ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

ولمّا جرى الكلام على شأن النساء، وهن حبائل الشيطان، تشغل فتنتهن عن ذكر الرحمن، حذَّر الحق تعالى من فتنتهن، كما هو عادته تعالى في كتابه عند ذكرهن، وأمر بالتقوى التي هي حصن من كل فتنة، فقال :
وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَلَقَدْ وَصَّيْنَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِن قَبْلِكُمْ وَإِيَّاكُمْ أَنِ اتَّقُوا اللَّهَ وَإِن تَكْفُرُوا فَإِنَّ للَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللَّهُ غَنِيّاً حَمِيداً وَللَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللَّهِ وَكِيلاً إِن يَشَأ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللَّهُ عَلَى ذالِكَ قَدِيراً
قلت : من قبلكم : يتعلق بأوتوا أو بوصينا، و إياكم : عطف على الذين، و أن اتقوا : على حذف الجار، أي : بأن اتقوا، أو مفسرة ؛ لأن التوصية في معنى القول، و إن تكفروا على حذف القول، أي : وقلنا لهم ولكم : وإن تكفروا. . . الخ.
ثم بيَّن معنى سعته فقال : ولله ما في السماوات وما في الأرض أي : كل ما استقر فيهما فهو تحت حكمه ومشيئته، قائمًا بحفظه وتدبيره، يعطي كل واحد ما يقوم بأمره ويغنيه عن غيره. والله تعالى أعلم.
يقول الحقّ جلّ جلاله : ولقد وصينا الأمم المتقدمة الذين أنزلنا عليهم الكتاب من قبلكم كأهل التوراة والإنجيل والزبور، وغيرهم من الأمم، ووصيناكم أنتم أن اتقوا الله بأن تمتثلوا أوامره، وتجتنبوا نواهيَه، ظاهرًا وباطنًا، وقلنا لهم ولكم : وإن تكفروا فإن الله غني عن كفركم وشكركم ؛ فقد استقر له ما في السماوات وما في الأرض ملكًا وعبيدًا، فله فيهما من الملائكة من هو أطوع منكم، فلا يتضرر بكفركم، كما لا ينتفع بشكركم وتقواكم، وإنما أوصاكم رحمًة بكم، لا لحاجة إليكم، ثم قرر ذلك بقوله : وكان الله غنيًا حميدًا أي : غنيًا عن الخلق وعبادتهم، محمودًا في ذاته، حُمِد أو لم يُحمد.
سورة النساء
مدنية، وهي ستة عشر ألف حرف وثلاثون حرفا. وثلاثة آلاف وسبعمائة وخمس وأربعون كلمة. ومائة وستون آية. قاله الثعلبي. وقال البيضاوي : مائة وخمس وسبعون آية.
ومضمنها : الأمر بحفظ ستة أمور : حفظ الأموال، وحفظ الأنساب، وحفظ الأبدان، وحفظ الأديان، وحفظ اللسان، وحفظ الإيمان.
جزء ذو علاقة من تفسير الآية السابقة:الإشارة : التقوى أساس الطريق ومنهاج أهل التحقيق، عليها سلك السائرون، وبها وصل الواصلون، وقد وصَّى بها الحق تعالى المتقدمين والمتأخرين، وبها قرّب المقربين وشرّف المكرمين. ولها خَمسُ درجاتٍ : أن يتقي العبد الكفر ؛ وذلك بمقام الإسلام، وأن يتقي المعاصي والمحرمات ؛ وهو : مقام التوبة، وأن يتقي الشبهات ؛ وهو مقام الورع، وأن يتق المباحات، وهو مقام الزهد، وأن يتقي شهود السَّوى والحس ؛ وهو مقام المشاهدة.
ولها فضائل مستنبطة من القرآن، وهي خمس عشرة : الهداية ؛ لقوله تعالى :
هُدًى لِلْمُتَّقِينَ [ البقرة : ٢ ]، والنصرة ؛ لقوله : إِنَّ اللهَ مَعَ الَّذِينَ اتَّقَوا [ النّحل : ١٢٨ ]، والولاية ؛ لقوله : وَاللهُ وَلِيُّ الْمُتَّقِينَ [ الجَاثيَة : ١٩ ] والمحبة ؛ لقوله إِنَّ اللهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِين [ التّوبَة : ٤ ]، وتنوير القلب ؛ لقوله :[ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا إِن تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَل لَّكُمْ فُرْقَانًا [ الأنفال : ٢٩ ]، والمخرج من الغم والرزق من حيث لا يحتسب، لقوله : وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مَخْرَجًا وَيَرْزُقْهُ مِنْ حَيْثُ لاَ يَحْتَسِبُ [ الطلاق : ٢، ٣ ]، وتيسير الأمور ؛ لقوله : وَمَن يَتَّقِ اللهَ يَجْعَل لَّهُ مِنْ أَمْرِهِ يُسْرًا [ الطلاق : ٤ ] وغفران الذنوب وإعظام الأجر ؛ لقوله : وَمَن يَتَّقِ اللهَ يُكَفِّرْ عَنْهُ سَيِئَاتِهِ وَيُعْظِمْ لَهُ أَجْرًا [ الطّلاَق : ٥ ]، وتقبل الأعمال ؛ لقوله : إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ [ المَائدة : ٢٧ ] والفلاح ؛ لقوله : وَاتَّقُوا اللهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ [ البَقَرَة : ١٨٩ ] والبشرى ؛ لقوله :
لَهُمُ الْبُشْرَى في الْحَيَاةِ الْدُّنْيَا وَفي الآخِرَةِ [ يُونس : ٦٤ ]، ودخول الجنة ؛ لقوله : إِنَّ لِلْمُتَّقِينَ عِندَ رَبّهِمْ جَنَّاتِ الْنَّعِيِم [ القَلَم : ٣٤ ] والنجاة من النار ؛ لقوله :
ثُمَّ نُنَجّي الَّذِينَ اتَّقَوا [ مريم : ٧٢ ]. هـ. من ابن جزي.
ومما ينسب للقطب ابن مشيش رضي الله عنه :

عليكَ بتقوى الله في السرِّ والجهرِ ذا شئتَ توفيقَا إلى سُبُلِ الخيرِ
لأن التُّقى أصلٌ إلى البِرَّ كلَّه فخُذه تَفُز بكلِّ نوعٍ من البرّ
وخيرُ جميعِ الزاد ما قال ربُّنا فَكُن يا أخي للهِ مُمتَثِل الأمر

البحر المديد في تفسير القرآن المجيد

عرض الكتاب
المؤلف

أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير