ومن يعص الله ورسوله ويتعد حدوده يدخله نارا خالدا فيها وقال في ذكر أهل الجنة خالدين وفي ذكر أهل النار خالدا إشارة إلى تمتع أهل الجنة بالاجتماع وأنس بعضهم ببعض والمترفون يسرون بمثل هذا التمتع وأما الذي في النار فإن له من العذاب ما يمنعه من الأنس فكأنه وحيد لا يجد لذة في الاجتماع بغيره ولا أنسابه يرشد إلى ذلك قوله تعالى : وَلَن يَنفَعَكُمُ الْيَوْمَ إِذ ظَّلَمْتُمْ أَنَّكُمْ فِي الْعَذَابِ مُشْتَرِكُونَ ( الزخرف : ٣٩ ) وتعدي الحدود الموجب للخلود في النار : هو الإصرار على الذنب وعدم التوبة عنه فللمذنب حالان :
غلبة الباعث النفسي من الشهوة أو الغضب على الإنسان حتى يغيب عن ذهنه الأمر الإلهي فهو يقع في الذنب وقلبه غائب عن الوعيد لا يتذكره أو يتذكره ضعيفا كأنه نور ضئيل يلوح في ظلمة ذلك الباعث المتغلب ثم لا يلبث أن يزول أو يختفي حتى إذا سكنت الشهوة أو سكت الغضب وتذكر النهي والوعيد ندم وتاب ولام نفسه أشد اللوم ومثل هذا جدير بالنجاة إذ هو من المسارعين إلى الجنة كما قال تعالى في أوصافهم وَلَمْ يُصِرُّواْ عَلَى مَا فَعَلُواْ وَهُمْ يَعْلَمُونَ ( آل عمران : ١٣٥ ).
أن يقدم المرء على الذنب جريئا عليه متعمدا فعله عالما بتحريمه مؤثرا له على الطاعة لا يصرفه عنه تذكر النهي والوعيد عليه ومثل هذا قد أحاطت به خطيئته فآثر شهوته على طاعة الله ورسوله فدخل في عموم قوله تعالى : بَلَى مَن كَسَبَ سَيِّئَةً وَأَحَاطَتْ بِهِ خَطِيئَتُهُ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ( البقرة : ٨١ ).
إذ من يصر على المعصية عامدا عالما بالنهي والوعيد لا يكون مؤمنا بصدق الرسول ولا مذعنا لشرعه الذي تنال الرحمة والرضا بالتزامه والعذاب والنكال بتعدي حدوده فالإصرار على العصيان وعدم استشعار الخوف والندم لا يجتمعان في قلب المؤمن الإيمان الصحيح المصدق بوعد الله ووعيده.
وله عذاب مهين المهين المذل له وهو عذاب الروح فللعصاة عذابان : عذاب جسماني للبدن العاصي باعتباره حيوانا يتألم وعذاب روحاني باعتباره إنسانا يشعر بالكرامة والشرف ويتألم بالإهانة والخزي.
تفسير المراغي
المراغي