نص مكرر لاشتراكه مع الآية ١٣:لما بَيَّنَ سهام المواريث ذكر الوعد والوعيد، ترغيباً في الطَّاعة وترهيباً عن المعصية.
وقوله تعالى : تِلْكَ إشارة إلى ما ذكر من المواريث ؛ لأنَّ الضَّمير يعود إلى أقرب مذكورٍ.
وقيل : إشارة إلى كُلِّ ما ذكر من أوَّلِ السُّورة إلى هنا من أحكام أموال اليتامى، والأنكحة، وأحكام المواريث، قاله الأصمُّ١ ؛ لأنَّ الأقرب إذا لم يمنع من عوده إلى الأبعد وجب عوده إلى الكُلِّ ؛ ولأنَّ المراد بحدود اللَّهِ : الأحكام التي ذكرها وبيَّنها، ومنه حدود الدّار ؛ لأنَّها تميزها من غيرها.
قوله : وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وقوله : وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ .
قيل : مختصٌّ بمن أطاع أو عصى في هذه التَّكاليف المذكورة في هذه السُّورة.
وقال المحقِّقُون٢ : بل هو عام ؛ لأنَّ اللَّفظَ عامٌّ فيتناول الكُلَّ.
قوله : يُدْخِلْهُ حَمَلَ على لفظ " مَنْ "، فَأفْرَدَ الضَّميرَ في قوله : يُطِعِ اللَّهَ و يُدْخِلْهُ وعلى معناها، فجمع في قوله : خَالِدِينَ وهذا أحسنُ الحَمْلَيْنِ، أعني : الحمل على الَّلفظ، ثم على المعنى، ويجوز العكس، وإن كان ابن عطيَّة قد منعه وليس بشيء لثبوته عن العرب، وَقَد تَقَدَّمَ ذلك مِرَاراً، وفيه تفصيلٌ، وله شروط مذكورة في كتب النحوِ.
قوله : خَالِدِينَ في نصبه وجهان :
أظهرهما : أنَّهُ حال من الضمير المنصوب في يُدْخِلْهُ وَلاَ يَضُرُّ تَغَايُرُ الحال وصاحبها من حيث كانت جمعاً وصاحِبُها مفرداً، لما تقدَّم من اعتبار الَّلفْظِ والمَعْنَى وهي مقدّرة ؛ لأنَّ الخلود بعد الدُّخول.
والثَّاني : أن يكون نَعْتاً ل جَنَّاتٍ من باب ما جَرَى على موصوفه لَفْظاً، وهو لغيره معنىً٣، نحو : مررت برجُلٍ قائمةٍ أمُّه، وبامرأة حَسَنٍ غُلامُها، ف " قائمة " وحسنٍ وإن كانا جَارِيينِ على ما قبلهما لَفْظاً فهما لِما بَعْدَهما معنىً، وأجازَ ذلك في الآية الكريمة الزَّجَّاجُ وتبعه التبرِيزيُّ، إلاَّ أنَّ الصِّفة إذا جَرَتْ على غير مَنْ هي له وجب إبرازُ الضَّمير مطلقاً على مذهب البصريين ألْبسَ أو لم يُلْبسْ.
وَأمَّا الكوفيون فيفصِّلون، فيقولون : إذا جرت الصِّفة على غير مَنْ هي له، فإنْ ألْبسَ وَجَبَ إبرازُ الضمير، كما هو مذهبُ البصريين ؛ نحو :" زيدٌ عمرو ضاربُه هو "، إذا كان الضربُ واقعاً من زيد على عمرو، فإن لم يُلْبسْ لم يَجِبِ الإبرازُ، نحو :" زيدٌ هندُ ضاربُها "، إذا تَقَرَّرَ هذا فَمذهَبُ الزَّجَّاجِ في الآية إنَّمَا يتمشَّى على رأي الكوفيين، وهو مذهب حَسَنٌ.
واستدلَّ مَنْ نَصَرَ مذهب الكوفيين بالسَّمَاعِ، فمنه قراءة مَنْ قرأ٤ إِلَى طَعَامٍ غَيْرَ نَاظِرِينَ إِنَاهُ [ الأحزاب : ٥٣ ] بجر " غير " مع عدم بروز الضمير، ولو أبْرَزَهُ لقال : غير ناظرين إناه أنتم.
ومنه قول الآخر :[ البسيط ]
ولم يقل : بَانُوهَا هُمْ. قَوْمِي ذُرَا المَجْدِ بَانُوهَا وَقَدْ عَلِمَتْ بِكُنْهِ ذَلِكَ عَدْنَانٌ وقَحْطَانُ٥
وقد خَرَّج بعضهمُ البيت على حذف مبتدأ، تقديره : هم بانوها٦ ف " قومي " مبتدأ أوَّلٌ، و " ذُرا " مبتدأ ثان، و " هُمْ مبتدأ ثالث، و " بانوها " ٧ خبر الثَّالث والثَّالِثُ وخبره خبر الثَّاني والثاني وخبره خبر الأوَّل.
وقد منع الزمخشريُّ كون " خَالِدينَ " و " خَالِداً " صفةٌ ل " جَنَّاتِ " و " ناراً ". فقال : فإن قلت : هل يجوز أن يكونا صفتين ل " جنات " و " ناراً " ؟ قلت : لا لأنَّهما جَرَيَا على غير مَنْ هُمَا له، فلا بُدَّ مِنْ الضَّميرِ في قولك :" خالدين هم فيها "، و " خالداً هو فيها ".
ومنع أبُو البَقَاءِ ذلك أيضاً بعدم إبراز الضمير لكن مع " خالداً " ولم يتعرض لذلك مع " خالدين " ولا فرق بَيْنَهُما، ثم حكى جواز ذلك عن الكوفيين، وهذا المنع على مذهب البصريين كما تقدَّمَ.
وقرأ٨ نافعٌ وابنُ عَامِرٍ هنا " نُدْخِلْهُ " في الموضعين، وفي سورة الفتح [ الآية ١٧ ] وفي سورة التغابن [ الآية ٩ ] والطلاق [ الآية ١١ ] بنون العظمة، والباقون بالياء، والضميرُ للَّه تعالى.
فإن قيل : كيف جمع خَالِدِينَ في الطائعين، وأفرد خالداً في العاصين ؟.
فالجواب : قالوا : لأنَّ أهلَ الطَّاعة أهلُ الشَّفاعة، فلمَّا كانوا يَدْخُلون هو والمشفوُعُ لهم ناسب ذلك الجمع، والعاصي لا يَدْخُلُ به غيرهُ النارَ، فناسَبَ ذلك الإفرادُ.
قوله : تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الأَنْهَارُ هذه الجملةُ في محل نصبِ صفةً ل " جنات "، وقد تقدم مراراً أن المنصوب بعد " دخل " من الظروف هل نَصْبُهُ نصبُ الظُّروف، أو نَصْبُ المفعول به ؟
الأوَّل : قول الجمهور.
والثاني : قول الأخفش، فكذلك جَنَّاتٍ ، و نَاراً .
فصل
قالت المعتزلةُ٩ : هذه الآية دلَّت على أنَّ العصاة من أهل الصَّلاة يخلدون في النَّار ؛ لأنَّ قوله وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَتَعَدَّ حُدُودَهُ إمَّا أن يختص بمن تعدَّى الحدود المتقدمة، وهي حدود المواريث أو يدخل فيها ذلك وغيره، وعلى هذا يلزمُ دخول من تَعَدَّى في المواريث في هذا الوعيد، وذلك عام فيمن تَعَدَّى، وهو مِنْ أهل الصَّلاة، أو ليس من أهل الصَّلاة فدلّت هذه١٠ الآية على القطع بالوعيد وعلى الخلود، ولا يقال على هذا الوعيد مختص بمن تَعَدَّى حدودَ اللَّهِ، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ في حقِّ الكافر، فإنَّهُ هو الَّذي تعدّى جميعَ حدودَ اللَّه، فَإنَّا نقولُ : هذا مدفوع من وجهين :
الأوَّلُ : أنَّا لو حملنا هذه الآية على تعدي جميع حدود اللَّه خرجت الآية عن الفائدة، لأنَّ اللَّه تعالى نهى عن اليهوديَّةِ والنَّصرانية، والمجوسيَّة، فتعدي جميع هذه النَّواهي وتركها إنما يكون بأن يأتي اليهودية والنصرانية والمجوسية معاً، وذلك محال، فثبت أن تعدي جميع حدود اللَّه محالٌ، وإذا كان كذلك علمنا أنَّ المراد منه أي حدٍّ كان من حدود اللَّه.
الثَّاني : أنَّ هذه الآية مذكورة عقيب قسمة المواريث فيكونُ المراد فيها التّعدي في الحدود المذكورة في قسمة الموارث.
وأجيب١١ بأنَّا أجمعنا على أنَّ هذا الوعيد مختصٌّ بعدم التَّوْبَةِ ؛ لأنَّ الدَّليل دَلَّ على أنَّهُ إذا تابَ لم يبق هذا الوعيد فكذلك يجوز أن يكون مشروطاً بعدم العَفْوِ، فإنَّ بتقدير١٢ قيام الدلالة على حصول العفو يمتنع بقاء هذا الوعيد عند حصول العفوِ، ونَحْنُ قَدْ ذَكَرْنَا الدلائل١٣ الدّالة على حصول العفو، ثمَّ نقول : هذا العموم مخصوصٌ بالكافر١٤ لوجهين :
الأوَّلُ : أنا إذا قلنا لكم : ما الدَّليلُ على أنَّ كلمة " من " في معرض الشَّرط تفيد العموم ؟ قلتم : لأنَّهُ يصحُّ الاستثناء، [ منه، والاستثناء ]١٥ يخرج من الكلام ما لولاه لدخل فيه، فنقول : إنْ صح هذا الدَّليل فهو يَدُلُّ على أنَّ قوله وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يختص بالكافرِ ؛ لأن جميع المعاصي يَصِحُّ استثناؤها من هذا اللفْظِ، فَيُقَال : ومن يعص الله ورسوله إلاَّ فِي الكُفْرِ، وإلاَّ في الفسق، وحكم الاستثناء إخراج ما لولاه لدخل، فهذا يقتضي١٦ أن قوله : وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ في جميع أنواع المعاصي والقبائح، وذلك لا يتحقَّق إلاَّ فِي حَقِّ الكافِرِ، وقوله١٧ : الإتيان بجميع المعاصي محال قال : وذلك لأنَّ الإتيان باليهوديَّة والنصرانيَّة والمجوسية معاً محال، فنقول : ظاهر اللَّفظ يقتضي العموم إلاَّ إذَا قَامَ مُخَصَّصٌ عقليّ أو شرعيّ، وعلى هذا التقدير يسقط سؤالهم.
والوجه الثاني : في بيان تخصيص العموم بالكافر، أنَّ قوله : وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ يفيد كونه فاعلاً للمعصية والذّنب، فقوله :" ويتعد حدوده " لو كان المرادُ منه عينُ ذلك للزم التّكرار، وهو خلافُ الأصْلِ فوجب حمله على الكفر، وقولهم : تحمل هذه الآية على تعدّي الحدود المذكورة في المواريث.
قلنا : هَبْ أنَّ الأمرَ كذلك إلاَّ أنَّهُ يسقط ما ذكرناه من السُّؤال بهذا الكلام ؛ لأنَّ التَّعدي في حدود المواريث تارة [ يكون ]١٨ بأن يعتقد أنَّ تلك التَّكاليف، والأحكام حقٌّ وواجبة القبول، إلاَّ أنَّهُ يتركها، وتارة [ يكون ]١٩ بأن يعتقد أنَّهَا واقعة لا على وجه الحكمة والصَّواب، فيكون هذا هو الغاية من تعدي الحدود وأمَّا٢٠ الأوَّلُ فلا يكاد يطلقُ في حَقِّهِ أنه تعدى حدود اللَّهِ، وَإلاَّ لزم وقوع التَّكرار، فعلمنا أنَّ هذا الوعيد مختصّ بالكافر الذي لا يرضى بما قسمه اللَّهُ من المواريث.
فصل
قال ابن عبَّاسٍ٢١ : الإضرار في الوصيَّة من الكبائر ؛ لأنَّهُ عَقَّبَ هذه الآية بالوعيد.
وفي الحديث " إنَّ الرَّجُلَ لَيَعْمَلَ بعَمَلِ أهْلِ الْجَنَّةِ سَبْعِينَ سَنَةً فَيَحِيفُ فِي وَصِيَّتِهِ فيختم له [ اللَّهُ ]٢٢ بشر عمله فيدخل النار، وإنَّ الرَّجل ليعمل بعمل أهل النَّار سبعين سنةً فيعدلُ في وصيَّتِه فيختم له بخير فيدخل الجنة ".
وفي الحديث :" مَنْ قَطَعَ مِيراثاً فرضه اللَّهُ قطع اللَّهُ ميراثه من الجنة " ٢٣ والزيادة في الوصيَّة٢٤ تدل على الحسرة الشديدة وذلك من أكبر الكبائر.
٢ ينظر: المصدر السابق..
٣ في أ: وهو لغير مذكور معنى..
٤ ستأتي في الأحزاب..
٥ ينظر أوضح المسالك ١/١٩٦، وتخليص الشواهد ص ١٨٦، والدرر ٢/٩، وشرح الأشموني ١/٩٣، وشرح التصريح ١/١٦٢، وشرح ابن عقيل ص ١٠٩، وهمع الهوامع ١/٩٦ والدر المصون ٢/٣٢٨..
٦ في أ: بأبوها..
٧ في أ: بأبوها..
٨ انظر: السبعة ٢٢٨، والحجة ٣/١٤٠، وحجة القراءات ١٩٣، والعنوان ٨٣، وإعراب القراءات ١/١٣٠، وشرح شعلة ٣٣٥، وشرح الطيبة ٤/١٩٥، وإتحاف ١/٥٠٥..
٩ ينظر: الرازي ٩/١٨٤، ١٨٥..
١٠ في أ: قدمت..
١١ في أ: وأجيبوا..
١٢ في أ: بتقديم..
١٣ في أ: الدليل..
١٤ في أ: للكافر..
١٥ سقط في أ..
١٦ في ب: فهاهنا..
١٧ في ب: وقولهم..
١٨ سقط في أ..
١٩ سقط في أ..
٢٠ في ب: فأما..
٢١ ينظر: تفسير الرازي ٩/١٨٣..
٢٢ سقط في ب..
٢٣ ذكره السيوطي في "الدر المنثور" (٢/١٢٨) وعزاه إلى ابن أبي شيبة وسعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا.
وذكره المتقي الهندي في "كنز العمال" (٣٠٤٠٠) وعزاه إلى سعيد بن منصور عن سليمان بن موسى مرسلا..
٢٤ زيادة في ب" قطع من الميراث ولأن مخالفة أمر الله تعالى عند القرب من الموت"..
اللباب في علوم الكتاب
أبو حفص سراج الدين عمر بن علي بن عادل الحنبلي الدمشقي النعماني
عادل أحمد عبد الموجود