قَوْلُهُ تَعَالَى : مُّذَبْذَبِينَ بَيْنَ ذلِكَ ؛ نصبَ على الذمِّ ؛ ومعناهُ : مُتَرَدِّدِيْنَ بين كُفْرِ السِّرِّ وإيْمانِ العلانيةِ، ليسُوا من المؤمنين فيجبُ لَهم ما يجبُ للمسلمين ؛ وليسُوا من الكفَّار فيجبُ عليهم ما يجبُ على الكفَّار. وَقِيْلَ : معناهُ : مُتَحَيِّرِيْنَ بين الكفرِ والإيْمان، لاَ إِلَى هَؤُلاءِ وَلاَ إِلَى هَؤُلاءِ ؛ أي ليسُوا من المؤمنينَ فيجبُ عليهم ما يجبُ عليهم، وليسُوا من الكفَّار فيؤخَذُ منهم ما يؤخذُ من الكفَّارِ ؛ أي ما هُم بمؤمنين مُخلصين، ولا مشركينَ مصرِّحين بالشِّركِ.
وكان ﷺ يَضْرِبُ مَثَلاً لِلْمُؤْمِنِيْنَ وَالْمُنَافِقِيْنَ وَالْكَافِرِيْنَ كَمَثَلِ ثَلاَثَةٍ دُفِعُواْ إلَى نَهْرٍ ؛ فَقَطَعَهُ الْمُؤْمِنُ ؛ وَوَقَفَ الْكَافِرُ ؛ وَنَزَلَ فِيْهِ الْمُنَافِقُ، حَتَّى إذا تَوَسَّطَهُ عَجَزَ ؛ فَنَادَاهُ الْكافِرُ : هَلُمَّ إليَّ لاَ تَغْرَقْ، وَنَادَاهُ الْمُؤْمِنُ : هَلُمَّ إلَيَّ لِتَخْلَصَ. فَمَا زَالَ الْمُنَافِقُ يَتَرَدَّدُ بَيْنَهُمَا حَتَّى إذا أتَى عَلَيْهِ مَاءٌ فَغَرَّقَهُ، فَكَانَ الْمُنَافِقُ لَمْ يَزَلْ فِي شَكٍّ حَتَّى يَأَتِيْهِ الْمَوْتُ. قَوْلُهُ تَعَالَى : وَمَن يُضْلِلِ اللَّهُ فَلَن تَجِدَ لَهُ سَبِيلاً ؛ أي من يَخْذِلُهُ اللهُ عن الْهُدَى، فلن تَجِدَ له يا مُحَمَّدُ طريقاً إلى الْهُدَى.
كشف التنزيل في تحقيق المباحث والتأويل
أبو بكر الحدادي اليمني