ﭰﭱﭲﭳﭴﭵﭶﭷﭸﭹﭺﭻﭼﭽﭾﭿﮀﮁﮂﮃﮄﮅﮆﮇﮈﮉﮊﮋﮌﮍﮎﮏﮐﮑﮒﮓﮔ

منه وأدخل الباء فيه لما تباعدا بينهما، وقيل: هو متعلق بمضمر، كأنه قيل:
سبب هذه الأشياء: (يَسْأَلُكَ أَهْلُ الْكِتَابِ أَنْ تُنَزِّلَ)
والمعنى ارتكابهم - لهذه القبائح أفضى بهم إلى هذا الاقتراح.
قوله تعالى: (وَقَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَمَا قَتَلُوهُ وَمَا صَلَبُوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَإِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينًا (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا (١٥٨)

صفحة رقم 218

إن قيل: كيف حكى عنهم أنهم قالوا قتلنا رسول الله
ولم يقروا بكونه رسولا؟
قيل: هو أن يكون ذلك من جملة الحكاية وذكروه على سبيل التهكم زعما منهم أنه لو كان رسولا لما قدرنا على قتله، ويجوز أن يكون ذلك من قول الله تشريفا له لا حكاية عنهم، كأنه قال أعني رسول الله ونفى قتله وذكر أن ذلك شُبِّه لهم،
واختلفوا في حال عيسى، فقيل: ألقي شبه على رجل فقدر أنه هو فصلب، قالوا: فهذا معنى قوله تعالى: (شُبِّهَ لَهُم) فاعترض على ذلك،
وقيل: ثبت أنهم يدعون صحة ذلك ويقولون أن هذا جائز في الأمور الإلهية، وأن منه النبوة، كيف يصح أن يفعل ذلك فيرى الناس بعيونهم صورة رجل وهو يصلب، ثم يذمهم، حيث قالوا إنه صلب، وهل يلعن الإنسان مع ذلك أن يرى امرأة يقدرها أنها امرأته، فيدنوا منها ثم يعاقبه الله بذلك؟
قيل: إن ذلك شيء يفعله الله فتنة بعد فتنة الحكمة تتعلق به فليس يجب للإنسان أن يظن ذلك في كل وقت، وإنما ذمهم تعالى
بتبجحهم بقتل الأنبياء إلا أن الأمر شبه لهم،
وقال بعضهم: إذا رأى واحداً أو اثنان أو إنسانا من بعيد، وفيه مماثل من عيسى فلما فقدوه من ظنوه إياه، فصار هذا الخبر ماض فيما بينهم فإنه يستند إلى من يصح عليه الخطأ والكذب، وبين

صفحة رقم 219

أن المختلفين فيه يقولون عن تخمين واتباع ظن،
إن قيل: كيف جعل اتباع الظن مستثى من العلم وليس بداخل فيه؟
قيل: حقيقة في كل اعتقاد ظنا كان أو وهما أو تخيلا أو حسا، ألا ترى أن النابغة في صفة الطير:

جَوانِحَ قَدْ أيْقنَّ أنَّ قَبيلهُ ما الْتَقى الجَمْعَان أوَّلُ غَالِب
فاستعمل في الظنون اليقين وهو أشرف العلم، وقد يقول لمن يدعي العلم
وهو لا يعلمه، علمك ظن، فعلى هذين يصح أن يستعمل العلم في الاعتقاد
وإن لم يكن معه سكون النفس، فلما ادعى القوم أنهم علموا قالوا مالهم به من علم فأدخل عليه من، تنبيها على استغراق جنس المعارف التي يحصل منها
الاعتقادات، ثم قال: (إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ) فذكر أضعف وجه يحصل به
الاعتقاد، ولهذا قال تعالى: (إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ) فجعل اتباع الظن سبب للخرص أي الكذب.

صفحة رقم 220

قوله: (وَمَا قَتَلُوهُ يَقِينا) أي ما قتلوا ذلك لاعتقاد من قولهم قتلت كذا علما
أي بحقيقته، كأنه قيل: ما تحققوا معرفة ذلك؟
قيل: أراد به القتل الحقيقي وإنما قال يقينا لأنه يقال فلان فعل كذا ظنا إذا توهم أنه فعله، وفعله يقينا إذا تحقق أنه قد فعله،
وقوله تعالى: (بَل رَّفَعَهُ اللهُ إِليهِ) قيل: معناه رقى بشخصه كما هو إلى السماء، وإليه ذهب - جماعة من أصحاب الحديث،
وقيل معناه: مع ذلك أنه شرف مكانه من بين الأنام كقوله: (وَرَفَعنَاهُ
مَكَانًا عَلِيًّا) وكقول الشاعر:
بلغنا السما حسابنا... لولا السما لحر بالسملة
وقول لآخر:
لَنا بَيْتٌ على عُنُق الثريّا..........

صفحة رقم 221

تفسير الراغب الأصفهاني

عرض الكتاب
المؤلف

أبو القاسم الحسين بن محمد المعروف بالراغب الأصفهانى

تحقيق

هند بنت محمد سردار

الناشر كلية الدعوة وأصول الدين - جامعة أم القرى
سنة النشر 1422
عدد الأجزاء 2
التصنيف التفسير
اللغة العربية