ﮘﮙﮚﮛﮜﮝﮞﮟﮠﮡﮢﮣﮤﮥﮦﮧﮨﮩﮪﮫﮬﮭﮮﮯﮰﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛ

نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣٠:بعدما حض كتاب الله في نهاية الربع الماضي أعضاء الأسرة المسلمة على ضرورة تفادي الفراق والطلاق بكل ما يمكن من الوسائل، وأورد مادة الصلح والتصالح والإصلاح أربع مرات متوالية في سياق واحد جاءت أول آية في هذا الربع لتتحدث عن الفراق، الذي يقع بعد استنفاد كافة وسائل الوفاق، وكأن هذه الآية الكريمة تشير إلى الحالة التي لم يعد فيها أحد الزوجين يطيق الحياة مع الآخر، أو لم يعد فيها كل واحد منهما قادرا على العيش بجانب الآخر، وإذن تكون وضعية أحدهما أو وضعيتهما معا وضعية الأسير الذي يتمنى الخلاص من رق الأسر، أو وضعية السجين الذي يبحث عن النور ليخرج من الظلام، ففي هذه الحالة وحدها يعد الله الزوج أو الزوجة أو يعدهما معا بأنه سبحانه وتعالى سيعوضهما عن بعضهما خير العوض، وسيفتح لهما أبواب الأمل والرجاء في زواج أسعد، وعيش أفضل، وذلك قوله تعالى : وَإِن يَتَفَرَّقَا يُغْنِ اللّهُ كُلاًّ مِّن سَعَتِهِ وَكَانَ اللّهُ وَاسِعًا حَكِيمًا( ١٣٠ ) وإنما جاءت الآية بهذه الصيغة التي فيها إيماء إلى الرضى والعطف والمصادقة على الفراق، لأن الفراق في هذه الحالة أصبح هو الحل الوحيد لمشكلة سبق لها أن تأزمت، واتخذت لحلها جميع الوسائل دون جدوى، فكان الفراق هو المخرج الوحيد منها، بمنزلة العملية الجراحية التي يلجأ إليها في نهاية مراحل العلاج، بعد استنفاد المراحل الأخرى كلها.
وقوله تعالى وَاسِعًا حَكِيمًا في هذا السياق، مطابقان كل المطابقة للمشكل القائم الذي حله الإسلام عن طريق الطلاق، ففي سعة رحمة الله وعظيم فضله ملاذ لكل من الزوجين المتفارقين، وفي إذن الله بالفراق بعد استنفاد وسائل الوفاق، منتهى الحكمة في القضاء على أسباب الخلاف والشقاق.
ثم انتقل كتاب الله في نفس هذا المقام إلى التذكير بفريضة التقوى وعدم التعدي لحدود الله، مبينا أن التقوى وصية عامة وصى الله بها أهل الكتاب كما وصى بها المسلمين على السواء، وشأن الوصية من الناس بعضهم لبعض أن توضع موضع الاحترام والتنفيذ، وأن لا يقع فيها تبديل ولا كتمان، فما بالك بوصية الله المنزلة في كتبه، المنقولة على الناس على لسان رسله ؟ إنها أجدر الوصايا كلها وأحقها بالتنفيذ الدقيق والاحترام التام.
وكأن في هذا التذكير إشارة إلى أن من اعتصم بتقوى الله يتفادى الوقوع في كثير من المشاكل، ويعينه الحق سبحانه وتعالى على تخطي العقبات عندما تنزل بساحته النوازل وَمَن يَّتَّقِ اللهَ يَجعَل لَّهُ مَخرَجاُ وذلك قوله تعالى : وَلَقَد وَصَّيناَ الذِينَ أُوتُوا الكِتَابَ مِن قَبلِكُم وَإِيَّاكُم أَنِ اتَّقُوا اللهَ .
ومن هنا اتجه كتاب الله إلى مخاطبة خلقه أجمعين، ولا سيما الكافرين منهم وعصاة المؤمنين في سياق الوعيد والتهديد، لافتا نظرهم جميعا إلى حقيقة هي أكبر الحقائق وأصدقها جميعا، ألا وهي غنى الله المطلق عن خلقه، أساؤوا أم أحسنوا، أطاعوا أم عصوا، وذلك قوله تعالى : وَإِن تَكْفُرُواْ فَإِنَّ لِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَانَ اللّهُ غَنِيًّا حَمِيدًا( ١٣١ ) ، ثم قدرة الله القاهرة على إفناء الموجود، وإنشاء المعدوم، وقلب أوضاع العالم رأسا على عقب، تأديبا منه للمتمردين على طاعته، وعقابا للعصاة من خلقه، وتعويضا عنهم بمن هم أطوع لإرادة الله وأمره، وبمن هم أحرص على رضاه، وأشد تمسكا بتقواه، وذلك قوله تعالى : وَلِلّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الأَرْضِ وَكَفَى بِاللّهِ وَكِيلاً، ( ١٣٢ ) إِن يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ أَيُّهَا النَّاسُ وَيَأْتِ بِآخَرِينَ وَكَانَ اللّهُ عَلَى ذَلِكَ قَدِيرًا( ١٣٣ ) .
وكأن في هذا الخطاب الإلهي تحذيرا من الهزات والانقلابات والنكبات والكوارث الطبيعية، و دعوة موجهة للمؤمنين إلى أن يقوموا بواجبهم الكامل في تحقيق مراد الله وإعلاء كلمته في الأرض، وإعطاء الخلافة عن الله التي وكلها إليهم في أرضه حقها من الامتثال والفعالية، حتى تكون التوجيهات الإلهية حاكمة عليها، مسيرة لها، بارزة في جميع جنباتها، وإلا نزع الله يده منهم، ووكلهم إلى أنفسهم، وسلط عليهم النقمة، بدلا من النعمة، وفي هذا المعنى جاءت آيات كريمة أخرى تزيده وضوحا وبيانا، وذلك قوله تعالى : إِن يَّشَأ يُذهِبكُم وَيَأتِ بِخَلقٍ جَدِيدٍ، وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللهِ بِعَزِيزٍ أي وما ذلك عليه بممتنع، وقوله تعالى : وإن تَتَوَلَّوا يَستَبدِل قَوماً غَيرَكُم ثُمَّ لاَ يَكُونُوا أمثَلَكُمُ


التيسير في أحاديث التفسير

عرض الكتاب
المؤلف

المكي الناصري

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير