والاستثناء في قوله : إلا اتباع الظن منقطع ؛ إذ العلم يناقض الظن.
وبقولهم : إن قتلنا المسيح عيسى ابن مريم رسول الله أي بزعمه، ويحتمل أنهم قالوه استهزاء، ونظيره :
إِنَّ رَسُولَكُمُ الَّذِي أُرْسِلَ إِلَيْكُمْ لَمَجْنُونٌ [ الشُّعَرَاء : ٢٧ ]، أو يكون استئنافًا من الله بمدحه، أو وضعًا للذكر الحسن موضع قولهم القبيح. قاله البيضاوي.
ثم رد الله تعالى عليهم فقال : وما قتلوه وما صلبوه ولكن شُبه لهم رُوِي أن رهطًا من اليهود سبوه هو وأمه، فدعا عليهم، فمُسخوا قردة وخنازير، فاجتمعت اليهود على قتله، فقال لهم : يا معشر اليهود، إن الله يبغضكم، فغضبوا وثاروا ليقتلوه، فبعث الله تعالى جبريل فأدخله خُوجة فيها كُوة في سقفها، ورفعه الله إلى السماء من تلك الكوة، فأمر اليهود رجلاً منهم يقال له : طيطانوس، أن يدخل الخوخة ويقتله، فما دخل الخوخة، لم ير عيسى، فألقى الله تعالى شبه عيسى عليه، فلما أبطأ عليهم دخلوا عليه، فطنوه عيسى، فقتلوه وصلبوه.
وقال قتادة : ذكر لنا أن عيسى عليه السلام قال لأصحابه : أيكم يقذف عليه شبهي فيقتل ؟ فقال رجل : أنا يا رسول الله، فقتل ذلك الرجل، ورفع عيسى عليه السلام، وكساه الريش وألبسه النور، وقطع عنه ذلة المطعم والمشرب وصار مع الملائكة، فهو معهم في السماء إنسيًا ملكيًا، أرضيًا سماويًا.
وإن الذين اختلفوا فيه لفي شكٍّ منه فقال بعض اليهود : إن كان هذا عيسى فأين صاحبنا ؟ وإن كان صاحبنا فأين عيسى ؟ ويقال : إن الله تعالى ألقى شبه وجه عيسى على صاحبهم، ولم يلق عليه شبه جسده، فلما قتلوه ونظروا إليه، فقالوا : الوجه وجه عيسى والجسد جسد صاحبنا. ما لهم به من علم إلا اتباع الظن أي : لا علم لهم بقتله، لكن يتبعون الظن فقط. وما قتلوه قتلاً يقينًا كما زعموا بقولهم : إن قتلنا المسيح.
البحر المديد في تفسير القرآن المجيد
أبو العباس أحمد بن محمد بن المهدي بن عجيبة الحسني الأنجري الفاسي الصوفي