ﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔﮕﮖﮗﮘﮙﮚﮛﮜ

ويستكمل الحق وصف الحالة النفسية للمنافقين فيقول :
مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا( ١٤٣ ) .
والشيء المذبذب مثل المعلق في خيط فيأخذه الريح إلى ناحية ليقذفه في ناحية أخرى لأنه غير ثابت، مأخوذ من " المذبة " ومنه جاءت تسمية " الذباب " الذي يذبه الإنسان فيعود مرة أخرى، فمن سلوك الذباب أنه إذا ذب عن مكان لا بد أن يعود إليه.
" مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " فهل هم الذين ذبذبوا أنفسهم أم تلك هي طبيعتهم ؟ ولنتأمل عظمة الحق الذي سوى النفس البشرية ففي الذات الواحدة آمر ومأمور والحق يقول : يا أيها الذين آمنوا قوا أنفسكم وأهليكم نارا ( من الآية٦سورة التحريم ).
أي أن الإنسان يقي نفسه بأن يجعل الآمر يوجه الأمر للمأمور ويجعل المأمور يطيع الآمر ودليل ذلك قول الحق عن قابيل : فطوعت له نفسه قتل أخيه ( من الآية٣٠سورة المائدة ).
أي أن جزءا من الذات هو الذي طوع بقية ذات قابيل لتقتل هابيل، فقد خلق الله النفس البشرية كملكات متعددة، ملكة تحت الأريحية وأخرى تحب الشح، والملكة التي تحب الأريحية إنما تطلب ثناء الناس، والتي تحب الشح إنما تفعل ذلك ليطمئن صاحبها أنه يملك ما يغنيه، وكلتا الملكتين تتصارع في النفس الواحدة، لذلك يقول الحق :" قوا أنفسكم " فالنفس تقي النفس، لأن الملكات فيها متعددة وبعض الملكات تحب تحقيق المتعة والشهوة، لكن هناك ملكة إيمانية تقول : تذكر أن هذه الشهوات عاجلة ولكنها عظيمة المتاعب فيما بعد.
إذن فهناك صراع داخل ملكات الإنسان، ويوضح لنا الحق هذا الصراع في قوله :( فطوعت له نفسه قتل أخيه ).
لأن قابيل أراد أن يقتل هابيل بغريزة الاستعلاء، ونازعته نفسه بالخوف من الإثم لقد دارت المراودة في نفس قابيل إلى أن سيطرت غريزة الاستعلاء فأمرت بالقتل وطوعت بقية النفس، وهذا يكشف لنا أن النفس البشرية فيها ملكات متعددة كل ملكة لها مطلوب والدين هو الذي يقيم التعايش السلمي بين الملكات.
مثال آخر : الغريزة الجنسية تقيم السعار في النفس، فيقوم الوعي الإيماني بردع ذلك بأن تقول النفس الإيمانية : إياك أن تلغ في أعراض الناس حتى لا تلغ الناس في أعراضك، ولماذا لا تذهب وتتزوج كما شرع الله، ولا ترم أبناءك في فراش غيرك، لأن الغريزة مخلوقة لله فلا تجعل سلطان الغريزة يأمر وينهى.
وهكذا نرى أن النفس تضم وتشمل الملكات والغرائز، ولا يصح أن يعدي الإنسان غريزة إلى أمر آخر، لأنه إن عدى الشهوات فسدت الدنيا.
وعلى سبيل المثال نحن نستخدم الكهرباء التي تعطي لنا النور في حدود ما يرسم لنا مهندس الكهرباء، الذي وضع القطب الموجب في مجاله وكذلك القطب السالب، بحيث نأخذ الضوء الذي نريده أو تعطينا شرارة لنستخدمها كقوة لإدارة آلة، لكن لو التقى القطب الموجب بالقطب السالب على غير ما صنع المهندس لحدثت قفلة كهربائية تسبب حريقا أو فسادا، وكذلك النفس البشرية إن التقى الذكر مع الأنثى كما شرع الله فإن البشرية تسعد وإن حدث غير ذلك فالذي يحدث في المجتمع يصير حريقا نفسيا واجتماعيا لا حدود لآثاره الضارة، وهكذا نرى أن النفس ليس فيها دافع واحد بل فيها دوافع متعددة.
ونجد غريزة الجوع تحرك النفس إلى الطعام ويستجيب الدين لذلك لكنه يوصي أن يأكل الإنسان بشرط ألا يتحول تناول الطعام إلى شره، كما جاء في الحديث :" بحسب ابن آدم لقيمات يقمن صلبه " ١.
فالطعام لبقاء النوع والإنسان محب للاستطلاع فيأمر الإسلام الإنسان بأن يستطلع أسباب الله في الكون ليزيد من صلاح الكون، وينهى الإسلام عن استخدام حب الاستطلاع في التجسس على الناس، وهكذا تتوازن الملكات بمنهج الإسلام، وعلى المسلم أن يعايش ملكاته في ضوء منهج الله معايشة سليمة حتى تكون النفس الإنسانية متساندة لا متعاندة لتعيش كل الملكات في سلام ويؤدي كل جهاز مهمته كما أراد الله.
لكن المنافق يحيا مذبذبا وقد صنع ذلك بنفسه، فقد أرخى لبعض ملكاته العنان على حساب ملكات أخرى " مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء " إن الكافر يمتاز عن المنافق ظاهرا بأنه منسجم مع نفسه، هو غير مؤمن بالإسلام ويعلن ذلك ولكنه في حقيقة الأمر يتصارع مع فطرته التي تدعوه إلى الإيمان.
قد يقول قائل : وكيف يتساوى الذي أظهر الإيمان وأبطن الكفر مع الذي أعلن الكفر ؟ ونقول : الكافر لم يخدع الطائفة المؤمنة ولم يقل كالمنافق إنه من الفئة المؤمنة وهو ليس معها، بل يعلن الكافر كفره منسجما مع نفسه، لكن المنافق مذبذب خسيس في وضعه الإنساني والرجولي.
" مذبذبين بين ذلك لا إلى هؤلاء ولا إلى هؤلاء ومن يضلل الله فلن تجد له سبيلا ".
والله لا يضل عبدا بشكل مباشر، فسبحانه يعلم خلقه أولا بالرسل والمنهج، لكنه يضل من يصر على عدم الإيمان لذلك يتركه على ضلاله وعماه، صحيح أن في قدرة الله أن يأخذه إلى الإيمان قهرا، لكنه سبحانه يترك الإنسان لاختياره.
فإذا أقبل الإنسان على الله فسبحانه يعينه على الهداية، أما إن لم يقبل فليذهب إلى تيه الضلال، ويزين الدنيا ويعطيه منها لكنه لم يجد سبيلا فسبيل الله واحد وليس هناك سبيلان.
ونذكر هذه الحكاية لنعرف قيمة سبيل الله كان الأصمعي وهو مؤلف عربي له قيمة كبيرة يملك أذنا أدبية تميل إلى الأساليب الجميلة من الشعر والنثر، ووجد الأصمعي إنسانا يقف أمام باب الملتزم بالكعبة المشرفة، وكان الرجل يدعو الله دعاء حارا " يا رب : أنا عاصيك ولولا أنني عاصيك لما جئت أطلب منك المغفرة، فلا إله إلا أنت، كان يجب أن أخجل من معصيتك ولكن ماذا أفعل ". وأعجب الأصمعي بالدعاء، فقال : يا هذا إن الله يغفر لك لحسن مسألتك.

١ من حديث رواه الترمذي والنسائي وابن ماجه.
.

تفسير الشعراوي

عرض الكتاب
المؤلف

الشعراوي

عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير