ﮱﯓﯔﯕﯖﯗﯘﯙﯚﯛﯜ

وَإِنَّمَا كَانَ الْمُنَافِقُونَ فِي الدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ ; لِأَنَّهُمْ شَرُّ أَهْلِهَا بِمَا جَمَعُوا بَيْنَ الْكُفْرِ وَالنِّفَاقِ وَمُخَادَعَةِ اللهِ وَالْمُؤْمِنِينَ وَغِشِّهِمْ، فَأَرْوَاحُهُمْ أَسْفَلُ الْأَرْوَاحِ وَأَنْفُسُهُمْ أَخَسُّ الْأَنْفُسِ، وَأَكْثَرُ الْكُفَّارِ قَدْ أَفْسَدَ فِطْرَتَهُمُ التَّقْلِيدُ، وَغَلَبَ عَلَيْهِمُ الْجَهْلُ بِحَقِيقَةِ التَّوْحِيدِ، فَهُمْ مَعَ إِيمَانِهِمْ بِاللهِ يُشْرِكُونَ بِهِ غَيْرَهُ، بِاتِّخَاذِهِمْ شُفَعَاءَ عِنْدَهُ، وَوُسَطَاءَ بَيْنَهُمْ وَبَيْنَهُ، قِيَاسًا عَلَى مُعَامَلَةِ مُلُوكِهِمُ الْمُسْتَبِدِّينَ، وَأُمَرَائِهِمُ الظَّالِمِينَ، وَهُمْ لَا يَرْضَوْنَ لِأَنْفُسِهِمُ النِّفَاقَ فِي الدِّينِ وَمُخَادَعَةَ اللهِ وَالْمُؤْمِنِينَ، وَالْإِصْرَارَ عَلَى الْكَذِبِ وَالْغِشِّ، وَمُقَابَلَةِ هَذَا بِوَجْهٍ وَذَاكَ بِوَجْهٍ، فَلَمَّا كَانَ الْمُنَافِقُونَ أَسْفَلَ النَّاسِ أَرْوَاحًا وَعُقُولًا كَانُوا أَجْدَرَ النَّاسِ بِالدَّرْكِ الْأَسْفَلِ مِنَ النَّارِ وَلَنْ تَجِدَ لَهُمْ نَصِيرًا، يُنْقِذُهُمْ مِنْ عَذَابِهَا أَوْ يَرْفَعُهُمْ مِنَ الطَّبَقَةِ السُّفْلَى إِلَى مَا فَوْقَهَا.
إِلَّا الَّذِينَ تَابُوا وَأَصْلَحُوا وَاعْتَصَمُوا بِاللهِ وَأَخْلَصُوا دِينَهُمْ لِلَّهِ، اسْتَثْنَى اللهُ تَعَالَى مِنْ ذَلِكَ الْجَزَاءِ الشَّدِيدِ الَّذِي أَعَدَّهُ لِلْمُنَافِقِينَ مَنْ تَابُوا مِنَ النِّفَاقِ وَالْكُفْرِ بِالنَّدَمِ عَلَى مَا كَانَ مِنْهُمْ مَعَ تَرْكِهِ وَالْعَزْمِ عَلَى عَدَمِ مُقَارَفَتِهِ وَعَزَّزُوا هَذِهِ التَّوْبَةَ بِثَلَاثَةِ أُمُورٍ:
(أَحَدُهَا) : الْإِصْلَاحُ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالِاجْتِهَادِ فِي أَعْمَالِ الْإِيمَانِ الَّتِي تَغْسِلُ مَا تَلَوَّثَتْ بِهِ النَّفْسُ مِنْ أَعْمَاقِ النِّفَاقِ، كَالْتِزَامِ الصِّدْقِ وَالنَّصِيحَةِ لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَلِأَئِمَّةِ الْمُسْلِمِينَ وَعَامَّتِهِمْ، وَالْأَمَانَةِ التَّامَّةِ، وَالْوَفَاءِ، وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ بِالْخُشُوعِ وَالْحُضُورِ، وَمُرَاقَبَةِ اللهِ تَعَالَى وَمَا أَشْبَهَ ذَلِكَ:
(ثَانِيَهَا) : الِاعْتِصَامُ بِاللهِ، وَهُوَ إِنَّمَا يَكُونُ بِالتَّمَسُّكِ بِكِتَابِهِ، تَخَلُّقًا بِأَخْلَاقِهِ وَتَأَدُّبًا بِآدَابِهِ، وَاعْتِبَارًا بِمَوَاعِظِهِ، وَرَجَاءً فِي وَعْدِهِ وَخَوْفًا مِنْ وَعِيدِهِ، وَانْتِهَاءً عَنْ مُنْهِيَاتِهِ، وَائْتِمَارًا بِأَوَامِرِهِ بِحَسَبِ الِاسْتِطَاعَةِ، قَالَ تَعَالَى فِي سُورَةِ
آلِ عِمْرَانَ وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ (٣: ١٠٣)، وَقَالَ فِي سُورَةِ النِّسَاءِ يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بِرِهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلَنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَاعْتَصَمُوا بِهِ فَسَيُدْخِلُهُمْ فِي رَحْمَةٍ مِنْهُ وَفَضْلٍ وَيَهْدِيهِمْ إِلَيْهِ صِرَاطًا مُسْتَقِيمًا (٤: ١٧٤، ١٧٥)، أَيْ: اعْتَصَمُوا بِهَذَا النُّورِ الَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْهِمْ وَهُوَ الْقُرْآنُ الْمَجِيدُ، وَهُوَ حَبْلُ اللهِ فِي الْآيَةِ الْأُخْرَى.
(ثَالِثُهَا) : إِخْلَاصُ الدِّينِ لِلَّهِ عَزَّ وَجَلَّ بِأَنْ يُتَوَجَّهَ إِلَيْهِ وَحْدَهُ فَلَا يُدْعَى مِنْ دُونِهِ أَحَدٌ، وَلَا يُدْعَى مَعَهُ أَحَدٌ، لَا لِكَشْفِ ضُرٍّ وَلَا لِجَلْبِ نَفْعٍ، وَلَا يُتَّخَذُ مِنْ دُونِهِ أَوْلِيَاءُ يُجْعَلُونَ وُسَطَاءَ عِنْدَهُ، بَلْ يَكُونُ كُلُّ مَا يَتَعَلَّقُ بِالدِّينِ وَالْعِبَادَةِ - وَأَعْظَمُهَا وَأَهَمُّ أَرْكَانِهَا الدُّعَاءُ - خَالِصًا لَهُ وَحْدَهُ، لَا تَتَوَجَّهُ فِيهِ النَّفْسُ إِلَى غَيْرِهِ وَلَا يَسْأَلُ اللِّسَانُ سِوَاهُ، وَلَا يُسْتَعَانُ فِيمَا وَرَاءَ الْأَسْبَابِ الْعَامَّةِ بَيْنَ الْبَشَرِ بِمَنْ عَدَاهُ إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ، هَذَا هُوَ أَهَمُّ مَا يُقَالُ فِي إِخْلَاصِ الدِّينِ لِلَّهِ قَالَ تَعَالَى فِي أَوَّلِ سُورَةِ الزُّمَرِ:

صفحة رقم 385

تفسير المنار

عرض الكتاب
المؤلف

محمد رشيد بن علي رضا بن محمد شمس الدين بن محمد بهاء الدين بن منلا علي خليفة القلموني الحسيني

الناشر 1990 م
عدد الأجزاء 1
التصنيف التفسير
اللغة العربية