وإهمال الوعد بالضد. وأيضا القرآن مملوء من قوله عَفُوًّا غَفُوراً رَحِيماً كَرِيماً.
وكذا الأخبار في هذا المعنى تكاد تبلغ حد التواتر. وأيضا إن صاحب الكبيرة أتى بما هو أفضل الخيرات وهو الإيمان، ولم يأت بما هو أقبح القبائح وهو الكفر، ولا يهدمه ما سوى الكفر من المعاصي، ولهذا قال يحيى بن معاذ الرازي: إلهي إذا كان توحيد ساعة يهدم كفر خمسين سنة، فتوحيد خمسين سنة كيف لا يهدم معصية ساعة؟ إلهي لما كان الكفر لا ينفع معه شيء من الطاعات، كان مقتضى العدل أن الإيمان لا يضر معه شيء من المعاصي، وإذا دلت الآيات على الوعد والوعيد فلا بد من التوفيق بينهما. فإما أن يصل العبد إلى دار الثواب ثم إلى دار العقاب وهو باطل بالإجماع، أو يصل إليه العقاب ثم ينقل إلى دار الثواب ويبقى هناك أبد الآباد وهو المطلوب. واعلم أن مذهب الأصحاب إلى الأدب أقرب من حيث إنهم يصفونه بصفات الجمال كالعفو والمغفرة، وبصفات الجلال كالقهر والانتقام، ولكن لا يوجبون عليه ثوابا ولا عقابا، لأنه يفعل ما يشاء ويحكم ما يريد. ومن حيث إنهم لا يعينون البعض المستحق للثواب ولا البعض المستحق للعقاب من المسلمين، لأن فعله مبرأ عن التعلل بلواحق الغايات وسوابق البواعث. ومذهب المعتزلة إلى الاحتياط أقرب، فإن من خوّفك حتى تبلغ الأمن خير ممن أمنك حتى تبلغ الجوف.
[سورة البقرة (٢) : الآيات ٨٣ الى ٨٦]
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ لا تَعْبُدُونَ إِلاَّ اللَّهَ وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً وَذِي الْقُرْبى وَالْيَتامى وَالْمَساكِينِ وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ إِلاَّ قَلِيلاً مِنْكُمْ وَأَنْتُمْ مُعْرِضُونَ (٨٣) وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ مِنْ دِيارِكُمْ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ (٨٤) ثُمَّ أَنْتُمْ هؤُلاءِ تَقْتُلُونَ أَنْفُسَكُمْ وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ تَظاهَرُونَ عَلَيْهِمْ بِالْإِثْمِ وَالْعُدْوانِ وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ وَهُوَ مُحَرَّمٌ عَلَيْكُمْ إِخْراجُهُمْ أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَما جَزاءُ مَنْ يَفْعَلُ ذلِكَ مِنْكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الْحَياةِ الدُّنْيا وَيَوْمَ الْقِيامَةِ يُرَدُّونَ إِلى أَشَدِّ الْعَذابِ وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (٨٥) أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ (٨٦)
القراآت:
لا يعبدون بالياء للغيبة. ابن كثير وحمزة وعلي والمفضل الْقُرْبى بالإمالة المفرطة: حمزة وعلي وخلف، وقرأ أبو عمرو بالإمالة اللطيفة وكذلك كل كلمة على وزن «فعلى» حُسْناً وصفا: يعقوب وحمزة وعلي وخلف والمفضل تَظاهَرُونَ
خفيفا: عاصم وحمزة وعلي وخلف، وحذف إحدى التاءين للتخفيف، الباقون بالتشديد ووجهه إدغام التاء في الظاء أُسارى بالإمالة تُفادُوهُمْ أبو عمرو وخلف. أُسارى مفخما تُفادُوهُمْ ابن كثير وابن عامر أسرى بالإمالة تُفادُوهُمْ حمزة. أُسارى بالإمالة تُفادُوهُمْ علي والنجاري عن ورش والخراز عن هبيرة، والباقون أُسارى مفخما تُفادُوهُمْ تردون بتاء الخطاب: أبو زيد عن المفضل يعملون بياء الغيبة:
ابن كثير ونافع وخلف ويعقوب وأبو بكر وحماد بناء لآخر الكلام على أوّله، الباقون بالتاء تغليبا للمخاطبين على الغيب.
الوقوف:
الزَّكاةَ لأن «ثم» لترتيب الأخبار أي مع ذلك توليتم ومُعْرِضُونَ وتَشْهَدُونَ (هـ) مِنْ دِيارِهِمْ (ز) لأن تَظاهَرُونَ يشبه استئنافا، وكونه حالا أوجه والْعُدْوانِ (ط) إِخْراجُهُمْ (ط) بِبَعْضِ (ج) لابتداء الاستفهام أو النفي مع فاء التعقيب الدُّنْيا (ط) لعطف الجملتين المختلفتين الْعَذابِ (ط) تَعْمَلُونَ (هـ) بِالْآخِرَةِ (ز) لأن الفعل مستأنف وفيه فاء التعقيب للجزاء يُنْصَرُونَ (هـ).
التفسير:
إنه سبحانه كلفهم بأشياء: الأوّل: قوله لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ من قرأ بياء الغيبة فلأنهم غيب، ومن قرأ بتاء الخطاب فلحكاية ما خوطبوا به، وفي إعرابه أقوال:
أحدها: أنه إخبار في معنى النهي كقولك «تذهب إلى فلان» تريد الأمر وهو أبلغ من صريح الأمر والنهي كأنه سورع إلى الامتثال فهو يخبر عنه. ويؤيد هذا القول عطف وَقُولُوا وَأَقِيمُوا عليه. وثانيها: التقدير أن لا تعبدوا فلما حذفت «أن» رفعت كقوله «ألا أبهذا الزاجري أحضر الوغى» ويحتمل أن تكون «أن» مفسرة وأن تكون مع الفعل بدلا من الميثاق كأنه قيل: أخذنا ميثاق بني إسرائيل توحيدهم. وثالثها: هو جواب قوله أَخَذْنا مِيثاقَ بَنِي إِسْرائِيلَ إجراء له مجرى القسم كأنه قيل: وإذ أقسمنا عليهم لا تعبدون. وهذا التكليف بالحقيقة يتضمن جميع ما لا بد منه في الدين، لأن الأمر بعبادته والنهي عن عبادة غيره مسبوق بالعلم بذاته سبحانه وبجميع ما يجب له ويستحيل عليه، ومسبوق أيضا بالعلم بكيفية تلك العبادة التي لا سبيل إلى معرفتها الا بالوحي والرسالة.
التكليف الثاني: قوله: وَبِالْوالِدَيْنِ إِحْساناً معناه يحسنون بالوالدين إحسانا ليناسب لا تَعْبُدُونَ أو أحسنوا ليناسب وَقُولُوا ويمكن أن يقدر «وصيناهم» عطفا على أَخَذْنا وهذا أنسب لمكان الباء، ولا بد من تقدير القول إما قبل لا تَعْبُدُونَ وإما قبل
إِحْساناً وإما قبل قُولُوا وإنما جعل الإحسان إلى الوالدين تاليا لعبادة الله لوجوه منها:
أنهما سبب وجود الولد كما أنهما سبب التربية، وغير الوالدين قد يكون سبب التربية فقط فلا إنعام بعد إنعام الله تعالى أعظم من إنعام الوالدين. ومنها أن إنعامهما يشبه إنعام الله تعالى من حيث إنهما لا يطلبان بذلك ثناء ولا ثوابا إِنَّما نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللَّهِ لا نُرِيدُ مِنْكُمْ جَزاءً وَلا شُكُوراً [الإنسان: ٩]. ومنها أنه تعالى لا يمل من إنعامه على العبد وإن أتى بأعظم الجرائم، فكذا الوالدان لا يقطعان عنه مواد كرمهما وإن كان غير بار بهما، ومنها أن الوالد المشفق يتصرف في مال ولده بالاسترباح والغبطة، والله سبحانه يأخذ الحبة فيربيها مثل جبل أحد.
ومنها أن المناسبة والميل والمحبة بين الوالد وولده ذاتية حتى عمت جميع الحيوان، كما أن المناسبة بين الواجب والممكن ذاتية لا عرضية، وهاهنا أسرار فليتأمل. ومنها أنه لا كمال يمكن للولد إلا ويطلبه الوالد لأجله ويريده عليه، كما أن الله تعالى لا خير يمكن للعبد إلا وهو يريده عليه، ولهذا أرسل الرسل وأنزل الكتب ونصب الأدلة وأزاح العلة، ومن غاية شفقة الوالدين أنهما لا يحسدان ولدهما إذا كان خيرا منهما بل يتمنيان ذلك بخلاف غيرهما فإنه لا يرضى أن يكون غيره خيرا منه. وتعظيم الوالدين أمر معتبر في جميع الشرائع ومركوز في كل العقول،
وقد ورد «أطع الوالدين وإن كانا كافرين»
وعن النبي ﷺ أنه نهى حنظلة بن أبي عامر الراهب عن قتل أبيه وكان مشركا، ولهذا أطلق الإحسان إليهما في الآية إطلاقا.
وقد تلطف إبراهيم عليه السلام في دعوة أبيه من الكفر إلى الإيمان في قوله يا أَبَتِ، يا أَبَتِ والإحسان إليهما أن يحبهما من صميم القلب ويراعي دقائق الأدب والخدمة والشفقة ويبذل وسعه في رضاهما قولا وفعلا، ولا يمنع أعز أوقاته وكرائم أمواله عنهما، ويجتهد في تنفيذ وصاياهما ويذكرهما في صالح دعائه كما أرشد الله تعالى إلى جميع ما ذكرنا في قوله فَلا تَقُلْ لَهُما أُفٍّ [الإسراء: ٢٣] إلى آخر الآية.
التكليف الثالث: الإحسان إلى ذوي القرابة ويعبر عنه بصلة الرحم
عن رسول الله ﷺ «الرحم شجنة من الرحمن قال الله: من وصلك وصلته ومن قطعك قطعته»
والشجنة الاشتباك أي الرحم مشتقة من الرحمن يعني أنها قرابة من الله مشتبكة كاشتباك العروق والسبب العقلي في تأكيد رعاية هذا الحق أن القرابة مظنة الاتحاد والألفة والرعاية والنصرة، ولهذا صار كالتابع لحق الوالدين لأن الإنسان إنما يتصل به أقرباؤه بواسطة اتصالهم بالوالدين. قال الشافعي: لو أوصى لأقارب زيد دخل فيه الوارث وغير الوارث، والمحرم وغير المحرم، والمسلم والكافر، والذكر والأنثى، والغني والفقير، والأجداد والأحفاد، لا الأبوان والولد
على الأظهر، لأن الوالد والولد لا يعرفان في العرف بالقريب. وهاهنا دقيقة وهي أن العرب يحفظون الأجداد العالية ليرتفع نسبهم، ونحن لو ترقينا إلى الجد العالي وحسبنا أولاده كثروا، فلهذا قال الشافعي: نرتقي إلى أقرب جد ينسب هو إليه ويعرف به. وذكروا في مثاله أنه لو أوصى لأقارب الشافعي فإنا نصرفه إلى أولاد شافع فإنه منسوب إليه، ولا يدخل فيها أولاد علي والعباس وإن كان شافع وعلي والعباس كلهم أولاد السائب بن عبيد، والشافعي هو محمد بن إدريس بن العباس بن عثمان بن شافع بن السائب ابن عبيد بن عبد يزيد بن هاشم بن المطلب بن عبد مناف. قال المحققون: هذا في زمان الشافعي، وأما في زماننا فلا نصرفه إلا إلى أولاد الشافعي ولا نرتقي إلى بني شافع لأنه أقرب من يعرف به أقاربه في زماننا، ولا يدخل الأقارب من الأم في وصية العرب لأن قرابة الأم لا تعدها العرب قرابة ولا تفتخر بها أما لو أوصى لذي رحم زيد فيدخل فيه قرابة الأم في وصية العرب والعجم، لأن لفظ الرحم لا يختص بطرف الأب بحال. وذهبت طائفة إلى أن الأقوى على ما أجاب به العراقيون ومال إليه أبو حنيفة، هو أن أقارب الأم تدخل في الوصية سواء كانت في وصية العرب أو وصية العجم، وتوجيه الفارق ممنوع
لقوله ﷺ «سعد خالي فليرني امرؤ خاله».
والإحسان إلى الأقارب قريب من الإحسان إلى الوالدين، وذلك بأن يجتهد في رضاهم بما تيسر له عرفا وشرعا، وينفق عليهم بالمعروف إن كانوا معسرين وهو موسر.
التكليف الرابع: الإحسان إلى اليتامى واليتيم من الأطفال الذي مات أبوه إلى أن يبلغ الحلم، فيجب على وليه حفظ ماله واستنماؤه قدر النفقة والزكاة ومؤن الملك بما أمكنه والقيام بمصالحه مع رعاية دقائق الغبطة وقضاء حقوق النصيحة. قال ابن عباس: يرفق بهم ويدنيهم ويمسح رأسهم. واليتم في غير الإنسان من قبل أمه، واليتيم من الدر ما لا أخت له وإنما يجمع «يتيم» على «يتامى» لأن اليتم لما كان من صفات الابتلاء حمل على الوجع والحبط. فكما قالوا في وجع وحبط للمنتفخ البطن، وجاعي وحباطي، قيل في يتيم يتامى.
وفي الكشاف: إنه أجرى يتيم مجرى الأسماء نحو «صاحب» و «فارس» فقيل «يتائم» ثم «يتامى» على القلب وكذا في اليتيمة.
التكليف الخامس: الإحسان إلى المساكين واحدها مسكين أخذ من السكون، كأن الفقر سكنه، أو لأنه الدائم السكون إلى الناس، لأنه لا شيء له كالسكير. الدائم السكر وهو أسوأ حالا من الفقير عند أكثر أهل اللغة وهو قول أبي حنيفة ومالك، واحتجوا عليه بقوله
تعالى أَوْ مِسْكِيناً ذا مَتْرَبَةٍ [البلد: ١٦] وعند الشافعي وأحمد: الأمر بالعكس قالوا:
اشتقاق الفقير من فقار الظهر، كأن فقاره انكسرت لشدة حاجته، والمسكين قد يملك ما يتعلل به كما في قوله تعالى أَمَّا السَّفِينَةُ فَكانَتْ لِمَساكِينَ [الكهف: ٧٩] ويظهر أثر الخلاف فيما لو أوصى للفقراء دون المساكين أو بالعكس. والإحسان إلى ذوي القربى واليتامى والمساكين ينبغي أن يكون مغايرا للزكاة لأن العطف يقتضي التغاير.
التكليف السادس: وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً بالوصف أي قولا حسنا. وحسنا على المصدر أي قولا ذا حسن، أو قولا هو الحسن في نفسه لإفراط حسنه، أو ليحسن قولكم حسنا. والظاهر أن المخاطبين بذلك هم الذين أخذ ميثاقهم لاتحاد القصة. قيل: إنه مخصوص إما بتخصيص الناس أي قولوا للمؤمنين حسنا بدليل آية القتال أَشِدَّاءُ عَلَى الْكُفَّارِ رُحَماءُ بَيْنَهُمْ [الفتح: ٢٩] وإما بتخصيص القول أي قولوا للناس حسنا في الدعاء إلى الله والأمر بالمعروف. وقال أهل الحقيقة: إنه على العموم وذلك أن كلام الناس مع الناس في الأمور الدينية إن كان بالدعوة إلى الإيمان وجب أن يكون بالرفق واللين كما قال لموسى فَقُولا لَهُ قَوْلًا لَيِّناً [طه: ٤٤] وقال لمحمد ﷺ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ [آل عمران: ١٥٩] وإن كان بالدعوة إلى الطاعة كالفساق فحسن القول أيضا معتبر ادْعُ إِلى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ [النحل: ١٢٥] ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ [فصلت: ٣٤] وأما في الأمور الدنيوية فمن المعلوم أنه إذا أمكن التوصل إلى الغرض باللطيف من القول لم يعدل إلى غيره، وما دخل الرفق في شيء إلا زانه، وما دخل الخرق في شيء إلا شانه، فثبت أن جميع آداب الدين والدنيا داخل تحت هذا القول.
وعن الباقر: قولوا للناس ما تحبون أن يقال لكم.
التكليف السابع والثامن: قوله وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ وَآتُوا الزَّكاةَ وقد تقدم تفسيرهما.
ولا شك في وجوب هذه التكاليف عليهم بدليل: أخذ الميثاق، ولأن ظاهر الأمر للوجوب ولترتب الذم عليه بتوليهم، وهذه التكاليف أيضا واجبة في شرعنا. وعن ابن عباس: أن الزكاة نسخت كل حق. وضعف بأن إغاثة المضطر واجبة وإن لم تجب علينا الزكاة. واعلم أن التكليف إما بدني أو مالي وكل منهما إما عام أو خاص. فالبدني العام هو العبادة المطلقة، وهي أن يكون بكل الجوارح والقوى منقادا مطيعا مؤتمرا لأمر الله تعالى، بحيث لا يرى لنفسه شيئا من التصرف والاختيار كالعبد الماثل بين يدي مولاه وإليه الإشارة بقوله تعالى لا تَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ. والبدني الخاص هو الصلاة وأشار إليه بقوله وَأَقِيمُوا الصَّلاةَ فللصلاة أوقات مخصوصة وأركان وشروط معدودة. والمالي الخاص هو الزكاة لتخصصها
بالأصناف الزكوية وبالنصاب وبالحول وغير ذلك. والمالي العام لكونه منوطا بالقدرة.
والإمكان سببه إما نسب أولا، والنسب إما سابق أو مقارن أو لاحق. فالسابق الوالدان، والمقارن الأقارب، واللاحق اليتامى، لأنهم أولاد. وذلك إذا كان الولي جدا أو بمنزلة الأولاد، وذلك إذا كان الولي غيره. وغير النسب إما الاحتياج والفقر وهو المساكين، أو الاشتراك في النوع، ولا يمكن إلا بالقول الحسن، وما ينخرط في سلكه من مكارم الأخلاق الفعلية
«إنكم لن تسعوا الناس بأموالكم ولكن سعوهم بأخلاقكم»
فالقول الحسن يشمل الأصناف المتقدمة أيضا بهذا الاعتبار، وحسن هذا الترتيب مما لا مزيد عليه، وقد كرر أكثر هذه المعاني في سورة النساء بضرب من التأكيد، فأكد العبادة بقوله وَلا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئاً [النساء: ٣٦] وأكد الإحسان إلى ذي القربى. وما يتلوه بتكرير الجار وهو الباء وبضم أصناف أخر وهم الجار وغيره إليهم فكأنه كالتفصيل لقوله وَقُولُوا لِلنَّاسِ حُسْناً.
قوله تعالى ثُمَّ تَوَلَّيْتُمْ قيل الخطاب لمتقدمي بني إسرائيل على طريقة الالتفات، ووجهه أن أول الكلام معهم فكذا آخره إلا بدليل يوجب الانصراف عن هذا الظاهر، وقيل:
إنه خطاب لمن كان في عصر النبي ﷺ من اليهود، كأنه تعالى بين أن تلك المواثيق كما لزمهم التمسك بها فكذلك هي لازمة لكم لأنكم تعلمون ما في التوراة من نعت محمد ﷺ وصحة نبوته، فيلزمكم من الحجة مثل الذي لزمهم وأنتم مع ذلك قد توليتم إلا قليلا منكم وهم الذين آمنوا وأنتم معرضون. الواو للاعتراض أي وأنتم قوم من عادتكم الإعراض، أعرضتم بعد ظهور المعجزات كإعراض أسلافكم. وقيل: ثم توليتم للمتقدمين وأنتم معرضون للمتأخرين. وأما قوله تعالى وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ فقيل: خطاب لعلماء اليهود في عصر النبي صلى الله عليه وسلم. وقيل: المراد أخذنا ميثاق آبائكم. وقيل: خطاب للأسلاف وتقريع للأخلاف. وفي قوله لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ إشكال، وهو أن الإنسان ملجأ إلى أن لا يقتل نفسه فأي فائدة في النهي؟ والجواب أن هذا الإلجاء قد يتغير كما ثبت من أهل الهند أنهم يقدرون في قتل النفس التخلص من عالم الفساد واللحوق بعالم النور، وككثير ممن يصعب عليه الزمان، أو المراد لا يفعل ذلك بعضكم ببعض جعل غير الرجل نفسه إذا اتصل به أصلا أو دينا، أو أنه إذا قتل غيره فكأنما قتل نفسه لأنه يقتص منه، أو لا تتعرضوا لمقاتلة من يغلبكم فتكونوا قد قتلتم أنفسكم. وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ لا تفعلوا ما تستحقون بسببه أن تخرجوا من دياركم. والمراد إخراج بعضهم بعضا من ديارهم لأن ذلك مما تعظم فيه الفتنة حتى يقرب من الهلاك. وإعراب لا تَسْفِكُونَ ولا تُخْرِجُونَ على قياس ما تقرر في لا تَعْبُدُونَ ثُمَّ أَقْرَرْتُمْ وَأَنْتُمْ تَشْهَدُونَ أي ثم أقررتم بالميثاق واعترفتم على أنفسكم
بلزومه، وأنتم تشهدون عليها كقولك «فلان مقر على نفسه بكذا شاهد عليها» أو اعترفتم بقبوله وشهد بعضكم على بعض بذلك، لأنه كان شائعا فيما بينهم مشهورا، وأنتم تشهدون اليوم يا معشر اليهود على إقرار أسلافكم بهذا الميثاق. ثُمَّ أَنْتُمْ معنى «ثم» الاستبعاد لما أسند إليهم من القتل، وإلا جلاء والعدوان بعد أخذ الميثاق منهم، وإقرارهم وشهادتهم.
«وأنتم» مبتدأ و «هؤلاء» خبره أي أنتم بعد ذلك هؤلاء المشاهدون يعني أنكم قوم آخرون غير أولئك المقرين تنزيلا لتغير الصفة منزلة تغير الذات كما تقول: خرجت بغير الوجه الذي دخلت به، و «تقتلون» بيان «لأنتم هؤلاء» وقيل «هؤلاء» موصول بمعنى الذين وهذا عند الكوفيين فإنهم يجوزون كون جميع أسماء الإشارة بمعنى الموصول. والتظاهر التعاون، ولما كان الإخراج من الديار وقتل البعض بعضا مما تعظم به الفتنة واحتيج فيه إلى اقتدار وغلبة، بيّن تعالى أنهم فعلوه على وجه الاستعانة بمن يظاهرهم على الظلم والعدوان، وفيه دليل على أن الظلم كما هو محرم فكذا إعانة الظالم على ظلمه محرمة. ولا يشكل هذا بتمكين الله تعالى الظالم من الظلم فإنه كما مكنه فقد زجره عنه ونهاه بخلاف معين الظالم فإنه يدعوه إلى الظلم ويحسنه في عينه مع أنه تعالى لا يسأل عما يفعل. أسرى جمع أسير كجرحى في جريح، وأسارى جمع أسرى كسكرى وسكارى. وقيل: أسارى من الجموع التي ترك مفردها كأنه جمع «إسران» كعجالى وعجلان. وقوله تُفادُوهُمْ جمهور المفسرين على أنه وصف لهم بما هو طاعة وهو التخليص من الأسر ببذل مال أو غيره ليعودوا إلى كفرهم وهُوَ ضمير الشأن وإِخْراجُهُمْ مبتدأ ومُحَرَّمٌ خبره والجملة خبر الضمير. ويجوز أن يكون هُوَ مبتدأ مبهما ومُحَرَّمٌ خبره وإِخْراجُهُمْ تفسيره. أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ أي بالفداء وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ أي بالقتال والإجلاء.
وذلك أن قريظة كانوا حلفاء الأوس والنضير كانوا حلفاء الخزرج، فكان كل فريق يقاتل مع حلفائه، وإذا غلبوا خربوا ديارهم وأخرجوهم، وإذا أسر رجل من الفريقين جمعوا له حتى يفدوه فعيرتهم العرب فقالت:
كيف تقاتلونهم ثم تفدونهم؟
فيقولون: أمرنا أن نفديهم وحرم علينا قتالهم ولكنا نستحيي أن يذل حلفاؤنا فذمهم الله تعالى على المناقضة إذا أتوا ببعض الواجب وتركوا البعض، ولعلهم صرحوا باعتقاد عدم وجوبه فلهذا سماه كفرا، وقد تكون المناقضة أدخل في الذم وفي ذلك تنبيه على أنهم في تصديقهم بنبوة موسى مع التكذيب بمحمد ﷺ والحجة في أمرهما على سواء، يجرون
مجرى طريقة السلف منهم في الإيمان ببعض والكفر ببعض وكل في الميثاق سواء. الخزي الذل والهوان خزي بالكسر يخزي خزيا أي ذل وهان، وخزي أيضا يخزى خزاية أي استحيا فهو خزيان. فإذا قيل: أخزاه الله. فالمراد أهانه أو أوقعه موقعا يستحيي منه وتنكير «خزي» يدل على فظاعة شأنه وأنه بلغ مبلغا لا يكتنه كنهه، والأظهر أنه غير مختص ببعض الوجوه.
وقيل: هو قتل بني قريظة وأسرهم وإجلاء بني النضير، وقيل: الجزية، وعلى هذين القولين يختص الخزي بمن في عصر رسول الله ﷺ منهم وبمن يخلفهم دون أسلافهم، فإن قيل:
عذاب منكري الصانع كالدهرية يجب أن يكون أشد، فكيف يقال في حق اليهود يردون الى أشد العذاب؟ قلنا: إما لأن كفر العناد أغلظ، وإما لأن المراد أشد من الخزي لا الأشد مطلقا. وفي قوله: وَمَا اللَّهُ بِغافِلٍ وعيد شديد للعاصين وبشارة عظيمة للمطيعين، لأن القدرة الكاملة مع عدم الغفلة تدل على وصول الحقوق إلى مستحقها لا محالة. أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الْحَياةَ الدُّنْيا بِالْآخِرَةِ استبدلوها بها فَلا يُخَفَّفُ عَنْهُمُ الْعَذابُ لا ينقطع ولا يفتر بل يدوم على حالة واحدة وَلا هُمْ يُنْصَرُونَ بدفع هذا العذاب عنهم. وفيه تنبيه على أن الجمع بين تحصيل لذات الدنيا إذا كانت على وفق الهوى لا الشرع، وبين لذات الآخرة ممتنع يستتبع وجود إحداهما عدم الأخرى والله ولي التوفيق.
التأويل:
وَإِذْ أَخَذْنا مِيثاقَكُمْ في عهد أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ لا تَسْفِكُونَ دِماءَكُمْ بامتثال أوامر الشيطان واتباع خطواته كما قيل:
إلى حتفي مشى قدمي... أرى قدمي أراق دمي
وَلا تُخْرِجُونَ أَنْفُسَكُمْ من ديار عبوديتكم التي كنتم فيها في أصل الفطرة وَتُخْرِجُونَ فَرِيقاً مِنْكُمْ مِنْ دِيارِهِمْ لا تقتصرون على ضلالكم بل يعاون بعضكم بعضا على الإعراض عن حقوق الله والإقبال على حظوظ النفس وَإِنْ يَأْتُوكُمْ أُسارى تُفادُوهُمْ فمن أسر في قيد الهوى فإنقاذه بالدلالة على الهدى، ومن أسر في قيد حب الدنيا فخلاصه في كثرة ذكر المولى، ومن أسر في أيدي الشكوك والشبهات ففداؤه إرشاده إلى اليقين بلوائح البراهين ولوامع البينات، ومن أسر في حبس وجوده فنجاته فيما يحل عنه وثاق الكون ويوصله إلى معبوده، ومن أسر في قبضة الحق فليس لأسراهم فداء ولا لقتلاهم قود ولا لرهطهم خلاص ولا لقومهم مناص ولا منهم فرار ولا معهم قرار ولا إليهم بغيره سبيل ولا لديهم دليل أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتابِ وهو ما سمعتم في أول الخطاب أَلَسْتُ
غرائب القرآن ورغائب الفرقان
نظام الدين الحسن بن محمد بن حسين القمي النيسابوري
زكريا عميرات