وأصل العزة في اللغة: الشدة، ومنه قيل للأرض الصلبة الشديدة: عزاز، ويقال: استعز عليّ المرض، إذا اشتد مرضه وكاد أن يهلك، وتعزز اللحم، إذا اشتد، ومنه: عز عليّ أن يكون كذا، بمعنى: اشتد، وعز الشيء، إذا قل حتى لا يكاد يوجد، لأنه اشتد مطلبه، واعتز فلان بفلان، إذا اشتد ظهره به، وشاة عزوز، تحلب بشدة لضيق أحاليلها. والعزة: القوة، منقولة عن الشدة لتقارب معنييهما. والعزيز القوي المنيع، خلاف الذليل (١).
والكلبي فسر العزة في قوله: أَيَبْتَغُونَ عِنْدَهُمُ الْعِزَّةَ بالظهور على محمد وأصحابه (٢). وهو راجع إلى معنى القوة، يعني: أيطلبون أن يتقووا بهم فيظهرون على المسلمين.
وقوله تعالى: فَإِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا أي الغلبة والقوة، والمعنى أنه لا تطلق صفة العزة إلا لله -عز وجل- (٣)، لأنه لا يُعتد بعزة أحد مع عزته، لصغرها واحتقارها في صفة عزته؛ ولأنه المقوِّي لجميع من له القوة من خلقه، فجميع العزة له؛ لأنه عزيز بعزة، ومعز من عز من عباده بما خلق له من العزة، فله العزة جميعًا من كل وجه.
١٤٠ - قوله تعالى: وَقَدْ نَزَّلَ عَلَيْكُمْ فِي الْكِتَابِ أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا الآية.
(٢) انظر: "الكشف والبيان" ٤/ ١٣٤ أ، و"زاد المسير" ٢/ ٢٢٦.
(٣) لعل المراد أن العزة على وجه الإطلاق لا تكون إلا لله.
قال المفسرون: الذي نزّل في النهي عن مجالستهم ما نزل بمكة من قوله تعالى: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ الآية [الأنعام: ٦٨] وكان المنافقون يجلسون إلى أحبار اليهود، فيسخرون من القرآن ويكذبون به فنهى الله عز وجل المسلمين (١).
وقوله تعالى: أَنْ إِذَا سَمِعْتُمْ آيَاتِ اللَّهِ يُكْفَرُ بِهَا وَيُسْتَهْزَأُ بِهَا أي إذا سمعتم الكفر بآيات الله والاستهزاء بها، ولكن أوقع فعل السماع على الآيات والمراد بالسماع الاستهزاء (٢).
قال الكسائي: وهو كمال تقول العرب: سمعت عبد الله يُلام، وأتيت عبد الله يُلام، إنما سمع اللوم فأوقع على الملوم (٣).
وقوله تعالى: فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ.
أي يأخذوا في حديث غير الكفر والاستهزاء، فكنى عنه لأن الفعل يدل على المصدر.
وقوله تعالى: إِنَّكُمْ إِذًا مِثْلُهُمْ، قال ابن عباس: "يريد إنكم كافرون مثلهم" (٤).
وهذا دليل على الوعيد لمن رضي بحالهم وما هم عليه من الكفر والاستهزاء (٥)، أو من رضي بالكفر فهو كافر، ويدل على أن من رضي بمنكر وخالط أهله وإن لم يباشر ذلك كان في الإثم والمعصية بمنزلة
(٢) انظر: القرطبى ٥/ ٤١٧، ٤١٨.
(٣) لم أقف عليه عن الكسائي، وانظر: القرطبي ٥/ ٤١٨.
(٤) لم أقف عليه.
(٥) انظر: الطبري ٥/ ٣٣٠.
المباشر، ألا ترى أن الله ذكر لفظ المماثلة في هذا الموضع (١)، وقد قال ابن عباس في قوله: فَلَا تَقْعُدُوا مَعَهُمْ: "يريد وأنتم تسمعون وتجالسونهم ولا تغضبون" (٢) فدل هذا أن النهي عن القعود معهم على الرضا بما هم عليه. فأما إذا قعد ساخطًا منكرًا لفعلهم فإنه لا يكون مثلهم (٣).
وقال ابن عباس في قوله في سورة الأنعام: وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آيَاتِنَا الآية [الأنعام: ٦٨]: "دخل فيها كل مُحدث في الدين وكل مبتدع إلى يوم القيامة" (٤). يريد أن من أحدث في الدين فقد خاض في آيات الله بالباطل.
وقد ورد النهي في هذه الآية التي نحن فيه (٥) عن القعود مع الذين يخوضون في آيات الله بالباطل، فلا يجوز القعود عند كل صاحب بدعة وإحداث في الدين، سيما في القرآن وتفسيره (٦).
وقال أهل العلم: إنما ورد النهي عن القعود مطلقًا، لأن (المجالسة) (٧) مع قوم يقتضي المؤانسة والمشاركة فيما يجرى من المحادثة، هذا هو الغالب في العادة، وقيل من يُجالس قومًا منكرًا عليهم بأخطاء لما يجري بينهم.
(٢) لم أقف عليه.
(٣) لم أجد مثل هذا القول عند المفسرين، وهو خلاف ظاهر الآية.
(٤) "الكشف والبيان" ٤/ ١٣٤ أ، وانظر: البغوي ٢/ ٣٠١.
(٥) هكذا في المخطوط، ولعل الصواب: "فيها".
(٦) انظر: الطبري ٥/ ٣٣٠
(٧) هذه الكلمة غير واضحة في المخطوط، وما أثبته قريب.
التفسير البسيط
أبو الحسن علي بن أحمد بن محمد بن علي الواحدي، النيسابوري، الشافعي