قوله تعالى: مُّذَبْذَبِينَ : فيه ثلاثةُ أوجهٍ أحدُهما: أنه حال مِنْ فاعل «يُراؤون» الثاني: أنه حالٌ من فاعل «ولا يَذْكَرُون» الثالث: أنه منصوبٌ على الذمّ والجمهور على «مذبذّبين» بميمٍ مضمومة وذالين معجمتين ثانيتهما مفتوحةٌ على أنه اسم مفعول، من ذبذبته فهو مُذَبْذَب أي: متحيِّر. وقرأ ابن عباس وعمرو بن فائد بكسر الذال الثانيةِ اسمَ فاعل، وفيه احتمالان، أحدهما: أنه من «ذَبْذَبَ» متعدِّياً فيكونُ مفعولُه محذوفاً أي: مُذَبْذِبين أنفسهم أو دينَهم أو نحوَ ذلك. والثاني: أنه بمعنى تَفَعْلَل نحو: «صَلْصَلَ» فيكون قاصراً، ويَدُلُّ على هذا الثاني قراءةُ أُبَيّ وما في مصحف عبد الله: «مُتَذّبْذِبين» فلذلك يُحْتَمَلُ أن تكونَ قراءةُ ابنِ عباس بمعنى متذبذبين. وقرأ الحسن البصري «مَذَبْذَبِين» بفتح الميم. قال ابن عطية:
صفحة رقم 127
«وهي مردودة» ولَعَمْري لقد صدق، ولا ينبغي أن تَصِحَّ عنه. واعتذر الشيخ عنها لأجل فصاحة الحسن واحتجاج الناس بكلامه بانَّ فتح الميم لأجل إتباعها بحركة الذال قال: «وإذا كانوا قد اتبعوا في» مِنْتِن «حركة الميم بحركة التاء مع الحاجز بينهما، وفي نحو» منحدْر «أتبعوا حركة الدال بحركة الراء حال الرفع مع أنَّ حركةَ الإِعرابِ غيرُ لازمة فَلأَنْ يُتْبعوا في نحو» مَذَبذبين «أولى. وهذا فاسدٌ لأن / الإِتباع في الأمثلة التي أوردها ونظائرها إنما هو إذا كانت الحركةُ قويةً وهي الضمةُ والكسرةُ، وأمَّا الفتحةُ فخفيفةٌ فلم يُتْبِعُوا لأجلها. وقرأ ابن القعقاع بدالين مهملين من الدُّبَّة وهي الطريقة، يقال:» خَلَّني ودُبَّتي «أي: طريقتي قال:
وفي حديث ابن عباس:» اتَّبِعوا دُبَّة قريش «أي: طريقها، فالمعنى على هذه القراءة: أنْ يأخذَ بهم تارةً دُبَّةً وتارة دُبَّةً أخرى، فَيَتْبَعُون متحيِّرين غيرَ ماضين على طريق واحد.١٦٦ - ٨- طَها هُذْرُبانٌ قَلَّ تغميضُ عيِنِه على دُبَّةٍ مثلِ الخَنيفِ المُرَعْبَلِ
ومُذّبْذَب وشبهُه نحو: مُكَبْكَب ومُكَفْكَف مِمَّا ضُعِّف أولُه وثانيه وصَحَّ المعنى بإسقاط ثالثِه فيه مذاهبٌ، أحدُهما: - وهو قولُ جمهورِ البصريين - أنَّ الكلَّ أصولٌ، لأنَّ أقلَّ البنية ثلاثةُ أصولٍ وليس أحدُ المكررين أَوْلى بالزيادةِ من الآخر. الثاني - ويُعْزَى للزجاج - أنَّ ما صَحَّ إسقاطُه زائدةٌ. الثالث: - وهو قول الكوفيين - أن الثالث بدل من تضعيف الثاني، ويزعمون أن أصل كفكف: كَفَّفَ بثلاث فاءات، وذبذب: ذَبَّب بثلاث باءات فاستُثْقِل توالي
ثلاثةِ أمثالٍ فَأَبْدَلوا الثالثَ من جنس الأول، ولهذه المذاهب موضوعٌ غيرُ هذا حَرَّرْتُ مباحثَهم فيه، أمَّا إذا لم يَصِحَّ المعنى بحذفِ الثالث نحو: سِمْسم ويُؤْيؤ ووعْوَع فإنَّ الكلَّ يزعمون أصالةَ الجميعِ. والذبذبة في الأصل: الاضطرابُ والتردُّد بين حالتين.
قال النابغة:
| ١٦٦ - ٩- ألم تَرَ أنَّ اللهَ أَعْطاك سُورةً | تَرَى كُلَّ مَلْكٍ دونَها يَتَذَبْذَبُ |
| ١٦٧ - ٠- خيالٌ لأمِّ السَّلْبيل ودونَها | مسيرةُ شهرٍ للبعيرِ المُذَبْذِبِ |
و «بين» معمولٌ لقوله: «مُذَبْذَبين» و «ذلك» إشارةٌ إلى الكفر والإِيمان المدلولِ عليهما بذكر الكافرين والمؤمنين ونحو:
١٦٧ - ١- صفحة رقم 129
| إذا نُهِي السفيهُ جَرَى إليه | ....................... |
الدر المصون في علوم الكتاب المكنون
أبو العباس، شهاب الدين، أحمد بن يوسف بن عبد الدائم المعروف بالسمين الحلبي
أحمد بن محمد الخراط