لما كانت اليهود يدعون دعاوي باطلة مثل قوله : لَن تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أَيَّاماً مَّعْدُودَات ١ و لَن يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلاَّ مَن كَانَ هُوداً أَوْ نَصَارَى ٢ و نحن أبناء الله وأحباؤه ٣ كذبهم الله تعالى بقوله : قل لهم يا محمد إن كانت لكم خبر كان الدار الآخرة اسمها عند الله ظرف خالصة يعني خاصة بكم منصوب على الحال من الدار من دون الناس سائرهم واللام للاستغراق أو الجنس أو المسلمين واللام للعهد فتمنوا الموت يعني فاسألوه لأن من أيقن أنه من أهل الجنة ومن أحباء الله تعالى تمنى التخلص إليها من الدار ذات الشوائب واشتاق إلى لقاء الله تعالى. أخرج ابن المبارك في الزهد والبيهقي عن ابن عمر قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«تحفة المؤمن الموت »٤ والذيلمي عن جابر مثله، وعن الحسين بن علي مرفوعا مثله بلفظ :«الموت ريحانة المؤمن » وقال حبان بن الأسود : الموت جسر يوصل الحبيب إلى الحبيب، وهذه الآية والأحاديث تدل على «القبر أول منازل الآخرة »٥ رواه الترمذي وابن ماجة عن عثمان مرفوعا، وعلى أن الوصل بلا كيف مع الله تعالى يحصل بعد الموت قبل القيامة فوق ما كان حاصلا في الدنيا ولولا ذلك لما كان في تمني الموت فائدة ولم يكن الموت جسرا موصلا إلى الحبيب، وقيل معنى الآية ادعوا بالموت على الفرقة الكاذبة فهي نظيرة آية الابتهال، روي عن ابن عباس أنه صلى الله عليه وسلم قال :«لو تمنوا الموت لفص كل إنسان منهم بريقه وما بقي على وجه الأرض يهودي إلا مات » أخرجه البيهقي في الدلائل وكذا أخرجه البخاري والترمذي عنه مرفوعا بلفظ :«لو تمنوا الموت لماتوا »٦ وأخرج بن أبي حاتم وابن جرير عنه موقوفا نحو، إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ فيما ادعيتم والجزاء محذوف دل عليه ما قبله.
فصل
هل يجوز التمني بالموت والدعاء به ؟ والحواب أنه إن كان لضر نزل به في مال أو جسم أو أهل أو ولد فلا يجوز لحديث أنس قال قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«لا يتمنين أحدكم الموت لضر نزل به فإن كان ولا بد متمنيا فليقل : الله أحيني ما كانت الحياة خيرا لي وتوفني إذا كانت الوفاة خيرا لي »٧ متفق عليه، وفي رواية لهما «إذا مات أحدكم انقطع عمله وإنه لا يزيد عمره إلا خيرا » وعن أبي هريرة مرفوعا «لا يتمنين أحدكم الموت إما محسنا فلعل أن يزداد وإما مسيئا فلعل أن يستعتب »٨ رواه البخاري، وعنه «لا يتمنى أحدكم الموت ولا يدع به من قبل أن يأتيه أنه إذا مات انقطع عمله وأنه لا يزيد المؤمن عمره إلا خيرا »٩ رواه مسلم، وروي النهي عن تمني الموت أحمد والبزار والبيهقي عن جابر والمروزي عن القاسم مولى معاوية وعن ابن عباس، وأحمد وأبو يعلى والحاكم والطبراني عن أم الفضل وأحمد عن أبي هريرة كلهم عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا بد أن يعلم أن المنهي عنه إنما هو التمني للموت باللسان والسؤال به دون التمني بالقلب والرغبة إليه فإن الكف عنه غير مقدور فلا تكليف عليه.
وأما إن كان التمني لخوف الفتنة في الدين فلا بأس به، أخرج مالك والبزار عن ثوبان في دعائه صلى الله عليه وسلم :«وإذا أردت بالناس فتنة فاقبضني إليك غير مفتون » وأخرج مالك عن عمر أنه قال : اللهم قد ضعفت قوتي وكبر سني وانتشر رعيتي فاقبضني إليك غير مضيع ولا مقصد، فما جاوز ذلك الشهر حتى قبض، وأخرج الطبراني عن عمرو بن عنبسة عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :«لا يتمنى أحدكم الموت إلا أن لا يثق بعلمه فإن رأيت في الإسلام خصال فتمنوا الموت وإن كان نفسك في يدك فأرسلها : إضاعة الدم وإمارة الصبيان وكثرة الشرط وإمارة السفهاء وبيع الحكم ونشوء يتخذ القرآن مزامير »١٠ وأخرج ابن عبد البر في التمهيد أنه تمني الموت فلما قيل له لم تتمنى وقد نهي عنه فقال : سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول :«بادروا بالموت ستا إمرة السفهاء وكثرة الشرط وبيع الحكم واستخفافا بالدم وقطيعة الرحم ونشوء يتخذون القرآن مزامير » وأخرج الحاكم عن ابن عمر وابن سعد عن أبي هريرة نحوه، وقد تمنى بالموت لخوف الفتنة بعض السلف، رواه ابن سعد عن خالد بن معدان، وابن عساكر وأبو نعيم عنه وعن مكحول وابن أبي الدنيا عن أبي الدرداء، وابن أبي شيبة وابن أبي الدنيا عن أبي جحيفة، وابن أبي الدنيا والخطيب وابن عساكر عن أبي بكرة، وابن أبي شيبة والبيهقي عن أبي هريرة، والطبراني وابن عساكر عن العرباض بن السارية.
وأما إن كان التمني شوقا إلى لقاء الله تعالى فذلك محمود، أخرج ابن عساكر عن ذي النون المصري قال : الشوق أعلى المقامات وأعلى الدرجات إذا بلغها العبد استبطأ الموت إلى ربه وحبا إلى لقائه والنظر إليه :
أروم وقد طال المدى منك نظرة-وكم من دماء دون مرماي ظلت
قلت : وهو المقصود بالخطاب إلى البهود حيث قال : إِن كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الآَخِرَةُ عِندَ اللّهِ خَالِصَةً مِّن دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُاْ الْمَوْتَ شوقا إلى لقاء ربكم إِن كُنتُمْ صَادِقِينَ وروى ابن سعد والشيخان عن عائشة قالت :«كنت أسمع أنه لا يموت نبي حتى يخر بين الدنيا والآخرة، قالت أصابت رسول الله صلى الله عليه شديدة في مرضه فسمعته يقول : مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنْ النَّبِيِّينَ وَالصِّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَاءِ وَالصَّالِحِينَ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقاً فظننت أنه خير »١١ وروي النسائي عنها قالت : أغمي رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو في حجري فجعلت أمسحه وأدعوا له بالشفاء بهذه الكلمات أذهب البأس رب الناس فأفاق فانتزع من يدي فقال :«بل أسأل الله الرفيق الأعلى » وأخرج الطبراني أن ملك الموت جاء إلى إبراهيم ليقبض روحه فقال إبراهيم يا ملك الموت هل رأيت خليلا يقبض روح خليله فعرج الموت إلى ربه فقال قل له هل رأيت خليلا يكره لقاء خليله يقبض روح خليله فعرج ملك الموت إلى ربه فقال قل له هل رأيت خليلا يكره لقاء فقال اقبض روحي الساعة، وقال يوسف : تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَأَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ ١٢ وعن علي أنه قال : لا أبالي أسقط على الموتت أو يسقط الموت علي، أخرجه ابن عساكر في تاريخه، وعن عمار قال أنه قال بصفين : الآن ألاقي الأحبة محمدا صلى الله عليه وسلم وحزبه أخرجه الطبراني في الكبير وأبو نعيم في الدلائل، وقال حذيفة حين اختضر : جاء حبيب على فاقة لا أفلح من ندم، أخرجه ابن سعد عن الحسن فإن قيل روى أحمد عن أبي أمامة قال : جلسنا إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم " فذكرنا " ورققنا فبكى سعد بن أبي وقاص فأكثر البكاء فقال : يا ليتني مت فقال النبي صلى الله عليه وسلم :«يا سعد أعندي تتمنى الموت ؟ فردد ذلك ثلاث مرات، ثم قال : يا سعد إن كنت خلقت للجنة فما طال من عمرك حسن علمك فهو خير لك »١٣ وهذا الحديث يدل على أن تمني الموت لا يجوز وإن لم يكن لأجل ضر نزل به في ماله أو جسمه أو نحو ذلك فإن سعدا لم يتمن إلا لخوف عذاب الله، قلت : نعم لكن الموت لا يغني من عذاب الله شيئا بل لا بد لذلك من الاستغفار والمبادرة في الأعمال الصالحة والاجتناب عن المعاصي ومن ثم نهاه رسول الله صلى الله عليه وسلم عن تمني الموت.
والتحقيق في ذلك أن التمني بالموت عند خوف المعصية والتقصير في الطاعة جائز قطعا لا ريب فيه، وأما من غير ذلك بل شوقا إلى لقاء المحبوب فقد وقع عن بعض السلف عند الاختضار كما روينا عن رسول الله صلى الله عليه و سلم وعن خليل الرحمن عليه السلام وعن عمار وحذيفة وغيرهم أنه إذا حضرهم الموت ولم يبق لهم طمع في ازدياد الأعمال اشتاقوا إلى الله لقاء ذي الجلال، عن عبادة ابن الصامت قال : قال رسول الله صلى الله عليه وسلم :«من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه، ومن كره لقاء الله كره الله لقاءه، فقالت عائشة أو بعض أزواجه : إنا لنكره الموت، قال : ليس ذلك ولكن المؤمن إذا حضره الموت بشر برضوان الله وكرامته فليس شيء أحب أليه مما أمامه فأحب لقاء الله فأحب الله لقاءه، وإن كان كافرا إذا حضر بشر بعذاب الله وعقوبته فليس شيء أكره إليه مما أمامه فكره لقاء الله فكره الله لقاءه »١٤ متفق عليه، وأما في حالة الصحة فلم يرد عن السلف التمني بالموت إلا عند خوف الفتنة والتقصير كما روينا عن عمر رضي الله عنه ويحمل عليه ما روي عن علي رضي الله عنه أو عند غلبة الحال وذلك في الأولياء غالبا دون الأنبياء ومن في معناهم من أصحاب الصحو من الصديقين والأولياء، فإنهم مع شدة شوقهم إلى لقاء الرحمن يغتنمون ازدياد الحسنات.
فإني في الوصال عبيد نفسي-وفي الهجران مولى للموالي
وأما اليهود فلشدة جهلهم وعنادهم لما كانوا يدعون أنهم أحباء الله تعالى وأنهم غير محتاجين إلى الأعمال قيل لهم إن كنتم صادقين في دعواكم لا بد لكم من تمني المنى، ولما كانوا كاذبين في دعواهم رد الله تعالى عليهم قولهم وقال ولن يتمنوه أبدا في هذه الجملة إخبار، بالغيب معجزة على اليهود.
٢ سورة البقرة، الآية: ١١١.
٣ سورة المائدة، الآية١٨.
٤ سند الديلمي لا بأس به، وقال الحاكم صحيح رواه الذهبي بأن فيه عبد الرحمن بن زياد الأفريقي ضعيف وإسناده جيد عند الطبراني.
٥ أخرجه الترمذي في كتاب: الزهد٢٣٠٨، وأخرجه ابن ماجة في كتاب: الزهد، باب: ذكر الموت والبلى ٤٢٦٧.
٦ أخرجه أحمد في المسند من حديث جابر بن عبد الله وأبو يعلى ورجاله رجال الصحيح. انظر مجمع الزوائد في كتاب: علامات النبوة، باب: تأييده صلى الله عليه وسلم على أعدائه من الإنس والجن١٣٨٧٣.
٧ أخرجه البخاري في كتاب: المرضى، باب: تمني المريض الموت٥٦٧١ وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: كراهة تمني الموت لضر نزل به٢٨٠.
٨ أخرجه البخاري في كتاب: المرضى، باب: نهي تمني المريض الموت٥٦٧٣ وأخرجه النسائي في كتاب: الجنائز، باب: تمني الموت١٨١٠.
٩ أخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: كراهة تمني الموت لضر نزل به٢٦٨٢.
١٠ رواه الطبراني وفيه جماعة لم أعرفهم. انظر مجمع الزوائد في كتاب: التوبة، باب: تمني الموت لمن وثق بعمله وتمنيه عند فساد الزمان ١٧٥٦٩.
١١ أخرجه البخاري في كتاب: المغازي، باب: مرض النبي صلى الله عليه وسلم ووفاته٤٤٣٨. وأخرجه مسلم في كتاب: فضائل الصحابة، باب: في فضل عائشة رضي الله عنها٢٤٤٤.
١٢ سورة يوسف، الآية: ١٠١.
١٣ رواه أحمد والطبراني وفيه يزيد بن علي الألهاني وهو ضعيف. انظر مجمع الزوائد في كتاب: التوبة، باب: ما جاء في طول عمر المؤمن والنهي عنه تمنية الموت١٧٥٤٤.
١٤ أخرجه البخاري في كتاب: الرقاق، باب: من أحب الله لقاءه٦٥٠٧وأخرجه مسلم في كتاب: الذكر والدعاء والتوبة والاستغفار، باب: من أحب لقاء الله أحب الله لقاءه٢٦٨٦.
التفسير المظهري
المظهري