ومن بعد ذلك يعقب الحق بآية :
ولله ما في السماوات وما في الأرض ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا( ١٣١ ) .
وسبحانه هو الذي يرضي الزوج إن افترق عن زوجته ويرضي الزوجة إن افترقت عن زوجها، لأنه جل وعلا خلق الدنيا التي لن تضيق بمطلوب الرجل أو المرأة بعد الانفصال بالطلاق فله ملك السماوات والأرض وهو القادر على أن يرزق الرجل امرأة هي خير بمن فارق ويرزق المرأة رجلا هو خير ممن فارقت فلا شيء خرج عن ملك الله وهو الواسع العطاء.
إننا كثيرا ما نجد رجلا كان يتزوج امرأة ولا تلد ويشاع عنها أنها عقيم ويذهب الاثنان إلى معامل التحليل ويقال أحيانا : المرأة هي السبب في عدم النسل، أو : الرجل هو السبب في عدم النسل ويفترق الاثنان ويتزوج كل منهما بآخر، فتلد المرأة من الزوج الجديد ويولد للرجل من الزوجة الجديدة لأن المسألة كلها مرادات الله، وليست أمور الحياة مجرد اكتمال أسباب تفرض على الله بل هو المسبب دائما فهو القائل :
لله ملك السماوات والأرض يخلق ما يشاء يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور( ٤٩ )أو يزوجكم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما إنه عليم قدير( ٥٠ ) .
كم صورة إذن عندنا لمثل هذا الموقف ؟ يهب لمن يشاء إناثا ويهب لمن يشاء الذكور أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ويجعل من يشاء عقيما هي بأربعة مقادير تجري على الرجل والمرأة وعندما يهب الله المؤمن الإناث يكون سعيدا وكذلك عندما يهبه الذكور، وعندما يهب الله لأسرة أبناء من الذكور فقط فالزوجة تحن أن يكون لها ابنة وإن وهب الحق لأسرة ذرية من الإناث فقط، فالمرأة والرجل يتمنيان الابن وإن أعطاهما الله الذكور والإناث نجدهما قد وصلا إلى الحالة التي تقر بها العيون عادة، والحالة التي تقر بها العيون عادة مؤخرة.
إن الحالة التي تزهد النفس فيها فالحق يقربها إلى أوليات الهبة، فقال أولا :" يخلق ما يشاء " وبعد ذلك :" يهب لمن يشاء إناثا " ثم ذكر عطاء الذكور ثم يأتي بالحالة التي يكون العطاء فيها في القمة : " أو يزوجهم ذكرانا وإناثا ".
وأخيرا يأتي بالقدر الرابع الذي يجريه على بعض خلقه وهو :" ويجعل من يشاء عقيما ".
ولماذا يسر الإنسان بقدر الله حينما يهبه الله الإناث أو الذكور ويزداد السرور بقدر الله حينما يهبه سبحانه الذكور والإناث ولماذا لا تسر إذن أيها الإنسان بقدر الله حينما يجعلك عقيما ؟ أتعتقد أنك تأخذ القدر الذي تهواه وترد القدر الذي ليس على هواك ؟ إن المواقف الأربعة هي قدر من الله.
ولو نظر الإنسان إلى كل أمر من الأمور الأربعة لرضي بها.
إنه سبحانه يخلق ما يشاء ويجعل من يشاء عقيما، إن قالها الإنسان باستقبال مطمئن لقدر الله فالله قد يقر عينه كما أقر عيون الآخرين بالإناث أو بالذكور أو بالذكور والإناث معا وأقسم لكم لو أن إنسانا أو زوجين أخذا قدر الله في العقم كما أخذاه في غيره من المواقف السابقة برضا إلا رزقهم الله، لا أقول ببنين وبنات يرهقونهن في الحمل والتربية وغيرها بل يرزقهم بأناس يخدمونهم وقد رباهم غيرهم، والذي يجعل الأزواج المفتقدين للإنجاب يعيشون في ضيق هو أنهم في حياتهم ساخطون على قدر الله والعياذ بالله فيجعل الله حياتهم سخطا، فهو القائل في حديثه القدسي :
عن أبي هريرة رضي الله عنه قال : قال النبي صلى الله عليه وسلم : يقول الله تعالى ( أنا عند ظن عبدي بي، وأنا معه إذا ذكرني فإن ذكرني في نفسه ذكرته في نفسي وإن ذكرني في ملأ ذكرته في ملأ خير منهم، وإن تقرب إلي بشبر تقربت إليه ذراعا وإن تقرب إلي ذراعا تقربت إليه باعا وإن أتاني يمشي أتيته هرولة )١.
إذن فالحق سبحانه وتعالى يقول :" ولله ما في السماوات وما في الأرض " فإياك أن تقول كون الله سيضيق عن رزق الرجل المفارق لزوجته أو المرأة المفارقة لزوجها من عطاء الله لهما فما دام سبحانه قد قرر الفراق كحل لعدم توافق في حياتهما معا فهو سبحانه سيعطي عن سعة للزوج وعن سعة للزوجة، وعليك أيها المسلم أن تطيع منهج الحق كما أطاع كل ما في السماوات وكل ما في والأرض، ثم اسأل نفسك هذا السؤال : من يقضي مصالحك كلها.
إنه الحق سبحانه الذي سخر أشياء ليست في طوق قدرتك أأرغمت الشمس أن تشرق لك بالضوء والحرارة ؟ أأرغمت الماء أن يتبخر وينزل مطرا نقيا ؟.
أأرغمت الريح أن تهب ؟ أضربت الأرض لتقول لها : غذي ما أضعه فيك من بذر بالعناصر الملازمة له والمحتاج إليها لينتج النبات ؟ كل هذا ليس في طوق إرادتك بل هو مسخر لك بأمر الله وإن أردت الاستقامة في أمرك لكنت كالمسخر فيما جعل الله لك فيه اختيار ولقلت لله : أنا أحب منهجك يا رب وما يطلبه مني سأنفذه قدر استطاعتي فتكون بقلبك وقالبك مع أوامر المنهج ونواهيه فينسجم ويتوافق الكون معك كما انسجم الكون المسخر المقهور المسير.
ولله ما في السماوات وما الأرض ، وهذا تذكير بأن كل شيء مملوك لله وفي طاعته، فلا تشذ أيها الخليفة لله عن الكون، فكل ما فيه يخدمك ولتسأل نفسك : أتعيش في ضوء منهج الله أم لا ؟ لأن الكون قد انسجم وهو مسخر لله، ولم يحدث أي خلل في القوانين الكلية وسبحانه القائل :
{ والسماء رفعها ووضع الميزان( ٧ )ألا تطغوا في الميزان( ٨ )وأقيموا الوزن بالقسط ولا تخسروا الميزان( ٩ )( سورة الرحمن ).
وهذا إيضاح من الحق تبارك وتعالى : إن أردتم أن تستقيم لكم أموركم الاختيارية فانظروا إلى الكون فالأشياء المسخرة لا يحدث منها خلل على الإطلاق، ولكن الخلل إنما يأتي من اختيارات الإنسان لغير منهج الله.
" ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " يوضح سبحانه : لقد وصينا الذين أنزلنا إليهم المنهج من قبلكم، ووصيناكم أنتم أهل الأمة الخاتمة أن التزموا المنهج بالأوامر والنواهي لتجعلوا اختياراتكم خاضعة لمرادات الله منكم حتى تكونوا منسجمين كالكون الذي تعيشون فيه، ويصبح كل شيء يسير منتظما في حياتكم ولم يقل الحق هذه القضية للمسلمين فقط لكنها قضية كونية عامة جاء بها كل رسول :" ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم ".
ولم يقل : شرعنا للذين أوتوا الكتاب من قبلكم، ولم يقل : فرضنا إنما قال :" ولقد وصينا " وكلمة " وصية " تشعر المتلقي لها بحب الموصي للموصى " ولقد وصينا الذين أوتوا الكتاب من قبلكم وإياكم أن اتقوا الله " وتقوى الله تعني أن نفعل أوامر الله وأن نتجنب نواهيه لنحكم حركة اختياراتنا بمنهج ربنا، فإن حكمنا حركة اختياراتنا بمنهج الله صرنا مع الكون كأننا مسخرون لقضايا المصلحة والخير.
ومن بعد ذلك يقول الحق : " وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا " ومقابل الكفر هو الإيمان، ومن يخرج عن الإيمان فالله غني عنه، فلا تعتقدوا أيها المخاطبون بمنهج الله أنني أستميلكم إلى الإيمان لأني في حاجة إلى إيمانكم لا، لكني أريد منكم فقط أن تكونوا مجتمعا سليما مجتمعا سعيدا وإن تكفروا فسيظل الملك كله لله، حتى ولو كنت متمردا في قبضة مرادات ربك، فلن تتحكم في مولد أو في ممات أو في مقدورات فالكون ثابت وسليم وجاء القرآن باللفت إلى انتظام الكون يقول الحق :
{ أفلم ينظروا إلى السماء فوقهم كيف بنيناها وزيناها وما لها من فروج( ٦ )والأرض مددناها وألقينا فيها رواسي وأنبتنا فيها من كل زوج بهيج( ٧ )تبصرة وذكرى لكل عبد منيب( ٨ )ونزلنا من السماء ماءا مباركا فأنبتنا به جنات وحب الحصيد( ٩ )والنخل باسقات لها طلع نضيد( ١٠ )رزقا للعباد وأحيينا به بلدة ميتا كذلك الخروج( ١١ )( سورة ق ).
وفي لحظة من اللحظات يأمر الحق كونا من كونه فيختل نظامه فترى الأرض المستقرة وقد تزلزلت، والتي قال عنها سبحانه :
وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم ( من الآية١٥سورة النحل ).
وسبحانه هو الذي يملكها فيجعلها تضطرب ويحدث في موقع منها زلزالا فتندثر المباني التي عليه حتى تفهم أن الدنيا ليست محكومة آليا، بل محكومة بالأسباب وزمامها ما زال في قيومية المسبب، ونلتفت إلى بعض من الزوابع من التراب وهي تغلق المجال الجوي كله بحيث لا يستطيع واحد أن ينظر من خلاله وهذا لفت من الله لنا يوضح : لقد صنعت هذه القوانين بقدرتي ولن تخرج هذه القوانين عن طلاقة قدرتي.
ونرى بلادا تحيا على أمطار دائمة تغذي الأرض، فنجد الخضرة تكسو الجبال ولا نجد شبرا واحدا دون خصوبة أو خضرة أو شجر وقد يظن ظان أن هذه المسألة أمر آلي، ويأتي الحق ليجري على هذه المنطقة قدر الجفاف فيمنع المطر وتصير الأرض الخصبة إلى جدب، وتنفق وتهلك الماشية ويموت البشر عطشا، وذلك ليلفتنا الحق إلى أن المسألة غير آلية ولكنها مرادات مريد.
وفي موقع آخر من الكرة الأرضية نجد أرضا منبسطة هادئة يعلوها جبل جميل، وفجأة تتحول قمة الجبل إلى فوهة بركان تلقي الحمم وتقذف بالنار وتجري الناس لتنقذ نفسها، ولذلك علينا أن نعرف أن عقل العاقل إنما يتجلى في أن يختار مراداته بما يتفق مع مرادات الله وعلى سبيل المثال لم يؤت العقل البشري القدرة الذاتية على التبوء بالزلازل، لكن الحمار يملك هذه القدرة.
" وإن تكفروا فإن لله ما في السماوات وما في الأرض وكان الله غنيا حميدا }وصدر الآية بالمقولة نفسها :" ولله ما في السماوات وما في الأرض " وذلك لتثبيت وتأكيد ضرورة الطاعة لمنهج الله حتى ينسجم الإنسان مع الكون وتجيء المقولة مرة ثانية في الآية نفسها ليثبت الحق أنه غني ولا تقل إن المقولة تكررت أكثر من مرة في الآية الواحدة ولكن قل : إن الحق جاء بها في صدر الآية لتثبت معنى، وجاءت في ذيل الآية لتثبت معنى آخر فسبحانه هو الغني عن العباد : وقل الحق من ربكم فمن شاء فليؤمن ومن شاء فليكفر ( من الآية٢٩سورة الكهف ).
ومجيء " ولله ما في السماوات وما في الأرض " لإثبات حيثية أن يطيع العبد خالقه ومجيء " لله ما في السماوات وما في الأرض " في ذيل الآية لإثبات حيثية غنى الله عن كل العباد والمقولة نفسها تأتي في الآية التالية حيث يقول سبحانه :
ولله ما في السماوات وما في الأرض وكفى بالله وكيلا( ١٣٢ ) .
تفسير الشعراوي
الشعراوي