قوله تعالى : لَنْ يَسْتَنْكِفَ الْمَسِيحُ أَنْ يَكُونَ عَبْدًا لِلَّهِ وَلَا الْمَلَائِكَةُ الْمُقَرَّبُونَ وَمَنْ يَسْتَنْكِفْ عَنْ عِبَادَتِهِ وَيَسْتَكْبِرْ فَسَيَحْشُرُهُمْ إِلَيْهِ جَمِيعًا [ سورة النساء، الآية ١٧٢ ].
[ ٢١ ] في المفاضلة بين الملائكة وبين بني آدم.
يرى ابن حزم – رحمه الله – أن الملائكة أفضل الخلق، وأنهم أفضل من الإنسان الفاضل، وأفضل من الأنبياء صلوات الله عليهم، وذلك لوجوه :
١- قول الله عز وجل عن نبيه عليه السلام في قوله تعالى : قل لا أقول لكم عندي خزائن الله ولا أعلم الغيب ولا أقول لكم إني ملك ١، فلو كان الملك أنقص حالة من النبي صلى الله عليه وسلم لما قال هذه المقالة التي إنما قالها النبي صلى الله عليه وسلم متواضعا لا مترافعا.
٢- ومن ذلك أيضا قوله تعالى إذا ذكر محمد صلى الله عليه وسلم، وهو أكرم الرسل والأنبياء وأفضلهم، وذكر جبريل عليه السلام فكان في الثناء عليه في قوله : إنه لقول رسول كريم * ذي قوة عند ذي العرش مكين * مطاع ثم أمين ٢ فهذا صفة جبريل، ثم قال يريد النبي صلى الله عليه وسلم : وما صاحبكم بمجنون ٣، ثم زاد بيانا هنا ولقد رآه بالأفق المبين * وما هو على الغيب بضنين ٤، فعظم الله تعالى في شأن أفضل أنبيائه وأكرم رسله بأن رأى جبريل، وهذا غاية البيان الذي لا ينكره ذو عقل، وقال عز وجل : ولقد رآه نزلة أخرى * عند سدرة المنتهى * عندها جنة المأوى ٥.
٣- أن الناس يتفاضلون بوجهين فقط :
أحدهما : الاختصاص المجرد، وأعظم الاختصاص الرسالة والتعظيم، وقد حصل للملائكة، قال تعالى : جاعل الملائكة رسلا ٦ فهم كلهم رسل الله تعالى ثم اختصهم تعالى بأن ابتدأهم في الجنة وحوالي عرشه، في المكان الذي وعد رسله ومن اتبعهم بأن نهاية كرامتهم تصيرهم إليه، وهو موضع خلق الملائكة ومحلهم بلا نهاية مذ خلقوا، وذكرهم عز وجل في غير موضع من كتابه فأثنى عليهم جميعا، ووصفهم بأنهم لا يفترون، ولا يسأمون، ولا يعصون الله، قال تعالى : بل عباد مكرمون * لا يسبقونه بالقول وهم بأمر يعملون ٧ وقال لا يعصون الله ما أمرهم ويفعلون ما يؤمرون ٨.
والوجه الثاني من أوجه التفضيل : هو تفاضل العاملين بتفاضل منازلهم في أعمال الطاعة والعصمة من المعاصي والدنيات، وقد نص الله تعالى على أن الملائكة لا يفترون عن الطاعة ولا يسأمون منها، ولا يعصون البتة في شيء أمروا به، فقد صح أن الله عز وجل عصمهم من الطبائع الناقصة الداعية إلى الفتور والكسل، كالطعام والتغوط وشهوة الجماع والنوم، فصح يقينا أنهم أفضل من الرسل الذي لم يعصموا من الفتور والكسل ودواعيهما.
٤- أن الله تعالى نص على أن آدم عليه السلام إنما أكل من الشجرة ليكون ملكا أو ليخلد، كما قص تعالى علينا إذ يقول عز وجل : ما نهاكما ربكما عن هذه الشجرة إلا أن تكونا ملكين أو تكونا من الخالدين ٩.
قال أبو محمد : بيقين ندري أن آدم عليه السلام لولا تيقنه بأن الملائكة أفضل منه، وطمعه بأن يصير ملكا لما قبل من إبليس ما غره به من أكل الشجرة التي نهاه الله عز وجل عنها، ولو علم آدم أن الملك مثله أو دونه، لما حمل نفسه على مخالفة أمر الله تعالى ليسقط عن منزلته الرفيعة إلى الدون، وهذا ما لا يظنه ذو عقل أصلا.
٥- وقال الله عز وجل : لن يستنكف المسيح أن يكون عبد الله ولا الملائكة المقربون ١٠ فقوله عز وجل بعد ذكر المسيح ولا الملائكة المقربون بلوغ للغابة في علو درجتهم على المسيح عليه السلام.
٦- أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أخبر بأن الله تعالى خلق الملائكة من نور وخلق الإنسان من طين وخلق الجن من نار١١.
قال أبو محمد : ولا يجهل فضل النور على الطين وعلى النار أحد، إلا من لم يجعل الله له نورا ومن لم يجعل الله له نورا فما له من نور ١٢، وقد صح أن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه أن يجعل في قلبه نورا١٣، فالملائكة جوهر دعا أفضل البشر ربه تعالى في أن يجعل في قلبه منه.
٧- وقال عز وجل : ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر إلى قوله وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا ١٤، فإنما فضل الله تعالى بنص كلامه عز وجل، بني آدم على كثير ممن خلق لا على كل من خلق، وبلا شك أن بني آدم مفضلون على الجن وعلى جميع الحيوان الصامت وعلى ما ليس حيوانا، فلم يبق خلق يستثنى من تفضيل الله تعالى بني آدم إلا الملائكة١٥.
٢ سورة التكوير، من الآية (١٩-٢١)..
٣ سورة التكوير، من الآية (٢٢)..
٤ سورة التكوير، من الآية (٢٣، ٢٤)..
٥ سورة النجم، الآيات (١٣، ١٤، ١٥)..
٦ سورة فاطر، من الآية (١)..
٧ سورة الأنبياء، من الآية (٢٦، ٢٧)..
٨ سورة التحريم، من الآية (٦)..
٩ سورة الأعراف، من الآية (٢٠)..
١٠ سورة النساء، من الآية (١٧٢)..
١١ يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الزهد، باب في أحاديث متفرقة، حديث ٦٠/٢٩٩٦، عن عائشة – رضي الله عنها – قالت: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: "خلقت الملائكة، من نور، وخلق الجان من مارج من نار، وخلق آدم مما وصف لكم"..
١٢ سورة النور، من الآية (٤٠)..
١٣ يشير إلى الحديث الذي أخرجه مسلم في صحيحه، في كتاب الصلاة، باب الدعاء في صلاة الليل وقيامه، حديث ١٨٧/٧٦٣ عن ابن عباس – رضي الله عنه – وفيه، فجعل يقول في صلاته أو في سجوده: اللهم اجعل في قلبي نورا، وفي سمعي نورا، وفي بصري نورا، وعن يميني نورا، وعن شمالي نورا، وأمامي نورا، وخلفي نورا، وفوقي نورا، وتحتي نورا، واجعل لي نورا، أو قال واجعلني نورا..
١٤ سورة الإسراء، الآية (٧٠)..
١٥ الأصول والفروع ص ١٠١ – ١٠٩، وانظر: الفصل (٣/١٩١-١٩٨)، المحلى (١/٩٦)، الدرة ص ٢٢٢، ٢٢٦، علم الكلام على مذهب أهل السنة والجماعة ص ٤١..
آراء ابن حزم الظاهري في التفسير
أبو محمد علي بن أحمد بن سعيد بن حزم الأندلسي القرطبي الظاهري