءً جَمِيلًا فَكَانَ بِذَلِكَ كَثِيرُ الْحَمْدِ. وَقَدْ حَمَلَهُ عَلَى كِلَا الْمَعْنيين ابْن يرّجان الْإِشْبِيلِيُّ (١) فِي «شَرْحِهِ لِأَسْمَاءِ اللَّهِ الْحُسْنَى» (٢) وَوَافَقَهُ كَلَامُ ابْنِ الْعَرَبِيِّ فِي «أَحْكَامِ الْقُرْآنِ» فِي سُورَةِ الْأَعْرَافِ، وَهُوَ الْحَقُّ.
وَقَصَرَهُ الْغَزَالِيُّ فِي «الْمَقْصِدِ الْأَسْنَى» عَلَى مَعْنَى «الْمَحْمُودِ».
وَقَرَأَ نَافِعٌ وَابْنُ عَامِرٍ وَأَبُو جَعْفَرٍ فَإِنَّ اللَّهَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ بِدُونِ ضَمِيرِ فَصْلٍ، وَكَذَلِكَ هُوَ مَرْسُومٌ فِي مُصْحَفِ الْمَدِينَةِ وَمُصْحَفِ الشَّامِ. وَقَرَأَهُ الْبَاقُونَ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ بِضَمِيرِ فَصْلٍ بَعْدَ اسْمِ الْجَلَالَةِ وَكَذَلِكَ هُوَ مَرْسُومٌ فِي مَصَاحِفِ مَكَّةَ وَالْبَصْرَةِ وَالْكُوفَةِ، فَهُمَا رِوَايَتَانِ مُتَوَاتِرَتَانِ.
_________
(١) هُوَ أَبُو الحكم عبد السَّلَام بن عبد الرَّحْمَن الأشبيلي المتوفي سنة ٥٣٦ هـ، وبرجان بموحدة فِي أَوله مَفْتُوحَة ثمَّ رَاء مُشَدّدَة مَفْتُوحَة.
(٢) هُوَ شرح موسع ينحو الطرائق الصُّوفِيَّة، لم يذكرهُ فِي «كشف الظنون»، أَوله «الْحَمد لله الَّذِي باسمه تفتتح المطالب، ذكر فِيهِ مائَة واثنين وَثَلَاثِينَ اسْما مستخرجة من أَلْفَاظ الْقُرْآن، مخطوط نَادِر تُوجد مِنْهُ نُسْخَة بالمكتبة العاشورية بتونس نسخت سنة ١٠٢١ هـ.
— 414 —
آية رقم ٢٥
وَالْجُمْلَةُ مُفِيدَةٌ لِلْقَصْرِ بِدُونِ ضَمِيرِ فَصْلٍ لِأَنَّ تَعْرِيفَ الْمُسْنَدِ إِلَيْهِ وَالْمُسْنَدِ مِنْ طُرُقِ الْقَصْرِ، فَالْقِرَاءَةُ بِضَمِيرِ الْفَصْلِ تُفِيدُ تَأْكِيد الْقصر.
[٢٥]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٥]
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)
اسْتِئْنَاف ابتدائي ناشىء عَمَّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ الله وَعَن ذكر الْفَتْحِ وَعَنْ تَذْيِيلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الْحَدِيد: ٢٤]، وَهُوَ إِعْذَارٌ لِلْمُتَوَلِّينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِيَتَدَارَكُوا صَلَاحَهُمْ بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّدَبُّرِ فِي هَدْيِ الْقُرْآنِ وَإِنْذَارٌ لَهُمْ إِنْ يَرْعَوُوا وَيَنْصَاعُوا إِلَى الْحُجَّةِ السَّاطِعَةِ بِأَنَّهُ يَكُونُ تَقْوِيمُ عِوَجِهِمْ بِالسُّيُوفِ الْقَاطِعَةِ وَهُوَ مَا صَرَّحَ لَهُمْ بِهِ فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ [٦٠، ٦١] لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ
الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ [٩] يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَحْسَبُوا أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الْحَدِيد: ٢٤] مُجَرَّدَ مُتَارَكَةٍ فَيَطْمَئِنُّوا لِذَلِكَ.
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِلَامِ الْقِسْمِ وَحَرْفِ التَّحْقِيقِ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مِنْ ذِكْرِ مَا فِي إِرْسَالِ رُسُلِ اللَّهِ وَكُتُبِهِ مِنْ إِقَامَةِ الْقِسْطِ لِلنَّاسِ، وَمِنَ التَّعْرِيضِ بِحَمْلِ الْمُعْرِضِينَ عَلَى السَّيْفِ إِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى غَلْوَائِهِمْ.
وَجَمْعُ (الرُّسُلِ) هُنَا لِإِفَادَةِ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وَأَنَّ مُكَابَرَةَ الْمُنَافِقِينَ عَمَايَةٌ عَنْ سُنَّةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فَتَأْكِيدُ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَنْزِيلِ السَّامِعِينَ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رُسُلًا قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي التَّعَجُّبِ مِنْ دَعَوَاهُ الرِّسَالَةَ كَحَالِ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رُسُلًا مِنْ قَبْلُ. وَقَدْ تَكَرَّرَ مِثْلُ هَذَا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ [آل عمرَان: ١٨٣].
[٢٥]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٥]
لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ الْكِتابَ وَالْمِيزانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ وَأَنْزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (٢٥)
اسْتِئْنَاف ابتدائي ناشىء عَمَّا تَقَدَّمَ مِنَ التَّحْرِيضِ عَلَى الْإِنْفَاقِ فِي سَبِيلِ الله وَعَن ذكر الْفَتْحِ وَعَنْ تَذْيِيلِ ذَلِكَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الْحَدِيد: ٢٤]، وَهُوَ إِعْذَارٌ لِلْمُتَوَلِّينَ مِنَ الْمُنَافِقِينَ لِيَتَدَارَكُوا صَلَاحَهُمْ بِاتِّبَاعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالتَّدَبُّرِ فِي هَدْيِ الْقُرْآنِ وَإِنْذَارٌ لَهُمْ إِنْ يَرْعَوُوا وَيَنْصَاعُوا إِلَى الْحُجَّةِ السَّاطِعَةِ بِأَنَّهُ يَكُونُ تَقْوِيمُ عِوَجِهِمْ بِالسُّيُوفِ الْقَاطِعَةِ وَهُوَ مَا صَرَّحَ لَهُمْ بِهِ فِي قَوْلِهِ فِي سُورَةِ الْأَحْزَابِ [٦٠، ٦١] لَئِنْ لَمْ يَنْتَهِ
الْمُنافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ وَالْمُرْجِفُونَ فِي الْمَدِينَةِ لَنُغْرِيَنَّكَ بِهِمْ ثُمَّ لَا يُجاوِرُونَكَ فِيها إِلَّا قَلِيلًا مَلْعُونِينَ أَيْنَما ثُقِفُوا أُخِذُوا وَقُتِّلُوا تَقْتِيلًا وَقَوْلِهِ فِي سُورَةِ التَّحْرِيمِ [٩] يَا أَيُّهَا النَّبِيءُ جاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ لِئَلَّا يَحْسَبُوا أَنَّ قَوْلَهُ: وَمَنْ يَتَوَلَّ فَإِنَّ اللَّهَ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ [الْحَدِيد: ٢٤] مُجَرَّدَ مُتَارَكَةٍ فَيَطْمَئِنُّوا لِذَلِكَ.
وَتَأْكِيدُ الْخَبَرِ بِلَامِ الْقِسْمِ وَحَرْفِ التَّحْقِيقِ رَاجِعٌ إِلَى مَا تَضَمَّنَهُ الْخَبَرُ مِنْ ذِكْرِ مَا فِي إِرْسَالِ رُسُلِ اللَّهِ وَكُتُبِهِ مِنْ إِقَامَةِ الْقِسْطِ لِلنَّاسِ، وَمِنَ التَّعْرِيضِ بِحَمْلِ الْمُعْرِضِينَ عَلَى السَّيْفِ إِنِ اسْتَمَرُّوا عَلَى غَلْوَائِهِمْ.
وَجَمْعُ (الرُّسُلِ) هُنَا لِإِفَادَةِ أَنَّ مَا جَاءَ بِهِ مُحَمَّدٌ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لَيْسَ بِدْعًا مِنَ الرُّسُلِ، وَأَنَّ مُكَابَرَةَ الْمُنَافِقِينَ عَمَايَةٌ عَنْ سُنَّةِ اللَّهِ فِي خَلْقِهِ فَتَأْكِيدُ ذَلِكَ مَبْنِيٌّ عَلَى تَنْزِيلِ السَّامِعِينَ مَنْزِلَةَ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رُسُلًا قَبْلَ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِأَنَّ حَالَهُمْ فِي التَّعَجُّبِ مِنْ دَعَوَاهُ الرِّسَالَةَ كَحَالِ مَنْ يُنْكِرُ أَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رُسُلًا مِنْ قَبْلُ. وَقَدْ تَكَرَّرَ مِثْلُ هَذَا فِي مَوَاضِعَ مِنَ الْقُرْآنِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: قُلْ قَدْ جاءَكُمْ رُسُلٌ مِنْ قَبْلِي بِالْبَيِّناتِ [آل عمرَان: ١٨٣].
— 415 —
وَالْبَيِّنَاتُ: الْحُجَجُ الدَّالَّةُ عَلَى أَنَّ مَا يَدْعُونَ إِلَيْهِ هُوَ مُرَادُ اللَّهِ، وَالْمُعْجِزَاتُ دَاخِلَةٌ فِي الْبَيِّنَاتِ.
وَتَعْرِيفُ الْكِتابَ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، أَيْ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ كُتُبًا، أَيْ مِثْلَ الْقُرْآنِ.
وَإِنْزَالُ الْكِتَابِ: تَبْلِيغٌ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنْزَالُ الْمِيزَانِ: تَبْلِيغُ الْأَمْرِ بِالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَالْمِيزَانُ: مُسْتَعَارٌ لِلْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِعْطَاءِ حُقُوقِهِمْ لِأَنَّ مِمَّا يَقْتَضِيهُ الْمِيزَانُ وُجُودَ طَرَفَيْنِ يُرَادُ مَعْرِفَةُ تَكَافُئِهِمَا، قَالَ تَعَالَى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النِّسَاء: ٥٨]. وَهَذَا الْمِيزَانُ تُبَيِّنُهُ كُتُبُ الرُّسُلِ، فَذِكْرُهُ بِخُصُوصِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِ لِأَنَّهُ وَسِيلَةُ انْتِظَامِ أُمُورِ الْبَشَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [النِّسَاء: ١٠٥] وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَهُمْ وَضْعَ آلَاتِ الْوَزْنِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْمُهِمِّ، وَهُوَ مِمَّا يَشْمَلُهُ مَعْنَى الْعَدْلِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ.
وَيَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ بِقَوْلِهِ: وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ.
وَالْقِيَامُ: مَجَازٌ فِي صَلَاحِ الْأَحْوَالِ وَاسْتِقَامَتِهَا لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِتَيْسِيرِ الْعَمَلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ فِي أَوَائِلِ الْبَقَرَةِ [٣].
وَالْقِسْطُ: الْعَدْلُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمِيزَانِ الْمَذْكُورِ لْاخْتِصَاصِهِ بِالْعَدْلِ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ، وَأَمَّا الْقِسْطُ فَهُوَ إِجْرَاءُ أُمُورِ النَّاسِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهُ الْحَقُّ فَهُوَ عَدْلٌ عَامٌّ بِحَيْثُ يَقْدِرُ صَاحِبُ الْحَقِّ مُنَازِعًا لِمَنْ قَدِ احْتَوَى عَلَى حَقِّهِ.
وَلَفْظُ «الْقِسْطِ» مَأْخُوذٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ مِنْ لَفْظِ قِسْطَاسِ اسْمُ الْعَدْلِ بِلُغَةِ الرُّومِ، فَهُوَ مِنَ الْمُعَرَّبِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ.
وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ يَكُونُ أَمْرُ النَّاسِ مُلَابِسًا لِلْعَدْلِ وَمُمَاشِيًا لِلْحَقِّ، وَإِنْزَالُ الْحَدِيدِ:
مُسْتَعَارٌ لِخَلْقِ مَعْدَنِهِ كَقَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الزمر: ٦]، أَيْ خَلَقَ لِأَجْلِكُمْ وَذَلِكَ بِإِلْهَامِ الْبَشَرِ اسْتِعْمَالَهُ فِي السِّلَاحِ مِنْ سُيُوفٍ وَدُرُوعٍ
وَتَعْرِيفُ الْكِتابَ تَعْرِيفُ الْجِنْسِ، أَيْ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمْ كُتُبًا، أَيْ مِثْلَ الْقُرْآنِ.
وَإِنْزَالُ الْكِتَابِ: تَبْلِيغٌ بِوَاسِطَةِ الْمَلَكِ مِنَ السَّمَاءِ، وَإِنْزَالُ الْمِيزَانِ: تَبْلِيغُ الْأَمْرِ بِالْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ.
وَالْمِيزَانُ: مُسْتَعَارٌ لِلْعَدْلِ بَيْنَ النَّاسِ فِي إِعْطَاءِ حُقُوقِهِمْ لِأَنَّ مِمَّا يَقْتَضِيهُ الْمِيزَانُ وُجُودَ طَرَفَيْنِ يُرَادُ مَعْرِفَةُ تَكَافُئِهِمَا، قَالَ تَعَالَى: وَإِذا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ [النِّسَاء: ٥٨]. وَهَذَا الْمِيزَانُ تُبَيِّنُهُ كُتُبُ الرُّسُلِ، فَذِكْرُهُ بِخُصُوصِهِ لِلِاهْتِمَامِ بِأَمْرِهِ لِأَنَّهُ وَسِيلَةُ انْتِظَامِ أُمُورِ الْبَشَرِ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِنَّا أَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِما أَراكَ اللَّهُ [النِّسَاء: ١٠٥] وَلَيْسَ الْمُرَادُ أَنَّ اللَّهَ أَلْهَمَهُمْ وَضْعَ آلَاتِ الْوَزْنِ لِأَنَّ هَذَا لَيْسَ مِنَ الْمُهِمِّ، وَهُوَ مِمَّا يَشْمَلُهُ مَعْنَى الْعَدْلِ فَلَا حَاجَةَ إِلَى التَّنْبِيهِ عَلَيْهِ بِخُصُوصِهِ.
وَيَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ بِقَوْلِهِ: وَأَنْزَلْنا مَعَهُمُ.
وَالْقِيَامُ: مَجَازٌ فِي صَلَاحِ الْأَحْوَالِ وَاسْتِقَامَتِهَا لِأَنَّهُ سَبَبٌ لِتَيْسِيرِ الْعَمَلِ وَقَدْ تَقَدَّمَ ذَلِكَ عِنْدَ قَوْلِهِ تَعَالَى: وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ فِي أَوَائِلِ الْبَقَرَةِ [٣].
وَالْقِسْطُ: الْعَدْلُ فِي جَمِيعِ الْأُمُورِ، فَهُوَ أَعَمُّ مِنَ الْمِيزَانِ الْمَذْكُورِ لْاخْتِصَاصِهِ بِالْعَدْلِ بَيْنَ مُتَنَازِعَيْنِ، وَأَمَّا الْقِسْطُ فَهُوَ إِجْرَاءُ أُمُورِ النَّاسِ عَلَى مَا يَقْتَضِيهُ الْحَقُّ فَهُوَ عَدْلٌ عَامٌّ بِحَيْثُ يَقْدِرُ صَاحِبُ الْحَقِّ مُنَازِعًا لِمَنْ قَدِ احْتَوَى عَلَى حَقِّهِ.
وَلَفْظُ «الْقِسْطِ» مَأْخُوذٌ فِي الْعَرَبِيَّةِ مِنْ لَفْظِ قِسْطَاسِ اسْمُ الْعَدْلِ بِلُغَةِ الرُّومِ، فَهُوَ مِنَ الْمُعَرَّبِ وَرُوِيَ ذَلِكَ عَنْ مُجَاهِدٍ.
وَالْبَاءُ لِلْمُلَابَسَةِ، أَيْ يَكُونُ أَمْرُ النَّاسِ مُلَابِسًا لِلْعَدْلِ وَمُمَاشِيًا لِلْحَقِّ، وَإِنْزَالُ الْحَدِيدِ:
مُسْتَعَارٌ لِخَلْقِ مَعْدَنِهِ كَقَوْلِهِ: وَأَنْزَلَ لَكُمْ مِنَ الْأَنْعامِ ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ [الزمر: ٦]، أَيْ خَلَقَ لِأَجْلِكُمْ وَذَلِكَ بِإِلْهَامِ الْبَشَرِ اسْتِعْمَالَهُ فِي السِّلَاحِ مِنْ سُيُوفٍ وَدُرُوعٍ
— 416 —
وَرِمَاحٍ وَنِبَالٍ وَخُوَذٍ وَدَرَقٍ وَمَجَانٍّ. وَيَجُوزُ أَنْ يُرَادَ بِالْحَدِيدِ خُصُوصُ السِّلَاحِ الْمُتَّخَذِ مِنْهُ مِنْ سُيُوفٍ وَأَسِنَّةٍ وَنِبَالٍ، فَيَكُونُ إِنْزَالُهُ مُسْتَعَارًا لِمُجَرَّدِ إِلْهَامِ صُنْعِهِ، فَعَلَى الْوَجْهِ الْأَوَّلِ يَكُونُ ضَمِيرُ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ عَائِدًا إِلَى الْحَدِيدِ بِاعْتِبَارِ إِعْدَادِهِ لِلْبَأْسِ فَكَأَنَّ الْبَأْسَ مَظْرُوفٌ فِيهِ.
وَالْبَأْسُ: الضُّرُّ. وَالْمُرَادُ بَأْسُ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ بِآلَاتِ الْحَدِيدِ مِنْ سُيُوفٍ وَرِمَاحٍ وَنِبَالٍ، وَبَأْسُ جُرْأَةِ النَّاسِ عَلَى إِيصَالِ الضُّرِّ بِالْغَيْرِ بِوَاسِطَةِ الْوَاقِيَاتِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْحَدِيدِ.
وَالْمَنَافِعُ: مَنَافِعُ الْغَالِبِ بِالْحَدِيدِ مِنْ غَنَائِمَ وَأَسْرَى وَفَتْحِ بِلَادٍ.
وَيَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: لِلنَّاسِ بِكُلٍّ مِنْ بَأْسٌ ومَنافِعُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّنَازُعِ، أَيْ فِيهِ بَأْسٌ لِنَاسٍ وَمَنَافِعُ لِآخَرِينَ فَإِنَّ مَصَائِبَ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائِدُ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا لفت بصائر السَّامِعِينَ إِلَى الِاعْتِبَارِ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ خَلْقِ الْحَدِيدِ وَإِلْهَامِ صُنْعِهِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ نَفْعٍ وَبَأْسٍ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ أَنْ يُوضَعَ بَأْسُهُ حَيْثُ يُسْتَحَقُّ وَيُوضَعَ نَفْعُهُ حَيْثُ يَلِيقُ بِهِ لَا لِتُجْعَلَ مَنَافِعُهُ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا مِثْلِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالثُّوَّارِ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، وَلِتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ لِحِمَايَةِ الْأَوْطَانِ مِنْ أَهْلِ الْعُدْوَانِ، وَلِلِادِّخَارِ فِي الْبُيُوتِ لِدَفْعِ الضَّارِيَاتِ وَالْعَادِيَاتِ عَلَى الْحُرُمِ وَالْأَمْوَالِ.
وَكَانَ الْحَكِيمُ (انْتِيثُنُوسْ) الْيُونَانِيُّ تِلْمِيذُ سُقْرَاطَ إِذَا رَأَى امْرَأَةً حَالِيَّةً مُتَزَيِّنَةً فِي أَثِينَا يَذْهَبُ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُرِيَهُ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ فَإِذَا رَآهُمَا كَامِلَيْنِ أَذِنَ لْامْرَأَتِهِ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِأَنَّ زَوْجَهَا قَادِرٌ عَلَى حِمَايَتِهَا مِنْ دَاعِرٍ يَغْتَصِبُهَا، وَإِلَّا أَمَرَهَا بِتَرْكِ الزِّينَةِ وَتَرْكِ الْحُلِيِّ.
وَهَذَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ، لَا لِيُجْعَلَ بَأْسُهُ لِإِخْضَادِ شَوْكَة الْعدْل وإرغام الآمرين
بِالْمَعْرُوفِ عَلَى السُّكُوتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَحْرِيفٌ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ وَضْعِ الْأَشْيَاءِ النَّافِعَةِ وَالْقَارَّةِ، قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ [الْبَقَرَة: ٢٠٥]، وَقَالَ عَلَى لِسَانِ أَحَدِ رُسُلِهِ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: ٨٨].
وَالْبَأْسُ: الضُّرُّ. وَالْمُرَادُ بَأْسُ الْقَتْلِ وَالْجَرْحِ بِآلَاتِ الْحَدِيدِ مِنْ سُيُوفٍ وَرِمَاحٍ وَنِبَالٍ، وَبَأْسُ جُرْأَةِ النَّاسِ عَلَى إِيصَالِ الضُّرِّ بِالْغَيْرِ بِوَاسِطَةِ الْوَاقِيَاتِ الْمُتَّخَذَةِ مِنَ الْحَدِيدِ.
وَالْمَنَافِعُ: مَنَافِعُ الْغَالِبِ بِالْحَدِيدِ مِنْ غَنَائِمَ وَأَسْرَى وَفَتْحِ بِلَادٍ.
وَيَتَعَلَّقُ قَوْلُهُ: لِلنَّاسِ بِكُلٍّ مِنْ بَأْسٌ ومَنافِعُ عَلَى طَرِيقَةِ التَّنَازُعِ، أَيْ فِيهِ بَأْسٌ لِنَاسٍ وَمَنَافِعُ لِآخَرِينَ فَإِنَّ مَصَائِبَ قَوْمٍ عِنْدَ قَوْمٍ فَوَائِدُ.
وَالْمَقْصُودُ مِنْ هَذَا لفت بصائر السَّامِعِينَ إِلَى الِاعْتِبَارِ بِحِكْمَةِ اللَّهِ تَعَالَى مِنْ خَلْقِ الْحَدِيدِ وَإِلْهَامِ صُنْعِهِ، وَالتَّنْبِيهُ عَلَى أَنَّ مَا فِيهِ مِنْ نَفْعٍ وَبَأْسٍ إِنَّمَا أُرِيدَ بِهِ أَنْ يُوضَعَ بَأْسُهُ حَيْثُ يُسْتَحَقُّ وَيُوضَعَ نَفْعُهُ حَيْثُ يَلِيقُ بِهِ لَا لِتُجْعَلَ مَنَافِعُهُ لِمَنْ لَا يَسْتَحِقُّهَا مِثْلِ قُطَّاعِ الطَّرِيقِ وَالثُّوَّارِ عَلَى أَهْلِ الْعَدْلِ، وَلِتَجْهِيزِ الْجُيُوشِ لِحِمَايَةِ الْأَوْطَانِ مِنْ أَهْلِ الْعُدْوَانِ، وَلِلِادِّخَارِ فِي الْبُيُوتِ لِدَفْعِ الضَّارِيَاتِ وَالْعَادِيَاتِ عَلَى الْحُرُمِ وَالْأَمْوَالِ.
وَكَانَ الْحَكِيمُ (انْتِيثُنُوسْ) الْيُونَانِيُّ تِلْمِيذُ سُقْرَاطَ إِذَا رَأَى امْرَأَةً حَالِيَّةً مُتَزَيِّنَةً فِي أَثِينَا يَذْهَبُ إِلَى بَيْتِ زَوْجِهَا وَيَسْأَلُهُ أَنْ يُرِيَهُ فَرَسَهُ وَسِلَاحَهُ فَإِذَا رَآهُمَا كَامِلَيْنِ أَذِنَ لْامْرَأَتِهِ أَنْ تَتَزَيَّنَ لِأَنَّ زَوْجَهَا قَادِرٌ عَلَى حِمَايَتِهَا مِنْ دَاعِرٍ يَغْتَصِبُهَا، وَإِلَّا أَمَرَهَا بِتَرْكِ الزِّينَةِ وَتَرْكِ الْحُلِيِّ.
وَهَذَا مِنْ بَابِ سَدِّ الذَّرِيعَةِ، لَا لِيُجْعَلَ بَأْسُهُ لِإِخْضَادِ شَوْكَة الْعدْل وإرغام الآمرين
بِالْمَعْرُوفِ عَلَى السُّكُوتِ، فَإِنَّ ذَلِكَ تَحْرِيفٌ لِمَا أَرَادَ اللَّهُ مِنْ وَضْعِ الْأَشْيَاءِ النَّافِعَةِ وَالْقَارَّةِ، قَالَ تَعَالَى: وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ الْفَسادَ [الْبَقَرَة: ٢٠٥]، وَقَالَ عَلَى لِسَانِ أَحَدِ رُسُلِهِ إِنْ أُرِيدُ إِلَّا الْإِصْلاحَ مَا اسْتَطَعْتُ [هود: ٨٨].
— 417 —
وَقَدْ أَوْمَأَ إِلَى هَذَا الْمَعْنَى بِالْإِجْمَالِ قَوْلُهُ: وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ، أَيْ لِيُظْهِرَ لِلنَّاسِ أَثَرَ عِلْمِ اللَّهِ بِمَنْ يَنْصُرُهُ، فَأَطْلَقَ فِعْلَ لِيَعْلَمَ عَلَى مَعْنَى ظُهُورِ أَثَرِ الْعِلْمِ كَقَوْلِ إِيَاسِ بْنِ قَبِيصَةَ الطَّائِيِّ:
أَيْ لِيَظْهَرَ لِلنَّاسِ الْجَبَانُ وَالشُّجَاعُ، أَيْ فَيَعْلَمُوا أَنِّي شُجَاعُهُمْ.
وَنَصْرُ النَّاسِ الله هُوَ نَصرهم دِينِهِ، وَأَمَّا اللَّهُ فَغَنِيٌّ عَنِ النَّصْرِ، وَعَطَفَ وَرُسُلَهُ، أَيْ مَنْ يَنْصُرُ الْقَائِمِينَ بِدِينِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ نَصْرُ شَرَائِعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ وَنَصْرُ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الْقَائِمِينَ بِالْحَقِّ. وَأَعْظَمَ رَجُلٍ نَصَرَ دِينَ اللَّهِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي قِتَالِهِ أهل الرِّدَّة رَضِي الله عَنهُ.
وَقَوْلُهُ: بِالْغَيْبِ يَتَعَلَّقُ بِ يَنْصُرُهُ، أَيْ يَنْصُرُهُ نَصْرًا يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ دَاعِي نَفْسِهِ دُونَ خَشْيَةِ دَاعٍ يَدْعُوهُ إِلَيْهِ، أَوْ رَقِيبٍ يَرْقُبُ صَنِيعَهُ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الدِّينِ بِمَحْضِ الْإِخْلَاصِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحَدِيدِ وَمَعْدِنِهِ وَصِنَاعَتِهِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [٩٦].
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ إِلَى آخِرِهَا، أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز فِي شؤونه الْقُدْسِيَّةِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ رُسُلُهُ أَقْوِيَاءَ أَعِزَّةً، وَأَنْ تَكُونَ كُتُبُهُ مُعَظَّمَةً مُوَقَّرَةً، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْمَنُوطَةِ أَحْدَاثُهُ بِالْأَسْبَابِ الْمَجْعُولَةِ بِأَنْ يَنْصُرَهُ الرُّسُلُ وَأَقْوَامٌ مُخْلِصُونَ لِلَّهِ وَيُعِينُوا عَلَى نَشْرِ دِينِهِ وَشَرَائِعِهِ.
وَالْقَوِيُّ الْعَزِيزُ: مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى. فَالْقَوِيُّ: الْمُتَّصِفُ بِالْقُوَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨] وَتَقَدَّمَ الْقَوِيُّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ [الْأَنْفَال: ٥٢].
وَالْعَزِيزُ: الْمُتَّصِفُ بِالْعِزَّةِ، وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً فِي سُورَة يُونُس وَقَوْلِهِ: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الْبَقَرَة: ٢٠٩].
| وَأَقْبَلْتُ وَالْخَطِيُّ يَخْطُرُ بَيْنَنَا | لِأَعْلَمَ مَنْ جَبَانُهَا مِنْ شُجَاعِهَا |
وَنَصْرُ النَّاسِ الله هُوَ نَصرهم دِينِهِ، وَأَمَّا اللَّهُ فَغَنِيٌّ عَنِ النَّصْرِ، وَعَطَفَ وَرُسُلَهُ، أَيْ مَنْ يَنْصُرُ الْقَائِمِينَ بِدِينِهِ، وَيَدْخُلُ فِيهِ نَصْرُ شَرَائِعِ الرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ بَعْدَهُ وَنَصْرُ وُلَاةِ أُمُورِ الْمُسْلِمِينَ الْقَائِمِينَ بِالْحَقِّ. وَأَعْظَمَ رَجُلٍ نَصَرَ دِينَ اللَّهِ بَعْدَ وَفَاةِ رَسُولِهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ هُوَ أَبُو بَكْرٍ الصِّدِّيقُ فِي قِتَالِهِ أهل الرِّدَّة رَضِي الله عَنهُ.
وَقَوْلُهُ: بِالْغَيْبِ يَتَعَلَّقُ بِ يَنْصُرُهُ، أَيْ يَنْصُرُهُ نَصْرًا يَدْفَعُهُ إِلَيْهِ دَاعِي نَفْسِهِ دُونَ خَشْيَةِ دَاعٍ يَدْعُوهُ إِلَيْهِ، أَوْ رَقِيبٍ يَرْقُبُ صَنِيعَهُ وَالْمَعْنَى: أَنَّهُ يُجَاهِدُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالدِّفَاعِ عَنِ الدِّينِ بِمَحْضِ الْإِخْلَاصِ.
وَقَدْ تَقَدَّمَ ذِكْرُ الْحَدِيدِ وَمَعْدِنِهِ وَصِنَاعَتِهِ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ فِي سُورَةِ الْكَهْفِ [٩٦].
وَجُمْلَةُ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ تَعْلِيلٌ لِجُمْلَةِ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ إِلَى آخِرِهَا، أَيْ لِأَنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيز فِي شؤونه الْقُدْسِيَّةِ، فَكَذَلِكَ يَجِبُ أَنْ تَكُونَ رُسُلُهُ أَقْوِيَاءَ أَعِزَّةً، وَأَنْ تَكُونَ كُتُبُهُ مُعَظَّمَةً مُوَقَّرَةً، وَإِنَّمَا يَحْصُلُ ذَلِكَ فِي هَذَا الْعَالَمِ الْمَنُوطَةِ أَحْدَاثُهُ بِالْأَسْبَابِ الْمَجْعُولَةِ بِأَنْ يَنْصُرَهُ الرُّسُلُ وَأَقْوَامٌ مُخْلِصُونَ لِلَّهِ وَيُعِينُوا عَلَى نَشْرِ دِينِهِ وَشَرَائِعِهِ.
وَالْقَوِيُّ الْعَزِيزُ: مِنْ أَسْمَائِهِ تَعَالَى. فَالْقَوِيُّ: الْمُتَّصِفُ بِالْقُوَّةِ، قَالَ تَعَالَى: ذُو الْقُوَّةِ الْمَتِينُ [الذاريات: ٥٨] وَتَقَدَّمَ الْقَوِيُّ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ شَدِيدُ الْعِقابِ [الْأَنْفَال: ٥٢].
وَالْعَزِيزُ: الْمُتَّصِفُ بِالْعِزَّةِ، وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ: إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً فِي سُورَة يُونُس وَقَوْلِهِ: فَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ [الْبَقَرَة: ٢٠٩].
— 418 —
آية رقم ٢٦
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٦]
وَلَقَدْ أَرْسَلْنا نُوحاً وَإِبْراهِيمَ وَجَعَلْنا فِي ذُرِّيَّتِهِمَا النُّبُوَّةَ وَالْكِتابَ فَمِنْهُمْ مُهْتَدٍ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٦)مَعْطُوفٌ عَلَى جُمْلَةِ لَقَدْ أَرْسَلْنا رُسُلَنا بِالْبَيِّناتِ [الْحَدِيد: ٢٥] عَطَفَ الْخَاصَّ عَلَى الْعَامِّ لَمَّا أُرِيدَ تَفْصِيلٌ لِإِجْمَالِهِ تَفْصِيلًا يُسَجِّلُ بِهِ انْحِرَافَ الْمُشْرِكِينَ مِنَ الْعَرَبِ وَالضَّالِّينَ مِنَ الْيَهُودِ عَنْ مَنَاهِجِ أَبَوَيْهِمَا: نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ، قَالَ تَعَالَى فِي شَأْنِ بَنِي إِسْرَائِيلَ ذُرِّيَّةَ مَنْ حَمَلْنا مَعَ نُوحٍ إِنَّهُ كانَ عَبْداً شَكُوراً [الْإِسْرَاء: ٣]، وَالْعَرَبُ لَا يَنْسَوْنَ أَنَّهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ كَمَا قَالَ النَّابِغَةُ يَمْدَحُ النُّعْمَانَ بْنَ الْمُنْذِرِ:
| فَأَلْفَيْتَ الْأَمَانَةَ لَمْ تَخُنْهَا | كَذَلِكَ كَانَ نُوحٌ لَا يَخُونُ |
وَالْمُرَادُ بِ الْكِتابَ مَا كَانَ بِيَدِ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ وَذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ مِنَ الْكُتُبِ الَّتِي فِيهَا أُصُولُ دِيَانَتِهِمْ مِنْ صُحُفِ إِبْرَاهِيمَ وَمَا حَفِظُوهُ مِنْ وَصَايَاهُ وَوَصَايَا إِسْمَاعِيلَ وَإِسْحَاقَ.
وَالْفِسْقُ: الْخُرُوجُ عَنِ الِاهْتِدَاءِ، وَمِنَ الْفَاسِقِينَ: الْمُشْرِكُونَ مِنْ عَادٍ وَثَمُودَ وَقَوْمِ لُوطٍ وَالْيَمَنِ وَالْأَوْسِ وَالْخَزْرَجِ وَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ نُوحٍ، وَمِنْ مَدْيَنَ وَالْحِجَازِ وَتِهَامَةَ وَهُمْ مِنْ ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ.
وَالْمُرَادُ: مَنْ أَشْرَكُوا قَبْلَ مَجِيءِ الْإِسْلَامِ لِقَوْلِهِ: ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ [الْحَدِيد: ٢٧].
آية رقم ٢٧
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٧]
ثُمَّ قَفَّيْنا عَلى آثارِهِمْ بِرُسُلِنا وَقَفَّيْنا بِعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ وَآتَيْناهُ الْإِنْجِيلَ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ رَأْفَةً وَرَحْمَةً وَرَهْبانِيَّةً ابْتَدَعُوها مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ إِلاَّ ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ (٢٧)ثُمَّ للتراخي الترتبي لِأَنَّ بَعْثَةَ رُسُلِ اللَّهِ الَّذِينَ جَاءُوا بَعْدَ نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَمَنْ سَبَقَ مِنْ ذُرِّيَّتِهِمَا أَعْظَمُ مِمَّا كَانَ لَدَى ذُرِّيَّةِ إِبْرَاهِيمَ قَبْلَ إِرْسَالِ الرُّسُلِ الَّذِينَ قَفَّى اللَّهُ بِهِمْ، إِذْ أُرْسِلُوا إِلَى أُمَمٍ كَثِيرَةٍ مِثْلِ عَادٍ وَثَمُودَ وَبَنِي إِسْرَائِيلَ وَفِيهِمْ شَرِيعَةٌ عَظِيمَةٌ وَهِيَ شَرِيعَةُ التَّوْرَاةِ.
وَالتَّقْفِيَةُ: إِتْبَاعُ الرَّسُولِ بِرَسُولٍ آخَرَ، مُشْتَقَّةٌ مِنَ الْقَفَا لِأَنَّهُ يَأْتِي بَعْدَهُ فَكَأَنَّهُ يَمْشِي عَنْ جِهَةِ قَفَاهُ، وَقَدْ تَقَدَّمَ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى: وَلَقَدْ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ وَقَفَّيْنا مِنْ بَعْدِهِ بِالرُّسُلِ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٨٧].
وَالْآثَارُ: جَمْعُ الْأَثَرِ، وَهُوَ مَا يَتْرُكُهُ السَّائِرُ مِنْ مَوَاقِعِ رِجْلَيْهِ فِي الْأَرْضِ، قَالَ تَعَالَى:
فَارْتَدَّا عَلى آثارِهِما قَصَصاً [الْكَهْف: ٦٤].
وَضَمِيرُ الْجَمْعِ فِي قَوْلِهِ: عَلى آثارِهِمْ عَائِدٌ إِلَى نُوحٍ وَإِبْرَاهِيمَ وَذُرِّيَّتِهِمَا الَّذِينَ كَانَت فيهم النبوءة وَالْكِتَابُ، فَأَمَّا الَّذِينَ كَانَت فيهم النبوءة فَكَثِيرُونَ، وَأَمَّا الَّذِينَ كَانَ فِيهِمِ الْكِتَابُ فَمِثْلِ بَنِي إِسْرَائِيلَ.
وَ (عَلَى) لِلِاسْتِعْلَاءِ. وَأَصْلُ (قَفَّى عَلَى أَثَرِهِ) يَدُلُّ عَلَى قُرْبِ مَا بَيْنَ الْمَاشِيَيْنِ، أَيْ حَضَرَ الْمَاشِي الثَّانِي قَبْلَ أَنْ يَزُولَ أَثَرُ الْمَاشِي الْأَوَّلِ، وَشَاعَ ذَلِكَ حَتَّى صَارَ قَوْلُهُمْ: عَلَى أَثَرِهِ، بِمَعْنَى بَعْدَهُ بِقَلِيلٍ أَوْ مُتَّصِلًا شَأْنُهُ بِشَأْنِ سَابِقِهِ، وَهَذَا تَعْرِيفٌ لِلْأُمَّةِ بِأَنَّ اللَّهَ أَرْسَلَ رُسُلًا كَثِيرِينَ عَلَى وَجْهِ الْإِجْمَالِ وَهُوَ تَمْهِيدٌ لِلْمَقْصُودِ مِنْ ذِكْرِ الرَّسُولِ الْأَخِيرِ الَّذِي جَاءَ قَبْلَ الْإِسْلَامِ وَهُوَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ.
وَفِي إِعَادَة فعل قَفَّيْنا وَعَدَمِ إِعَادَةِ عَلى آثارِهِمْ إِشَارَةٌ إِلَى بُعْدِ الْمُدَّةِ بَيْنَ
— 420 —
آخِرِ رُسُلِ إِسْرَائِيلَ وَبَيْنَ عِيسَى فَإِنَّ آخِرَ رُسُلِ إِسْرَائِيلَ كَانَ يُونُسُ بْنُ مَتَّى أُرْسِلَ إِلَى أَهْلِ نِينَوَى أَوَّلِ الْقَرْنِ الثَّامِنِ قَبْلَ الْمَسِيحِ فَلِذَلِكَ لَمْ يَكُنْ عِيسَى مُرْسَلًا عَلَى آثَارِ مَنْ قَبْلَهُ مِنَ الرُّسُلِ.
وَالْإِنْجِيلُ: هُوَ الْوَحْيُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهَ عَلَى عِيسَى وَكَتَبَهُ الْحَوَارِيُّونَ فِي أَثْنَاءِ ذِكْرِ سِيرَتِهِ.
وَالْإِنْجِيلُ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا مُعَرَّبٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَمَعْنَى جَعْلِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَنَّ تَعَالِيمَ الْإِنْجِيلِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ عِيسَى أَمَرَتْهُمْ بِالتَّخَلُّقِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ فَعَمِلُوا بِهَا، أَوْ أَنَّ ارْتِيَاضَهُمْ بِسِيرَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْسَخَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ وَذَلِكَ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِهِ وَيَسَّرَهُ عَلَيْهِمْ.
ذَلِكَ أَنَّ عِيسَى بُعِثَ لِتَهْذِيبِ نُفُوسِ الْيَهُودِ وَاقْتِلَاعِ الْقَسْوَةِ مِنْ قُلُوبِهِمُ الَّتِي تَخَلَّقُوا بِهَا فِي أَجْيَالٍ طَوِيلَةٍ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٧٤].
وَالرَّأْفَةُ: الرَّحْمَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِدَفْعِ الْأَذَى وَالضُّرِّ فَهِيَ رَحْمَةٌ خَاصَّةٌ، وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ
تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٤٣] وَفِي قَوْلِهِ: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ فِي سُورَةِ النُّورِ [٢].
وَالرَّحْمَةُ: الْعَطْفُ وَالْمُلَايَنَةُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ.
فَعَطْفُ الرَّحْمَةِ عَلَى الرَّأْفَةِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لْاسْتِيعَابِ أَنْوَاعِهِ بَعْدَ أَنِ اهْتَمَّ بِبَعْضِهَا.
وَالرَّهْبَانِيَّةُ: اسْمٌ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَكُونُ الرَّاهِبُ مُتَّصِفًا بِهَا فِي غَالب شؤون دينه، وَالْيَاء فِيهَا يَاءُ النِّسْبَةِ إِلَى الرَّاهِبِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ قِيَاسَ النَّسَبِ إِلَى الرَّاهِبِ الرَّاهِبِيَّةُ، وَالنُّونُ فِيهَا مَزِيدَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي النِّسْبَةِ كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِهِمْ: شَعْرَانِيٌّ، لِكَثِيرِ الشِّعْرِ، وَلِحْيَانِيٌّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ، وَرُوحَانِيٌّ، وَنَصْرَانِيٌّ.
وَالْإِنْجِيلُ: هُوَ الْوَحْيُ الَّذِي أَنْزَلَهُ اللَّهَ عَلَى عِيسَى وَكَتَبَهُ الْحَوَارِيُّونَ فِي أَثْنَاءِ ذِكْرِ سِيرَتِهِ.
وَالْإِنْجِيلُ: بِكَسْرِ الْهَمْزَةِ وَفَتْحِهَا مُعَرَّبٌ تَقَدَّمَ بَيَانُهُ أَوَّلَ سُورَةِ آلِ عِمْرَانَ. وَمَعْنَى جَعْلِ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَنَّ تَعَالِيمَ الْإِنْجِيلِ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ عِيسَى أَمَرَتْهُمْ بِالتَّخَلُّقِ بِالرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ فَعَمِلُوا بِهَا، أَوْ أَنَّ ارْتِيَاضَهُمْ بِسِيرَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَرْسَخَ ذَلِكَ فِي قُلُوبِهِمْ وَذَلِكَ بِجَعْلِ اللَّهِ تَعَالَى لِأَنَّهُ أَمَرَهُمْ بِهِ وَيَسَّرَهُ عَلَيْهِمْ.
ذَلِكَ أَنَّ عِيسَى بُعِثَ لِتَهْذِيبِ نُفُوسِ الْيَهُودِ وَاقْتِلَاعِ الْقَسْوَةِ مِنْ قُلُوبِهِمُ الَّتِي تَخَلَّقُوا بِهَا فِي أَجْيَالٍ طَوِيلَةٍ قَالَ تَعَالَى: ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِيَ كَالْحِجارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [٧٤].
وَالرَّأْفَةُ: الرَّحْمَةُ الْمُتَعَلِّقَةُ بِدَفْعِ الْأَذَى وَالضُّرِّ فَهِيَ رَحْمَةٌ خَاصَّةٌ، وَتَقَدَّمَتْ فِي قَوْلِهِ
تَعَالَى: إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُفٌ رَحِيمٌ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ [١٤٣] وَفِي قَوْلِهِ: وَلا تَأْخُذْكُمْ بِهِما رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ فِي سُورَةِ النُّورِ [٢].
وَالرَّحْمَةُ: الْعَطْفُ وَالْمُلَايَنَةُ، وَتَقَدَّمَتْ فِي أَوَّلِ سُورَةِ الْفَاتِحَةِ.
فَعَطْفُ الرَّحْمَةِ عَلَى الرَّأْفَةِ مِنْ عَطْفِ الْعَامِّ عَلَى الْخَاصِّ لْاسْتِيعَابِ أَنْوَاعِهِ بَعْدَ أَنِ اهْتَمَّ بِبَعْضِهَا.
وَالرَّهْبَانِيَّةُ: اسْمٌ لِلْحَالَةِ الَّتِي يَكُونُ الرَّاهِبُ مُتَّصِفًا بِهَا فِي غَالب شؤون دينه، وَالْيَاء فِيهَا يَاءُ النِّسْبَةِ إِلَى الرَّاهِبِ عَلَى غَيْرِ قِيَاسٍ لِأَنَّ قِيَاسَ النَّسَبِ إِلَى الرَّاهِبِ الرَّاهِبِيَّةُ، وَالنُّونُ فِيهَا مَزِيدَةٌ لِلْمُبَالَغَةِ فِي النِّسْبَةِ كَمَا زِيدَتْ فِي قَوْلِهِمْ: شَعْرَانِيٌّ، لِكَثِيرِ الشِّعْرِ، وَلِحْيَانِيٌّ لِعَظِيمِ اللِّحْيَةِ، وَرُوحَانِيٌّ، وَنَصْرَانِيٌّ.
— 421 —
وَجُعِلَ فِي «الْكَشَّافِ» النُّونُ جَائِيَةً مِنْ وَصْفِ رُهْبَانٍ مِثْلِ نُونِ خَشْيَانَ مِنْ خَشِيَ وَالْمُبَالَغَةُ هِيَ هِيَ، إِلَّا أَنَّهَا مُبَالَغَةٌ فِي الْوَصْفِ لَا فِي شِدَّةِ النِّسْبَةِ.
وَالْهَاءُ هَاءُ تَأْنِيثٍ بِتَأْوِيلِ الِاسْمِ بِالْحَالَةِ وَجُعِلَ فِي «الْكَشَّافِ» الْهَاءُ لِلْمَرَّةِ.
وَأَمَّا اسْم الراهب الَّذِي نُسِبَتْ إِلَيْهِ الرَّهْبَانِيَّةُ فَهُوَ وَصْفٌ عُومِلَ مُعَامَلَةَ الِاسْمِ، وَهُوَ العابد من النَّصَارَى الْمُنْقَطِعِ لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ وَصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّهَبِ: أَيِ الْخَوْفِ لِأَنَّهُ شَدِيدُ الْخَوْفِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى أَو من مُخَالَفَةِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ. وَيَلْزَمُ هَذِهِ الْحَالَةَ فِي عُرْفِ النَّصَارَى الْعُزْلَةُ عَنِ النَّاسِ تَجَنُّبًا لِمَا يَشْغَلُ عَنِ الْعِبَادَةِ وَذَلِكَ بِسُكْنَى الصَّوَامِعِ وَالْأَدْيِرَةِ وَتَرْكِ التَّزَوُّجِ تَجَنُّبًا لِلشَّوَاغِلِ، وَرُبَّمَا أَوْجَبَتْ بَعْضُ طَوَائِفِ الرُّهْبَانِ عَلَى الرَّاهِبِ تَرْكَ التَّزَوُّجِ غُلُوًّا فِي الدِّينِ.
وَجُعِلَ فِي «الْكَشَّافِ» : الرَّهْبَانِيَّةُ مُشْتَقَّةً مِنَ الرَّهَبِ، أَيِ الْخَوْفِ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، أَيِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْيَهُودِ، وَأَنَّ الْجَبَابِرَةَ ظَهَرُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِعِيسَى فَقَاتَلُوهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقُتِلُوا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَخَافُوا أَنْ يُفْتَنُوا فِي دِينِهِمْ فَاخْتَارُوا الرَّهْبَانِيَّةَ وَهِيَ تَرَهُّبُهُمْ فِي الْجِبَالِ فَارِّينَ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ اه.
وَأَوَّلُ مَا ظَهَرَ اضْطِهَادُ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ فِي بِلَادِ الْيَهُودِيَّةِ، فَلَمَّا تَفَرَّقَ أَتْبَاعُ الْمَسِيحِ وَأَتْبَاعُهُمْ فِي الْبُلْدَانِ نَاوَاهُمْ أَهْلُ الْإِشْرَاكِ وَالْوَثَنِيَّةِ مِنَ الرُّومِ حَيْثُ حَلُّوا مِنَ الْبِلَادِ التَّابِعَةِ لَهُمْ فَحَدَثَتْ فِيهِمْ أَحْوَالٌ مِنَ التَّقِيَّةِ هِيَ الَّتِي دَعَاهَا صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» بِمُقَاتَلِةِ الْجَبَابِرَةِ.
فَالرَّاهِبُ يَمْتَنِعُ مِنَ التَّزَوُّجِ خِيفَةَ أَنْ تَشْغَلَهُ زَوْجُهُ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ مُخَالَطَةِ الْأَصْحَابِ خَشْيَةَ أَنْ يُلْهُوهُ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَيَتْرُكُ لَذَائِذِ الْمَآكِلِ وَالْمَلَابِسِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ فِي اكْتِسَابِ المَال الْحَرَام، وَلِأَنَّهُم أَرَادُوا التَّشَبُّهَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَتَرْكِ التَّزَوُّجِ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ابْتَدَعُوها، أَيْ أَحْدَثُوهَا فَإِنَّ الِابْتِدَاعَ الْإِتْيَانُ بِالْبِدْعَةِ وَالْبِدَعِ وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا، أَيْ أَحْدَثُوهَا بَعْدَ رَسُولِهِمْ فَإِنَّ الْبِدْعَةَ مَا كَانَ مُحْدَثًا بَعْدَ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ.
وَنَصَبَ رَهْبانِيَّةً عَلَى طَرِيقَةِ الِاشْتِغَالِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً
وَالْهَاءُ هَاءُ تَأْنِيثٍ بِتَأْوِيلِ الِاسْمِ بِالْحَالَةِ وَجُعِلَ فِي «الْكَشَّافِ» الْهَاءُ لِلْمَرَّةِ.
وَأَمَّا اسْم الراهب الَّذِي نُسِبَتْ إِلَيْهِ الرَّهْبَانِيَّةُ فَهُوَ وَصْفٌ عُومِلَ مُعَامَلَةَ الِاسْمِ، وَهُوَ العابد من النَّصَارَى الْمُنْقَطِعِ لِلْعِبَادَةِ، وَهُوَ وَصْفٌ مُشْتَقٌّ مِنَ الرَّهَبِ: أَيِ الْخَوْفِ لِأَنَّهُ شَدِيدُ الْخَوْفِ مِنْ غَضَبِ اللَّهِ تَعَالَى أَو من مُخَالَفَةِ دِينِ النَّصْرَانِيَّةِ. وَيَلْزَمُ هَذِهِ الْحَالَةَ فِي عُرْفِ النَّصَارَى الْعُزْلَةُ عَنِ النَّاسِ تَجَنُّبًا لِمَا يَشْغَلُ عَنِ الْعِبَادَةِ وَذَلِكَ بِسُكْنَى الصَّوَامِعِ وَالْأَدْيِرَةِ وَتَرْكِ التَّزَوُّجِ تَجَنُّبًا لِلشَّوَاغِلِ، وَرُبَّمَا أَوْجَبَتْ بَعْضُ طَوَائِفِ الرُّهْبَانِ عَلَى الرَّاهِبِ تَرْكَ التَّزَوُّجِ غُلُوًّا فِي الدِّينِ.
وَجُعِلَ فِي «الْكَشَّافِ» : الرَّهْبَانِيَّةُ مُشْتَقَّةً مِنَ الرَّهَبِ، أَيِ الْخَوْفِ مِنَ الْجَبَابِرَةِ، أَيِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ مِنَ الْيَهُودِ، وَأَنَّ الْجَبَابِرَةَ ظَهَرُوا عَلَى الْمُؤْمِنِينَ بِعِيسَى فَقَاتَلُوهُمْ ثَلَاثَ مَرَّاتٍ فَقُتِلُوا حَتَّى لَمْ يَبْقَ مِنْهُمْ إِلَّا الْقَلِيلُ، فَخَافُوا أَنْ يُفْتَنُوا فِي دِينِهِمْ فَاخْتَارُوا الرَّهْبَانِيَّةَ وَهِيَ تَرَهُّبُهُمْ فِي الْجِبَالِ فَارِّينَ مِنَ الْفِتْنَةِ فِي الدِّينِ اه.
وَأَوَّلُ مَا ظَهَرَ اضْطِهَادُ أَتْبَاعِ الْمَسِيحِ فِي بِلَادِ الْيَهُودِيَّةِ، فَلَمَّا تَفَرَّقَ أَتْبَاعُ الْمَسِيحِ وَأَتْبَاعُهُمْ فِي الْبُلْدَانِ نَاوَاهُمْ أَهْلُ الْإِشْرَاكِ وَالْوَثَنِيَّةِ مِنَ الرُّومِ حَيْثُ حَلُّوا مِنَ الْبِلَادِ التَّابِعَةِ لَهُمْ فَحَدَثَتْ فِيهِمْ أَحْوَالٌ مِنَ التَّقِيَّةِ هِيَ الَّتِي دَعَاهَا صَاحِبُ «الْكَشَّافِ» بِمُقَاتَلِةِ الْجَبَابِرَةِ.
فَالرَّاهِبُ يَمْتَنِعُ مِنَ التَّزَوُّجِ خِيفَةَ أَنْ تَشْغَلَهُ زَوْجُهُ عَنْ عِبَادَتِهِ، وَيَمْتَنِعُ مِنْ مُخَالَطَةِ الْأَصْحَابِ خَشْيَةَ أَنْ يُلْهُوهُ عَنِ الْعِبَادَةِ، وَيَتْرُكُ لَذَائِذِ الْمَآكِلِ وَالْمَلَابِسِ خَشْيَةَ أَنْ يَقَعَ فِي اكْتِسَابِ المَال الْحَرَام، وَلِأَنَّهُم أَرَادُوا التَّشَبُّهَ بِعِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فِي الزُّهْدِ فِي الدُّنْيَا وَتَرْكِ التَّزَوُّجِ، فَلِذَلِكَ قَالَ اللَّهُ تَعَالَى: ابْتَدَعُوها، أَيْ أَحْدَثُوهَا فَإِنَّ الِابْتِدَاعَ الْإِتْيَانُ بِالْبِدْعَةِ وَالْبِدَعِ وَهُوَ مَا لَمْ يَكُنْ مَعْرُوفًا، أَيْ أَحْدَثُوهَا بَعْدَ رَسُولِهِمْ فَإِنَّ الْبِدْعَةَ مَا كَانَ مُحْدَثًا بَعْدَ صَاحِبِ الشَّرِيعَةِ.
وَنَصَبَ رَهْبانِيَّةً عَلَى طَرِيقَةِ الِاشْتِغَالِ. وَالتَّقْدِيرُ: وَابْتَدَعُوا رَهْبَانِيَّةً
— 422 —
وَلَيْسَ مَعْطُوفًا عَلَى رَأْفَةً وَرَحْمَةً لِأَنَّ هَذِهِ الرَّهْبَانِيَّةَ لَمْ تَكُنْ مِمَّا شَرَعَ اللَّهُ لَهُمْ فَلَا يَسْتَقِيمُ كَوْنُهَا مَفْعُولًا لِ جَعَلْنا، وَلِأَنَّ الرَّهْبَانِيَّةَ عَمَلٌ لَا يَتَعَلَّقُ بِالْقُلُوبِ وَفِعْلُ جَعَلْنا مُقَيَّدٌ بِ فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ فَتَكُونُ مَفْعُولَاتُهُ مُقَيَّدَةً بِذَلِكَ، إِلَّا أَنْ يُتَأَوَّلَ جَعْلُهَا فِي الْقُلُوبِ بِجَعْلِ حُبِّهَا كَقَوْلِهِ تَعَالَى: وَأُشْرِبُوا فِي قُلُوبِهِمُ الْعِجْلَ [الْبَقَرَة: ٩٣].
وَعَلَى اخْتِيَارِ هَذَا الْإِعْرَابِ مَضَى الْمُحَقِّقُونَ مِثْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَالزَّجَّاجِ وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ. وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى رَأْفَةً وَرَحْمَةً. وَاتَّهَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذَا الْإِعْرَابَ بِأَنَّهُ إِعْرَابُ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ: «وَالْمُعْتَزِلَةُ تُعْرِبُ رَهْبانِيَّةً أَنَّهَا نَصْبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ابْتَدَعُوها وَيَذْهَبُونَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ فَيُعْرِبُونَ الْآيَةَ عَلَى هَذَا» اه. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْإِعْرَابِ حُجَّةٌ لَهُمْ وَلَا فِي إِبْطَالِهِ نَفْعٌ لِمُخَالَفَتِهِمْ كَمَا عَلِمْتَ.
وَإِنَّمَا عُطِفَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى جُمْلَةِ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ لْاشْتِرَاكِ مَضْمُونِ الْجُمْلَتَيْنِ فِي أَنَّهُ مِنَ الْفَضَائِلِ الْمُرَادِ بِهَا رضوَان الله.
وَالْمعْنَى: وَابْتَدَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ رَهْبَانِيَّةً مَا شَرَعْنَاهَا لَهُمْ وَلَكِنَّهُمُ ابْتَغَوْا بِهَا رِضْوَانَ اللَّهِ فَقَبِلَهَا اللَّهُ مِنْهُمْ لِأَنَّ سِيَاقَ حِكَايَةِ ذَلِكَ عَنْهُمْ يَقْتَضِي الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ.
وَضَمِيرُ الرَّفْعِ مِنِ ابْتَدَعُوهَا عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسَى. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمُ ابْتَدَعُوا الْعَمَلَ بِهَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُمُ اخْتَرَعَ أُسْلُوبَ الرَّهْبَانِيَّةِ وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ سَنَّهَا وَتَابَعَهُ بَقِيَّتُهُمْ.
وَالَّذين اتَّبَعُوهُ صَادِقٌ عَلَى مَنْ أَخَذُوا بِالنَّصْرَانِيَّةِ كُلِّهِمْ، وَأَعْظَمُ مَرَاتِبِهِمْ هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِسِيرَتِهِ اهْتِدَاءً كَامِلًا وَانْقَطَعُوا لَهَا وَهُمُ الْقَائِمُونَ بِالْعِبَادِةِ.
وَالْإِتْيَانُ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ جَعْلَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِهِمْ مُتَسَبِّبٌ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ سِيرَتَهُ وَانْقِطَاعِهِمْ إِلَيْهِ.
وَجُمْلَةُ مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ابْتَدَعُوها، وَقَوْلُهُ: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ
وَعَلَى اخْتِيَارِ هَذَا الْإِعْرَابِ مَضَى الْمُحَقِّقُونَ مِثْلُ أَبِي عَلِيٍّ الْفَارِسِيِّ وَالزَّجَّاجِ وَالزَّمَخْشَرِيِّ وَالْقُرْطُبِيِّ. وَجَوَّزَ الزَّمَخْشَرِيُّ أَنْ يَكُونَ عَطْفًا عَلَى رَأْفَةً وَرَحْمَةً. وَاتَّهَمَ ابْنُ عَطِيَّةَ هَذَا الْإِعْرَابَ بِأَنَّهُ إِعْرَابُ الْمُعْتَزِلَةِ فَقَالَ: «وَالْمُعْتَزِلَةُ تُعْرِبُ رَهْبانِيَّةً أَنَّهَا نَصْبٌ بِإِضْمَارِ فِعْلٍ يُفَسِّرُهُ ابْتَدَعُوها وَيَذْهَبُونَ فِي ذَلِكَ إِلَى أَنَّ الْإِنْسَانَ يَخْلُقُ أَفْعَالَهُ فَيُعْرِبُونَ الْآيَةَ عَلَى هَذَا» اه. وَلَيْسَ فِي هَذَا الْإِعْرَابِ حُجَّةٌ لَهُمْ وَلَا فِي إِبْطَالِهِ نَفْعٌ لِمُخَالَفَتِهِمْ كَمَا عَلِمْتَ.
وَإِنَّمَا عُطِفَتْ هَذِهِ الْجُمْلَةُ عَلَى جُمْلَةِ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ لْاشْتِرَاكِ مَضْمُونِ الْجُمْلَتَيْنِ فِي أَنَّهُ مِنَ الْفَضَائِلِ الْمُرَادِ بِهَا رضوَان الله.
وَالْمعْنَى: وَابْتَدَعُوا لِأَنْفُسِهِمْ رَهْبَانِيَّةً مَا شَرَعْنَاهَا لَهُمْ وَلَكِنَّهُمُ ابْتَغَوْا بِهَا رِضْوَانَ اللَّهِ فَقَبِلَهَا اللَّهُ مِنْهُمْ لِأَنَّ سِيَاقَ حِكَايَةِ ذَلِكَ عَنْهُمْ يَقْتَضِي الثَّنَاءَ عَلَيْهِمْ فِي أَحْوَالِهِمْ.
وَضَمِيرُ الرَّفْعِ مِنِ ابْتَدَعُوهَا عَائِدٌ إِلَى الَّذِينَ اتَّبَعُوا عِيسَى. وَالْمَعْنَى: أَنَّهُمُ ابْتَدَعُوا الْعَمَلَ بِهَا فَلَا يَلْزَمُ أَنْ يَكُونَ جَمِيعُهُمُ اخْتَرَعَ أُسْلُوبَ الرَّهْبَانِيَّةِ وَلَكِنْ قَدْ يَكُونُ بَعْضُهُمْ سَنَّهَا وَتَابَعَهُ بَقِيَّتُهُمْ.
وَالَّذين اتَّبَعُوهُ صَادِقٌ عَلَى مَنْ أَخَذُوا بِالنَّصْرَانِيَّةِ كُلِّهِمْ، وَأَعْظَمُ مَرَاتِبِهِمْ هُمُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا بِسِيرَتِهِ اهْتِدَاءً كَامِلًا وَانْقَطَعُوا لَهَا وَهُمُ الْقَائِمُونَ بِالْعِبَادِةِ.
وَالْإِتْيَانُ بِالْمَوْصُولِ وَصِلَتِهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ جَعْلَ الرَّأْفَةِ وَالرَّحْمَةِ فِي قُلُوبِهِمْ مُتَسَبِّبٌ عَنِ اتِّبَاعِهِمْ سِيرَتَهُ وَانْقِطَاعِهِمْ إِلَيْهِ.
وَجُمْلَةُ مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ مُبَيِّنَةٌ لِجُمْلَةِ ابْتَدَعُوها، وَقَوْلُهُ: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ
— 423 —
احْتِرَاسٌ، وَمَجْمُوعُ الْجُمَلِ الثَّلَاثِ اسْتِطْرَادٌ وَاعْتِرَاضٌ.
وَالْاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ وَجُمْلَةِ فَما رَعَوْها.
وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَالْاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ يَشْمَلُهُ حُكْمُ الْعَامِلِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَشْمَلْهُ لَفْظُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ مَدْلُولِ الِاسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَيْسَ مُنْقَطِعًا عَنْ عَامِلِهِ، فَالْاسْتِثْنَاءُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ مَعْمُولًا فِي الْمَعْنَى لِفِعْلِ كَتَبْناها فَالْمَعْنَى: لَكِنْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، أَيْ أَنْ يَبْتَغُوا رِضْوَانَ اللَّهِ بِكُلِّ عَمَلٍ لَا خُصُوصَ الرَّهْبَانِيَّةِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا، أَيْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ بِهَا بِعَيْنِهَا.
وَقَوْلُهُ: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِتَكْلِيفِ اللَّهِ بِهَا وَلَوْ فِي عُمُومِ مَا يَشْمَلُهَا، أَيْ لَيْسَتْ مِمَّا يَشْمَلُهُ الْأَمْرُ بِرِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُرْضُونَ اللَّهَ بِهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِبَعْضِ أَحْوَالِ كِتَابَةِ التَّكَالِيفِ عَلَيْهِمْ وَهِيَ كِتَابَةُ الْأَمْرِ بِهَا بِعَيْنِهَا فَتَكُونُ الرَّهْبَانِيَّةُ مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ، أَيْ كَتَبُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ تَحْقِيقًا لِمَا فِيهِ رِضْوَانُ اللَّهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ [آل عمرَان:
٩٣]،
وَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ»
فِي قِصَّةِ ذَبْحِ الْبَقَرَةِ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ.
وَانْتَصَبَ ابْتِغاءَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ كَتَبْناها، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، أَيْ لَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوهَا لْابْتِغَاءِ رِضْوَانِ اللَّهِ.
وَفِي الْآيَةِ عَلَى أَظْهَرِ الِاحْتِمَالَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَهُوَ إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ جُزْئِيَّاتِهَا وَإِثْبَاتُ الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي صُوَرِهَا.
وَفِيهَا حُجَّةٌ لِانْقِسَامِ الْبِدْعَةِ إِلَى مَحْمُودَةٍ وَمَذْمُومَةٍ بِحَسَبِ انْدِرَاجِهَا تَحْتَ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوعِيَّةِ فَتَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ كَمَا حَقَّقَهُ الشِّهَابُ الْقَرَافِيُّ وَحُذَّاقُ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ حَاوَلُوا حَصْرَهَا فِي الذَّمِّ فَلَمْ يَجِدُوا مَصْرِفًا. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لَمَّا جُمِعَ النَّاسُ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ».
وَالْاسْتِثْنَاءُ بِقَوْلِهِ: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ مُعْتَرِضٌ بَيْنَ جُمْلَةِ مَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ وَجُمْلَةِ فَما رَعَوْها.
وَهُوَ اسْتِثْنَاءٌ مُنْقَطِعٌ، وَالْاسْتِثْنَاءُ الْمُنْقَطِعُ يَشْمَلُهُ حُكْمُ الْعَامِلِ فِي الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ وَإِنْ لَمْ يَشْمَلْهُ لَفْظُ الْمُسْتَثْنَى مِنْهُ فَإِنَّ مَعْنَى كَوْنِهِ مُنْقَطِعًا أَنَّهُ مُنْقَطِعٌ عَنْ مَدْلُولِ الِاسْمِ الَّذِي قَبْلَهُ، وَلَيْسَ مُنْقَطِعًا عَنْ عَامِلِهِ، فَالْاسْتِثْنَاءُ يَقْتَضِي أَنْ يَكُونَ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ مَعْمُولًا فِي الْمَعْنَى لِفِعْلِ كَتَبْناها فَالْمَعْنَى: لَكِنْ كَتَبْنَا عَلَيْهِمُ ابْتِغَاءَ رِضْوَانِ اللَّهِ، أَيْ أَنْ يَبْتَغُوا رِضْوَانَ اللَّهِ بِكُلِّ عَمَلٍ لَا خُصُوصَ الرَّهْبَانِيَّةِ الَّتِي ابْتَدَعُوهَا، أَيْ أَنَّ اللَّهَ لَمْ يُكَلِّفْهُمْ بِهَا بِعَيْنِهَا.
وَقَوْلُهُ: إِلَّا ابْتِغاءَ رِضْوانِ اللَّهِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِتَكْلِيفِ اللَّهِ بِهَا وَلَوْ فِي عُمُومِ مَا يَشْمَلُهَا، أَيْ لَيْسَتْ مِمَّا يَشْمَلُهُ الْأَمْرُ بِرِضْوَانِ اللَّهِ تَعَالَى وَهُمْ ظَنُّوا أَنَّهُمْ يُرْضُونَ اللَّهَ بِهَا.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ نَفْيًا لِبَعْضِ أَحْوَالِ كِتَابَةِ التَّكَالِيفِ عَلَيْهِمْ وَهِيَ كِتَابَةُ الْأَمْرِ بِهَا بِعَيْنِهَا فَتَكُونُ الرَّهْبَانِيَّةُ مِمَّا يُبْتَغَى بِهِ رِضْوَانُ اللَّهِ، أَيْ كَتَبُوهَا عَلَى أَنْفُسِهِمْ تَحْقِيقًا لِمَا فِيهِ رِضْوَانُ اللَّهِ، فَيَكُونُ كَقَوْلِهِ تَعَالَى: إِلَّا مَا حَرَّمَ إِسْرائِيلُ عَلى نَفْسِهِ مِنْ قَبْلِ أَنْ تُنَزَّلَ التَّوْراةُ [آل عمرَان:
٩٣]،
وَقَوْلِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «شَدَّدُوا فَشَدَّدَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ»
فِي قِصَّةِ ذَبْحِ الْبَقَرَةِ. وَهَذَا هُوَ الظَّاهِرُ مِنَ الْآيَةِ.
وَانْتَصَبَ ابْتِغاءَ عَلَى الْمَفْعُولِ بِهِ لِفِعْلِ كَتَبْناها، وَلَكَ أَنْ تَجْعَلَهُ مَفْعُولًا لِأَجْلِهِ بِتَقْدِيرِ فِعْلٍ مَحْذُوفٍ بَعْدَ حَرْفِ الِاسْتِثْنَاءِ، أَيْ لَكِنَّهُمُ ابْتَدَعُوهَا لْابْتِغَاءِ رِضْوَانِ اللَّهِ.
وَفِي الْآيَةِ عَلَى أَظْهَرِ الِاحْتِمَالَيْنِ إِشَارَةٌ إِلَى مَشْرُوعِيَّةِ تَحْقِيقِ الْمَنَاطِ وَهُوَ إِثْبَاتُ الْعِلَّةِ فِي آحَادِ جُزْئِيَّاتِهَا وَإِثْبَاتُ الْقَاعِدَةِ الشَّرْعِيَّةِ فِي صُوَرِهَا.
وَفِيهَا حُجَّةٌ لِانْقِسَامِ الْبِدْعَةِ إِلَى مَحْمُودَةٍ وَمَذْمُومَةٍ بِحَسَبِ انْدِرَاجِهَا تَحْتَ نَوْعٍ مِنْ أَنْوَاعِ الْمَشْرُوعِيَّةِ فَتَعْتَرِيهَا الْأَحْكَامُ الْخَمْسَةُ كَمَا حَقَّقَهُ الشِّهَابُ الْقَرَافِيُّ وَحُذَّاقُ الْعُلَمَاءِ.
وَأَمَّا الَّذِينَ حَاوَلُوا حَصْرَهَا فِي الذَّمِّ فَلَمْ يَجِدُوا مَصْرِفًا. وَقَدْ قَالَ عُمَرُ لَمَّا جُمِعَ النَّاسُ عَلَى قَارِئٍ وَاحِدٍ فِي قِيَامِ رَمَضَانَ «نِعْمَتِ الْبِدْعَةُ هَذِهِ».
— 424 —
وَقَدْ قِيلَ: إِنَّهُمُ ابْتَدَعُوا الرَّهْبَانِيَّةَ لِلِانْقِطَاعِ عَنْ جَمَاعَاتِ الشِّرْكِ مِنَ الْيُونَانِ وَالرُّومِ وَعَنْ بَطْشِ الْيَهُودِ، وَظَاهِرٌ أَنَّ ذَلِكَ طَلَبٌ لِرِضْوَانِ اللَّهِ كَمَا حَكَى اللَّهُ عَنْ أَصْحَابِ الْكَهْفِ وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَما يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ فَأْوُوا إِلَى الْكَهْفِ [الْكَهْفِ: ١٦].
وَفِي الْحَدِيثِ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتَتَبَّعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ»
، وَعَلِيهِ فَيكون تَركهم التَّزَوُّجُ عَارِضًا اقْتَضَاهُ الِانْقِطَاعُ عَنِ الْمُدُنِ وَالْجَمَاعَاتِ فَظَنَّهُ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ أَصْلًا مِنْ أَصُولِ الرَّهْبَانِيَّةِ.
وَأَمَّا تَرْكُ الْمَسِيحِ التَّزَوُّجَ فَلَعَلَّهُ لِعَارِضٍ آخَرَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ لِأَجْلِهِ، وَلَيْسَ تَرْكُ التَّزَوُّج من شؤون النُّبُوءَةِ فَقَدْ كَانَ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ أَزْوَاجٌ قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [الرَّعْد: ٣٨].
وَقِيلَ: إِنَّ ابْتِدَاعَهُمُ الرَّهْبَانِيَّةَ بِأَنَّهُمْ نَذَرُوهَا لِلَّهِ وَكَانَ الِانْقِطَاعُ عَنِ اللَّذَائِذِ وَإِعْنَاتِ النَّفْسِ مِنْ وُجُوهِ التَّقَرُّبِ فِي بِعْضِ الشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ بَقِيَتْ إِلَى أَنْ أَبْطَلَهَا الْإِسْلَامُ
فِي حَدِيثِ النُّذُرِ فِي «الْمُوَطَّأِ» «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ صَامِتًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَأَنْ يَصُومَ يَوْمَهُ فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وليستظل وليتمّ صَوْمه إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ»
. وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [٢٦] قَوْلُهُ تَعَالَى:
فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ أَسْبَابَ الرهبانية قد تَتَعَدَّد بِاخْتِلَافِ الْأَدْيَانِ.
وَقَدْ فُرِّعَ عَلَى قَوْلِهِ: ابْتَدَعُوها وَمَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ وَمَا بَعْدَهُ قَوْلُهُ: فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أَيْ فَتَرَتَّبَ عَلَى الْتِزَامِهِمُ الرَّهْبَانِيَّةَ أَنَّهُمْ، أَيِ الْمُلْتَزِمِينَ لِلرَّهْبَانِيَّةِ مَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا. وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ جَمِيعَهُمْ قَصَّرُوا تَقْصِيرًا مُتَفَاوِتًا، قَصَّرُوا فِي أَدَاءِ حَقِّهَا، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مِنَ التَّكَالِيفِ لَا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الْعَمَلُ بِهِ.
وَالرَّعْيُ: الْحِفْظُ، أَيْ مَا حَفِظُوهَا حَقَّ حِفْظِهَا، وَاسْتُعِيرَ الْحِفْظُ لْاسْتِيفَاءِ مَا تَقْتَضِيهِ مَاهِيَّةُ الْفِعْلِ، فَالرَّهْبَانِيَّةُ تَحُومُ حَوْلَ الْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّذَائِذِ الزَّائِلَةِ وَإِلَى التعود بِالصبرِ عَلَى تَرْكِ الْمَحْبُوبَاتِ لِئَلَّا يَشْغَلَهُ اللَّهْوُ بِهَا عَنِ الْعِبَادَةِ وَالنَّظَرِ فِي آيَاتِ
وَفِي الْحَدِيثِ: «يُوشِكُ أَنْ يَكُونَ خَيْرُ مَالِ الْمُسْلِمِ غَنَمًا يَتَتَبَّعُ بِهَا شَعَفَ الْجِبَالِ وَمَوَاقِعَ الْقَطْرِ يَفِرُّ بِدِينِهِ مِنَ الْفِتَنِ»
، وَعَلِيهِ فَيكون تَركهم التَّزَوُّجُ عَارِضًا اقْتَضَاهُ الِانْقِطَاعُ عَنِ الْمُدُنِ وَالْجَمَاعَاتِ فَظَنَّهُ الَّذِينَ جَاءُوا مِنْ بَعْدِهِمْ أَصْلًا مِنْ أَصُولِ الرَّهْبَانِيَّةِ.
وَأَمَّا تَرْكُ الْمَسِيحِ التَّزَوُّجَ فَلَعَلَّهُ لِعَارِضٍ آخَرَ أَمَرَهُ اللَّهُ بِهِ لِأَجْلِهِ، وَلَيْسَ تَرْكُ التَّزَوُّج من شؤون النُّبُوءَةِ فَقَدْ كَانَ لِجَمِيعِ الْأَنْبِيَاءِ أَزْوَاجٌ قَالَ تَعَالَى: وَجَعَلْنا لَهُمْ أَزْواجاً وَذُرِّيَّةً [الرَّعْد: ٣٨].
وَقِيلَ: إِنَّ ابْتِدَاعَهُمُ الرَّهْبَانِيَّةَ بِأَنَّهُمْ نَذَرُوهَا لِلَّهِ وَكَانَ الِانْقِطَاعُ عَنِ اللَّذَائِذِ وَإِعْنَاتِ النَّفْسِ مِنْ وُجُوهِ التَّقَرُّبِ فِي بِعْضِ الشَّرَائِعِ الْمَاضِيَةِ بَقِيَتْ إِلَى أَنْ أَبْطَلَهَا الْإِسْلَامُ
فِي حَدِيثِ النُّذُرِ فِي «الْمُوَطَّأِ» «أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ رَأَى رَجُلًا قَائِمًا فِي الشَّمْسِ صَامِتًا فَسَأَلَ عَنْهُ فَقَالُوا: نَذَرَ أَنْ لَا يَتَكَلَّمَ وَلَا يَسْتَظِلَّ وَأَنْ يَصُومَ يَوْمَهُ فَقَالَ: مُرُوهُ فَلْيَتَكَلَّمْ وليستظل وليتمّ صَوْمه إِنَّ اللَّهَ عَنْ تَعْذِيبِ هَذَا نَفْسَهُ لَغَنِيٌّ»
. وَقَدْ مَضَى فِي سُورَةِ مَرْيَمَ [٢٦] قَوْلُهُ تَعَالَى:
فَقُولِي إِنِّي نَذَرْتُ لِلرَّحْمنِ صَوْماً فَلَنْ أُكَلِّمَ الْيَوْمَ إِنْسِيًّا وَلَا تَنَافِي بَيْنَ الْقَوْلَيْنِ لِأَنَّ أَسْبَابَ الرهبانية قد تَتَعَدَّد بِاخْتِلَافِ الْأَدْيَانِ.
وَقَدْ فُرِّعَ عَلَى قَوْلِهِ: ابْتَدَعُوها وَمَا كَتَبْناها عَلَيْهِمْ وَمَا بَعْدَهُ قَوْلُهُ: فَما رَعَوْها حَقَّ رِعايَتِها أَيْ فَتَرَتَّبَ عَلَى الْتِزَامِهِمُ الرَّهْبَانِيَّةَ أَنَّهُمْ، أَيِ الْمُلْتَزِمِينَ لِلرَّهْبَانِيَّةِ مَا رَعَوْهَا حَقَّ رِعَايَتِهَا. وَظَاهِرُ الْآيَةِ أَنَّ جَمِيعَهُمْ قَصَّرُوا تَقْصِيرًا مُتَفَاوِتًا، قَصَّرُوا فِي أَدَاءِ حَقِّهَا، وَفِيهِ إِشْعَارٌ بِأَنَّ مَا يَكْتُبُهُ اللَّهُ عَلَى الْعِبَادِ مِنَ التَّكَالِيفِ لَا يَشُقُّ عَلَى النَّاسِ الْعَمَلُ بِهِ.
وَالرَّعْيُ: الْحِفْظُ، أَيْ مَا حَفِظُوهَا حَقَّ حِفْظِهَا، وَاسْتُعِيرَ الْحِفْظُ لْاسْتِيفَاءِ مَا تَقْتَضِيهِ مَاهِيَّةُ الْفِعْلِ، فَالرَّهْبَانِيَّةُ تَحُومُ حَوْلَ الْإِعْرَاضِ عَنِ اللَّذَائِذِ الزَّائِلَةِ وَإِلَى التعود بِالصبرِ عَلَى تَرْكِ الْمَحْبُوبَاتِ لِئَلَّا يَشْغَلَهُ اللَّهْوُ بِهَا عَنِ الْعِبَادَةِ وَالنَّظَرِ فِي آيَاتِ
— 425 —
اللَّهِ، فَإِذَا وَقَعَ التَّقْصِيرُ فِي الْتِزَامِهَا فِي بَعْضِ الْأَزْمَانِ أَوِ التَّفْرِيطُ فِي بَعْضِ الْأَنْوَاعِ فَقَدِ انْتَفَى حَقُّ حِفْظِهَا.
وحَقَّ رِعايَتِها مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ رِعَايَتَهَا الْحَقَّ.
وَحَقُّ الشَّيْءِ: هُوَ وُقُوعُهُ عَلَى أَكْمَلِ أَحْوَالِ نَوْعِهِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ
الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ.
وَالْمَعْنَى: مَا حفظوا شؤون الرَّهْبَانِيَّةِ حِفْظًا كَامِلًا فَمَصَبُّ النَّفْيِ هُوَ الْقَيْدُ بِوَصْفِ حَقَّ رِعايَتِها.
وَهَذَا الِانْتِفَاءُ لَهُ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ، وَالْكَلَامُ مَسُوقٌ مَسَاقَ اللَّوْمِ عَلَى تَقْصِيرِهِمْ فِيمَا الْتَزَمُوهُ أَوْ نَذَرُوهُ، وَذَلِكَ تَقَهْقُرٌ عَنْ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْمُتَّقِي أَنْ يَكُونَ مُزْدَادًا مِنَ الْكَمَالِ.
وَقَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ»
. وَقَوْلُهُ: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ إِلَى آخِرِهِ وَمَا بَيْنَهُمَا اسْتِطْرَادٌ.
وَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ آمَنُوا الْمُتَّصِفُونَ بِالْإِيمَانِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن، وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِيمَانُ بِرُسُلِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، أَيْ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَجْرَهُمْ، أَيِ الَّذِينَ لَمْ يَخْلِطُوا مُتَابَعَتَهُمْ إِيَّاهُ بِمَا يُفْسِدُهَا مِثْلُ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا إِلَهِيَّةَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ بُنُوَّتَهُ لِلَّهِ، وَنَحْوُهُمْ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ أَدْخَلُوا فِي الدِّينِ مَا هُوَ مُنَاقِضٌ لِقَوَاعِدِهِ وَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى كَمَا قَالَ: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ.
وَالْمُرَادُ بِالْفِسْقِ: الْكُفْرُ وَهَذَا ثَنَاءٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِمَّنْ مَضَوْا مِنَ النَّصَارَى قَبْلَ الْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَبُلُوغِ دَعْوَتِهَا إِلَى النَّصَارَى، وَادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُمْ أَتْبَاعُ الْمَسِيحِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُمْ مَا اتَّبَعُوهُ إِلَّا فِي الصُّورَةِ وَالَّذِينَ أَفْسَدُوا إِيمَانهم بِنَقْض حُصُوله هُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ، أَيْ وَكَثِيرٌ مِنَ الَّذِينَ الْتَزَمُوا دِينَهُ
وحَقَّ رِعايَتِها مِنْ إِضَافَةِ الصِّفَةِ إِلَى الْمَوْصُوفِ، أَيْ رِعَايَتَهَا الْحَقَّ.
وَحَقُّ الشَّيْءِ: هُوَ وُقُوعُهُ عَلَى أَكْمَلِ أَحْوَالِ نَوْعِهِ، وَهُوَ مَنْصُوبٌ عَلَى الْمَفْعُولِ
الْمُطْلَقِ الْمُبَيِّنِ لِلنَّوْعِ.
وَالْمَعْنَى: مَا حفظوا شؤون الرَّهْبَانِيَّةِ حِفْظًا كَامِلًا فَمَصَبُّ النَّفْيِ هُوَ الْقَيْدُ بِوَصْفِ حَقَّ رِعايَتِها.
وَهَذَا الِانْتِفَاءُ لَهُ مَرَاتِبُ كَثِيرَةٌ، وَالْكَلَامُ مَسُوقٌ مَسَاقَ اللَّوْمِ عَلَى تَقْصِيرِهِمْ فِيمَا الْتَزَمُوهُ أَوْ نَذَرُوهُ، وَذَلِكَ تَقَهْقُرٌ عَنْ مَرَاتِبِ الْكَمَالِ وَإِنَّمَا يَنْبَغِي لِلْمُتَّقِي أَنْ يَكُونَ مُزْدَادًا مِنَ الْكَمَالِ.
وَقَالَ النَّبِيءُ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «أَحَبُّ الدِّينِ إِلَى اللَّهِ أَدْوَمُهُ»
. وَقَوْلُهُ: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ تَفْرِيعٌ عَلَى جُمْلَةِ وَجَعَلْنا فِي قُلُوبِ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ إِلَى آخِرِهِ وَمَا بَيْنَهُمَا اسْتِطْرَادٌ.
وَالْمُرَادُ بِ الَّذِينَ آمَنُوا الْمُتَّصِفُونَ بِالْإِيمَانِ الْمُصْطَلَحِ عَلَيْهِ فِي الْقُرْآن، وَهُوَ تَوْحِيدُ اللَّهِ تَعَالَى وَالْإِيمَانُ بِرُسُلِهِ فِي كُلِّ زَمَانٍ، أَيْ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنَ الَّذِينَ اتَّبَعُوهُ أَجْرَهُمْ، أَيِ الَّذِينَ لَمْ يَخْلِطُوا مُتَابَعَتَهُمْ إِيَّاهُ بِمَا يُفْسِدُهَا مِثْلُ الَّذِينَ اعْتَقَدُوا إِلَهِيَّةَ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ أَوْ بُنُوَّتَهُ لِلَّهِ، وَنَحْوُهُمْ مِنَ النَّصَارَى الَّذِينَ أَدْخَلُوا فِي الدِّينِ مَا هُوَ مُنَاقِضٌ لِقَوَاعِدِهِ وَهُمْ كَثِيرٌ مِنَ النَّصَارَى كَمَا قَالَ: وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ.
وَالْمُرَادُ بِالْفِسْقِ: الْكُفْرُ وَهَذَا ثَنَاءٌ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ الصَّادِقِينَ مِمَّنْ مَضَوْا مِنَ النَّصَارَى قَبْلَ الْبَعْثَةِ الْمُحَمَّدِيَّةِ وَبُلُوغِ دَعْوَتِهَا إِلَى النَّصَارَى، وَادِّعَاؤُهُمْ أَنَّهُمْ أَتْبَاعُ الْمَسِيحِ بَاطِلٌ لِأَنَّهُمْ مَا اتَّبَعُوهُ إِلَّا فِي الصُّورَةِ وَالَّذِينَ أَفْسَدُوا إِيمَانهم بِنَقْض حُصُوله هُمُ الْمُرَادُ بِقَوْلِهِ تَعَالَى:
وَكَثِيرٌ مِنْهُمْ فاسِقُونَ، أَيْ وَكَثِيرٌ مِنَ الَّذِينَ الْتَزَمُوا دِينَهُ
— 426 —
آية رقم ٢٨
خَارِجُونَ عَنِ الْإِيمَانِ، فَالْمُرَادُ بِالْفِسْقِ مَا يَشْمَلُ الْكُفْرَ وَمَا دُونَهُ مِثْلُ الَّذِينَ بَدَّلُوا الْكِتَابَ وَاسْتَخَفُّوا بِشَرَائِعِهِ كَمَا قَالَ تَعَالَى: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ كَثِيراً مِنَ الْأَحْبارِ وَالرُّهْبانِ لَيَأْكُلُونَ أَمْوالَ النَّاسِ بِالْباطِلِ وَيَصُدُّونَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ [التَّوْبَة: ٣٤].
[٢٨]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٨]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)
الْغَالِبُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لَقَبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هُنَا عَقِبَ قَوْلِهِ: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [الْحَدِيد: ٢٧]، أَيْ مِنَ الَّذِينَ
اتَّبَعُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، احْتَمَلَ قَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا اسْتِعْمَالَهُ اللَّقَبِيَّ أَعْنِي: كَوْنَهُ كَالْعِلْمِ بِالْغَلَبَةِ عَلَى مُؤْمِنِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ. وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمَالَهُ اللُّغَوِيَّ الْأَعَمَّ، أَعْنِي: مَنْ حَصَلَ مِنْهُ إِيمَانٌ، وَهُوَ هُنَا مَنْ آمَنَ بِعِيسَى. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ مَقْصُودَانِ لِيَأْخُذَ خُلَّصُ النَّصَارَى مِنْ هَذَا الْكَلَامِ حَظَّهُمْ وَهُوَ دَعْوَتُهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَكْمِلُوا مَا سَبَقَ مِنِ اتِّبَاعِهِمْ عِيسَى فَيَكُونُ الْخُطَّابُ مُوَجَّهًا إِلَى الْمَوْجُودِينَ مِمَّنْ آمَنُوا بِعِيسَى، أَيْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا خَالِصًا بِشَرِيعَةِ عِيسَى اتَّقُوا اللَّهَ وَاخْشَوْا عِقَابَهُ وَاتْرُكُوا الْعَصَبِيَّةَ وَالْحَسَدَ وَسُوءَ النَّظَرِ وَآمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنْ يُرَادَ بِالَّذِينَ آمَنُوا الْإِطْلَاقُ اللَّقَبِيُّ فَيَأْخُذُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ من أَهْلُ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِشَارَةً بِأَنَّهُمْ لَا يَقِلُّ أَجْرُهُمْ عَنْ أَجْرِ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا آمَنُوا بِالرُّسُلِ السَّابِقِينَ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ أَجْرَ مُؤْمِنِي أَهْلِ مِلَلِهِمْ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَآمِنُوا مُسْتَعْمَلًا فِي الدَّوَامِ عَلَى الْإِيمَانِ كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٣٦]، وَيَكُونُ إِقْحَامُ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى فِي هَذَا الِاحْتِمَالِ قَصْدًا لِأَنْ يَحْصُلَ فِي الْكَلَامِ أَمْرٌ بِشَيْءٍ يَتَجَدَّدُ ثُمَّ يُرْدِفَ عَلَيْهِ أَمْرٌ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ طَلَبُ الدَّوَامِ وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ نَظْمِ الْقُرْآنِ.
وَمَعْنَى إِيتَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كِفْلَيْنِ مِنَ الْأَجْرِ: أَنَّ لَهُمْ مِثْلَ
[٢٨]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٨]
يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ (٢٨)
الْغَالِبُ فِي الْقُرْآنِ أَنَّ الَّذِينَ آمَنُوا لَقَبٌ لِلْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَلَكِنْ لَمَّا وَقَعَ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا هُنَا عَقِبَ قَوْلِهِ: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [الْحَدِيد: ٢٧]، أَيْ مِنَ الَّذِينَ
اتَّبَعُوا عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ، احْتَمَلَ قَوْلُهُ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَنْ يَكُونَ مُسْتَعْمَلًا اسْتِعْمَالَهُ اللَّقَبِيَّ أَعْنِي: كَوْنَهُ كَالْعِلْمِ بِالْغَلَبَةِ عَلَى مُؤْمِنِي مِلَّةِ الْإِسْلَامِ. وَاحْتَمَلَ أَنْ يَكُونَ قَدِ اسْتُعْمِلَ اسْتِعْمَالَهُ اللُّغَوِيَّ الْأَعَمَّ، أَعْنِي: مَنْ حَصَلَ مِنْهُ إِيمَانٌ، وَهُوَ هُنَا مَنْ آمَنَ بِعِيسَى. وَالْأَظْهَرُ أَنَّ هَذَيْنِ الِاحْتِمَالَيْنِ مَقْصُودَانِ لِيَأْخُذَ خُلَّصُ النَّصَارَى مِنْ هَذَا الْكَلَامِ حَظَّهُمْ وَهُوَ دَعْوَتُهُمْ إِلَى الْإِيمَانِ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ لِيَسْتَكْمِلُوا مَا سَبَقَ مِنِ اتِّبَاعِهِمْ عِيسَى فَيَكُونُ الْخُطَّابُ مُوَجَّهًا إِلَى الْمَوْجُودِينَ مِمَّنْ آمَنُوا بِعِيسَى، أَيْ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِيمَانًا خَالِصًا بِشَرِيعَةِ عِيسَى اتَّقُوا اللَّهَ وَاخْشَوْا عِقَابَهُ وَاتْرُكُوا الْعَصَبِيَّةَ وَالْحَسَدَ وَسُوءَ النَّظَرِ وَآمِنُوا بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
وَأَمَّا احْتِمَالُ أَنْ يُرَادَ بِالَّذِينَ آمَنُوا الْإِطْلَاقُ اللَّقَبِيُّ فَيَأْخُذُ مِنْهُ الْمُؤْمِنُونَ من أَهْلُ الْمِلَّةِ الْإِسْلَامِيَّةِ بِشَارَةً بِأَنَّهُمْ لَا يَقِلُّ أَجْرُهُمْ عَنْ أَجْرِ مُؤْمِنِي أَهْلِ الْكِتَابِ لِأَنَّهُمْ لَمَّا آمَنُوا بِالرُّسُلِ السَّابِقِينَ أَعْطَاهُمُ اللَّهُ أَجْرَ مُؤْمِنِي أَهْلِ مِلَلِهِمْ، وَيَكُونُ قَوْلُهُ: وَآمِنُوا مُسْتَعْمَلًا فِي الدَّوَامِ عَلَى الْإِيمَانِ كَقَوْلِهِ: يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا آمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ [١٣٦]، وَيَكُونُ إِقْحَامُ الْأَمْرِ بِالتَّقْوَى فِي هَذَا الِاحْتِمَالِ قَصْدًا لِأَنْ يَحْصُلَ فِي الْكَلَامِ أَمْرٌ بِشَيْءٍ يَتَجَدَّدُ ثُمَّ يُرْدِفَ عَلَيْهِ أَمْرٌ يُفْهَمُ مِنْهُ أَنَّ الْمُرَادَ بِهِ طَلَبُ الدَّوَامِ وَهَذَا مِنْ بَدِيعِ نَظْمِ الْقُرْآنِ.
وَمَعْنَى إِيتَاءِ الْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَهْلِ مِلَّةِ الْإِسْلَامِ كِفْلَيْنِ مِنَ الْأَجْرِ: أَنَّ لَهُمْ مِثْلَ
— 427 —
أَجْرَيْ مَنْ آمَنَ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ. وَيَشْرَحُ هَذَا
حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» الَّذِي فِيهِ «مَثَلُ الْمُسلمين وَالْيَهُود والنصار كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ لَهُ، فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَعَمِلَتِ النَّصَارَى مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ، ثُمَّ عَمِلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ، قَالَ فِيهِ: وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا»
، أَيِ اسْتَكْمَلُوا مِثْلَ أَجْرِ الْفَرِيقَيْنِ، أَيْ أَخَذُوا ضِعْفَ كُلِّ فَرِيقٍ.
وَتَقْوَى اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْمَالِ وَبِالِاعْتِقَادِ، وَبِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ (وَقَدِ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ لِلْمُتَأَهِّلِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
وَقَوْلُهُ: اتَّقُوا اللَّهَ أَمْرٌ لَهُمْ بِمَا هُوَ وَسِيلَةٌ وَمُقَدِّمَةٌ لِلْمَقْصُودِ وَهُوَ الْأَمْرُ بِقَوْلِهِ:
وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ.
وَرَتَّبَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ جُمْلَةُ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ إِلَخْ الْمَجْزُومُ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ، أَيْ يُؤْتِكُمْ جَزَاءً فِي الْآخِرَةِ وَجَزَاءً فِي الدُّنْيَا فَجَزَاءُ الْآخِرَةِ قَوْلُهُ: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَقَوْلُهُ: وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَجَزَاءُ الدُّنْيَا قَوْلُهُ: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ.
وَالْكِفْلُ: بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ: النَّصِيبُ. وَأَصْلُهُ: الْأَجْرُ الْمُضَاعَفُ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ مِنَ الحبشية كَمَا قَالَه أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، أَيْ يُؤْتِكُمْ أَجْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ، وَكُلُّ أَجْرٍ مِنْهُمَا هُوَ ضِعْفُ الْآخَرِ مُمَاثِلٌ لَهُ فَلِذَلِكَ ثُنِّيَ كِفْلَيْنِ كَمَا يُقَالُ: زَوْجٌ، لِأَحَدِ الْمُتَقَارِبَيْنِ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ [الْأَحْزَاب: ٦٨] وَقَوْلِهِ: يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الْأَحْزَاب: ٣٠].
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَة يوتون أُجُورَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكتاب آمن بنبيئه وآمن بِي، وَاتَّبَعَنِي، وَصَدَّقَنِي فَلَهُ أَجْرَانِ»
الْحَدِيثَ.
وَيَتَعَلَّقُ مِنْ رَحْمَتِهِ بِ يُؤْتِكُمْ، وَ (من) ابتدائية مجازيا، أَيْ ذَلِكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِكُمْ، وَهَذَا فِي جَانِبِ النَّصَارَى مَعْنَاهُ لِإِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وَإِيمَانِهِمْ بِعِيسَى، أَيْ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَإِكْرَامِهِ وَإِلَّا فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ
حَدِيثُ أَبِي مُوسَى الْأَشْعَرِيِّ عَنِ النَّبِيءِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي «صَحِيحِ الْبُخَارِيِّ» الَّذِي فِيهِ «مَثَلُ الْمُسلمين وَالْيَهُود والنصار كَمَثَلِ رَجُلٍ اسْتَأْجَرَ أُجَرَاءَ يَعْمَلُونَ لَهُ، فَعَمِلَتِ الْيَهُودُ إِلَى نِصْفِ النَّهَارِ، وَعَمِلَتِ النَّصَارَى مِنَ الظُّهْرِ إِلَى الْعَصْرِ عَلَى قِيرَاطٍ، ثُمَّ عَمِلَ الْمُسْلِمُونَ مِنَ الْعَصْرِ إِلَى الْغُرُوبِ عَلَى قِيرَاطَيْنِ، قَالَ فِيهِ: وَاسْتَكْمَلُوا أَجْرَ الْفَرِيقَيْنِ كِلَيْهِمَا»
، أَيِ اسْتَكْمَلُوا مِثْلَ أَجْرِ الْفَرِيقَيْنِ، أَيْ أَخَذُوا ضِعْفَ كُلِّ فَرِيقٍ.
وَتَقْوَى اللَّهِ تَتَعَلَّقُ بِالْأَعْمَالِ وَبِالِاعْتِقَادِ، وَبِعِلْمِ الشَّرِيعَةِ (وَقَدِ اسْتَدَلَّ أَصْحَابُنَا عَلَى وُجُوبِ الِاجْتِهَادِ لِلْمُتَأَهِّلِ إِلَيْهِ بِقَوْلِهِ تَعَالَى: فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ [التغابن: ١٦].
وَقَوْلُهُ: اتَّقُوا اللَّهَ أَمْرٌ لَهُمْ بِمَا هُوَ وَسِيلَةٌ وَمُقَدِّمَةٌ لِلْمَقْصُودِ وَهُوَ الْأَمْرُ بِقَوْلِهِ:
وَآمِنُوا بِرَسُولِهِ.
وَرَتَّبَ عَلَى هَذَا الْأَمْرِ مَا هُوَ جَوَابُ شَرْطٍ مَحْذُوفٍ وَهُوَ جُمْلَةُ يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ إِلَخْ الْمَجْزُومُ فِي جَوَابِ الْأَمْرِ، أَيْ يُؤْتِكُمْ جَزَاءً فِي الْآخِرَةِ وَجَزَاءً فِي الدُّنْيَا فَجَزَاءُ الْآخِرَةِ قَوْلُهُ: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَقَوْلُهُ: وَيَغْفِرْ لَكُمْ، وَجَزَاءُ الدُّنْيَا قَوْلُهُ: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ.
وَالْكِفْلُ: بِكَسْرِ الْكَافِ وَسُكُونِ الْفَاءِ: النَّصِيبُ. وَأَصْلُهُ: الْأَجْرُ الْمُضَاعَفُ، وَهُوَ مُعَرَّبٌ مِنَ الحبشية كَمَا قَالَه أَبُو مُوسَى الْأَشْعَرِيُّ، أَيْ يُؤْتِكُمْ أَجْرَيْنِ عَظِيمَيْنِ، وَكُلُّ أَجْرٍ مِنْهُمَا هُوَ ضِعْفُ الْآخَرِ مُمَاثِلٌ لَهُ فَلِذَلِكَ ثُنِّيَ كِفْلَيْنِ كَمَا يُقَالُ: زَوْجٌ، لِأَحَدِ الْمُتَقَارِبَيْنِ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: رَبَّنا آتِهِمْ ضِعْفَيْنِ مِنَ الْعَذابِ [الْأَحْزَاب: ٦٨] وَقَوْلِهِ: يُضاعَفْ لَهَا الْعَذابُ ضِعْفَيْنِ [الْأَحْزَاب: ٣٠].
وَفِي الْحَدِيثِ الصَّحِيحِ أَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ قَالَ: «ثَلَاثَة يوتون أُجُورَهُمْ مَرَّتَيْنِ: رَجُلٌ مِنْ أَهْلِ الْكتاب آمن بنبيئه وآمن بِي، وَاتَّبَعَنِي، وَصَدَّقَنِي فَلَهُ أَجْرَانِ»
الْحَدِيثَ.
وَيَتَعَلَّقُ مِنْ رَحْمَتِهِ بِ يُؤْتِكُمْ، وَ (من) ابتدائية مجازيا، أَيْ ذَلِكَ مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ بِكُمْ، وَهَذَا فِي جَانِبِ النَّصَارَى مَعْنَاهُ لِإِيمَانِهِمْ بِمُحَمَّدٍ وَإِيمَانِهِمْ بِعِيسَى، أَيْ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَإِكْرَامِهِ وَإِلَّا فَإِنَّ الْإِيمَانَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَاجِبٌ عَلَيْهِمْ
— 428 —
آية رقم ٢٩
كَإِيمَانِهِمْ بِعِيسَى وَهُوَ مُتَمِّمٌ لِلْإِيمَانِ بِعِيسَى وَإِنَّمَا ضُوعِفَ أَجْرُهُمْ لِمَا فِي النُّفُوسِ مِنَ التَّعَلُّقِ بِمَا تَدِينُ بِهِ فَيَعْسُرُ عَلَيْهَا تَرْكُهُ، وَأَمَّا فِي جَانِبِ الْمُسْلِمِينَ فَهُوَ إِكْرَامٌ لَهُمْ لِئَلَّا يَفُوقَهُمْ بَعْضُ مَنْ آمَنَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنَ النَّصَارَى.
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَحْمَتِهِ صِفَةً لِ كِفْلَيْنِ وَتَكُونُ (مِنْ) بَيَانِيَّةً، وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَاف، تَقْدِيره: من أثر رَحمته، وَهُوَ ثَوَابُ الْجَنَّةِ وَنَعِيمُهَا.
وَقَوْلُهُ: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ تَمْثِيل لحالة الْقَوْمِ الطَّالِبِينَ التَّحْصِيلَ عَلَى رِضَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الْخَائِفِينَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي ضِدِّ ذَلِكَ بِحَالَةِ قَوْمٍ يَمْشُونَ فِي طَرِيقٍ بِلَيْلٍ يَخْشَوْنَ الْخَطَأَ فِيهِ فَيُعْطَوْنَ نُورًا يَتَبَصَّرُونَ بِالثَّنَايَا فَيَأْمَنُونَ الضَّلَالَ فِيهِ. وَالْمَعْنَى:
وَيَجْعَلْ لَكُمْ حَالَةً كَحَالَةِ نُورٍ تَمْشُونَ بِهِ، وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ مِثْلُ: كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ.
وَالْمَعْنَى: وَيُيَسِّرْ لَكُمْ دَلَالَةً تَهْتَدُونَ بِهَا إِلَى الْحَقِّ.
وَجَمِيعُ أَجْزَاءِ هَذَا التَّمْثِيلِ صَالِحَةٌ لتَكون استعارات مُفْردَة، وَهَذَا أَبْلَغُ أَحْوَالِ التَّمْثِيلِ، وَقد عرف فِي الْقُرْآن تَشْبِيهُ الْهُدَى بِالنُّورِ، وَالضَّلَالِ بِالظُّلْمَةِ، وَالْبُرْهَانِ بِالطَّرِيقِ، وَإِعْمَالِ النَّظَرِ بِالْمَشْيِ، وَشَاعَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقُرْآنِ فِي كَلَامِ أُدَبَاءِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَالْمَغْفِرَةُ: جَزَاءٌ عَلَى امْتِثَالِهِمْ مَا أُمِرُوا بِهِ، أَيْ يَغْفِرْ لَكُمْ مَا فَرَطَ مِنْكُمْ مِنَ الْكفْر والضلال.
[٢٩]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٩]
لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
اسْمُ أَهْلُ الْكِتابِ لَقَبٌ فِي الْقُرْآنِ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ لَمْ يَتَدَيَّنُوا بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ (أَهْلُ)، فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: أَهْلُ الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ، فَمَنْ صَارَ مُسْلِمًا مِنَ
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ مِنْ رَحْمَتِهِ صِفَةً لِ كِفْلَيْنِ وَتَكُونُ (مِنْ) بَيَانِيَّةً، وَالْكَلَامُ عَلَى حَذْفِ مُضَاف، تَقْدِيره: من أثر رَحمته، وَهُوَ ثَوَابُ الْجَنَّةِ وَنَعِيمُهَا.
وَقَوْلُهُ: وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ تَمْثِيل لحالة الْقَوْمِ الطَّالِبِينَ التَّحْصِيلَ عَلَى رِضَى اللَّهِ تَعَالَى وَالْفَوْزِ بِالنَّعِيمِ الْخَائِفِينَ مِنَ الْوُقُوعِ فِي ضِدِّ ذَلِكَ بِحَالَةِ قَوْمٍ يَمْشُونَ فِي طَرِيقٍ بِلَيْلٍ يَخْشَوْنَ الْخَطَأَ فِيهِ فَيُعْطَوْنَ نُورًا يَتَبَصَّرُونَ بِالثَّنَايَا فَيَأْمَنُونَ الضَّلَالَ فِيهِ. وَالْمَعْنَى:
وَيَجْعَلْ لَكُمْ حَالَةً كَحَالَةِ نُورٍ تَمْشُونَ بِهِ، وَالْبَاءُ لِلِاسْتِعَانَةِ مِثْلُ: كَتَبْتُ بِالْقَلَمِ.
وَالْمَعْنَى: وَيُيَسِّرْ لَكُمْ دَلَالَةً تَهْتَدُونَ بِهَا إِلَى الْحَقِّ.
وَجَمِيعُ أَجْزَاءِ هَذَا التَّمْثِيلِ صَالِحَةٌ لتَكون استعارات مُفْردَة، وَهَذَا أَبْلَغُ أَحْوَالِ التَّمْثِيلِ، وَقد عرف فِي الْقُرْآن تَشْبِيهُ الْهُدَى بِالنُّورِ، وَالضَّلَالِ بِالظُّلْمَةِ، وَالْبُرْهَانِ بِالطَّرِيقِ، وَإِعْمَالِ النَّظَرِ بِالْمَشْيِ، وَشَاعَ ذَلِكَ بَعْدَ الْقُرْآنِ فِي كَلَامِ أُدَبَاءِ الْعَرَبِيَّةِ.
وَالْمَغْفِرَةُ: جَزَاءٌ عَلَى امْتِثَالِهِمْ مَا أُمِرُوا بِهِ، أَيْ يَغْفِرْ لَكُمْ مَا فَرَطَ مِنْكُمْ مِنَ الْكفْر والضلال.
[٢٩]
[سُورَة الْحَدِيد (٥٧) : آيَة ٢٩]
لِئَلاَّ يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلاَّ يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ (٢٩)
اسْمُ أَهْلُ الْكِتابِ لَقَبٌ فِي الْقُرْآنِ لِلْيَهُودِ وَالنَّصَارَى الَّذِينَ لَمْ يَتَدَيَّنُوا بِالْإِسْلَامِ لِأَنَّ الْمُرَادَ بِالْكِتَابِ التَّوْرَاةُ وَالْإِنْجِيلُ إِذَا أُضِيفَ إِلَيْهِ (أَهْلُ)، فَلَا يُطْلَقُ عَلَى الْمُسْلِمِينَ: أَهْلُ الْكِتَابِ، وَإِنْ كَانَ لَهُمْ كِتَابٌ، فَمَنْ صَارَ مُسْلِمًا مِنَ
— 429 —
الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى لَا يُوصَفُ بِأَنَّهُ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ فِي اصْطِلَاحِ الْقُرْآنِ، وَلِذَلِكَ لَمَّا وُصِفَ عَبْدُ اللَّهِ بْنُ سَلَامٍ فِي الْقُرْآنِ وُصِفَ بِقَوْلِهِ: وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتابِ [الرَّعْد: ٤٣] وَقَوْلِهِ: وَشَهِدَ شاهِدٌ مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى مِثْلِهِ [الْأَحْقَاف: ١٠]، فَلَمَّا كَانَ الْمُتَحَدَّثُ عَنْهُمْ آنِفًا صَارُوا مُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فَقَدِ انْسَلَخَ عَنْهُمْ وَصْفُ أَهْلِ الْكِتَابِ، فَبَقِيَ الْوَصْف بذلك خَاصّا بِالْيَهُودِ وَالنَّصَارَى، فَلَمَّا دَعَا اللَّهُ الَّذِينَ اتَّبَعُوا الْمَسِيحَ إِلَى الْإِيمَانِ بِرَسُولِهِ مُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَوَعَدَهُمْ بِمُضَاعَفَةِ ثَوَابِ ذَلِكَ الْإِيمَانِ، أَعْلَمَهُمْ أَنَّ إِيمَانَهُمْ يُبْطِلُ مَا يَنْتَحِلُهُ أَتْبَاعُ الْمَسِيحِيَّةِ بَعْدَ ذَلِكَ مِنَ الْفَضْلِ وَالشَّرَفِ لِأَنْفُسِهِمْ بِدَوَامِهِمْ عَلَى مُتَابَعَةِ عِيسَى عَلَيْهِ السَّلَامُ فَيُغَالِطُوا النَّاسَ بِأَنَّهُمْ إِنْ فَاتَهُمْ فَضْلُ الْإِسْلَامِ لَمْ يَفُتْهُمْ شَيْءٌ مِنَ الْفَضْلِ بِاتِّبَاعِ عِيسَى مَعَ كَوْنِهِمْ لَمْ يُغَيِّرُوا دِينَهُمْ.
وَقَدْ أَفَادَ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ.
قَالَ الْفَخْرُ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ وَلَيْسَ لِلْمُفَسِّرِينَ كَلَامٌ وَاضِحٌ فِي اتِّصَالِهَا بِمَا قبلهَا اه أَي هَلْ هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الْحَدِيد: ٢٨] الْآيَةَ، أَوْ مُتَّصِلَةُ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الْحَدِيد:
٢٧، ٢٨]. يُرِيدُ الْوَاحِدِيُّ أَنَّ اتِّصَالَ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ.
فَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تَعْلِيلِيَّةً فَيَكُونُ مَا بَعْدَهَا مَعْلُولًا بِمَا قَبْلَهَا، وَعَلَيْهِ فَحَرْفُ (لَا) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّقْوِيَةِ.
وَالْمُعَلَّلُ هُوَ مَا يَرْجِعُ إِلَى فَضْلِ اللَّهِ لَا مَحَالَةَ وَذَلِكَ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ أَوْ قَوْلُهُ: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ إِلَى غَفُورٌ رَحِيمٌ [الْحَدِيد: ٢٧، ٢٨].
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى جَعْلِ (لَا) زَائِدَةً. وَأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى الْإِثْبَاتِ، أَيْ لِأَنْ
يَعْلَمَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَرَأَ لِيَعْلَمَ، وَقَرَأَ أَيْضًا لِكَيْ يَعْلَمَ (وَقِرَاءَتُهُ تَفْسِيرٌ).
وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَالْأَخْفَشِ، وَدَرَجَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي
وَقَدْ أَفَادَ هَذَا الْمَعْنَى قَوْلُهُ تَعَالَى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ.
قَالَ الْفَخْرُ: قَالَ الْوَاحِدِيُّ: هَذِهِ آيَةٌ مُشْكِلَةٌ وَلَيْسَ لِلْمُفَسِّرِينَ كَلَامٌ وَاضِحٌ فِي اتِّصَالِهَا بِمَا قبلهَا اه أَي هَلْ هِيَ مُتَّصِلَةٌ بِقَوْلِهِ: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الْحَدِيد: ٢٨] الْآيَةَ، أَوْ مُتَّصِلَةُ فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ إِلَى قَوْلِهِ: وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ [الْحَدِيد:
٢٧، ٢٨]. يُرِيدُ الْوَاحِدِيُّ أَنَّ اتِّصَالَ الْآيَةِ بِمَا قَبْلَهَا يَنْبَنِي عَلَيْهِ مَعْنَى قَوْلِهِ تَعَالَى: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ أَلَّا يَقْدِرُونَ عَلى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ.
فَاللَّامُ فِي قَوْلِهِ: لِئَلَّا يَعْلَمَ أَهْلُ الْكِتابِ يَحْتَمِلُ أَنْ تَكُونَ تَعْلِيلِيَّةً فَيَكُونُ مَا بَعْدَهَا مَعْلُولًا بِمَا قَبْلَهَا، وَعَلَيْهِ فَحَرْفُ (لَا) يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ زَائِدًا لِلتَّأْكِيدِ وَالتَّقْوِيَةِ.
وَالْمُعَلَّلُ هُوَ مَا يَرْجِعُ إِلَى فَضْلِ اللَّهِ لَا مَحَالَةَ وَذَلِكَ مَا تَضَمَّنَهُ قَوْلُهُ: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ وَيَجْعَلْ لَكُمْ نُوراً تَمْشُونَ بِهِ وَيَغْفِرْ لَكُمْ أَوْ قَوْلُهُ: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ إِلَى غَفُورٌ رَحِيمٌ [الْحَدِيد: ٢٧، ٢٨].
وَذَهَبَ جُمْهُورُ الْمُفَسِّرِينَ إِلَى جَعْلِ (لَا) زَائِدَةً. وَأَنَّ الْمَعْنَى عَلَى الْإِثْبَاتِ، أَيْ لِأَنْ
يَعْلَمَ، وَهُوَ قَوْلُ ابْنِ عَبَّاسٍ وَقَرَأَ لِيَعْلَمَ، وَقَرَأَ أَيْضًا لِكَيْ يَعْلَمَ (وَقِرَاءَتُهُ تَفْسِيرٌ).
وَهَذَا قَوْلُ الْفَرَّاءِ وَالْأَخْفَشِ، وَدَرَجَ عَلَيْهِ الزَّمَخْشَرِيُّ فِي
— 430 —
«الْكَشَّافِ» وَابْنُ عَطِيَّةَ وَابْنُ هِشَامٍ فِي «مُغْنِي اللَّبِيبِ»، وَهُوَ بِنَاءً عَلَى أَنَّ (لَا) قَدْ تَقَعُ زَائِدَةً وَهُوَ مَا أَثْبَتَهُ الْأَخْفَشُ، وَمِنْهُ قَوْلُهُ تَعَالَى: مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا أَلَّا تَتَّبِعَنِ [طه: ٩٢، ٩٣] وَقَوْلُهُ: مَا مَنَعَكَ أَلَّا تَسْجُدَ إِذْ أَمَرْتُكَ [الْأَعْرَاف: ١٢] وَقَوْلُهُ: فَلا أُقْسِمُ بِمَواقِعِ النُّجُومِ [الْوَاقِعَة: ٧٥] وَنَحْوُ ذَلِكَ وَقَوْلُهُ: وَحَرامٌ عَلى قَرْيَةٍ أَهْلَكْناها أَنَّهُمْ لَا يَرْجِعُونَ [الْأَنْبِيَاء: ٩٥] عَلَى أَحَدِ تَأْوِيلَاتٍ، وَرُوِيَ أَنَّ الْعَرَبَ جَعَلَتْهَا حَشْوًا فِي قَوْلِ الشَّاعِرِ أَنْشَدَهُ أَبُو عُمْرِو بْنُ الْعَلَاءِ:
فِي رِوَايَةٍ بِنَصْبِ (الْبُخْلَ)، الْبُخْلَ وَأَنَّ الْعَرَبَ فَسَّرُوا الْبَيْتَ بِمَعْنَى أَبَى جُودُهُ الْبُخْلَ (١).
وَالْمَعْنَى: عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الْمُعَلَّلَ هُوَ تَبْلِيغُ هَذَا الْخَبَرِ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لِيَعْلَمُوا أَنَّ فَضْلَ اللَّهِ أُعْطِيَ غَيْرَهُمْ فَلَا يَتَبَجَّحُوا بِأَنَّهُمْ عَلَى فَضْلٍ لَا يَنْقُصُ عَنْ فضل غَيرهم إِذا كَانَ لِغَيْرِهِمْ فَضْلٌ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِتَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ.
وَعِنْدِي: أَنَّهُ لَا يُعْطِي مَعْنًى لِأَنَّ إِخْبَارَ الْقُرْآن بِأَن الْمُسلمين أَجْرَيْنِ لَا يُصَدِّقُ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا يَسْتَقِرُّ بِهِ عِلْمُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا فَضْلَ لَهُمْ فَكَيْفَ يُعَلَّلُ إِخْبَارُ اللَّهِ بِهِ بِأَنَّهُ يُزِيلُ عِلْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِفَضْلِ أَنْفُسِهِمْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَا فَضْلَ لَهُمْ.
وَذَهَبَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ (لَا) نَافِيَةٌ، وَقَرَّرَهُ الْفَخْرُ بِأَنَّ ضَمِيرَ يَقْدِرُونَ عَائِدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ (أَيْ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ وَأَصْلُهُ أَنْ لَا تَقْدِرُوا) وَإِذَا انْتَفَى عِلْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ثَبَتَ ضِدُّ ذَلِكَ فِي عِلْمِهِمْ أَيْ كَيْفَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ يَقْدِرُونَ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ، وَيَكُونُ يَقْدِرُونَ مُسْتَعَارًا لِمَعْنَى: يَنَالُونَ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، فَهُوَ الَّذِي فَضَّلَهُمْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنِ انْتِفَاءِ الْفَضْلِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
_________
(١) وَرُوِيَ الْبَيْت بخفض الْبُخْل فَيكون (لَا) محكية وَهِي مُضَافَة إِلَى الْبُخْل، أَي لَا الَّتِي تقال عِنْد الْبُخْل بالبذل وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر لِأَنَّهُ مُنَاسِب لمقابلته بِكَلِمَة «نعم».
| أَبَى جُودُهُ لَا الْبُخْلَ وَاسْتَعْجَلَتْ بِهِ | «نَعَمْ» مِنْ فَتًى لَا يَمْنَعُ الْجُودَ قَائِلُهُ |
وَالْمَعْنَى: عَلَى هَذَا الْوَجْهِ أَنَّ الْمُعَلَّلَ هُوَ تَبْلِيغُ هَذَا الْخَبَرِ إِلَى أَهْلِ الْكِتَابِ لِيَعْلَمُوا أَنَّ فَضْلَ اللَّهِ أُعْطِيَ غَيْرَهُمْ فَلَا يَتَبَجَّحُوا بِأَنَّهُمْ عَلَى فَضْلٍ لَا يَنْقُصُ عَنْ فضل غَيرهم إِذا كَانَ لِغَيْرِهِمْ فَضْلٌ وَهُوَ الْمُوَافِقُ لِتَفْسِيرِ مُجَاهِدٍ وَقَتَادَةَ.
وَعِنْدِي: أَنَّهُ لَا يُعْطِي مَعْنًى لِأَنَّ إِخْبَارَ الْقُرْآن بِأَن الْمُسلمين أَجْرَيْنِ لَا يُصَدِّقُ بِهِ أَهْلُ الْكِتَابِ فَلَا يَسْتَقِرُّ بِهِ عِلْمُهُمْ بِأَنَّهُمْ لَا فَضْلَ لَهُمْ فَكَيْفَ يُعَلَّلُ إِخْبَارُ اللَّهِ بِهِ بِأَنَّهُ يُزِيلُ عِلْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ بِفَضْلِ أَنْفُسِهِمْ فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُمْ لَا فَضْلَ لَهُمْ.
وَذَهَبَ أَبُو مُسْلِمٍ الْأَصْفَهَانِيُّ وَتَبِعَهُ جَمَاعَةٌ إِلَى أَنَّ (لَا) نَافِيَةٌ، وَقَرَّرَهُ الْفَخْرُ بِأَنَّ ضَمِيرَ يَقْدِرُونَ عَائِدٌ إِلَى رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِهِ (أَيْ عَلَى طَرِيقِ الِالْتِفَاتِ مِنَ الْخِطَابِ إِلَى الْغَيْبَةِ وَأَصْلُهُ أَنْ لَا تَقْدِرُوا) وَإِذَا انْتَفَى عِلْمُ أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ ثَبَتَ ضِدُّ ذَلِكَ فِي عِلْمِهِمْ أَيْ كَيْفَ أَنَّ الرَّسُولَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالْمُسْلِمِينَ يَقْدِرُونَ عَلَى فَضْلِ اللَّهِ، وَيَكُونُ يَقْدِرُونَ مُسْتَعَارًا لِمَعْنَى: يَنَالُونَ، وَأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، فَهُوَ الَّذِي فَضَّلَهُمْ، وَيَكُونُ ذَلِكَ كِنَايَةً عَنِ انْتِفَاءِ الْفَضْلِ عَنْ أَهْلِ الْكِتَابِ الَّذِينَ لَمْ يُؤْمِنُوا بِالرَّسُولِ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ.
_________
(١) وَرُوِيَ الْبَيْت بخفض الْبُخْل فَيكون (لَا) محكية وَهِي مُضَافَة إِلَى الْبُخْل، أَي لَا الَّتِي تقال عِنْد الْبُخْل بالبذل وَهَذَا هُوَ الظَّاهِر لِأَنَّهُ مُنَاسِب لمقابلته بِكَلِمَة «نعم».
— 431 —
وَيَرُدُّ عَلَى هَذَا التَّفْسِيرِ مَا وَرَدَ عَلَى الَّذِي قَبْلَهُ لِأَنَّ عِلْمَ أَهْلِ الْكِتَابِ لَا يَحْصُلُ بِإِخْبَارِ.
الْقُرْآنِ لِأَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَ بِهِ.
وَأَنَا أَرَى أَنَّ دَعْوَى زِيَادَةِ (لَا) لَا دَاعِيَ إِلَيْهَا، وَأَنَّ بَقَاءَهَا عَلَى أَصْلِ مَعْنَاهَا وَهُوَ النَّفْيُ مُتَعَيِّنٌ، وَتُجْعَلُ اللَّامَ لِلْعَاقِبَةِ، أَيْ أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا الْفَضْلَ وَحُرِمَ مِنْهُ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَبَقِيَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي جَهْلِهِمْ وَغُرُورِهِمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْفَضْلَ الْمُسْتَمِرَّ وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ عِلْمٌ بِانْتِفَاءِ أَنْ يَكُونُوا يَمْلِكُونَ فَضْلَ اللَّهِ وَلَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى الْفَضْلَ قَوْمًا آخَرِينَ وَحَرَمَهُمْ إِيَّاهُ فَيَنْسَوْنَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّهُ بِالذَّاتِ.
وَبِهَذَا الْغُرُورِ اسْتَمَرُّوا عَلَى التَّمَسُّكِ بِدِينِهِمُ الْقَدِيمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَامَ الْعَاقِبَةِ أَصْلُهَا التَّعْلِيلُ الْمَجَازِيُّ كَمَا عَلِمْتَهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً فِي سُورَةِ الْقَصَصِ [٨].
وَقَوْلُهُ: أَهْلُ الْكِتابِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا عَلَى الْيَهُودِ خَاصَّةً إِنْ جُعِلَ التَّعْلِيلُ تَعْلِيلًا لِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [الْحَدِيد: ٢٧] وَقَوْلِهِ: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الْحَدِيد: ٢٨].
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِنْ جُعِلَ لَامُ التَّعْلِيلِ عِلَّةً لِقَوْلِهِ:
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ.
وَ (أَنْ) من قَوْله: أَلَّا يَقْدِرُونَ مُخَفَّفَةٌ مِنْ (أَنَّ) وَاسْمُهَا ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ.
وَالْمَعْنَى: لَا تَكْتَرِثُوا بِعَدَمِ عِلْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَبِأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، أَيْ لَا تَكْتَرِثُوا بِجَهْلِهِمُ الْمُرَكَّبِ فِي اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى الِاغْتِرَارِ بِأَنَّ لَهُمْ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَهُوَ خُلُقُهُمْ فَهُمْ لَا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ
الْقُرْآنِ لِأَنَّهُمْ يُكَذِّبُونَ بِهِ.
وَأَنَا أَرَى أَنَّ دَعْوَى زِيَادَةِ (لَا) لَا دَاعِيَ إِلَيْهَا، وَأَنَّ بَقَاءَهَا عَلَى أَصْلِ مَعْنَاهَا وَهُوَ النَّفْيُ مُتَعَيِّنٌ، وَتُجْعَلُ اللَّامَ لِلْعَاقِبَةِ، أَيْ أَعْطَيْنَاكُمْ هَذَا الْفَضْلَ وَحُرِمَ مِنْهُ أَهْلُ الْكِتَابِ، فَبَقِيَ أَهْلُ الْكِتَابِ فِي جَهْلِهِمْ وَغُرُورِهِمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْفَضْلَ الْمُسْتَمِرَّ وَلَا يَحْصُلُ لَهُمْ عِلْمٌ بِانْتِفَاءِ أَنْ يَكُونُوا يَمْلِكُونَ فَضْلَ اللَّهِ وَلَا أَنَّ اللَّهَ قَدْ أَعْطَى الْفَضْلَ قَوْمًا آخَرِينَ وَحَرَمَهُمْ إِيَّاهُ فَيَنْسَوْنَ أَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ، وَلَيْسَ أَحَدٌ يَسْتَحِقُّهُ بِالذَّاتِ.
وَبِهَذَا الْغُرُورِ اسْتَمَرُّوا عَلَى التَّمَسُّكِ بِدِينِهِمُ الْقَدِيمِ، وَمَعْلُومٌ أَنَّ لَامَ الْعَاقِبَةِ أَصْلُهَا التَّعْلِيلُ الْمَجَازِيُّ كَمَا عَلِمْتَهُ فِي تَفْسِيرِ قَوْلِهِ تَعَالَى: فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً فِي سُورَةِ الْقَصَصِ [٨].
وَقَوْلُهُ: أَهْلُ الْكِتابِ يَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا عَلَى الْيَهُودِ خَاصَّةً إِنْ جُعِلَ التَّعْلِيلُ تَعْلِيلًا لِمَجْمُوعِ قَوْلِهِ: فَآتَيْنَا الَّذِينَ آمَنُوا مِنْهُمْ أَجْرَهُمْ [الْحَدِيد: ٢٧] وَقَوْلِهِ: يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ [الْحَدِيد: ٢٨].
وَيَجُوزُ أَنْ يَكُونَ صَادِقًا عَلَى الْيَهُودِ وَالنَّصَارَى إِنْ جُعِلَ لَامُ التَّعْلِيلِ عِلَّةً لِقَوْلِهِ:
يُؤْتِكُمْ كِفْلَيْنِ مِنْ رَحْمَتِهِ.
وَ (أَنْ) من قَوْله: أَلَّا يَقْدِرُونَ مُخَفَّفَةٌ مِنْ (أَنَّ) وَاسْمُهَا ضَمِيرُ شَأْنٍ مَحْذُوفٌ.
وَالْمَعْنَى: لَا تَكْتَرِثُوا بِعَدَمِ عِلْمِ أَهْلِ الْكِتَابِ بِأَنَّهُمْ لَا يَقْدِرُونَ عَلَى شَيْءٍ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَبِأَنَّ الْفَضْلَ بِيَدِ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَنْ يَشَاءُ، أَيْ لَا تَكْتَرِثُوا بِجَهْلِهِمُ الْمُرَكَّبِ فِي اسْتِمْرَارِهِمْ عَلَى الِاغْتِرَارِ بِأَنَّ لَهُمْ مَنْزِلَةً عِنْدَ اللَّهِ تَعَالَى فَإِنَّ اللَّهَ عَالِمٌ بِذَلِكَ وَهُوَ خُلُقُهُمْ فَهُمْ لَا يُقْلِعُونَ عَنْهُ، وَهَذَا مِثْلُ قَوْلِهِ تَعَالَى: خَتَمَ اللَّهُ عَلى قُلُوبِهِمْ فِي سُورَةِ الْبَقَرَةِ
— 432 —
وَجُمْلَةُ وَاللَّهُ ذُو الْفَضْلِ الْعَظِيمِ تَذْيِيلٌ يَعُمُّ الْفَضْلَ الَّذِي آتَاهُ اللَّهُ أَهْلَ الْكِتَابِ الْمُؤْمِنِينَ بِمُحَمَّدٍ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَغَيْرَهُ مِنَ الْفَضْلِ.
— 433 —
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
٥٨- سُورَةُ الْمُجَادَلَةِسُمِّيَتْ هَذِهِ السُّورَةُ فِي كُتُبِ التَّفْسِيرِ وَفِي الْمَصَاحِفِ وَكُتُبِ السُّنَّةِ «سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ» بِكَسْرِ الدَّالِ أَوْ بِفَتْحِهِ كَمَا سَيَأْتِي. وَتُسَمَّى «سُورَةَ قَدْ سَمِعَ» وَهَذَا الِاسْمُ مُشْتَهِرٌ فِي الْكَتَاتِيبِ فِي تُونُسَ، وَسُمِّيَتْ فِي مُصْحَفِ أُبَيِّ بْنِ كَعْبٍ «سُورَةَ الظِّهَارِ».
وَوَجْهُ تَسْمِيَتِهَا «سُورَةَ الْمُجَادَلَةِ» لِأَنَّهَا افْتُتِحَتْ بِقَضِيَّةِ مُجَادَلَةِ امْرَأَةِ أَوْسِ بْنِ الصَّامِتِ لَدَى النبيء صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ فِي شَأْنِ مُظَاهَرَةِ زَوْجِهَا.
وَلَمْ يَذْكُرِ الْمُفَسِّرُونَ وَلَا شَارِحُو كُتُبِ السُّنَّةِ ضَبْطَهُ بِكَسْرِ الدَّالِ أَوْ فَتْحِهَا. وَذَكَرَ الْخَفَاجِيُّ فِي «حَاشِيَةِ الْبَيْضَاوِيِّ» عَنِ «الْكَشْفِ» أَنَّ كَسْرَ الدَّالِ هُوَ الْمَعْرُوفُ (وَلَمْ أَدْرِ مَا أَرَادَ الْخَفَاجِيُّ بِالْكَشْفِ الَّذِي عَزَا إِلَيْهِ هَذَا)، فَكَشْفُ الْقَزْوِينِيِّ عَلَى «الْكَشَّافِ» لَا يُوجَدُ فِيهِ ذَلِكَ، وَلَا فِي التَّفْسِيرِ الْمُسَمَّى «الْكَشْفَ وَالْبَيَانَ» لِلثَّعْلَبِيِّ. فَلَعَلَّ الْخَفَاجِيَّ رَأَى ذَلِكَ فِي «الْكَشْفِ» الَّذِي يَنْقُلُ عَنْهُ الطِّيبِيُّ فِي مَوَاضِعِ تَقْرِيرَاتٍ لِكَلَامِ «الْكَشَّافِ» وَهُوَ غَيْرُ مَعْرُوفٍ فِي عِدَادِ شُرُوحِ «الْكَشَّافِ»، وَكَسْرُ الدَّالِ أَظْهَرُ لِأَنَّ السُّورَةَ افْتُتِحَتْ بِذِكْرِ الَّتِي تُجَادِلُ فِي زَوْجِهَا فَحَقِيقَةٌ أَنْ تُضَافَ إِلَى صَاحِبَةِ الْجِدَالِ، وَهِيَ الَّتِي ذَكَرَهَا اللَّهُ بِقَوْلِهِ: الَّتِي تُجادِلُكَ فِي زَوْجِها [المجادلة: ١]. وَرَأَيْتُ فِي نُسْخَةٍ مِنْ حَاشِيَة مُحَمَّد الْهَمدَانِي عَلَى «الْكَشَّافِ» الْمُسَمَّاةِ «تَوْضِيحَ الْمُشْكِلَاتِ»، بِخَطِّ مُؤَلِّفِهَا جَعَلَ عَلَامَةَ كَسْرَةٍ تَحْتَ دَالِ الْمُجَادِلَةِ. وَأَمَّا فَتْحُ الدَّالِ فَهُوَ مَصْدَرٌ مَأْخُوذٌ مِنْ فِعْلِ تُجادِلُكَ كَمَا عَبَّرَ عَنْهَا بِالتَّحَاوُرِ فِي قَوْلِهِ تَعَالَى:
وَاللَّهُ يَسْمَعُ تَحاوُرَكُما [المجادلة: ١].
وَهَذِهِ السُّورَةُ مَدَنِيَّةٌ قَالَ ابْنُ عَطِيَّةَ: بِالْإِجْمَاعِ. وَفِي «تَفْسِيرِ الْقُرْطُبِيِّ» عَنْ عَطَاءٍ: أَنَّ الْعَشْرَ الْأُوَلَ مِنْهَا مَدَنِيٌّ وَبَاقِيهِا مَكِّيٌّ. وَفِيهِ عَنِ الْكَلْبِيِّ أَنَّهَا مَدَنِيَّةٌ إِلَّا قَوْلَهُ تَعَالَى:
مَا يَكُونُ مِنْ نَجْوى ثَلاثَةٍ إِلَّا هُوَ رابِعُهُمْ [المجادلة: ٧] الْآيَةَ نَزَلَتْ بِمَكَّةَ.
— 5 —
تقدم القراءة
تم عرض جميع الآيات
27 مقطع من التفسير
show = false, 2500)"
x-show="show"
x-cloak
x-transition:enter="transition ease-out duration-300"
x-transition:enter-start="opacity-0 translate-y-2"
x-transition:enter-end="opacity-100 translate-y-0"
x-transition:leave="transition ease-in duration-200"
x-transition:leave-start="opacity-100 translate-y-0"
x-transition:leave-end="opacity-0 translate-y-2"
class="fixed bottom-6 left-1/2 -translate-x-1/2 z-[85] px-5 py-3 bg-gray-800 text-white text-sm rounded-xl shadow-lg flex items-center gap-2">