ثم ذكر أقوالهم الشنيعة، وأحوالهم الفظيعة، فقال :
وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لاَ تُفْسِدُواْ فِي الأَرْضِ قَالُواْ إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ * أَلا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلَكِن لاَّ يَشْعُرُونَ
قلت : إذا ظرف خافض لشرطه منصوب بجوابه، أي : قالوا نحن مصلحون، وقت قول القائل لهم : لا تفسدوا، والجملة بيان وتقرير لخداعهم، أو معطوفة على
مَن يَقُولُ ءَامَنَّا [ البقرة : ٨ ]، أي : ومن الناس فرقة إذا قيل لهم : لا تفسدوا، قالوا : إنما نحن مصلحون.
يقول الحقّ جلّ جلاله : وَإذَا قيل لهؤلاء المنافقين : لا تُفْسِدُوا فِي الأرْضِ بالمعاصي والتعويق عن الإيمان، وإغراء أهل الكفر والطغيان على أهل الإسلام والإيمان، وتهييج الحروب والفتن، وإظهار الهرج والمرج والمحن، وإفشاء أسرار المسلمين إلى أعدائهم الكافرين، فإن ذلك يؤدي إلى فساد النظام، وقطع مواد الإنعام، قَالُوا في جوابهم الفاسد : إنما نحن مصلحون في ذلك، فلا تصح مخاطبتنا بذلك، فإن من شأننا الإصلاح والإرشاد، وحالنا خالص من شوائب الفساد.
ولقد صدق من سبقت له العناية، وأُتحف بالرعاية والهداية، حيث يقول :فَهَذِهِ طريقَةُ الإشْرَاقِ كَانَتْ وتَبْقَى ما الوُجُودُ بَاقِ
وقال أيضاً :
فَتُبْ أيها المذكر قبل الفوات، واطلب من يأخذ بيدك قبل الممات، لئلا تلقى الله بقلب سقيم، فتكون في الحضيض الأسفل من عذابه الأليم، فسبب العذاب وجود الحجاب، وإتمام النعيم النظر لوجهه الكريم، منحنا الله منه الحظ الأوفى في الدنيا والآخرة. آمين. وأَنْكَرُوهُ مَلاٌ عَوَامٌ لَمْ يَفْهَمُوا مَقْصُودَهُ فَهَامُوا
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي