ثم ذكر وعيد المنافقين، فقال :
إِنَّ الْمُنَافِقِينَ فِي الدَّرْكِ الأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَن تَجِدَ لَهُمْ نَصِيراً إِلاَّ الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللَّهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ للَّهِ فَأُوْلَئِكَ مَعَ الْمُؤْمِنِينَ وَسَوْفَ يُؤْتِ اللَّهُ الْمُؤْمِنِينَ أَجْراً عَظِيماً مَّا يَفْعَلُ اللَّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنْتُمْ وَكَانَ اللَّهُ شَاكِراً عَلِيماً
قلت : الدَّرَك والدَّرْك لغتان، كالظَّعَن والظَّعْن، والنَّهَر والنَّهْر، والنَّشَر والنَّشْر، وهي الطبقة السفلى، وسميت طبقاتهم دركات ؛ لأنها مُتداركة متتابعة، وهي ضد الدرجات، فالدرجات للعلو، والدركات للسفل.
يقول الحقّ جلّ جلاله : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار أي : في الطبقة السفلى في قَعر جهنم ؛ لأنهم أخبث الكفرة، حيث ضموا إلى الكفر الاستهزاء بالإسلام وخداع المسلمين. قال ابن مسعود رضي الله عنه :( هم في توابيت من النار مقفلة عليهم في النار، مطبقة عليهم ). وعن ابن عمر رضي الله عنه :( إن أشد الناس عذابًا يوم القيامة ثلاثة : المنافقون، وممن كفر من أصحاب المائدة، وآل فرعون لقوله : إن المنافقين في الدرك الأسفل من النار وقال في أصحاب المائدة : فَإِنْي أُعَذِبُهُ عَذَابًا لآ أُعَذِبُهُ أَحَدًا مِّنَ الْعَالمِينَ [ المَائدة : ١١٥ ]. وقال : ادْخِلُوَا آلَ فِرْعَوْنَ أَشَدَ الْعَذَابِ
[ غافر : ٤٦ ]، ولن تجد لهم نصيرًا يمنعهم من ذلك العذاب.
قال بعضهم :[ لا ينبت الإخلاص في القلب ؛ حتى يَسقط من عين الناس، ويُسقط الناسَ من عينه ]. والإخلاص من أعمال القلوب، فلا يطَّلع عليه إلا علآَّم الغيوب، فلا يجوز أن يحكم على أحد بالرياء بمجرد ما يرى عليه من الإظهار، وقد تدخل الرياء مع الإسرار، وتتخلص من القلب مع الإظهار، وفي الحكم :" ربما دخل الرياءُ عليك حيث لا ينظر الخلق إليك ". فإذا تخلص العبد من دقائق الرياء، وأصلح ما بينه وبين الله واعتصم به دون شيء سواه، كان مع المخلصين المقربين ؛ فيكون عمله موفورًا، وسعيه مشكورًا. وبالله التوفيق. طهَّرَ العَينَ بالمَدامِعِ سَكبًا مِن شُهُودِ السَّوى تَزُل كلُّ عِلَّه
وقد تكلم في الإحياء على هذه الآية فقال : إنما كان المنافقون في الدرك الأسفل ؛ لأنهم جحدوا بعد العلم، وإنما تضاعف عذاب العالم في معصيته ؛ لأنه عَصَى عن علم. قلت : وافهم منه قوله صلى الله عليه وسلم في أبي طالب " وَلَولاَ أنَا لَكَانَ فِي الدَّركِ الأسفلَ مِنَ النَّارِ " وذلك لإعراضه مع العلم. وقال في الإحياء أيضًا : شدَّد أمر المنافقين ؛ لأن الكافر كفرَ وأظهَرَ، والمنافق كفر وستر، فكان ستره لكفره كفرًا آخر، لأنه استخف بنظر الله إلى قلبه، وعظَّم أمر المخلوقين. هـ. والحاصل : أن التشديد في الرياء والنفاق ؛ لِمَا في ذلك من تعظيم نظر الخلق على نظر الخالق، فكان أعظمَ من الكفر الصريح. هـ. من الحاشية.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي