ذكر ملة إبراهيم وحكم الراغب عنها ووصيته بنيه بها ووصية يعقوب بنيه بها أيضا، وذلك يشعر بأن بني إبراهيم كانوا يوصون بما أوصاهم أبوهم، فإن يعقوب أخذ الوصية عن أبيه إسحاق. وذلك من ضروب الإيجاز الدقيقة ثم أراد أن يقرر أمر هذه الوصية ويؤكدها ويقيم الحجة بها على أهل الكتاب فقال أم كنتم شهداء إذ حضر يعقوب الموت إذ قال لبنيه ما تعبدون من بعدي .
أقول : هذا إضراب عما قبله وانتقال إلى استفهام إنكاري وجه إلى اليهود عن وصية جدهم يعقوب لآبائهم الأسباط، ويجوز أن يكون معناه أكنتم غائبين أم كنتم شهداء إذ احتضر يعقوب فسأل بنيه عما يعبدون من بعده سؤال تقرير ليشهدوه على أنفسهم بالتوحيد الخالص والسؤال بما أعم من السؤال بمن لأن هذا خاص بمن يعقل وما نزل منزلته بسبب يجيز ذلك، والسؤال بكلمة " ما " يعم العاقل وغيره، وتتعين " ما " في السؤال عن العاقل إذا أريد وصفه نحو قال فرعون وما رب العالمين ؟ وهذا الاصطلاح للنحاة لا يدل على جواز وصف الله تعالى بلفظ " العاقل " شرعا لأن أسماءه وصفاته تعالى توقيفية قالوا نعبد إلهك وإله آبائك إبراهيم وإسماعيل واسحق عرفوا الإله بالإضافة إلى آبائهم لأنهم هم الذين انفردوا بعبادة رب العالمين خالق السموات والأرض وحده، ودعوا الأمم إلى ذلك في وقت فشت فيه عبادة آلهة كثيرين من الكواكب والأصنام والحيوانات وغيرها، ولذلك قال سحرة موسى عندما آمنوا آمنا برب العالمين * رب موسى وهارون وإسماعيل عم يعقوب ذكر مع آبائه للتغليب أو لتشبيه العم بالأب، كما في حديث " عم الرجل صنو أبيه " رواه الشيخان. والجمع بين الحقيقة والمجاز جائز يكثر في القرآن وفاقا للشافعي وابن جرير الطبري وخلافا لجمهور الأصوليين إلها واحدا أي نعبده حال كونه إلها واحدا، أو نخص بالعبادة إلها واحدا لا نشرك معه أحدا بدعاء ولا توجه في قضاء حاجة ولا غير ذلك من العبادات ونحن له مسلمون أي والحال أننا نحن منقادون مذعنون مستسلمون له وحده دون غيره كما يدل عليه تقديم الظرف " له " وقال الأستاذ الإمام في الآية ما معناه :
خلاصة هذه الوصية عقيدة الوحدانية في العبادة وإسلام القلب لله تعالى والإخلاص له. وتكرار لفظ ( الإسلام ) في هذه الآيات يراد به تقرير حقيقة الدين. ذلك أن العرب كانت تدعي أن لها دينا خاصا بها وأنه الحق، وإن اختلفت فيه القبائل والشعوب، ومنهم من كان ينتمي إلى إبراهيم على وثنيتهم، وكذلك اليهود والنصارى كل يدعي دينا خاصا به وأنه الحق، فبينت هذه الآيات أن هذه الدعاوى من التعصب للتقاليد وأن دين الله تعالى واحد في حقيقته، وروحه التوحيد والاستسلام لله تعالى والخضوع والإذعان لهداية الأنبياء. وبهذا كان يوصي النبيون أبناءهم وأممهم. فتبين أن دين الله تعالى واحد في كل أمة على لسان كل نبي، ولذلك قال في آية أخرى ٤٣ : ١٣ شرع لكم من الدين ما وصى به نوحا والذي أوحينا إليك وما وصينا به إبراهيم وموسى وعيسى أن أقيموا الدين ولا تتفرقوا فيه فالتفرق في الدين ما جاء إلا من الجهل والتعصب للأهواء، والمحافظة على الحظوظ والمنافع المتبادلة بين المرءوسين والرؤساء، فالقرآن يطالب الجميع بالاتفاق في الدين والاجتماع على أصليه : العقلي وهو التوحيد والبراءة من الشرك بأنواعه، والقلبي وهو الإسلام والإخلاص لله في جميع الأعمال.
وعلم من هذا أن لفظ الإسلام والمسلمين في كلام إبراهيم وإسماعيل ويعقوب يراد به معناه الذي تقدم، فمن لم يكن متحققا بهذا المعنى فليس بمسلم أي ليس على دين الله القيم الذي كان عليه جميع أنبياء الله. وأما لفظ الإسلام في عرفنا اليوم فهو لقب يطلق على طوائف من الناس لهم مميزات دينية وعادية تميزهم عن سائر طوائف الناس الذين يلقبون بألقاب دينية أخرى. ولا يشترط في إطلاق هذا اللقب العرفي عند أهله أن يكون المسلم خاضعا مسلما لدين الله مخلصا له أعماله، بل يطلقونه أيضا على من ابتدع فيه ما ليس منه، أو ما ينافيه، ومن فسق عنه واتخذ إلهه هواه. ومعنى الإسلام الذي دعا إليه القرآن تقوم به الحجة على المشركين، ويتعرف به اليهود والنصارى لأنه روح كل دين، وهو الذي دعا إليه النبي صلى الله عليه وسلم، والدعوة إلى اللقب لا معنى لها. قال الأستاذ الإمام بعد تقريره هذا المعنى : وبه يظهر خطأ من خصص الرغبة عن ملة إبراهيم بالميل إلى اليهودية أو النصرانية.
ومن مباحث اللفظ في الآية أن " أم " تستعمل في الاستفهام إذا كان مبنيا على كلام سابق كما هنا لما فيها من الاشعار بالانتقال ففيها معنى الإضراب.
تفسير المنار
رشيد رضا